النص المفهرس
صفحات 321-340
٤٣ - كتاب الحدود (٢) باب (١٥٣٤) حديث أَنَّ رَجُلاً اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَةِ. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللّهِ وَيهِ بِسَوطٍ. فَأَتِيَ بِسَوْطِ مَكْسُورٍ. فَقَالَ: ((فَوْقَ هُذَا)) فَأَتِيَ بِسَوْطِ جَدِيدٍ، لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ. عباس مرسلاً نحوه، كذا في ((التنوير)) (١). قلت: هكذا رواه محمد في ((موطئه))(٢) برواية مالك عن زيد. (أن رجلاً) لم يسم (اعترف على نفسه) مرة أو مرات على اختلاف العلماء في ذلك. (بالزنا على عهد) أي زمان (رسول الله وَ لّ فدعا له) أي طلب لأجله (رسول الله ێ بسوط) لیجلده به. قال الباجي(٣): لم يذكر فيه أنه أعرض عنه ولا تكرار إقراره، ولعله أن يكون ذلك لما ظهر من صحة إقراره، وحكم رسول الله وَله بجلده لما علم أنه غير محصن، اهـ. قلت: ولمن اشترط تعدد الإقرار، يقول: إن الرواية مختصرة، فكما لم يذكر فيها كون الرجل بكراً لم يذكر فيها كيفية الإقرار أيضاً، لما كان الأمران معروفين عندهم، ولعل الإمام مالكاً رضي الله عنه ذكرها حجة لكفاية الإقرار مرة كما هو مختاره. (فأتي) ببناء المجهول (بسَوْط مكسورٍ) هكذا سياق النسخ المصرية، وفي الهندية ذكر الجديد أولاً والمكسور ثانياً (فقال) وَالر يؤتى بسوط (فوق هذا) قال الباجي: يريد أَجَدَّ منه وأصلب، اهـ. يعني أراد الفوق منه في الإيلام والإيذاء، فإن المكسور لا يكون فيه الإيلام المطلوب (فأتي) ببناء المجهول (بسوط جديد لم تقطع) ببناء المجهول (ثمرته) بفتح المثلثة والميم والراء، أي طرفه، قال الجوهري: ثمرة السياط عقد أطرافها، وقال أبو عمر: أي لم يُمْتَهَن ولم يَلِنْ، (١) تنوير الحوالك (ص ٦٠٤). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٨٨/٣). (٣) ((المنتقى)) (١٤٢/٧). ٣٢١ ٤٣ - كتاب الحدود (٢) باب (١٥٣٤) حديث فَقَالَ: ((دُونَ هُذَا)) فَأَتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِه وَلَانَ. فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهِ فَجُلِدَ. ثُمَّ قَالَ والثمرة الطرف، قاله الزرقاني(١). وفي ((المحلى)): أي طرفه الذي يكون في أسفله، كذا في ((النهاية)). وفي ((الصحاح)): ثمرة السياط عقد أطرافها، وفي ((المغرب)): عذبتها، وذنبها، وطرفها، وقيل: العقدة. اهـ. وفي ((المنتقى)): قال عيسى بن دينار: الثمرة الطرف، يريد أن طرفه محدد، ولم تنكسر حدته، ولم يخلق بعد، اهـ. (فقال) وَطر: (دون هذا) هكذا سياق النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية تقديم وتأخير، ولفظها: ((فدعا له رسول الله وَ له بسوط، فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: دون هذا، فأتي بسوط مكسور، فقال: فوق هذا)) (فأتي) ببناء المجهول (بسوط قد ركب به) ببناء المجهول، قال صاحب ((المحلى)):، أي استعمل به في الركوب ولان لأجله، قال الزرقاني: يعني فذهبت عقدة طرفه، وصار ليِّناً مع بقاء صلابته بعدم كسره، اهـ. وفي ((التعليق الممجد))(٢): قوله: ((رُكب به)) ببناء المجهول أي استعمل ذلك السوط في الركوب، إن السوط إذا استُعمل، ورُكب به ذهب طرفه، اهـ. (ولان) من اللين، أي صار ليناً، وفي ((المحلى)): ولعبد الرزاق: فأتي بسوط بين سوطين. وفي ((الهداية))(٣): يأمر الإمام بضربه بسوط لا ثمرة له ضرباً متوسطاً، لأن علياً - رضي الله عنه - لما أراد أن يقيم الحد كسر ثمرته، اهـ. (فأمر به رسول الله وَله فجلد) ببناء المجهول أي مائة جلدة (ثم قال) وَليقول: (١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٧/٤). (٢) (٨٨/٣). (٣) (٣٤١/١). ٣٢٢ ٤٣ - كتاب الحدود (٢) باب (١٥٣٤) حديث (أَيُّهَا النَّاسُ. قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ. مَنْ أَصَابَ مِنْ هُذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئاً، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ. فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ، نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ». (أيها الناس قد آن) بالمد أي حان (لكم أن تنتهوا عن) هتك (حدود الله) التي حرمها (من أصاب من هذه القاذورات) جمع قاذورة، وهو كل قول أو فعل يُستقبح كالزنا والشراب والقذف، سُميِّت بذلك، لأن حقها أن تقذر فوصفت بما يوصف به صاحبها (شيئاً) لهوى نفسه الأمارة بالسوء (فليستتر بستر الله) الذي أسبله الستار عليه، وليتب إلى الله عز وجل، ويستغفره، فإنه غفار ستّار جواد كريم رؤوف رحيم، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون، ولا