النص المفهرس
صفحات 281-300
٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٢٨) حديث لِأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ. تأكيداً (لأقضين بينكما بكتاب الله) قال الحافظ: وفي رواية شعيب ((بالحق))، وهي ترجِّح أول الاحتمالات الماضي ذكرها، اهـ. يعني في كلام الحافظ في أول الحديث تحت قول أحدهما: ((اقضٍ بيننا بكتاب الله، وقال الباجي(١): يحتمل أن يريد به أن يقضي بينهما بالحق الذي ورد كتاب الله بالحكم به، ويحتمل بأن يريد أنه يحكم بينهما بما تضمنه كتاب الله من حكم مسألته، فيذهب في رد الجارية والغنم إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ﴾ وفي الجلد إلى قوله تعالى: ﴿الََِّةُ وَأَلَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلّ ◌َحِدٍ مِنْهُمَا مِاْتَةً جَلْدَةٍ﴾ وفي الرجم إلى ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه نزل من القرآن من حكم الرجم على الثيب من الرجال والنساء، اهـ. وقال الزرقاني(٢): قوله: بكتاب الله أي القرآن على ظاهره المنسوخ لفظه الثابت حكمه، ويدل له قول عمر الآتي: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة فإنا قد قرأناها))، وقد أجمعوا على أن من القرآن ما نسخ حكمه، وثبت خطه، وعكسه في القياس مثله، أو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، وفسر النبي ◌َّ السبيل برجم المحصن، رواه مسلم. أو المعنى بحكم الله وقضائه كقوله تعالى: ﴿كِنَبَ اللَِّ عَلَيْكُمْ﴾ أي حكمه فيكم وقضاؤه عليكم، وما قضى به وَّه هو حكم، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمُوَ ﴿ إِنْ هُوَ (٤) [النجم: ٤]، و﴿ من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠] إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى فلما أمر باتباعه وطاعته جاز أن يقال لكل حكم حكم به: حكم الله وقضاؤه، إذ ليس في القرآن من زنى وافتدى، يُرَدّ فداؤه، ولا أن عليه نفي سنة مع الجلد، ولا أن على الثيب الرجم، وقد أقسم أن يقضي بينهما بكتاب الله وهو صادق، اهـ. (١) ((المنتقى)) (١٣٧/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ١٤٢). ٢٨١ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٢٨) حديث أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدِّ عَلَيْكَ)). وَجَلَدَ ابْنِه مَائَةً، وَغَرَّبَهُ عَاماً . ... (أمّا) بتشديد الميم (غنمك وجاريتك فردٌ عليك) أي مردودٌ عليك من إطلاق المصدر على المفعول، ولذا كان بلفظ واحد للجمع والواحد، ووقع في رواية ((أما الوليدة والغنم فردَّها))، وفي أخرى ((أما ما أعطيته فردٌّ عليك))، كذا في ((الفتح))(١) . وقال أيضاً: فيه أن الحد لا يقبل الفداء وهو مجمع عليه في الزنا والسرقة والحرابة وشرب المسكر، واختلف في القذف، والصحيح أنه كغيره، وإنما يجري الفداء في البدن، كالقصاص في البدن والأطراف، وأن الصلح المبنيّ على غير الشرع يُرَدُّ، ويعاد المال المأخوذ فيه، اهـ. (وجلد) ببناء المعروف من الماضي (ابنه مائة) أي أمر من يجلده، فجلده، (وغرَّبه) بصيغة الماضي من التغريب (عاماً) أي سنة، ولفظ البخاري في الحدود. ((وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام))، قال الحافظ(٢): قال النووي(٣): هو محمول على أنه وَ لير علم أن الابن كان بكراً، وأنه اعترف بالزنا، ويحتمل أن يكون أضمر اعترافه، والتقدير على ابنك إن اعترف، والأول أليق، فإنه مقام الحكم، فلو كان في مقام الإفتاء لم يكن فيه إشكال؛ لأن التقدير إن كان زنا وهو بكر وقرينة اعترافه حضوره مع أبيه وسكوته عما نسب إليه . وأما العلم بكونه بكراً فوقع صريحاً من كلام أبيه في رواية عمرو بن شعيب بلفظ ((كان ابني أجيراً لامرأة هذا وابني لم يحصن)) كذا في ((الفتح)). ونص كلام النووي أنه محمول على أن الإبن كان بكراً، وعلى أنه (١) ((فتح الباري)) (١٤٠/١٢). (٢) ((فتح الباري)) (١٢ /١٤٠). (٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١١/ ٢٠٧). ٢٨٢ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٢٨) حدیث اعترف، وإلا فإقرار الأب عليه لا يقبل، أو يكون هذا إفتاء أي إن كان ابنك زنى، وهو بكر، فعليه