النص المفهرس
صفحات 341-360
٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث وَلَوْ بِضَفِيرٍ)). أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٦٦ - باب بيع العبد الزاني. ومسلم في: ٢٩ - كتاب الحدود، ٦ - باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، حديث ٣٣. التمسك بأمته الزانية، أما من أراد بيعها من أول مرة فله ذلك، انتهى، قال الباجي(١): سئل عيسى بن دينار هل تباع ببلدها ذلك أو تُغَرَّب؟ فقال: يبيعها بذلك البلد أو حیث شاء قال: وکان یستحب بيعها بعد ثلاث ولا يوجبه، انتھی . قال النووي(٢): وهذا البيع المأمور به مستحب ليس بواجب عندنا، وعند الجمهور، وقال داود وأهل الظاهر: هو واجب، وقال الحافظ في ((الفتح))(٣): الأمر بالبيع مندوب عند الجمهور خلافاً لأبي ثور وأهل الظاهر، وادّعى بعض الشافعية أن سبب صرف الأمر عن الوجوب أنه منسوخ، وممن حكاه ابن الرفعة ويحتاج إلى ثبوت، وقال ابن بطال: حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحض على مباعدة من تكرّر منه الزنا، لئلا يظن بالسيد الرضاء بذلك، ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا، قال: وحمله بعضهم على الوجوب، ولا سلف له من الأمة فلا يستقلُّ به، وقد ثبت النهي عن إضاعة المال، فكيف يجب بيع الأمة ذات القيمة بحبل من شعر لا قيمة له، فدل على أن المراد الزجر عن معاشرة من تکرر منه ذلك، انتھی. ومال ابن حزم في ((المحلى)) إلى أن الأمر بالبيع بعد الثالثة مندوب، وبعد الرابعة فرض يجبره السلطان على بيعها أحبّ أم كره، انتهى. (ولو بضفير) بضاد معجمة وفاء، فعيل بمعنى مفعول أي حبل مضفور، (١) ((المنتقى)) (١٤٥/٧). (٢) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢١٢/١١). (٣) ((فتح الباري)) (١٢/ ١٦٤). ٣٤١ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث ووقع في رواية المقبري ((ولو بحبل من شعر)) وأصل الضفر نسج الشعر، وإدخال بعضه في بعض، ومنه ضفائر شعر الرأس، وقيل: لا يكون مضفوراً إلا أن يكون من ثلاث، وقيل: شرطه أن يكون عريضاً، وفيه نظر، كذا في ((الفتح))(١). وفيه أيضاً استدل به على جواز بيع المطلق والتصرف في ماله بدون قيمة، ولو كان بما يتغابن بمثله إلا أن قوله: ((ولو بحبل من شعر)) لا يراد به ظاهره، وإنما ذكر للمبالغة كما وقع في حديث ((من بنى الله مسجداً ولو كمفحص قطاة)» على أحد الأجوبة، لأن قدر المفحص لا يسع أن يكون مسجداً حقيقة، ويحتمل أن يطرد لأن عيب الزنا تنقص به القيمة عند كل أحد، فيكون بيعها بالنقصان بيعاً بثمن المثل، نَّه عليه القاضي عياض ومن تبعه. وقال ابن العربي: المراد من الحديث الإسراع بالبيع وإمضائه، ولا يتربص به طلب الراغب في الزيادة، وليس المراد بيعه بقيمة الحبل حقيقة، انتھی . وقال الزرقاني(٢): مبالغة في التنفير عنها، والحض على مباعدة الزانية، لما فيه من الاطلاع على المنكر، والعون على الخبث، قالت أم سلمة: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: ((نعم إذا كثر الخبث)) وفسره العلماء بأولاد الزنا، قاله ابن عبد البر، انتهى. قال الحافظ(٣): استشكل الأمر ببيع الرقيق مع أن كل مؤمن مأمور أن يرى لأخيه ما يرى لنفسه، ومن لازم البيع أن يوافق أخاه المؤمن على أن يقتني ما لا يرضى اقتناءه لنفسه، وأجيب بأن السبب الذي باعه لأجله ليس محقق (١) ((فتح الباري)) (١٦٤/١٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٤٩/٤). (٣) ((فتح الباري)) (١٢/ ١٦٤). ٣٤٢ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي أَبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. الوقوع عند المشتري، لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنه متى عاد أخرج، فإن الإخراج من الوطن المألوف شاقٍّ، ولجواز أن يقع العفاف عند المشتري بنفسه أو بغيره، قال ابن العربي: يرجى عند تبديل المحل تبديل الحال، ومن المعلوم أن للمجاورة تأثيراً في الطاعة وفي المعصية، انتهى. وأفاد الشيخ في ((الكوكب الدري(١) على جامع الترمذي)): ليس من ضرورته إخفاء العيب عن المشتري حتى يلزم المكروه، بل في لفظ ((الضفير)) إشارة إليه، فإن تقليل ثمنها إنما هو لأجل ما ظهر من عيبها عند المشتري، نعم يمكن أن يتوهم أن البيع ماذا يفيد فيها، فإن الزنا لما كان عادةً لها كانت عند المشتري مثلها عند البائع مع ما لزم للبائع من المخالفة الظاهرة، بقوله وَ لآت : ((وأن تكره لأخيك ما تكره لنفسك))، والجواب أن