يظهره إلينا، ولا إلى الناس، وتقدم في قصة ماعز - رضي الله عنه - أن الشيخين أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - أمرا ماعزاً بالستر على نفسه. (فإنه من يُبْدِ) بضم أوله وحذف الياء من آخره من الإبداء في جيمع النسخ الهندية والمصرية، إلا الزرقاني، ففيها بإثبات الياء، قال: بالياء للإشباع كقراءة ومن يتقي، وفي رواية بحذفها أي يظهر، اهـ. وفي ((التعليق الممجد)) (١): يبد بحذف الياء وإثباتها من الإبداء وهو الإظهار. (لنا) معاشر الحكام (صفحته) بفتح الصاد: الجانب، والوجه، والناحية أي يظهر لنا فعله المخفي كأنه كان مغطى الوجه، فكشفه (نُقِم) بضم أوله من الإقامة (عليه كتاب الله) أي يجب علينا حينئذٍ إنفاذ حدود الله، ولا تنفع عند ذلك شفاعة الشافعين. قال الزرقاني(٢): فيجب على الشخص إذا فعل ما يوجب حداً الستر على (١) (٨٩/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٤٧/٤). ٣٢٣ ٤٣ - كتاب الحدود (٢) باب (١٥٣٤) حديث نفسه والتوبة، فإن خالف واعترف عند الحاكم أقامه عليه، وكما قال وَل بعد جلد هذا الرجل، قاله أيضاً بعد رجم ماعز الأسلمي - رضي الله عنه - فقام رسول الله ◌َّله وقال: ((اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يُبْدِ لنا صفحته نقم عليه كتاب الله)) أخرجه البيهقي والحاكم(١)، وقال: على شرطهما من حديث ابن عمر - رضي الله عنه - وصححه ابن السكن وغيره، وقول أبي عمر: لا أعلمه موصولاً بوجه، قال الحافظ: مراده من حديث مالك. ولما ذكره إمام الحرمين في ((النهاية)) قال: صحيح متفق على صحته، فتعجب منه ابن الصلاح وقال: أوقعه فيه عدم إلمامه بصناعة الحديث التي يفتقر إليها كل عالم، اهـ. لأن اصطلاحهم أن المتفق عليه ما رواه الشيخان معاً، انتهى ما فى ((الزرقاني)). وقد ترجم البخاري في صحيحه ((باب ستر المؤمن على نفسه))، وأخرج فيه من حديث أبي هريرة يقول: سمعت رسول الله وَير يقول: ((كل أمتي معافىً إلا المجاهرون» الحدیث، ومن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - حدیث النجوى، وفيه قوله عزّ اسمه «إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم)) . قال الحافظ(٢): وقد ورد في الأمر بالستر حديث ليس على شرط البخاري، وهو حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - رفعه: ((اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها فمن ألمّ بشيء منها فليستتر بستر الله))، الحديث أخرجه الحاكم وهو في ((الموطأ)) من مرسل زيد بن أسلم. (١) ((المستدرك)) (٢٤٤/٤). (٢) ((فتح الباري)) (١٠ /٤٨٧). ٣٢٤ ٤٣ - كتاب الحدود (٢) باب (١٥٣٥) حديث ١٣/١٥٣٥ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِع؛ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ بِكُرٍ فَأَحَبَلَهَا. ثُمَّ اعْتَرَفَ على نفسه بِالزّنَا. وَلَمْ يَكُنْ أَحْصَنَ. فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَجُلِدَ الْحَدَّ. ثُمَّ نُفِيَ إِلَى فَدَكَ. قال ابن بطال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين، وفيه ضربٌ من العناد لهم، وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف، وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين، ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة، والذي يُجاهر يفوت جميع ذلك. اهـ. قلت: حديث حاكم المذكور أقرّ الذهبي بكونه على شرط الشيخين. ١٣/١٥٣٥ - (مالك عن نافع) مولى ابن عمر (أن صفية بنت أبي عبيد) - بضم العين مصغراً بدون الإضافة - الثقفية زوج ابن عمر - رضي الله عنهما - (أخبرته) أي نافعاً (أن أبا بكر الصديق) أول الخلفاء الراشدين (أتي) ببناء المجهول (برجل) لم يسم (قد وقع) الرجل المذكور (على جارية بكر) فزنى بها (فأحبلها) أي صارت المزنية حاملاً (ثم اعترف) الرجل المذكور (على نفسه بالزنا) مرة أو مرات على اختلاف العلماء، والإمام مالك ذكره في باب الاعتراف حجة لمختاره بعدم التكرار لعدم ذكره فيه (ولم يكن أحصن) أي لم يكن محصناً بل كان بكراً. (فأمر به أبو بكر) - رضي الله عنه - (فجلد) ببناء المجهول (الحدّ) مائة جلدة (ثم نفي) ببناء المجهول أي غُرِّب، وأخرج (إلى فدك) بفتح الفاء والدال المهملة، بلدة بينها وبين المدينة يومان وبينها وبين خيبر دون مرحلة، قاله الزرقاني(١) . وفي ((المحلى)): فدك محركاً قرية بخيبر، وهي على سبعة مراحل من (١) (شرح الزرقاني)) (٤/ ١٤٧). ٣٢٥ ٤٣ - كتاب الحدود (٢) باب (١٥٣٥) حديث قَالَ مَالِكٌّ، فِي الَّذِي يَعْتَرِفُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا. ثُمَّ يَرْجِعُ عَنْ ذُلِكَ وَيَقُولُ: لَمْ أَفْعَلْ. وَإِنَّمَا كَانَ ذُلِكَ مِنِّي عَلَى وَجْهِ كَذَا وَكَذَا. لِشَيْءٍ يَذْكُرُهُ: إِنَّ ذُلِكَ يُقْبَلُ مِنْهُ. وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. المدنية، وتقدم قريباً اختلاف العلماء في مسألة التغريب مبسوطاً من أن الأئمة الثلاثة قالوا ذلك حداً، والحنفية قالوا بذلك تعزيراً، فقد تقدم هناك من كلام صاحب ((الهداية))(١): أن لا يُجْمع بين الجلد والنفي إلا أن يرى الامام في ذلك مصلحة، فيغربه على قدر ما يرى، فلا إيراد بذلك الأثر على الحنفية. (قال مالك في الذي يعترف على نفسه بالزنا) ويجب بذلك الحد عليه (ثم يرجع) المقر (عن ذلك) أي عن إقراره (ويقول) في الرجوع: (لم أفعل) الزنا حقيقة (وإنما كان ذلك) الفعل (منى على وجه كذا وكذا) من الأمور (لشيء يذكره) بيان لقوله: كذا وكذا، يعني يذكر أمراً يعذر به إقراره الأول مثلاً يقول: إني أصبت امرأتي أو أمتي حائضا، فظننت ذلك زنا أو باشرت فلانة أجنبية وظننته زنا (إن ذلك) الرجوع (يقبل منه) ببناء المجهول. (ولا يقام عليه الحد) قال الزرقاني: ظاهره أن تكذيب نفسه بدون إبداء عذر لا يُقْبل، وهو مرويٌّ عن الإمام نصاً وأشهب وعبد الملك، والمذهب قول ابن القاسم وابن وهب بقبول رجوعه مطلقاً، اهـ. قال الباجي(٢): إن رجع عن الإقرار إلى الإنكار، فلا يخلو أن ينزع إلى وجهٍ أو إلى غير وجهٍ، فإن رجع إلى وجه مثل أن يقول: أصبت امرأتي حائضاً، فظننت ذلك زنا، فإنه يقبل رجوعه ويسقط عنه، ولم يختلف في هذا أصحاب مالك، أما إذا رجع إلى غير شبهة، فقد قال القاضي أبو محمد: فيه روايتان؛ فالذي رواه ابن المواز عن مالك أنه يقبل، وبه قال ابن القاسم وابن (١) انظر: (٢٤٣/١). (٢) ((المنتقى)) (١٤٣/٧). ٣٢٦ ٤٣ - كتاب الحدود (٢) باب (١٥٣٥) حدیث وهب وغيرهما، وروي عن مالك لا يقبل منه إلا بأمر يعذر به، وبه قال أشهب وعبد الملك، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وجه القول الأول أنه مرويٌّ عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة، قال القاضي أبو محمد: ولا مخالف لهم، ووجه قوله: لا يقبل ما روي عن النبي ◌َّلّ أنه قال: ((من يبد لنا صفحة وجهه نقم عليه كتاب الله)) وما روي عنه وَ ر أنه قال لأنيس: ((إن اعترفت فارجمها))، اهـ. قال الزرقاني(١): لا خلاف عن مالك في قبول عذره إلا ما حكاه الخطابي عنه، وهو غريب لا يعرف في مذهبه، اهـ. وقال الموفق(٢): من شرط إقامة الحد بالإقرار البقاء عليه إلى تمام الحدِّ، فإن رجع عن إقراره أو هرب كُفَّ عنه، وبهذا قال عطاء والزهري ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو حنيفة وأبو يوسف، وقال الحسن وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى: يقام عليه الحدّ، ولا يترك؛ لأن ماعزاً هرب فقتلوه ولم يتركوه. وروي أنه قال: ((ردّوني إلى رسول الله وَّ فإن قومي هم غَرُّوني)) الحديث، أخرجه أبو داود، ولو قبل رجوعه للزمتهم ديته، ولأنه حقٌّ وجب بإقراره، فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق، وحكي عن الأوزاعي أنه إن رجع حُدَّ للفرية على نفسه، وإن رجع عن السرقة والشُّرب ضرب دون الحدِّ. ولنا أن ماعزاً - رضي الله عنه - هرب فذكر للنبي وَلإر، فقال: ((هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه))، قال ابن عبد البر: ثبت من حديث أبي هريرة وجابر ونُعيم بن هَزَّال ونصر بن داهر وغيرهم أن ماعزاً لما هرب، فقال لهم: (١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٨/٤). (٢) («المغني)) (٣٦١/١٢). ٣٢٧ ٤٣ - كتاب الحدود (٢) باب (١٥٣٥) حديث رُدُوني إلى رسول الله وَّه، فقال: ((هلَّا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه))، ففي هذا أوضح الدلائل على أنه يُقْبل رجوعه. وعن بريدة قال: كُنّا أصحاب رسول الله وَ لهول نتحدث أن الغامدية وماعزاً لو رجعا بعد اعترافهما. أو قال: لو لم يرجعا لم يطلبهما، وإنما رجمهما عند الرابعة، رواه أبو داود(١)، ولأن رجوعه شبهةٌ، والحدود تُدْرأ بالشُّبهات، ولأن الإقرار إحدى بَيِّنتي الحدِّ، فيسقط بالرجوع عنه كالبينة إذا رجعت قبل إقامة الحد، وفارق سائر الحقوق، فإنها لا تُدْرأ بالشبهات. وإنما لم يجب ضمان ماعز - رضي الله عنه - على الذين قتلوه بعد هربه، لأنه ليس بصريح في الرجوع، إذا ثبت هذا، فإنه إذا هرب لم يُتْبَعْ، لقوله وَله: ((هلا تركتموه))، وإن لم يترك وقُتِل لم يُضْمَنْ، لأنهُِّ لم يُضَمِّنْ ماعزاً من قتله ولأن هربه