جلد مائة وتغريب عام، اهـ. قال الباجي(١): هذا نصٌّ في تغريب الزاني. وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تغريب على الزاني، ودليلنا من جهة المعنى أن كل معصية يتعلق بها قتل أو ما هو دونه من جلد أو قطع، فإن مع الأدون الحبس كالقتل والحرابة، وإذا ثبت ذلك، فإن التغريب على الحر الذكر دون المرأة، ودون العبد خلافاً للشافعي لما رُوي أن النبي وَّ قال: ((إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير»، وهذا موضع تعليم فاقتضى أنه استوعب على ما عليها . ومن جهة المعنى أن المرأة عورة، وفي تغريبها تعريض لها لزوال الستر عنها، والأمة(٢) حق السيد متعلق بمنافعها، وإنما يُغَرَّبُ الرجلُ لينقطع عن منافعه، وإذا ثبت أن التغريب يتعلق بالحر الذكر فإنه يبعد، قال مالك: يُنْفى من مصر إلى الحجاز وإلى مثل شعب، وما والاها، ومن المدينة إلى مثل فدك وخيبر، ونفى عمر بن عبد العزيز من مصر إلى شعب. وقال ابن القاسم: ينفى من مصر إلى أسوان، وإلى أدون منها، وذلك بحيث يثبت له حكم الاغتراب، ولا يبعد كل البعد بما ضاع، وبعد عن أن يدركه منفعة ماله وأهله. وكراؤه في سيره عليه في ماله في الزنا، والمحارب، وإن يكن له مال ففي المسلمين، ويكتب إلى والي البلد الذي يُغرِّب إليه أن يقبضه، ويسجنه سنة عنده، اهـ مختصراً. وقال الحافظ في ((الفتح))(٣): نقل محمد بن نصر الاتفاق على نفي الزاني (١) ((المنتقى)) (١٣٧/٧). (٢) كذا في الأصل، والأوجه عندي بدله والعبد حق السيد متعلق بمنافعه (ش)). (٣) ((فتح الباري)) (١٥٧/٧). ٢٨٣ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٢٨) حديث إلا عن الكوفيين، ووافق الجمهور منهم ابن أبي ليلى وأبو يوسف، وادّعى الطحاوي أنه منسوخ، واختلف القائلون بالتغريب، فقال الشافعي والثوري وداود بالتعميم، وفي قول الشافعي لا ينفى الرقيق، وخص الأوزاعي النفي بالذكورية، وبه قال مالك، وقيَّده بالحرية، وبه قال إسحاق، وعن أحمد روايتان، واحتجَّ من شرط الحرية بأن في نفس العبد عقوبة لمالكه لمنعه منفعته مدة نفیه . واختلف في المسافة التي ينفى إليها، فقيل: هو إلى رأي الإمام، وقيل: يشترط مسافة القصر، وقيل: إلى ثلاثة أيام، وقيل: إلى يومين، وقيل: يوم وليلة، وقيل: من عمل إلى عمل، وقيل: إلى ميل، وقيل: إلى ما ينطلق عليه اسم نفي. وشرط المالكية الحبس في المكان الذي ينفى إليه، اهـ مختصراً. وقال الموفق(١): يُغَرّب البكرُ الزاني حولاً كاملاً إلى مسافة القصر، لأن ما دونها في حكم الحضر. فأما المرأة فإن خرج معها محرمها نُفيَتْ إلى مسافة القصر. وإن لم يخرج معها فقد نقل عن أحمد أنها تُغَرَّب إلى مسافة القصر كالرجل، وهذا مذهب الشافعي، وعن أحمد أنها تُغَرَّبُ إلى دون مسافة القصر، لتقرب من أهلها، فيحفظوها. ويحتمل كلام أحمد أن لا يشترط في التغريب مسافة القصر، فإنه قال في رواية الأثرم: يُنْفى من عمله إلى عمل غيره. وقال أبو ثور وابن المنذر: لو نُفِي إلى قرية أخرى، بينهما ميل أو أقلُّ جاز. وقال إسحاق: يجوز أن يُنْفَى من مصرٍ إلى مصر ونحوه، قال ابن أبي ليلى: لأن النفي ورد مطلقاً غير مُقَيَّدّ، فيتناول أقلَّ ما يقع عليه الاسم، والقصر يسمى سفراً، ولا يحبس في البلد الذي نفي إليه، وبهذا قال الشافعي. وقال (١) انظر: ((المغني)) (٣٢٤/١٢). ٢٨٤ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٢٨) حدیث مالك: يحبس. ولنا أنه زيادة لم يرد بها الشرع، فلا تشرع كالزيادة على العام، اهـ. وفي ((الهداية))(١): ولا يجمع في البكر بين الجلد والنفي. والشافعي يجمع بينهما حداً لقوله عليه الصلاة والسلام: ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)). ولنا قوله تعالى: ﴿فَأَجْلِدُوْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢] الآية، جعل الجلد كل الموجب رجوعاً إلى حرف الفاء أو إلى كونه كل المذكور. ولأن التغريب فتح باب الزنا لانعدام الاستحياء من العشيرة، ثم فيه قطع موادِّ البقاء - يعني ما يحتاج إليه من المأكول والمشروب - فربما تتخذ زناها مكسبة، وهو من أقبح وجوه الزنا. وهذه الجهة مرجحة لقول علي - رضي الله عنه -: كفى بالنفي فتنة. والحديث منسوخ كشطره، وهو قوله عليه السلام: ((الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة)) وقد عرف طريقه في موضعه إلا أن يرى الإمام في ذلك مصلحة، فيُغَرِّبُه على قدر ما يرى، وذلك تعزير وسياسة؛ لأنه قد يفيد في بعض الأحوال فيكون الرأي فيه إلى الإمام، وعليه يحمل النفي المروي عن بعض الصحابة، انتهى بزيادة. وقول علي - رضي الله عنه - قال الزيلعي (٢): رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ومحمد بن الحسن في ((كتاب الآثار))، قالا: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال: قال عبد الله بن مسعود في البكر يزني بالبكر، قال: يجلدان مائة، وينفيان سنة، قال: وقال علي: حسبهما من الفتنة أن يُنْفيا، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب (١) (٣٤٣/١). (٢) ((نصب الراية)) (٣٣٠/٣). ٢٨٥ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٢٨) حديث . وَأَمَرَ أُنَيْساً الْأَسْلَمِيَّ قال: غرَّب عمر - رضي الله عنه - ربيعة بن أمية في الشراب إلى خيبر، فلحق بهرقل فِتنصَّر، فقال عمر: لا أغرِّبُ بعده مسلماً، اهـ. (وأمر) مَليل (أنيساً) بالصرف في النسخ المصرية، وهو الوجه، فما في النسخ الهندية أنيس بعدم الصرف لا وجه له، وهو بضم الهمزة مصغراً (الأسلمي) قال ابن السكن في (كتاب الصحابة)): لا أدري من هو، ولا وجدت له رواية ولا ذكراً إلا في هذا الحديث، وقال ابن عبد البر: هو ابن الضحاك الأسلمي، وقيل: ابن مرثد، وقيل: ابن أبي مرثد، وزيَّقُوا الأخير بأن أنيس بن أبي مرثد صحابيٌّ مشهور، وهو غنويٌّ بالغين المعجمة والنون، لا أسلميٍّ، وغلط من زعم أيضا أنه أنس بن مالك وصغِّر، كما صغّر في رواية أخرى لمسلم، لأنه أنصاري لا أسلمي، كذا في ((الفتح))(١). وقال في ((مقدمة الفتح)): وأنيس هو ابن الضحاك الأسلمي، نقله ابن الأثير عن الأكثرين، ويؤيده أن في الحديث رجلاً من أسلم، ووهم من قال: إنه أنيس بن أبي مرثد، فإنه غنويٌّ، وكذا قول ابن التين: الخطاب كان في ذلك لأنس بن مالك، ولكنه صغّر، اهـ. قال النووي(٢): أنيس هذا صحابيٍّ مشهور، وهو أنيس بن الضحاك الأسلمي معدود في الشاميين، وقال ابن عبد البر: هو ابن مرثد، والأول هو الصحيح المشهور، وهو أسلمي، والمرأة أسلمية، اهـ. وتبعه السيوطي في ((التنوير)) (٣) وصاحب ((المحلى)) في ((شرحه))، وعُلِمَ من هذا كله أن الصحيح المشهور في ذلك كونه ابن الضحاك، فما في ((شرح (١) ((فتح الباري)) (١٤٠/١٢). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٠٧/١١). (٣) ((تنوير الحوالك)) (ص٦٠٢). ٢٨٦ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٢٨) حديث أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الآخَرِ. الزرقاني))(١) إذ قال: جزم ابن حبان وابن عبد البر بأنه أنيس بن الضحاك، وفيه نظر، والظاهر في نقدي أنه غيره، اهـ. أخذ العلامة الشارح هذا الكلام من ((الإصابة))، ووقع في ذلك عندي وهم من ((الشارح)) - رحمه الله - لأن الحافظ لم يذكر في ((الإصابة)) هذا الكلام في حديث الباب، بل في حديث آخر، فإنه ترجم لأنيس بن الضحاك الأسلمي(٢)، ثم قال: ذكره أبو حاتم الرازي، وقال: لا يعرف، وروى ابن منده بسنده إلى أنيس بن الضحاك قال: قال رسول الله # لأبي ذر: ((يا أبا ذر البس الخشن الضيَّقَ حتى لا يجد العز والفخر فيك مساغاً))، قال ابن منده: غريب، وفيه إرسال، وجزم ابن حبان وابن عبد البر بأنه هو الذي قال له رسول الله ◌َله: ((اغد يا أنيس على امرأة هذا))، الحديث، وفيه نظر، والظاهر في نقدي أنه غيره، اهـ. هذا هو كلام الحافظ، وظاهره أنه نظر في كون أنيس الراوي حديث أبي ذر، هو الراوي لحديث العسيف، ونقد أن صاحب العسيف غيره، وترجم بعد ذلك لأنيس الأسلمي المذكور في حديث العسيف. وتقدم قريباً أنه - رحمه الله - رجح كونه ابن الضحاك في ((المقدمة)) و((الفتح)) (أن يأتي امرأة الآخر)، وخص الأسلمي بذلك قصداً إلى أنه لا يؤمر في القبيلة إلا رجل منهم لنفورهم عن حكم غيرهم، وكانت المرأة أسلمية. وقال النووي(٣) تبعاً لغيره: إن سبب بعث النبي ◌َّ أنيساً للمرأة ليعلمها بالقذف المذكور، لتطالب بحدِّ قاذفها إن أنكرت، قال: هكذا أوّله العلماء من (١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٢/٤). (٢) انظر: ((الإصابة)) (١ /٧٧). (٣) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢٠٧/١١). ٢٨٧ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٢٨) حديث فَإِنْ اعْتَرَفَتْ، رَجَمَهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا . أخرجه البخاريّ في: ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٣ - باب كيف كانت يمين النبيّ ◌َلهر. ومسلم في: ٢٩ - كتاب الحدود، ٥ - باب من اعترف على نفسه بالزنى، حدیث ٢٥. أصحابنا وغيرهم، ولا بد منه، لأن ظاهره أنه بعث يطلب إقامة حد الزنا، وهو غير مراد، لأن حد الزنا لا يحتاط له بالتجسس، والتنقيب عنه، بل يستحب تلقين المقر به ليرجع، كما تقدم في قصة ماعز، وكأنَّ لقوله: ((فإن اعترفت)) مقابلاً، أي: وإن أنكرت، فأعلمها أن لها طلب حد القذف، فخُذِف لوجود الاحتمال . فلو أنكرت وطلبت لأجيبت، وقد أخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس أن رجلاً أقرَّ بأنه زنى بامرأة، فجلده النبي وَّ مائة، ثم سأل المرأة، فقالت: كذب، فجلده حدَّ الفرية ثمانين، وقد سكت عليه أبو داود(١)، وصححه الحاكم واستنكره النسائي، كذا في ((الفتح))(٢). (فإن اعترفت) مرة أو أربع مرات على اختلاف الأئمة في ذلك كما تقدم. (رجمها) هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية، وكذا في ((موطأ محمد))، وأعرب عليها في النسخ المصرية بصيغة الماضي، وفي رواية البخاري بلفظ ((فارجمها)) بصيغة الأمر وهو الأوضح. (فاعترفت) بالزنا (فرجمها) ولفظ البخاري ((فغدا عليها، فاعترفت فرجمها)) قال الحافظ: كذا للأكثر، ووقع في رواية الليث ((فاعترفت فأمر بها رسول الله (َّل، فرجمت))، وهي تشعر بأن أنيساً أعاد جوابها على النبي وَال، فأمر حينئذٍ برجمها، فيحتمل أن يكون المراد أمره الأول المعلق على اعترافها، فيتحد مع رواية الأكثر، وهو أولى، انتهى. (١) أخرجه أبو داود (٤٤٦٧). (٢) ((فتح الباري)) (١٤١/١٢). ٢٨٨ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٢٨) حديث قوله: فرجمها، أي أنيس لأنه حكمها، وظاهر رواية الليث أن أنيساً إنما كان رسولاً ليسمع إقرارها فقط، وأن تنفيذ الحكم إنما كان منه وَ له . ويشكل كونه اكتفى بشاهد واحد، وأجيب بأن رواية مالك أولى لما تقرر من ضبطه، وخصوصاً في حديث الزهري، فإنه أعرف الناس به، فالظاهر أن أنيساً كان حاكماً، ولئن سُلِّم أنه رسول، فليس في الحديث نصٌّ على انفراده بالشهادة، فيحتمل أن غيره شهد عليها . وقال القاضي عياض: يحتمل أن ذلك ثبت عنده وَل بشهادة هذين الرجلين، قال الحافظ(١): والذي تقبل شهادته من الثلاثة والد العسيف فقط، وأما العسيف والزوج فلا، وغفل بعض من تبع عياضاً، فقال: لا بد من هذا الحمل، وإلا لزم الاكتفاء بشاهد واحد في الإقرار بالزنا، ولا قائل به، ويمكن الانفصال عن هذا بأن أنيساً بعث حاكماً، فاستوفى شروط الحكم، ثم استأذنه وَر في رجمها، فأذن له. قال المهلب: فيه حجة لمالك في جواز إنفاذ الحاكم رجلاً واحداً في الإعذار، وفي أن يتخذ واحداً يثق به يكشف له عن حال الشهود في السر، كما يجوز له قبول الواحد فيما طريقه الخبر لا الشهادة، اهـ. قال الحافظ: وكيف يُتَّصور من الصورة المذكورة إقامة الشهادة عليها من غير تقدم دعوى عليها، ولا على وكيلها مع حضورها في البلد غير متوارية، إلا أن يقال: إنها شهادة حسبة، ويجاب بأنه لم يقع هناك صيغة الشهادة المشروطة في ذلك، واستدل به على جواز الحكم بإقرار الجاني من غير ضبط بشهادة عليه، ولكنها واقعة عين، فيحتمل أن يكون أنيس أشهد قبل رجمها . قال عياض: احتجَّ قومٌ بجواز حكم الحاكم في الحدود وغيرها، بما أقرَّ (١) ((فتح الباري)) (١٢/ ١٤٢). ٢٨٩ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٢٨) حديث به الخصمُ عنده، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال أبو ثور، وأبى ذلك الجمهور، والخلاف في غير الحدود أقوى، قال: وقصة أنيس يطرقها احتمال معنى الإعذار، واستدل به على أن حضور الإمام الرجم ليس بشرط، وفيه نظر، لاحتمال أن أنيساً كان حاكماً وقد حضر، بل باشر الرجم لظاهر قوله: (فرجمها))، اهـ. قال النووي(١): اعلم أن بعث أنيس محمول عند العلماء من