لتبدل الأيدي أثراً في تنقل الأحوال. لا سيما في أمثال تلك الخصال، فكم من امرأة هي منقادة لفحول الرجال. ومخالفة الرواية مقيدة بما إذا لم يرتضيه الآخر، وأما فيما نحن فيه فقد رضی المشتري لنفسه بما لم يرض به البائع لنفسه، انتهى. وأجاب عنه ابنُ المنير بأن المباعدة إنما توجهت على البائع، لأنه الذي لدغ فيها مرة بعد أخرى، ولا يلدغ المؤمن من جُحر واحد مرتين، ولا كذلك المشتري، فإنه لم يُجَرب منها سوءاً، فليست وظيفته في المباعدة كالبائع، وقال الزرقاني(٢): ولعلها أن تستعفّ عند المشتري بأن يزوجها أو يعفّها بنفسه أو يصونها بهيبته أو بالإحسان إليها، اهـ. (قال مالك: قال ابن شهاب) الزهري الراوي: (لا أدري أبعد) بهمزة الاستفهام يعني لا أدري هل أمر النبي وَله ببيعها بعد الزنية (الثالثة أو الرابعة) (١) (٣٧٨/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٤٩/٤). ٣٤٣ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: وَالضَّفِيرُ الْحَبْلُ. قال الحافظ(١): لم يختلف في رواية مالك في هذا، وكذا في رواية صالح بن كيسان وابن عيينة وغيرهم، وأدرجه في رواية يحيى بن سعيد عند النسائي، ولفظه: ((ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير، بعد الثالثة أو الرابعة))، ولم يقل: قال ابن شهاب، وعن قتيبة عن مالك كذلك، والصواب التفصيل . وأما الشك في الثالثة أو الرابعة، فوقع في حديث أبي صالح عن أبي هريرة عند الترمذي ((فليجلدها ثلاثاً)) فإن عادت فليبعها، ونحوه في مرسل عكرمة عند أبي قرة بلفظ ((وإذا زنت الرابعة فبيعوها)) ووقع في رواية أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عند البخاري ((ثم إن زنت الثالثة، فليبعها)) قال البخاري: تابعه إسماعيل بن أبي أمية، قال الحافظ: يريد في المتن لا في السند، ووصلها النسائي. ومحصل الاختلاف هل يجلدها في الرابعة قبل البيع أو يبيعها بلا جلد؟ والراجح الأول، ويكون سكوت من سكت عنه للعلم بأن الجلد لا يترك، ولا يقوم البيع مقامه، ويمكن الجمع بأن البيع يقع بعد المرة الثالثة في الجلد، لأنه المحقق، فيلغى الشك، والاعتماد على الثلاث في كثير من الأمور المشروعة، انتهى مختصراً. (قال مالك: والضفير الحبل) هكذا في جميع نسخ ((الموطأ)) من الهندية والمصرية الدالة على أن التفسير من قول مالك في رواية البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك بلفظ ((بيعوها ولو بضفير)). قال الحافظ(٢): زاد يونس وابن أخي الزهري والزبيدي ويحيى بن سعيد (١) ((فتح الباري)) (١٢/ ١٦٣). (٢) ((فتح الباري)) (١٢/ ١٦٣). ٣٤٤ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٧) حديث ١٥/١٥٣٧ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْداً كانَ يَقُومُ عَلَى رَقِيقِ الْخُمُسِ. وَأَنَّهُ اسْتَكْرَهَ جَارِيَةً مِنْ ذُلِكَ الرَّقِيقِ. فَوَقَعَ بِهَا. فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَنَفَاهُ. كلهم عن الزهري عند النسائي: والضفير الحبل، وهكذا أخرجه عن قتيبة عن مالك، وقوله: ((الضفير الحبل))، مدرجٌ في هذا الحديث من قول الزهري على ما بيِّن في رواية القعنبي عن مالك عند مسلم وأبي داود، فقال في آخره: قال ابن شهاب: والضفير الحبل. وكذلك ذكره الدارقطني في ((الموطات)) منسوباً لجميع من روى ((الموطأ)) إلا ابن مهدي، فإن ظاهر سياقه أنه أدرجه أيضاً، ومنهم من لم يذكر ((الضفير الحبل)) كما في رواية الباب، انتهى، أي عند البخاري، وفي رواية المقبري عن أبي هريرة عند البخاري ((ولو بحبل من شعر)) قال صاحب ((المحلى)): قيده بالشعر لأنه الأكثر في حبالهم، انتهى. ١٥/١٥٣٧ - (مالك عن نافع) منقطع في ((الموطأ)» ووصله البخاري تعليقاً فقال: قال الليث: حدثني نافع أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته أن عبداً من رقيق الإمارة وقع على وليدة من الخمس، فاستكرهها حتى اقتضبها، فجلده عمر الحدَّ، ونفاه، ولم يجلد الوليدة من أجل أنه استكرهها (أن عبداً) لم يسم (كان يقوم على رقيق الخمس) بضمتين وسكون الميم لغة (وأنه استكره) بسين التأكيد أي أكره (جارية من تلك الرقيق) وفي النسخ المصرية ((من ذلك الرقيق)) والإشارة إلى رقيق الخمس. ولفظ البخاري ((وقع على وليدة من الخمس فاستكرهها)) قال الحافظ: لم أقف على اسم واحد منهما (فوقع بها) أي زنى بها (فجلده عمر بن الخطاب) خمسين جلدة، فإنه حد العبيد، سواء كانوا بكراً أو ثيباً عند الجمهور، منهم الأئمة الأربعة خلافاً