ليس بصريح في الرجوع وإن قال: رُُوني إلى الحاكم وجب ردُّه، وإن رجع عن إقراره، وقال: كذبتُ في إقراري، أو رجعت عنه، أو لم أفعل ما أقررت به وجب تركه. فإن قتله قاتل بعد ذلك وجب ضمانه ولا قصاص على قاتله، لأن أهل العلم اختلفوا في صحة رجوعه، فكان اختلافهم شبهة دارئة للقصاص، اهـ. قال الحافظ (٢): المقر بالزنا إذا فرَّ تُرك، فإن صرح بالرجوع فذاك وإلا أُتْبِع ورجم، وهو قول الشافعي وأحمد، ودلالتُه من قصة ماعز ظاهرة، وقد وقع في حديث نعيم بن هزَّال ((هلا تركتموه)) الحديث، أخرجه أبو داود وصححه الحاكم، وللترمذي نحوه من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم أيضاً، وعند أبي داود من حديث بريدة: كنا أصحاب رسول الله وَلّ نتحدث أن (١) سنن أبي داود (٤٦٠/٢). (٢) ((فتح الباري)) (١٢ / ١٢٧). ٣٢٨ ٤٣ - كتاب الحدود (٢) باب (١٥٣٥) حديث وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ الَّذِي هُوَ للَّهِ، لَا يُؤْخَذُ إِلَّ بِأَحَدٍ وَجْهَيْنِ : .. ماعزاً والغامدية لو رجعا لم يطلبهما، وعند المالكية في المشهور لا يترك إذا هرب، اهـ. وفي ((الهداية))(١): إن رجع المقرُّ عن إقراره قبل إقامة الحد؛ أو في وسطه قبل رجوعه وخلّي سبيله، وقال الشافعي، وهو قول ابن أبي ليلى: يقيم عليه الحد؛ لأنه وجب الحدُّ بإقراره، فلا يبطل برجوعه وإنكاره، كما إذا وجب بالشهادة، وصار كالقصاص وحدِّ القذف. ولنا أن الرجوع خبرٌ محتملٌ للصدق كالإقرار، وليس أحد يكذبه فيه، فيتحقق الشبهةُ في الإقرار، بخلاف ما فيه حق العبد، وهو القصاص، وحدّ القذف لوجود من يكذبه، ولا كذلك ما هو خالص حق الشرع، اهـ. وما حكى من مذهب الشافعي - رحمه الله -، تعقَّب عليه ابنُ الهمام(٢) إذ قال: والمسطور في كتبهم أنه لو رجع قبل الحد أو بعد ما أقيم عليه بعضه سقط، وعن أحمد كقولنا، وعن مالك في قبول رجوعه روايتان. وتقدم ما قال الزرقاني: أن لا خلاف عن مالك في قبول عذره، قال: وكذا يترك حدّ المعترف إذا هرب وإن في أثناء الحدِّ على أصح قولي مالك، وعليه جماعة العلماء، لحديث أبي داود، وصححه الحاكم والترمذي، عن نعيم أن ماعزاً لما فرَّ، وأدركوه ورجموه قال ◌َّه: ((هلّ تركتموه)) الحديث، خلافاً لمن قال: يتبع ويرجم، اهـ. (وذلك) أي سبب اعتبار رجوعه (أن الحد الذي هو لله) عز وجل خاصة كالزنا والشرب بخلاف ما فيه حق الناس، كالقصاص وحدِّ القذف (لا يؤخذ) ببناء المجهول، أي لا يقام ذلك على أحد (إلا بأحد وجهين) يُشكل عليه أن الحد يثبت عند الإمام مالك - رضي الله عنه - خاصة بالحمل أيضاً اللهم إلا أن (١) (٣٤٠/١). (٢) انظر: ((فتح القدير)) (١٢/٥). ٣٢٩ ٤٣ - كتاب الحدود (٢) باب (١٥٣٥) حدیث إِمَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ تُثْبِتُ عَلَى صَاحِبِهَا. وَإِمَّا بِاعْتِرَافٍ يُقِيمُ عَلَيْهِ. حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. فَإِنْ أَقَامَ عَلَى اعْتِرَافِهِ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. قَالَ مَالِكٌ: الَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا نَفْيَ عَلَى الْعَبِيدِ إِذَا زَنَوْا . يقال: إنه داخل في الإقرار، فإن الحمل كالإقرار الفعلي (إما ببينة عادلة) أي يثبت بالشهود العدول (تثبت) البينة المذكورة (على صاحبها) بشرائطها (وإما باعتراف يقيم) أي يستمر (عليه) أي على المقر (حتى يقام عليه الحدّ) فإن رجع قبل إقامة الحد عليه لم يكن الاعتراف مقيماً عليه حتى يقام الحد. (قال: فإن أقام) واستمر (على اعترافه أقيم عليه الحد) قال الباجي(١): وفي ((الموازية)) لا يجب حد الزنا إلا بأحد هذه الوجوه؛ إما بإقرار لا رجوع فيه حتى يحدّ، أو بأربعة شهداء عدول على الرؤية، أو حمل يظهر بامرأة غير طارئة، لا يعرف لها نكاح ولا ملك، هذا قول مالك وأصحابه. (قال مالك) الأمر (الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا) بالمدينة المنورة - زادها الله شرفاً وكرامةً - (أنه لا نفي) أي لا تغريب (على العبيد إذا زنوا) وإنما التغريب على الأحرار الرجال خاصة. قال الزرقاني(٢): لأن في نفي العبد عقوبةً لمالكه، يمنعه منفعته مدة نفيه، وتصرف الشارع يقتضي أن لا يعاقب غير الجاني، ولأنه يخشى فساد الأنثى وضياعها بالنفي، وعمَّمه الشافعيُّ، وله قول: لا ينفى الرقيق، وعن أحمد قولان، وقال الكوفيون: لا نفي على الزاني مطلقاً، اهـ. وتقدم البسط في ذلك في حديث العسيف. قال الموفق(٣): لا تغريب على عبد ولا أمة، وبهذا قال الحسن ومالك (١) (المنتقى)) (١٤٣/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٤٨/٤). (٣) («المغني)) (١٢/ ٣٣٣). ٣٣٠ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث (٣) باب جامع ما جاء في حد الزنا ١٤/١٥٣٦ - حدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ؛ وإسحاق، وقال الثوري وأبو ثور: يُغَرَّبُ نصف عام لقوله تعالى: ﴿فَعَلَتِهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ﴾ وحدَّ ابن عمر - رضي الله عنهما -، مملوكة له ونفاها إلى فدك، وعن الشافعي قولان كالمذهبين، واحتج من أوجبه بعموم قوله الآن : ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)). ولنا قوله وَّه وقد سئل عن الأمة إذا زنت، قال: ((إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها)) الحديث، ولم يذكر فيه تغريباً، ولو كان واجباً لذكره، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقته، وحديث علي - رضي الله عنه - أنه قال: ((أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحدَّ، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمةً لرسول الله وَ ل﴿ زنت فأمرني أن أجلدها))، رواه أبو داود(١)، ولم يذكر أنه غُرَّبها، ولأن التغريب في حق العبد عقوبةٌ لسيده دونه، لأنه غريب في موضعه، ويترفه بتغريبه من الخدمة، ويتضرَّر السيد بتفويت خدمته والخطر بخروجه من تحت يده، والكلفة في حفظه والإنفاق عليه مع بعده عنه، اهـ. (٣) جامع ما جاء في حد الزنا أي الأحاديث المتفرقة في ذلك. ١٤/١٥٣٦ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) مصغّراً (ابن عبد الله) مكبراً (ابن عتبة) بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية (ابن مسعود) الهذلي (عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهني) بضم الجيم وفتح الهاء الصحابي الشهير، قال الحافظ: إن الزبيدي ويونس زادا في روايتهما لهذا (١) أخرجه مسلم واللفظ له (١٧٠٥)، وأبو داود نحوه (٤٤٧٣)، والترمذي بلفظ مسلم (١٤٤١) . ٣٣١ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ، سُئِلَ عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِرْ؟ الحديث عن الزهري شبل بن خالد أو ابن حامد، انتهى. (أن رسول الله (وَ لّ سئل) ببناء المجهول، قال الحافظ (١): وفي رواية حميد عن أبي هريرة أتى رجل النبي وَّ قال: إن جاريتي زنت، فَتَبَيَّنَ [زناها] قال: اجلدها. ولم أقف على اسم هذا الرجل، انتهى. (عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟) قال الزرقاني(٢): بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه بإسناد الإحصان إليها، لأنها تُحْصن نفسها بعفافها، ورُوِي بفتح الصاد بإسناد الإحصان إلى غيرها، ويروى أيضاً بضم التاء وفتح الحاء وشد الصاد، انتهى. وتقدم أن الحرية من شرائط إحصان الرجم إجماعاً إلا أبا ثور. قال الموفق(٣): إن حدَّ العبد والأمة خمسون جلدة، بِكُرين كانا أو ثيبين في قول أكثر الفقهاء، منهم عمر وعلي وابن مسعود والحسن والنخعي ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي، وقال ابن عباس وطاووس وأبو عبيد: إن كانا مزوجين فعليهما نصف الحد ولا حدّ على غيرهما، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ﴾(٤)، الآية، فدليل خطابه أنه لا حدَّ على غير المحصنات، وقال داود: على الأمة نصف الحدِّ إذا زنت بعد ما زُوِّجَتْ، وعلى العبد جلد مائة بكل حال. وفي الأمة إذا لم تزوج روايتان: إحداهما: لا حدَّ عليها، والأخرى: تُجْلَدُ مائة، لأن قوله تعالى: ﴿فَلَجْلِدُواْ كُلّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِْئَةَ جَدَّةٍ﴾ عام، خرجت منه الأمة المحصنة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ الآية، فبقي العبد والأمة التي لم تحصن على مقتضى العموم، وقال أبو ثور: إذا لم يحصنا بالتزويج، فعليهما نصف (١) ((فتح الباري)) (١٢/ ١٦٢). (٢) (شرح الزرقاني)) (١٤٨/٤). (٣) («المغني)) (٣٣١/١٢). (٤) سورة ص: الآية ٤٤. ٣٣٢ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث الحد، وإن أحصنا فعليهما الرجم، لعموم الأخبار فيه، لأنه حدٌّ لا يتبعَّضُ، فوجب تكميلُه كالقطع في السرقة، ولنا ما روى ابن شهاب، فذكر حديث ((الموطأ)» هذا، ثم قال: متفق عليه، قال ابن شهاب: هذا نصٌّ في جلد الأمة إذا لم تُحْصَنْ، وهو حُجَّةٌ على ابن عباس وموافقيه، وداود، وجَعْلُ داودَ عليهما مائة إذا لم تُحْصَنْ، وخمسين إذا كانت مُحْصَنَة خلاف ما شرع الله تعالى، فإن الله تعالى ضاعف عقوبة المحصنة على غيرها، وداود ضاعف عقوبة البكر على المحصنة. وأما دليل الخطاب فقد