أصحابنا وغيرهم على إعلام المرأة بأن هذا الرجل قذفها ابنه، فيعرفها بأن لها عنده حدَّ القذف، فتطالب به أو تعفو عنه إلا أن تعترف بالزنا، فلا يجب عليه حدُّ القذف، بل يجب عليها حدُّ الزنا، فذهب أنيسٌ، فاعترفت، فرُجِمَتْ، ولا بد من هذا التأويل، لأن ظاهره أنه بعث لإقامة حدِّ الزنا، وهذا غير مراد، لأن حد الزنا لا يباح له التجسس والتفتيش عنه. بل لو أقرَّ به الزاني استحب أن يلقن الرجوع كما سبق، فحينئذٍ يتعين التأويل الذي ذكرنا، وقد اختلف أصحابنا في هذا البعث، هل يجب على القاضي إذا قُذِفَ إنسان معين في مجلسه أن يبعث إليه ليُعَرِّفُه بحقه من حدٍّ القذف أم لا یجب؟ والأصح وجوبه، اهـ. قال الزرقاني(٢): إرسال الإمام إلى المرأة ليسألها عما رُمِيت به، صحح النووي وجوبها، وهو ظاهر مذهبنا، واحتجَّ له ببعث أنيس، لكن تُعُقِّب بأنه فعل في واقعة حال، لا دلالة فيه على الوجوب، لاحتمال أن سبب البعث ما وقع بين زوجها وبين والد العسيف من الخصام، والمصالحة على الحد، واشتهار القصة، فالإرسال إلى هذه يختصُّ بمن كان على مثلها من التهمة القوية بالفجور، اهـ. (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٠٧/١١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٤٣/٤). ٢٩٠ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٢٨) حديث وإليه أشار في ((الكوكب الدري))(١): إذ قال: لا يقال: كيف أمر بالتفتيش عنه، وقد أمر بالستر والدرا ما أمكن؟ قلنا: كانت القصة قد اشتهرت حتى لا يمكن أن تستر، وتُعَرِّفَتْ بحيث لم تبق لها صلاحية أن تنكر، فلم يبق بعد اشتهارها إلا اعتراف المرأة، فلو لم تعترف مع ما جرى من الشهرة وغيرها لكانت تترك من غير شيء، اهـ. ويحتمل أن يقال في الجواب عن هذا الإشكال القوي على أصول الحنفية: إنه وقيل لم يرسل إليها لإقامة الحد عليها، بل لدرا الحد عن العسيف، فإن مذهب الحنفية كما تقدم أن الرجل إذا أقرَّ بالزنا بامرأة، وأنكرته المرأة يسقط الحد عن الرجل أيضاً، قال صاحب ((الدر المختار)) (٢): ويثبت أيضاً بإقراره صريحاً ولم يُكَذِّبْه الآخر، قال ابن عابدين: قوله: ولم يكذبه الآخر، فلو أقر بالزنا بفلانة، فكذبته دُرِئ الحدُّ عنه، وإن أقرت بفلان، فكذبها فلا حدَّ عليها أيضاً عنده، خلافاً لهما في المسألتين، اهـ. وهذا الجواب أوجه عندي، لكن يُشْكل عليه ما قال ابن الهمام (٣): إنه إذا أقرَّ أربع مرات أنه زنى بامرأة لا يعرفها يُحَدُّ، وكذا إذا أقرَّ أنه زنى بفلانة، وهي غائبة يُحَدُّ استحساناً، لحديث العسيف أنه حذَّه، ثم أرسل إلى المرأة، فقال: فإن اعترفت فارجمها، ولأن انتظار حضورها إنما هو لاحتمال أن تذكر مسقطاً عنه وعنها، ولا يجوز التأخير لهذا الاحتمال، كما لا يؤخر إذا ثبت بالشهادة لاحتمال أن يرجع الشهود، لأن كلا منهما شبهة الشبهة، وبه لا یندرئ الحد، اهـ. (١) (٣٧٧/٢). (٢) (١٣/٦). (٣) ((فتح القدير)) (١٢/٥). ٢٩١ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٢٩ - ١٥٣٠) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَالْعَسِيفُ الْأَجِيرُ. ٧/١٥٢٩ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَل : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلاً، أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((نَعَمْ)). أخرجه مسلم في: ١٩ - كتاب اللعان، حديث ١٤. ٨/١٥٣٠ - حدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُولُ: وفيه أن مثل هذا التأخير لا يُعَدُّ تأخيراً حتى يقال: إنه تأخير بعد الثبوت. (قال مالك: والعسيف الأجير) وزناً ومعنّى. ٧/١٥٢٩ - (مالك عن سهيل) بضم السين المهملة مصغراً (ابن أبي صالح عن أبيه) ذكوان السمّان (عن أبي هريرة أن) سيد الخزرج (سعد بن عبادة) الصحابي الشهير - رضي الله عنه - (قال لرسول الله وَتليفون: أرأيت) بفتح التاء أي أخبرني (لو أني وجدت) بصيغة المتكلم (مع امرأتي رجلاً أأمهله) بهمزتين الأولى استفهامية مفتوحة، والثانية مضمومة (حتى آتي بأربعة شهداء) ليشهدوا عليها بعد النظر. (فقال رسول الله وَله: نعم) لا بد من ذلك للدعوى، تقدم ذلك الحديث بسنده ومتنه في أول ((القضاء فيمن وجد مع امرأته رجلاً))، وأعاده المصنف هنا لتعلقه