لبعض الصحابة، والظاهرية كما تقدم في أول الباب. (ونفاه) أي غرَّبه نصف سنة، لأن حده نصف حد الحر، ويستفاد منه أن ٣٤٥ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٧) حديث وَلَمْ يَجْلِدِ الْوَلِيدَةَ. لَأَنَّهُ اسْتَكْرَهَهَا . عمر - رضي الله عنه - كان يرى أن الرقيق ينفى كالحر، كذا في ((الفتح)). قال الزرقاني(١): لم يأخذ به مالك، قلت: لما تقدم في آخر الباب السابق، أن لا تغريب على العبيد عند مالك وأحمد خلافاً للثوري وغيره، وعن الشافعي قولان کالمذهبین. قال الباجي(٢): قوله: ((نفاه)) يحتمل أنه رأى في ذلك رأي من يرى النفي على العبيد بالزنا، وهو أحد قولي الشافعي، ويحتمل أن يكون نفاه لما اقترف من الزنا، ومن الاستكراه، ولا تغريب على عبد عند مالك في شيء من ذلك، ويحتمل أن يريد بنفاه أن يباع بغير أرضها، وقد روى ابن المواز عن ربيعة في العبد يستكره الحرة يحدّ، ويباع بغير أرضها لتبعد عنها معرّتُه، انتهى. (ولم يجلد الوليدة لأنه استكرهها) قال الباجي: يحتمل أن تقوم البينة بالاستكراه لها، أو تأتي متعلقة به تدمى، أما لو ظهر بها حمل ولا زوج لها ولا سيد يقرّ بوطئها، فقالت: استكرهت، فإنه لا يقبل قولها وتجلد، انتهى. قلت: هذا مبنيٌّ على ما تقدم من الخلاف في أن مجرد الحمل موجب للحد أم لا؟ أما المستكرهة فلا حد عليها . قال الموفق(٣): لا حد على مكرهة في قول عامة أهل العلم، رُوي ذلك عن عمر - رضي الله عنه - والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفاً، وذلك لقول رسول الله وَ له: ((عُفِي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه))، وعن عبد الجبار بن وائل عن أبيه أن امرأة استُكِرْهَتْ على عهد رسول الله وَ ل قدرأ عنها الحد، رواه الأثرم، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٩/٤). (٢) ((المنتقى)) (١٤٥/٧). (٣) («المغني)) (٣٤٧/١٢). ٣٤٦ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٨) حديث ١٦/١٥٣٨ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ .... الْمَخْزُومِيَّ قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشِ، وعزا الحافظ حديث وائل إلى ابن أبي شيبة، وقال: سنده ضعيف، قلت: وما أدري لِمَ لم يعزوه إلى كتب الصحاح، فإن الحديث أخرجه الترمذي،(١) ثم قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بمتصل، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، سمعت محمداً يقول: عبد الجبار لم يسمع من أبيه، ولا أدركه، يقال: إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي وَ لّ وغيرهم أن ليس على المستكره حد، انتهى. ١٦/١٥٣٨ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن سليمان بن يسار) الهلالي أحد الأعلام (أخبره أن عبد الله بن عياش) بشد المثناة التحتية والشين المعجمة (ابن أبي ربيعة المخزومي) بالخاء والزاي، فما في بعض النسخ الهندية بالجيم تحريفٌ من الناسخ، الصحابي ابن الصحابي (قال: أمرني عمر بن الخطاب) في زمان خلافته حال كوني (في فتية) بكسر الفاء وسكون المثناة الفوقية جمع قلة لفتى أي في جماعة شاب أحداث (من قريش). قال الباجي(٢): وفي ((المدنية)): سألته عن أمره للجماعة أَلْيَكُوْنُوا طائفةً أم لِيَلُوا ضربهم؟ فقال: بل هم الذين جلدوهم، وكانوا أيضاً مع ذلك طائفة، وقد حكى القاضي أبو محمد يستحب للإمام إحضار طائفة من المؤمنين لإقامة الحد، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٣)، والطائفة المستحبة في ذلك أربعة فصاعداً، وحكي عن (١) ((سنن الترمذي)) (١٤٥٣). (٢) ((المنتقى)) (١٤٦/٧). (٣) سورة النور: الآية ٢. ٣٤٧ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٨) حديث عطاء وغيره ثلاثاً، وقيل: اثنان، والدليل على ما نقوله أن للأربعة اختصاصاً بالزنا، فكان ذلك أولى ما سُنَّ فيه، وقال الشيخ أبو القاسم: ينبغي للإمام أن يحضر أربعة فصاعداً من الأحرار العدول، وكذلك في عبده وأمته، انتهى. قال الرازي في ((التفسير الكبير)): قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾، الآية أمر، وظاهره الوجوب، لكن الفقهاء قالوا: يستحب حضور الجمع، والمقصود إعلان إقامة الحد لما فيه من الردع، ولما فيه من رفع التهمة عمن يجلد، وقيل: أراد بالطائفة الشهود، لأنه يجب حضورهم ليعلم بقاؤهم على الشهادة، انتھی. وقال الموفق(١): يجب أن يحضر الحدَّ طائفةٌ من المؤمنين، قال أصحابنا: الطائفة واحد فما فوقه، وهذا قول ابن