رُوي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: إحصانها إسلامُها، وأقراؤها - بفتح الألف - ثم دليل الخطاب إنما يكون دليلا إذا لم يكن للتخصيص بالذكر فائدةٌ، سوى اختصاصه بالحكم، ومتى كانت له فائدة أخرى لم يكن دليلاً مثل أن يخرج مخرج الغالب أو للتنبيه أو لمعنى من المعاني، وقد قال تعالى: ﴿وَرَّبُكُمُ الَّتِ فِي حُجُورِكُمْ﴾(١) ولم يختص التحريم باللاتي في حجوركم، وقال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُ﴾(٢) وأبيح القصر بدون الخوف، انتهى. وقال صاحب ((الجلالين)) في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: أي زوجن، وفي قراءة بالبناء للفاعل أي تزوجن ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ أي زنا ﴿فَعَلَتِهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ﴾ أي الحرائر الأبكار من العذاب أي الحدِّ، فيُحَدَّون خمسين، ويُغَرَّبن نصف سنة، ويقاس عليه العبد، ولم يجعل الإحصان شرطاً لوجوب الحد، بل لإفادة أنه لا رجم عليهم أصلاً، قال صاحب ((الجمل)): لأنه لما حكم بالتنصيف عُلم أن حدَّهن ليس رجماً لأنه لا يتنصف، وإذا كان الحد مع الإحصان ليس رجماً، فمع عدمه أولى فتعرض لحالة الإحصان، لأنها التي یتوهم فیھا رجمهن کالحرائر، انتهى. (١) سورة النساء: الآية ٢٣. (٢) سورة النساء: الآية ١٠١. ٣٣٣ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث فَقَالَ: ((إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، وقال الباجي(١) في شرح حديث الباب: قوله: ((ولم تحصن)) يحتمل أن يريد به ولم تعتق، لأن الإحصان قد يكون بمعنى الحرية، وقال العيني في ((شرح البخاري))(٢): قال الطحاوي: لم يقل هذه اللفظة غير مالك بن أنس عن الزهري، قال أبو عمر: هو من رواية ابن عينية، ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب كما رواه مالك، ومفهومه أنها: إذا أحصنت لا تجلد، بل ترجم كالحرة، لكن الأمة تجلد، محصنة كانت أو غير محصنة. ولا اعتبار للمفهوم حيث نطق القرآن صريحاً بخلافه في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ الآية، فالحديث دل على جلد غير المحصن، والآية دلت على جلد المحصن، لأن الرجم لا يُنَصَّفُ، فيجلدان عملاً بالدليلين، أو يكون الإحصان بمعنى العفة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ الآية أي العفيفات. وقال الخطابي: ذكرُ الإحصان في الحديث غريب مشكل جداً، إلا أن يقال: معناه العتق، وقيل: معناه ما لم تتزوج، وحديث عليٍّ - رضي الله عنه - أقيموا على أرِقَّائكم الحدَّ، من أحصن منهم ومن لم يحصن، أخرجه مسلم موقوفاً، والنسائي مرفوعاً، فَتُحَدُّ الأمة على كل حال، وإحصان الأمة عند مالك والكوفيين إسلامها، انتهى مختصراً . (فقال) وَظله: (إن زنت فاجلدوها) قال الحافظ: قيل: أعاد الزنا في الجواب غير مقيد بالإحصان للتنبيه على أنه لا أثر له، وأن موجب الحد في الأمة مطلق الزنا، انتهى. قال الباجي(٣): يحتمل أن يكون خطاباً للأئمة، ويحتمل أن يكون خطاباً (١) ((المنتقى)) (١٤٤/٧). (٢) ((عمدة القاري)) (٨/ ٤٥٧). (٣) ((المنتقى)) (١٤٥/٧). ٣٣٤ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث للسادات، وذلك أن للسيد أن يقيم حد الزنا على عبده أو أمته، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ليس له ذلك، والدليل على ما نقوله قوله وَله: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها)) ومن جهة القياس أن كل من يملك تزويج شخص بغير قرابة ولا ولاية جاز له أن يقيم الحد عليه كالإمام، وهذا إذا ثبت بالبينة أو الإقرار، وأما إذا لم يكن ذلك إلا بعلم السيد فهل يقم عليه الحد؟ قال الشيخ أبو القاسم: فيه روايتان: إحداهما: جواز ذلك، والأخرى: منعه، انتهى. قال الزرقاني(١): في الحديث خطابٌ لِمُلّاكها، ففيه أن السيد يقيم على رقيقه الحد وتسمع البينة عليهما، وبه قال الأئمة الثلاثة، والجمهور من الصحابة والتابعين، خلافاً لأبي حنيفة في آخرين، لكن استثنى مالكٌ القطع في السرقة، لأن فيه مثلة، فلا يؤمن السيد أن يمثل برقيقه، فيمنع من مباشرته القطع سداً للذريعة، انتهى. قال الحافظ(٢): استثنى مالك القطع في السرقة وهو وجه للشافعية، وفي أخرى: يستثني حدَّ الشرب، واحتج للمالكية بأن في القطع مثلة، فلا يؤمن السيد أن يريد أن يمثل بعبده، فيخشى أن يتصل الأمر بمن يعتقد أنه يعتق بذلك، فيدّعي عليه السرقة لئلا يعتق فيمنع من مباشرته القطع سداً للذريعة، انتهى. وقال الموفق(٣): للسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقه القِنِّ في قول أكثر العلماء، رُوي نحو ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي حميد وأبي أسيد الساعديين، وفاطمة ابنة النبي صل﴿ وعلقمة، والزهري ومالك، والثوري، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٩/٤). (٢) «فتح الباري)) (١٢/ ١٦٣). (٣) («المغني)) (١٢/ ٣٣٤). ٣٣٥ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث وقال ابن أبي ليلى: أدركت بقايا الأنصار يجلدون ولائدهم في مجالسهم الحدود إذا زنوا، وقال أصحاب الرأي: ليس له ذلك، لأن الحدود إلى السلطان، ولأن من لا يملك إقامة الحدِّ على الحر لا يملكه على العبد كالصبيّ، ولأن الحد لا يجب إلا ببينة أو إقرار. ويعتبر لذلك شروط من عدالة الشهود ومجيئهم مجتمعين، أو في مجلس واحد، وذكر حقيقة الزنا وغير ذلك من الشروط التي تحتاج إلى فقيه يعرفها ويعرف الخلاف فيها، والصواب منها، وكذلك الإقرار فينبغي أن يفوَّض ذلك إلى الإمام أو نائبه كحدِّ الأحرار، ولأنه حدٌّ هو حقٌ لله تعالى فَيُوقَّضُ إلى الإمام، كالقتل والقطع. ولنا قوله ◌َله: ((إذا زنت أمة أحدكم فتيقن(١) زناها فليجلدها، ولا يُثَرِّبْ بها)) الحديث، وفيه ((فإن عادت الرابعة فليجلدها وليبعها، ولو بضفير)) وعن عليٍّ - رضي الله عنه - عن النبي ◌َليل أنه قال: أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم، رواه الدارقطني(٢). ولأن السيد يملك تأديب أمته وتزويجها، فملك إقامة الحدِّ عليها . وإذا ثبت هذا، فإنما يملك إقامة الحدِّ بأربعة شروط: أحدها، أن يكون جلداً كحد الزنا والشرب والقذف، أما القتل والقطع فلا يملكهما إلا الإمام، وهذا قول أكثر أهل العلم، وفيهما وجه آخر أن السيد يملكهما، وهو ظاهر مذهب الشافعي، لعموم قوله وقالفيه: ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)). ولنا أن الأصل تفويض الحدّ إلى الإمام لأنه حق الله تعالى، فيفوض إلى (١) في نسخة: فتبين. (٢) أخرجه الدارقطني في ((السنن)) (١٥٨/٣). ٣٣٦ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث نائبه، كما في حق الأحرار، ولما ذكره أصحاب أبي حنيفة، وإنما فوض إلى السيد الجلد خاصة لأنه تأديب، والسيد يملك تأديب عبده. الشرط الثاني: أن يختص السيد بالمملوك، فإن كان مشتركاً بين الاثنين أو كانت الأمة مزوجة، أو كان المملوك مكاتباً أو بعضه حراً لا يملك السيد إقامة الحد عليه، وقال مالك والشافعي: يملك السيد إقامة الحد على الأمة المزوجة لعموم الخبر، ولنا ما رُوي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: إذا كانت الأمة ذات زوج رُفِعَتْ إلى السلطان، وإن لم يكن لها زوجٌ جلدها سيدها نصف ما على المحصن(١)، ولم نعرف له مخالفاً في عصره فكان إجماعاً، ولأن نفعها مملوك لغيره مطلقاً أشبهت المشتركة. الشرط الثالث: أن يثبت الحدّ ببينة، أو اعتراف، فإن ثبت باعتراف، فللسيِّد إقامتُه إذا كان يعرف الاعتراف الذي يَثْبُتُ به الحدُّ وشروطَه، وإن ثبت ببينةٍ، اعتُبر أن يثبت عند الحاكم، لأن البينة تحتاج إلى البحث عن العدالة، ومعرفة شروط سماعها ولفظها، ولا يقوم بذلك إلا الحاكم، وقال القاضي يعقوب: إن كان السيد يحسن سماع البينة ويعرف شروط العدالة، جاز أن يسمعها، ويقيم الحد، كما يقيمه بالإقرار، وهذا ظاهر نص الشافعي، لأنها أحد ما يثبت به الحد، فأشبهت الإقرار، ولا يقيم السيد الحدَّ بعلمه، وهذا قول مالك؛ لأنه لا يقيمه الإمام بعلمه، فالسيد أولى، فإن ولاية الإمام للحدِّ أقوى من ولاية السيد، وعن أحمد رواية أخرى أنه يقيمه بعلمه. الشرط الرابع: أن يكون السيد بالغاً عاقلاً عالماً بالحدود وكيفية إقامتها، لأن الصبيَّ والمجنون ليسا من أهل الولايات، والجاهل بالحدّ لا يمكنه إقامته على الوجه الشرعي، فلا يُفَوَّضُ إليه، وفي الفاسق وجهان: أحدهما: لا (١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٣٩/١٠). ٣٣٧ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث يملكه، لأن هذه ولاية، فنفاها الفسق. والثاني: يملكه، لأن هذه ولاية استفادها بالملك، فلم ينافها الفسق كبيع العبد، وفي المكاتب الاحتمالان: أحدهما: يملكه، والثاني: لا . وفي المرأة أيضاً احتمالان: أحدهما: لا تملكه، لأنها ليست من أهل الولايات، والثاني: تملكه لأن فاطمة - رضي الله عنها - جلدت أمة لها، وعائشة - رضي الله عنها - قطعت أمة لها سرقت، وفيه وجه ثالث: أن الحدَّ يُفَوَّضُ إلى وليها، لأنه يزوج أمتها ومولاتها، فملك إقامة الحد على مملوكتها، انتهى. مختصراً. وقال الحافظ(١): اختلف السلف فيمن يقيم الحدود على