بكتاب الحدود بأنه لا بد من الشهود لإقامة الحد. ٨/١٥٣٠ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري محمد بن مسلم (عن عبيد الله) بضم العين مصغراً (ابن عبد الله) بفتح العين مكبراً (ابن عتبة) بضم العين فسكون (ابن مسعود) الصحابي الشهير (عن عبد الله بن عباس أنه قال: سمعت) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (يقول) على المنبر النبوي بعد ٢٩٢ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٣٠) حدیث الرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقُّ عَلَى مَنْ زَنَى مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. إِذَا أُخْصِنَ . رجوعه من الحجة، وقد سمع فيها رجلاً يقول: لو مات عمر - رضي الله عنه - لقد بايعت فلاناً، الحديث بطوله، فلما وصل المدينة في آخر ذي الحجة يوم الأربعاء خطب بذلك يوم الجمعة (الرجم) مبتدأ، خبره (في كتاب الله حقٌ) ثابت، وإن كان منسوخ التلاوة. ولفظ البخاري(١) من طريق صالح بن كيسان عن الزهري بهذا السند في حديث طويل فيه قصة بيعة أبي بكر - رضي الله عنه -: إن الله بعث محمداً وَل وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول الله و 18 ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن، الحدیث. قال الحافظ(٢): قوله: ((في كتاب الله حق) أي في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فبين النبيُّ وَّ ر أن المراد به رجم الثيب، وجلد البكر، اهـ والأوجه عندي ما قال الباجي(٣): إن المراد في قول عمر - رضي الله عنه - الرجم في كتاب الله حقٌّ، ما روي عن النبي ◌َ ﴿ أنه قال: إنه ما أنزل في القرآن من آية الرجم، اهـ. (على من زنى من الرجال والنساء) يعني لا فرق في ذلك بينهما، وحكمهما في ذلك سواء (إذا أحصن) بضم الهمزة على ما ضبطه الزرقاني يعني ببناء (١) أخرجه البخاري في الحدود (٦٨٣٠). (٢) ((فتح الباري)) (١٤٨/١٢). (٣) ((المنتقى)) (١٣٨/٧). ٢٩٣ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٣٠) حديث المجهول من الإحصان، ويحتمل بفتح الهمزة على بناء المعلوم، قال الحافظ : يعني كان بالغاً عاقلاً، قد تزوج حرة تزويجاً صحيحاً، وجامعها، اهـ. قلت: تقدم الكلام عن الإحصان مفصلاً في ((باب الإحصان)) من كتاب النكاح، ونعيد شيئاً منها لزيادة فوائد، قال الراغب: الحصن جمعه حصون. وتحصن إذا اتخذ الحصن مسكناً، ثم يتجوز في كل تحرز، ومنه درع حصينة. لكونها حصناً للبدن، ويقال: امرأة حصان، وجمعه حُصُن، للعفيفة، ولذات حرمة، قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ الَِّيِّ أَحْصَنَتْ فَرَجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]. وقال تعالى: ﴿فإذا أحصن﴾ تزوجن وأحصن زوجن، والحَصان في الجملة: المحصَنة إما بعفتها أو تزوجها أو بمانع من شرفها، يقال: امرأة مُحْصَن ومُحْصِن، فالمُحْصِن يقال: إذا تصور حصنها من نفسها، والمُحْصَن: إذا تصور حصنها من غيرها، ولذا قيل: المحصنات: المزوجات، تصوراً أن زوجها هو الذي أحصنها، والمحصنات بعد قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ﴾ بالفتح لا غير، وفي سائر المواضع بالفتح والكسر، لأن اللواتي حرم التزوج بهن المزوجات دون العفيفات، وفي سائر المواضع يحتمل الوجهين اهـ. وقال ابن عابدين: المحصن - بفتح الصاد - من أحصن إذا تزوج، وهي مما جاء اسم فاعله عن لفظ اسم المفعول، ومنه أسهب فهو مسهب، إذا أطال الكلام، اهـ. وقال الموفق(١): المحصنات في القرآن جاءت بأربعة معانٍ، أحدهما: العفائف، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾(٢) والثاني: بمعنى المَزَوَّجات كقوله (١) ((المغني)) (٣٨٤/١٢). (٢) سورة النور: الآية ٢٣. ٢٩٤ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٣٠) حدیث تعالى: ﴿وَالْمُعْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾(١) والثالث: بمعنى الحرائر كقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾(٢) والرابع: بمعنى الإسلام كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قال ابن مسعود: إحصانها إسلامها، اهـ. ذكره السيوط في ((الدر))(٣) بطرق عن ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية، وأخرج