عباس ومجاهد، والظاهر أنهم أرادوا واحداً مع الذي يقيم الحد، لأن الذي يقيم الحدَّ حاصلٌ ضرورةً، فيتعين صرف الأمر إلى غيره، وقال عطاء وإسحاق: اثنان، فإن أراد به واحداً مع الذي يقيم الحد، فهو مثل القول الأول، وإن أراد اثنين غيره، فوجهه أن الطائفة اسم لما زاد على الواحد، وأقله اثنان، وقال الزهري: ثلاثة، لأن الطائفة جماعة، وأقل الجمع ثلاثة، وقال مالك: أربعة، لأنه العدد الذي يثبت به الزنا، وللشافعي قولان كقول الزهري ومالك، وقال ربيعة: خمسة، وقال الحسن: عشرة، وقال قتادة: نفر، انتهى. وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢) بعد ذكر بعض هذه الأقوال: قال أبو بكر يشبه أن المعنى في حضور الطائفة ما قاله قتادة أنه عظة وعبرة لهم، (١) («المغني)) (٣٢٥/١٢). (٢) (٢٦٤/٣). ٣٤٨ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٨) حديث فَجَلَدْنَا وَلَائِدَ مِنْ وَلَائِدِ الإِمَارَةِ. خَمْسِينَ خَمْسِينَ. فِي الزِّنَا. فيكون زجراً له عن العود إلى مثله، وردعاً لغيره عن إتيان مثله، والأولى أن تكون الطائفة جماعة يستفيض الخبربها، ويشيع، فيرتدع الناس عن مثله، لأن الحدود موضوعة للزجر والردع، وبالله التوفيق، انتهى. (فجلدنا ولائد) جمع وليدة (من ولائد الإمارة). قال الباجي(١): يحتمل أن يكون عبد الله بن عياش قد شاهد إقرار الولائد بالزنا أو قيام البينة عليهن بذلك، ويحتمل أن يكون عمر - رضي الله عنه - أمرهم بذلك دون أن يعرفوا وجه الحد عليهن، وفي ((المدنية)): سألته فيمن أمره إمام بقتل رجل في حد أو بجلده، فقال: إن كان الإمام عدلاً مأموناً لا يخاف عليه جور، ولا جهل، فليفعل ما أمره به، وإن كان يخاف عليه جهلاً أو جوراً فلا يمتثل أمره إلا أن يعرف أن الذي أمره به الإمام قد وجب عليه فليمتثل أمره، انتهى. قال ابن عابدين(٢): إن الحاكم إذا ثبت عنده الحدُّ بالبينة أو الإقرار، وأمر الناس بالرجم، لهم أن يرجموا، وإن لم يحضروا مجلس الحكم، ولم يعاينوا الحجة، وقيل: لا لفساد الزمان، قال في الغرر: والأحسن التفصيل بأن القاضي إذا كان عالماً عادلاً وجب ائتماره بلا تفحص، وإن كان عادلاً جاهلاً سئل عن كيفية قضائه، فإذا أُخبر بما يوافق الشرع يؤتمر قوله، وإن كان ظالماً لا يُقْبَل قوله، عالماً كان أو جاهلاً، انتهى. (خمسين خمسين) جلدة كل واحدة منهن (في الزنا) أي في حد الزنا، وتقدم قريباً في أول الباب أن ذلك حد الزنا في العبيد والإماء عند الجمهور منهم الأئمة الأربعة. (١) ((المنتقى)) (١٤٦/٧). (٢) ((رد المحتار)) (١٧٤/٤). ٣٤٩ ٤٣ - كتاب الحدود (٤) باب (٤) باب ما جاء في المغتصبة قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمَرْأَةِ تُوجَدُ حَامِلاً وَلَا زَوْجَ لَهَا. فَتَقُولُ: قَدِ اسْتُكْرِهْتُ. أَوْ تَقُولُ: تَزَوَّجْتُ. إِنَّ ذُلِكَ لَا يُقْبَلُ مِنْهَا وَإِنَّهَا يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ. إِلَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَلَى مَا ادَّعَتْ مِنَ النِّكَاحِ بَيِّنَةٌ. أَوْ عَلَى أَنَّهَا اسْتُكْرِهَتْ. قال الزرقاني(١): هكذا رواه ابن جريج وابن عيينة وغيرهما عن يحيى بن سعيد، وروى معمر عن الزهري أن عمر بن الخطاب جلد ولائد من الْخُمْسِ أبكاراً في الزنا، قال أبو عمر: هذا كله أصح وأثبت مما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه سئل عن الأمة كم حدُّها؟ فقال: أَلْقَتْ فروتها وراء الدار، وأراد بالفروة القناع أي ليس عليها قناع ولا حجاب لخروجها إلى كل موضع، يرسلها إليه لا تقدر على الامتناع منه، فلذا لا تكاد تقدر على الامتناع من الفجور، فلا حدَّ عليها، وإنما عليها الأدب، وتُجْلَدُ دون الحدِّ، وهكذا قال طائفة: لا حَدَّ على الأمة حتى تنكح، انتهى. (٤) ما جاء في المغتصبة ببناء المجهول أي المرأة التي غصبها أحدٌ فزنى بها . (قال مالك: الأمر عندنا في المرأة) التي (توجد حاملاً و) الحال أنها (لا زوج لها، فتقول) المرأة: إني (قد استكرهت) ببناء المجهول أي أكرهت على الزنا. (أو) تقول مثلاً: قد (تزوجت) ولا يعلم هذا النكاح، فقال مالك في الصورة المذكورة: (إن ذلك) الذي ادّعته من الإكراه أو التزوج (لا يقبل منها) ببناء المجهول أي لا يقبل هذا القول بمجرد دعواها، (وإنها) أي المرأة المذكورة الحاملة (يقام عليها الحدُّ إلا أن يكون لها على ما ادّعت من النكاح بينة) يثبت بها النكاح (أو) يكون (على) قولها (أنها استُكْرِهَتْ) بينةٌ أو قرينةٌ واضحة. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٥٠/٤). ٣٥٠ ٤٣ - كتاب الحدود (٤) باب أَوْ جَاءَتْ تَدْمَى، إِنْ كَانَتْ بِكْراً. أَوِ اسْتَغَاثَتْ حَتَّى أُتِيَتْ وَهْيَ عَلَى ذُلِكَ الْحَالِ. أَوْ مَا أَشْبَهَ هُذَا. مِنَ الأَمْرِ الَّذِي تَبْلُغُ فِيهِ فَضِيحَةً نَفْسِهَا. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ. وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا مَا ادَّعَتْ مِنْ ذُلِكَ. ثم ذكر بعض القرائن بقوله: (أو جاءت) المرأة المذكورة، والحال أنها (تَدْمَى) بفتح الميم أي يخرج منها الدم (إن كانت بكراً) عند الإكراه (أو استغاثت) عند الإكراه (حتى أتيَتْ) ببناء المجهول أي أتاها من يغيئها (وهي على ذلك الحال) أي تصيح حال الوطء بالزنا (أو ما أشبه هذا) الذي ذكر من القرائن (من الأمر الذي تبلغ) المرأة (فيه فضيحة نفسها) بالنصب على المفعولية، والسياق هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية. قال الزرقاني(١): وفي نسخة ((لا تبلغ))، وهي صحيحة أيضاً، بتقدير لا تبلغ ذلك إلا من عِظَم مَادَهَاهَا، فإن التي تكون راضية بالزنا لا تفضح نفسها بالصيحة . (قال) مالك: (فإن لم تأت) المرأة المذكورة (بشيء من هذا) الذي ذكر من القرائن (أقيم عليها الحد، ولم يقبل) ببناء المجهول (منها ما ادّعت من ذلك) أي النكاح أو الإكراه بمجرد قولها، بدون بينَةٍ على النكاح أو قرينة على الإكراه، وتقدم في ذيل حديث عمر - رضي الله عنه - أن المرأة إذا وجدت حاملاً ولا زوج لها ولا سيد لم يلزمها الحدُّ بذلك، وتسأل، فإن ادّعت أنها أكرهت أو وطئت بشبهة لم تحدّ عند الأئمة الثلاثة خلافاً للإمام مالك، إذ قال: عليها الحدُّ إذا كانت مقيمة غير غريبة إلا أن تظهر أمارات الإكراه بأن تأتي مستغيثة أو صارخة. (١) (شرح الزرقاني)) (١٥٠/٤). ٣٥١ ٤٣ - كتاب الحدود (٤) باب قَالَ مَالِكٌ: وَالْمُغْتَصَبَةُ لَا تَنْكِجُ حَتَّى تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ. قَالَ: فَإِنِ ارْتَابَتْ مِنْ حَيْضَتِهَا، فَلَا تَنْكِحُ حَتَّى تَسْتَبْرِئَّ نَفْسَهَا مِنْ تِلْكَ الرَِّةِ. قال الدردير(١): ولم يقبل دعوى من ظهر بها الحمل الغصب بلا قرينة تصدقها، فَتُحَدّ، وأما مع قرينة تصدقها فيقبل دعواها، ولا تحد كتعلقها بالمدَّعى عليه، على ما مرّ عند قوله: وإن ادّعت استكراهاً على غير لائق بلا تعلق حُدَّتْ له، وأولى إن شهدت لها بينة بالإكراه، قال الدسوقي: المراد بالتعلق أن تأتي مستغيثةً منه أو تأتي البكر تَدْمَى عقب الوطء وإن لم تستغث، وتقول: أكرهني فلان، انتهى. وما أشار إليه بقوله: على ما مرّ، هو المذكور في ((باب الغصب))، وذكر فيه أن المراد بغير اللائق به من كان ظاهره الصلاح. (قال مالك: والمغتصبة) ببناء المجهول (لا تنكح) ببناء المجهول أو المعروف (حتى تستبرئ نفسها بثلاث حيض) قال الزرقاني: إن كانت حرة لأن استبراءها كعدتها، وقال الباجي(٢): يريد الحرة، وكذلك المرأة يأسرها العدو، فأما الأمة فإن حيضة واحدة تُبَرِّئها إلا أن ترتاب، انتهى. (فإن ارتابت) المغتصبة (من حيضتها) بارتفاعها (فلا تنكح) أيضاً (حتى تستبرئ نفسها من تلك الريبة) قال الزرقاني: بزوالها، انتهى. قال الدردير(٣): يجب الاستبراء لجارية وإن صغيرة أطاقت الوطء، لا إن لم تقطه كبنت ثمان أو كبيرة لا تحملان عادة، كبنت تسع سنين وبنت سبعين، (١) ((الشرح الكبير)) (٣١٩/٤). (٢) ((المنتقى)) (١٤٦/١). (٣) ((الشرح الكبير)) (٤٩٠/٢). ٣٥٢ ٤٣ - كتاب الحدود (٥) باب (٥) باب الحد في القذف والنفي والتعريض فيجب استبراء كلٍّ بثلاثة أشهر، أو رجعت لسيدها من غصب أو من سبي بحيضة ممن يمكن حيضها، قال الدسوقي: قوله: إذا سبى العدوُ أمة أو حرة لم توطأ الحرة إلا بعد ثلاث حيض، والأمة إلا بعد حيضة، ولا يُصَدَّقْنَ في نفي الوطء، انتهى. وقال الموفق(١): الموطوءة بشبهة تعتدُّ عدة المطلقة، وكذلك الموطؤة في نكاح فاسد، وبهذا قال الشافعي، لأن الوطء في الشبهة وفي النكاح الفاسد في شَغْل الرحم ولحوق النسب، كالوطء في النكاح الصحيح. ثم قال: والمزنيُّ بها كالموطوءة بشبهة في العدة، وبهذا قال الحسن والنخعي، وعن أحمد رواية أخرى أنها تستبرأ بحيضة، وهذا قول مالك، وروي عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - لا عدة عليها، وهو قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، لأن العدة لحفظ النسب، ولا يلحقه نسب، وقد روي عن علي - رضي