الأرقّاء، فقالت طائفة: لا يقيمها إلا الإمام أو من يأذن له الإمام، وهو قول الحنفية، وعن الأوزاعي والثوري لا يقيم السيد إلا حدَّ الزنا، واحتج الطحاوي بما أورده من طريق مسلم بن يسار، قال: كان أبو عبد الله رجل من الصحابة يقول: الزكاة والحدود، والفيء، والجمعة إلى السلطان، قال الطحاوي: لا نعلم له مخالفاً من الصحابة، وتعقّبه ابنُ حزم، فقال: بل خالفه اثنا عشر نفساً من الصحابة، وقال آخرون: يقيمها السيد، ولو لم يأذن له الامام، وهو قول الشافعي. وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عمر في الأمة إذا زنت، ولا زوج لها يَحُدُّها سيّدُها، فإن كانت ذات زوج فأمرُها إلى الإمام، وبه قال مالك، إلا إن كان زوجها عبداً لسيدها، فأمرها إلى السيد، وقال ابن العربي في قول مالك: ((إن كانت الأمة ذات زوج لم يحدّها إلا الإمام)): من أجل أن للزوج تعلقاً بالفرج، لكن حديث النبي وَيرٍ أولى أن يُتبع. يعني حديث عليّ الدال على العموم، وهو عند مسلم والثلاثة بلفظ: (١) ((فتح الباري)) (١٦٣/١٢). سـ ٣٣٨ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث ((أقيموا الحدود على أرٍقَّائكم))، وفي بعض طرقه ((من أحصن منهم ومن لم يحصن)) واختلف في رفعه ووقفه، والراجح أنه موقوف، لكن سياقه في مسلم يدل على رفعه، فالتمسك به أقوى، انتهى مختصراً . وفي ((الهداية))(١): لا يقيم المولى الحدَّ على عبده إلا بإذن الإمام، وقال الشافعي: له أن يقيمه لأن له ولايةً مطلقةً عليه، كالإمام بل أولى، لأنه يملك من التصرف فيه ما لا يملكه الإمام فصار كالتعزير، ولنا قوله وَلير: ((أربع إلى الولاة)). وذكر منها الحدود، ولأن الحدُّ حق الله تعالى، لأن المقصد منها إخلاءُ العالم عن الفساد، ولهذا لا يسقط بإسقاط العبد، فيستوفيه من هو نائب عن الشرع، وهو الامام أو نائبه بخلاف التعزير، لأنه حق العبد، ولهذا يُعَزَّر الصبيُّ، وحق الشرع موضوع عنه، انتهى. وقال الحافظ في ((الدراية)): حديث ((أربعة إلى الولاة)) وذكر منها الحدود، لم أجده، وذكره ابن أبي شيبة عن الحسن: أربعةٌ إلى السلطان، الصلاة والزكاة والحدود والقضاء، وعن عبد الله بن محيريز: الجمعة والحدود والزكاة والفيء إلى السلطان، ومن طريق عطاء الخراساني مثله، ولم يذكر الفيء، انتهى. وقال الشيخ رحمه الله في ((البذل)) (٢): استدل الشافعي - رحمه الله - بحديث الباب على أن للمولى إقامة الحد على مملوكه، وعلماؤنا حملوا على التسبيب أي ليكون سبباً لجلدها رافعة للإمام، واستدلوا بما روي عن أبي مسعود وابن عباس وابن الزبير موقوفاً ومرفوعاً: ((أربع إلى الولاة: الحدود، والصدقات، والجمعات، والفيء))، ولأن الحد خالص حق الله تعالى، فلا يستوفيه إلا نائبه، وهو الإمام، انتهى. (١) (٣٤٢/١). (٢) ((بذل المجهود)) (٤٣٨/١٧). ٣٣٩ ٤٣ - كتاب الحدود (٣) باب (١٥٣٦) حديث ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا. ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا. ثُمَّ بِيعُوهَا قلت: وما روي عن الصحابة الذين تقدمت آثارهم في مباشرتهم الحدود من ابن عمر وعائشة وغيرهما تُحْمَلُ على إذن الإمام، ولا مانع من ذلك في الآثار المذكورة. (ثم إن زنت) مرة ثانية (فاجلدوها) قال الزرقاني(١): وقع في بعض الروايات زيادة الحد، لكن قال أبو عمر: انفرد بها راويها، ولا نعلم أحداً ذكره غيره، انتهى (ثم إن زنت) مرة ثالثة (فاجلدوها) قال النووي: فيه أن الزاني إذا حُدّ ثم زنى ثانياً يلزمه حدٌّ آخر، ثم إن زنى ثالثة لزمه حدٌّ آخر، وهكذا أبداً، فأما إن زنى مراتٍ، ولم يُحدَّ لواحدةٍ منهن، فيكفيه حدٌّ واحدٌ للجميع، انتھی . قال الموفق(٢): إن ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف وغيرها إذا تكرر قبل إقامة الحد أجزأ حدٌ واحدٌ بغير خلاف علمناه، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق والشافعي. وإن أقيم عليه الحد، ثم حدثت منه جناية أخرى ففيها حدُّها، لا نعلم فيه خلافاً، وحكاه ابن المنذر عمن يحفظ عنه، انتهى. قلت: حكى ابن حزم في (المحلى)) في المسألة الأولى خلافاً، وحكى عن طائفة أن لكل فعلة حدّ، وعزا هذا القول إلى أصحابهم يعني الظاهرية، ثم قال: هذا وهم من أصحابنا، ولسنا نقول بهذا، لكن نقول: إنه لا يجب شيء من الحدود بنفس الزنا وغيره حتى يستضيف إلى ذلك معنى آخر، وهو ثبات ذلك عند الحاکم، انتھی. (ثم بيعوها) قال الزرقاني (٣): أتى بثم، لأن الترتيب مطلوبٌ لمن أراد (١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٩/٤). (٢) ((المغني)) (٣٨١/١٢). (٣) ((شرح الزرقاني)) (١٤٩/٤). ٣٤٠