عن غيره من الصحابة المعاني الأخر. ثم قال الموفق(٤) إن الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل العلم، لحديث عمر - رضي الله عنه -: ((إن الرجم حقٌّ على من زنى، وقد أحصن)) وقال النبي وَلّ: ((لا يحلُّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث))، ذكر منها: ((أوزناً بعد أحصان)). وللإحصان شروط سبعة؛ أحدها: الوطء في القبل، ولا خلاف في اشتراطه، لأن النبي وَّر قال: ((الثيب بالثيب الرجم))، والثيابة تحصل بالوطء في القبل، فوجب اعتباره. ولا خلاف في أن عقد النكاح الخالي عن الوطء لا يحصل به إحصان، سواء حصلت فيه خلوة أو وطء فيما دون الفرج أو في الدبر، ولا بد من أن يكون وطئاً حصل به تغييب الحشفة في الفرج، لأن ذلك حدُّ الوطء الذي يتعلق به أحكام الوطء. الثاني: أن يكون في نكاح؛ لأن النكاح يسمى إحصاناً، قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَكُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني المتزوجات، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الزنا ووطء الشبهة لا يصير به الواطئ محصناً، ولا نعلم خلافاً في التسرِّي لا يحصل به الإحصان لواحد منهما لكونه ليس بنكاح. (١) سورة النساء: الآية ٢٤. (٢) سورة النساء: الآية ٢٥. (٣) ((الدر المنثور)) (٤٥٩/٢). (٤) ((المغني)) (١٢/ ٣١٤، ٣١٥). ٢٩٥ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٣٠) حديث الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور: يحصل الإحصان بالوطء في نكاح فاسد، وحكي ذلك عن الأوزاعي، لأن الصحيح والفاسد سواء في أكثر الأحكام مثل وجوب المهر والعدة وتحريم الريبة وإلحاق الولد وغيرها، فكذلك في الإحصان. ولنا؛ أنه وطء في غير ملك، فلم يحصل به الإحصان كوطء الشُّبهة، ولا نُسَلِّمُ ثبوت ما ذكروه من الأحكام، وإنما تثبُتُ بالوطء فيه، وهذه تثبت في كل وطء وليست مختصة بالنكاح. الرابع: الحرّيةُ، وهي شرط في قول أهل العلم كلهم إلا أبا ثور، قال: العبد والأمة هما محصنان يُرجمان إذا زنيا، وقال الأوزاعي في العبد تحته حرة: هو محصن يرجم إذا زنى، وإن كان تحته أمة لم يرجم. وهذه أقوال تخالف النص والإجماع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَتِهِنَ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٤] والرجم لا يَتَنصَّفُ، وإيجابه كلُّه يخالف النص والإجماع، إلا أن يكون إذا عتقا بعد الإصابة، ففيه اختلاف بين العلماء الآتي قريباً. الشرط الخامس، والسادس: البلوغ، والعقل، فلو وطئ وهو صبيٍّ أو مجنون ثم بلغ أو عقل لم يكن محصناً في قول أكثر أهل العلم، وهو مذهب الشافعي، ومن أصحابه من قال: يصير محصناً، وكذلك العبد إذا وطئ في رقه، ثم عتق يصير محصناً، لأن هذا وطء يحصل به الإحلال للمطلق ثلاثاً، فحصل به الإحصان. ولنا قوله عليه السلام: ((الثيب بالثيب))، الحديث، فاعتبر الثيوبة خاصة، ولو كانت تحصل قبل ذلك لكان يجب عليه الرجم قبل بلوغه وعقله، وهو خلاف الإجماع، ويفارق الإحصان الإحلال، لأن اعتبار الوطء في حق المطلق يحتمل أن يكون عقوبة له بتحريمها عليه حتى يطأها غيره، ولأن هذا مما تأباه ٢٩٦ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٣٠) حديث الطباع، ويشُقُّ على النفوس، فاعتبره الشارع زجراً عن الطلاق ثلاثاً، وهذا يستوي فيه العاقل والمجنون، بخلاف الإحصان، فإنه اعتبر لكمال النعمة في حقه، فإن من كملت النعمة في حقه، كانت جنايته أفحش وأحق بزيادة العقوبة. السابع: أن يوجد الكمال فيهما جميعاً حال الوطء، فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ونحوه قول عطاء، وابن سيرين، والنخعي، والثوري، وإسحاق قالوه في الرقيق، وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملاً صار محصناً، إلا الصبي إذا وطئ الكبيرة لم يحصنها، ونحوه عن الأوزاعي، واختلف عن الشافعي، فقيل: له قولان؛ أحدهما كقولنا، والثاني: أن الكامل يصير محصناً، وهذا قول ابن المنذر، وقال بعضهم: إنما القولان في الصبي دون العبد، فإنه يصير محصناً قولاً واحداً، إذا كان كاملاً . ولنا أنه وطء لم يحصن به أحد المتواطئين فلم يحصن به الآخر كالتسرِّي، ولأنه