الله عنه - ما يدل على ذلك، انتهى. وعُلِمَ مما ذكر من كلام الدسوقي وغيره أن ما حكى الموفق من مذهب مالك هو في الأمة، وفي الحرة قوله مثل القول المشهور للإمام أحمد، وفي ((الهداية)): لا يجب الاستبراء إذا رجعت الآبقة، أو رُدَّتِ المغصوبة، أو المؤاجرة لانعدام السبب، وهو استحداث الملك واليد، وهو سبب متعين أي لوجوب الاستبراء، فأدير الحكم عليه وجوداً وعدماً، انتهى بزيادة. (٥) الحد كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية بدلها ((ما جاء)). (١) «المغني)) (١٩٦/١١). ٣٥٣ ٤٣ - كتاب الحدود (٥) باب في القذف هو في اللغة الرمي، وفي الشرع نسبةُ مَنْ أحصن إلى الزنا صريحاً أو دلالةً، كذا في ((العناية))، وقال الموفق(١): القذف هو الرمي بالزنا، هو محرم بإجماع الأمة، والأصل في تحريمه الكتاب والسنة، أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَلَّذِيْنَ بَرِّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ ثُهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾(٢) الآية، وأما السنة فقول النبي ◌ّ﴾: ((اجتنبوا السبع الموبقات))، وعدَّ فيها ((قذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) متفق عليه(٣)، والمحصنات ههنا العفائف. وأجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف المحصن إذا كان مكلفاً، وشرائط الإحصان الذي يجب الحد بقذف صاحبه خمسةٌ، العقل، والحرية، والإسلام، والعِفَّة عن الزنا، وأن يكون كبيراً يجامع مثله، وبه يقول جماعة العلماء قديماً وحديثاً، سوى ما رُوي عن داود أنه أوجب الحد على قاذف العبد، وعن ابن المسيب وابن أبي ليلى قالا: إذا قذف ذمية ولها ولد مسلم يُحَدُّ، والأول أولى، لأن من لا يُحَدُّ قاذفُه إذا لم يكن له ولدٌ، لا يُحَدُّ وله ولدٌ كالمجنونة. واختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط البلوغ فرُوي عنه أنه شرط، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، والثانية لا يشترط؛ لأنه حرِّ عاقل عفيف يتَعيَّرُ بهذا القول الممكن صدقه، فأشبه الكبير، وهذا قول مالك وإسحاق، فعلى هذه الرواية لابد أن يكون كبيراً يُجامع مثله، وأدناه أن يكون للغلام عشرٌ، وللجارية تسع، انتهى. (١) («المغني)) (١٢/ ٣٨٣). (٢) سورة النور: الآية ١. (٣) ((صحيح البخاري)) (١٧٧/٧، ٢١٧/٨)، و((صحيح مسلم)) (٩٢/١). ٣٥٤ ٤٣ - كتاب الحدود (٥) باب (١٥٣٩) حدیث ١٧/١٥٣٩ - حدّثني مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَلَدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَبْداً، فِي فِرْيَةٍ، وفي ((الهداية))(١): إذا قذف الرجل رجلاً محصناً أو امرأة محصنة بصريح الزنا، وطالب المقذوف بالحد، حدَّه الحاكم ثمانين سوطاً إن كان حراً، وإن كان القاذف عبداً جلده أربعين، والإحصان أن يكون المقذوف حراً عاقلاً بالغاً مسلماً عفيفاً عن فعل الزنا، أما الحرية فلأنه يطلق عليه اسم الإحصان، قال تعالى: ﴿فَعَلَتِهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾(٢) أي الحرائر، والعقل والبلوغ، لأن العار لا يلحق بالصبي والمجنون، لعدم تحقيق الزنا منهما، والإسلام لقوله وَلجر: ((من أشرك فليس بمحصن))، والعفةٌ، لأن غير العفيف لا يلحقه العار، وكذا القاذف صادق فيه، انتهى. والنفي عطف على القذف يعني الحد فيما إذا نفى رجلاً عن نسبه. والتعريض أيضاً عطف على القذف يعني الحد فيما إذا لم يصرح بالزنا، بل عزا أحداً إلى الزنا بالتعريض، وسيأتي أن التعريض موجب للحد عند الإمام مالك، وهو رواية مرجوحة لأحمد خلافاً للجمهور، وسيأتي أيضاً معنى التعريض. ١٧/١٥٣٩ - (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة النون، عبد الله بن ذكوان، هكذا في جميع نسخ ((الموطأ)) بلفظ أبي الزناد، وفي ((البيهقي)) برواية يحيى بن بكير عن مالك عن ابن أبي الزناد، والظاهر أن لفظ ابن تحريف من الناسخ في ((البيهقي)) (أنه قال: جلد) أمير المؤمنين (عمر بن عبد العزيز عبداً) لم يسم (في فرية) بكسر فاء وسكون راء بمعنى الكذب والافتراء، يقال: هذا (١) (٣٥٥/١). (٢) سورة النساء: الآية ٢٥. ٣٥٥ ٤٣ - كتاب الحدود (٥) باب (١٥٣٩) حدیث ثَمَانِينَ . قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: فَسَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ ذُلِكَ؟ فَقَالَ: أَدْرَكْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَالْخُلَفَاءَ هَلُمَّ جَرًّا. فَمَا رَأَيْتُ أَحَداً جَلَدَ عَبْدَاً، فِي فِرْيَةٍ، أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ. فرية بلا مرية، والمراد ههنا القذف (ثمانين) جلدة أخذاً بظاهر قوله تعالى: ﴿فَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾(١) فإنه ليس فيه تفصيل بين الحر والعبد. (قال أبو الزناد) المذكور: (فسألتُ عبد الله بن عامر بن ربيعة)(٢) العنزي (عن ذلك) الأمر، ولعله أشكل عليه لأنه سمع عمن سلف بخلاف ذلك (فقال) عبد الله بن عامر: (أدركت) لا يوجد في نسخ ((الموطأ))، ولا في رواية البيهقي ذكر أبي بكر في هذه الرواية، ويوجد ذكره في بعض الروايات الأخر كما سيأتي (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - في زمانه (وعثمان بن عفان) - رضي الله عنه - في زمانه (والخلفاء) الذين بعدهما (هلُم جرا) من عهد عثمان - رضي الله عنه - إلى زمان عمر بن عبد العزيز، وهلم بمعنى تعال في لغة الحجاز، يستوي فيه الواحد وغيره، ويبني على الفتح، وفي لغة تميم يثنى ويجمع، كذا في ((المجمع)) (فما رأيت أحداً) من الخلفاء المذكورين (جلد عبداً) ولا أمة (في فرية) أي قذف (أكثر من أربعين) جلدة، هكذا أخرجه البيهقي (٣) برواية يحيى بن بكير عن مالك عن ابن أبي الزناد. ثم قال: ورواه الثوري عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان حدثني عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: لقد أدركتُ أبا بكر وعمر وعثمان، ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلا أربعين، انتهى. (١) سورة النور: الآية ٤. (٢) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٢٧٠/٥). (٣) أخرجه في ((السنن الكبرى)) (٢٥٢/٨). ٣٥٦ ٤٣ - كتاب الحدود (٥) باب (١٥٤٠) حديث ١٨/١٥٤٠ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ زُرَیْقِ فدل على أنهم خصصوا الآية المذكورة بالأحرار، لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ والعبد في معنى الأمة بجامع الرق، قال صاحب ((المحلى)): به قالت الأئمة الأربعة، أنه ينصف حد القذف وغيره على العبد، وروى ذلك أبو يوسف عن قتادة عن علي - رضي الله عنه - وعن عكرمة عن ابن عباس، انتهى. قال الموفق(١): أجمع أهل العلم على وجوب الحد على العبد إذا قذف الحر المحصن، لأنه داخل في عموم الآية، وحَدُّه أربعون في قول أكثر أهل العلم، رُوي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنه قال: أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء، فلم أرهم يضربون المملوك إذا قذف إلا أربعين. وروى خِلاس(٢) أن علياً - رضي الله عنه - قال في عبد قذف حراً: نصف الجلد، وجلد أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عبداً قذف حراً ثمانين، وبه قال قبيصة وعمر بن عبد العزير، ولعلهم ذهبوا إلى عموم الآية، والصحيح الأول للإجماع المنقول من الصحابة، وهو يخص عموم الآية. وقد عيب على أبي بكر بن عمرو بن حزم جلده العبد ثمانين، وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: ما رأينا أحداً قبله جلد العبد ثمانين، وقال سعيد: حدثنا ابن عبد الرحمن بن الزناد عن أبيه قال: حضرت عمر بن عبد العزيز جلد عبداً في فرية ثمانين، فأنكر ذلك من حضره من الناس وغيرهم من الفقهاء، انتهى. ١٨/١٥٤٠ - (مالك عن زريق) بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة (١) («المغني)) (٣٨٧/١٢). (٢) ((السنن الكبرى)) (٢٥١/٨). ٣٥٧ ٤٣ - كتاب الحدود (٥) باب (١٥٤٠) حدیث ابْنِ حَكِيم الأَبْلِيِّ؛ أَنَّ رَجُلاً، يُقَالُ لَهُ مِصْبَاحٌ، اسْتَعَانَ ابْنَاً لَهُ. فَكَأَنَّهُ اسْتَبَّطَأَهُ. فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ لَهُ: يَا زَادٍ. قَالَ، زُرَيْقٌ: فَاسْتَعْدَانِي عَلَيْهِ. فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَجْلِدَهُ، في جميع النسخ الهندية والمصرية إلا الزرقاني، ففيها بتقديم المهملة، وقال: هو بضم الراء المهملة، وفتح الزاي المعجمة، وإسكان التحتية، آخره قاف. ويقال فيه: زريق - بتقديم الزاي على الراء -، انتهى. قلت: ذكره الحافظ(١) في الراء، وأحال عليه في الزاي، فقال: رزيق بالتصغير ابن حُكيم كذلك، ويقال فيه: بتقديم الزاي، وفي أبيه بالتكبير، أبو حكيم الأيلي واليها، ثقة من السادسة، له ذكر في البخاري في ((باب الجمعة في القرى))، وأخرج له النسائي حديثاً واحداً في القطع في ربع دينار (ابن حُكيم) مصغراً، ويقال فيه بالتكبير، (الأيلي) بفتح الهمزة وسكون التحتية نسبة إلى أيلة، بلدٌ بساحل بحر القلزوم كما في ((لب اللباب)). (أن رجلاً يقال له مصباح) لم يذكر حاله (استعان ابنا له) أي طلب المعاونة عن ابنه في شيء من أمره (فكأنه) أي الولد (استبطأه) أي تأخر وتساهل في تعميل أمره (فلما جاءه قال) الوالد له: (يا زاني) بالياء في آخره في النسخ المصرية، وبحذفها بلفظ ((يا زان)) في الهندية، قال الباجي: قول المصباح لابنه على وجه السبِّ يا زاني قذفٌ له، وكذلك من قال لغيره: يا زاني قذف له يجب عليه من الحدِّ ما يجب على القاذف، انتهى. (قال) وفي الهندية ((فقال)) (زريق) بتقديم الزاي في جيمع النسخ (فاستعداني) أي طلب الإعانة مني ابنه (عليه) أي على أبيه (فلما أردت أن أجلده) أي لما أردت أن أجلد الأب حدَّ القذف، قال الباجي(٢): هذا يقتضي أنه كان (١) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٢٧٣/٤) و((تقريب التهذيب)) (٢٥٠/١). (٢) ((المنتقى)) (١٤٧/٧). ٣٥٨ ٤٣ - كتاب الحدود (٥) باب (١٥٤٠) حديث قَالَ ابْنُهُ: وَاللَّهِ لَئِنْ جَلَدْتَهُ لَأَبُوأَنَّ عَلَى نَفْسِي بِالزِّنَا. فَلَمَّا قَالَ ذُلِكَ أَشْكَلَ عَلَيَّ أَمْرُهُ. فَكَتَبْتُ يرى أن الأب يجلد لقذف ابنه، وبه قال مالك وأصحابه إلا ما رواه ابن حبيب عن أصبغ أنه لا يُحَدُّ الأب له أصلاً، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، انتهى. قال ابن حزم: وأوجب في ذلك الحدَّ مالكٌ والأوزاعيُّ وأصحابنا. وقالت طائفة: لا حَدَّ عليه، وروي ذلك عن عطاء والحسن، وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم والحسن بن حي وإسحاق بن راهوية، وقال سفيان الثوري في الأب يقذف ابنه: إنهم يستحبون الدرأ عنه، انتھی . وقال الموفق(١): إذا قذف ولدَه وإن نزل لم يجب الحد عليه، سواء كان القاذف رجلاً أو امرأة، وبهذا قال عطاء والحسن والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، وقال عمر بن عبد العزيز ومالك وأبو ثور وابن المنذر: عليه الحد لعموم الآية. ولنا أنه عقوبة تجب حقاً لآدمي، فلا يجب للولد على الوالد كالقصاص (قال ابنه: والله لئن) بزيادة اللام على إن الشرطية (جلدته لأبُوأَنَّ) بنون التأكيد من باء يبوء أي لأرجعن بالإقرار (على نفسي بالزنا) ليسقط عنه حد القذف . (فلما قال) الابن (ذلك أشكل عليّ) بشد الياء (أمره) ماذا أفعل فيه، قال الباجي(٢): قوله: لئن جلدته يريد العفو عن أبيه وإسقاط حدِّ القذف عنه، وهذا يقتضي أن زريق بن حكيم كان يرى أن عفو المقذوف عن القاذف عند الإمام غير جائز، وهي إحدى الروايتين عن مالك، انتهى. قلت: أو وجه الإشكال أن كلام الابن لم يكن نصاً في العفو (فكتبت (١) («المغني)) (٣٨٨/١٢). (٢) ((المنتقى)) (١٤٧/٧). ٣٥٩ ٤٣ - كتاب الحدود (٥) باب (١٥٤٠) حدیث فِيهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ الْوَالِي يَوْمَئِذٍ. أَذْكُرُ لَهُ ذُلِكَ. فَكَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ: أَنْ أَجِزْ عَقْوَهُ. فيه) أي في ذلك الأمر (إلى عمر بن عبد العزيز، وهو الوالي يومئذٍ) على المدينة المنورة من جهة سليمان بن عبد الملك، ويحتمل أنه أراد بالوالي الخليفة إن كان ذلك وقع في زمن خلافته، قاله الزرقاني(١) (أذكر له ذلك فكتب إلي) بشد الياء (عمر) بن العزيز (أن) بفتح الهمزة وسكون نون (أجز) بكسر الجيم أي أمض (عفوه) عن أبيه. قال صاحب ((المحلى)): فيه سقوط الحد بعفو المقذوف وهو قول الشافعي في ((الأنوار)): حد القذف حقٌّ لآدمي يسقط بعفوه وعفو وارثه، انتهى. قال الموفق (٢): يعتبر لإقامة حدِّ القذف شرطان: أحدهما: مطالبة المقذوف؛ لأنه حق له، فلا يستوفى قبل طلبه كسائر حقوقه. الثاني: أن لا يأتي ببينة لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَّةَ﴾(٣) الآية، وكذلك يُشْترط عدم الإقرار من المقذوف، لأنه في معنى البينة، فإن كان القاذف زوجاً اعتُبِرَ شرط ثالثٌ، وهو امتناعه من اللعان، ولا نعلم خلافاً في هذا كله، وتُعتبر استدامةُ الطلب إلى إقامة الحد، فلو طلب ثم عفا عن الحد سقط، وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو ثور، وقال الحسن وأصحاب الرأي: لا يسقط بعفوه، انتهى. قال الباجي(٤): قال مالك في الولد: له العفو عن أبيه، ولم يرد ستراً به، واختلف قول مالك في غير الأب، ففي ((المدونة)) عن ابن القاسم: كان (١) ((شرح الزرقاني)) (١٥١/٤). (٢) ((المغني)) (٣٨٦/١٢). (٣) سورة النور: الآية ٤. (٤) ((المنتقى)) (١٤٨/٧). ٣٦٠