متى كان أحدهما ناقصاً لم يكمل الوطء فلا يحصل به الإحصان، ثم ذكر الموفق اختلافهم في اشتراط الإسلام للإحصان، وتقدم في أول باب الرجم أن الإسلام شرط للإحصان عند الحنفية ومالك، خلافاً للشافعي وأحمد. وقال الدردير(١) بعد الكلام على شروط الإحصان: والحاصل أن شروط الإحصان عشرة، إذا تخلف شرط منها لم يرجم، وهي: ١ - بلوغ، ٢ - وعقل، ٣ - وحرّية، ٤ - وإسلام، ٥ - وإصابة في ٦ - نكاح، ٧ - لازم، ٨ - ووطء مباح، ٩ - بانتشار، ١٠ - وعدم مناكرة. اهـ. قلت: وخرج من قوله: لازم نكاحٌ غير لازم كنكاح عبد حرة بلا إذن (١) ((الشرح الكبير)) (٣٢٠/٤) ٢٩٧ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٣٠) حدیث سيده ومعيب وفاسد يفسخ أبداً، قال الدسوقي: قوله: انتشار على المعتمد خلافاً للشاذلي، والحاصل أنه لا بد في الإحصان من الانتشار على المعتمد، كما أنه لا بد منه في الإحلال، بخلاف الزنا فإنه لا يشترط فيه ذلك، وقوله : عدم مناكرة. أي بين الزوجين في الوطء بأن يعترفا بحصوله، لا أن أقرّ أحدهما بحصوله، وأنكره الآخر، اهـ. وفي ((الدر المختار))(١): شرائط إحصان الرجم سبعةٌ، الحرية، والتكليف أي عقل، وبلوغ، والإسلام، والوطء، وكونه بنكاح صحيح حال الدخول، وكونهما بصفة الإحصان المذكورة وقت الوطء، فإحصان كل واحد منهما شرط لصيرورة الآخر محصناً، فلو نكح أمة أو الحرة عبداً، فلا إحصان، إلا أن يطأها بعد العتق فيحصل الإحصان به لا بما قبله. وبقي شرط آخر ذكره ابن كمال: وهو أن لا يبطل إحصانهما بالارتداد، فلو ارتدا، ثم أسلما لم يعد إلا بالدخول بعده، ولو بطل بجنون أو عته عاد بالإفاقة، وقيل: بالوطء بعده، ولا يجب بقاء النكاح لبقاء الإحصان، فلو نكح في عمره مرةً، ثم طلق، وبقي مجرداً وزنی رُچِمَ، اهـ. قال ابن عابدين: قوله: شرائط إحصان الرجم قيَّده به، لأن إحصان القذف غير هذا، وقوله: بنكاح صحيح، خرج الفاسد كنكاح بغير شهود، فلا يكون به محصناً، وقوله: حال الدخول احترازٌ عما لو وطئ في نكاح موقوف على الإجازة، ثم أجازت المرأة العقد أو وليُّ الصغيرة فلا يكون بهذا الوطء محصناً، وإن كان العقد صحيحاً، لأنه وطئ في عقد لم يصحّ إلا بعده، لا حال الوطء، اهـ. (١) انظر: ((رد المحتار)) (٢٥/٦). ٢٩٨ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب (١٥٣٠) حدیث إِذَا قَامَتِ الْبَيْنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ (إذا قامت البينة) أي ثبت الزنا بالشهادة (أو كان الحبل) بفتح المهملة والموحدة، وفي رواية معمر ((الحمل)) أي وجدت المرأة الخلية من زوج أو سيد حُبْلى، ولم تذكر شُبْهَةً ولا إكراهاً، كذا في ((الفتح))، وفي ((المحلى)): قال النووي(١): هذا قول عمر - رضي الله عنه - وتابعه مالك وأصحابه، فقالوا: إذا حبلت ولم يعلم لها زوج ولا سيد، ولا عرفنا إكراهاً لزمها الحد إلا أن تكون غريبة، وتدَّعِي أنه من زوج أو سيد، وقال الشافعي وأبو حنيفة والجمهور: لا حدَّ عليها بمجرد الحمل، لأن الحدود تسقط بالشبهات، اهـ. وقال الموفق(٢): إذا أحبلت امرأة لا زوج لها، ولا سيد، لم يلزمها الحد بذلك، وتسأل فإن ادّعت أنها أكرهت أو وطئت بشبهة أو لم تعترف بالزنا لم تحد، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: عليها الحدُّ إذا كانت مقيمة غير غريبة إلا أن تظهر أمارات الإكراه بأن تأتي مستغيثة، أو صارخةً لحديث عمر - رضي الله عنه - هذا. وروي أن عثمان - رضي الله عنه - أتي بامرأة ولدت لستة أشهر، فأمر بها عثمان أن ترجم، فقال عليٍّ - رضي الله عنه -: ليس لك عليها سبيل، قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وهذا يدل على أنه كاد يرجمها بحملها، وعن عمر - رضي الله عنه - نحو هذا، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: يا أيها الناس إن الزنا زِنَاءَان؛ زِنا سِرٍّ، وزنا علانيةٍ، فزنا السِّر أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا العلانية، أن يظهر الحبل، أو الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي، وهذا قول سادة الصحابة، ولم يظهر لهم في عصرهم مخالفٌ، فيكون إجماعاً . (١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١١/ ١٩٣). (٢) («المغني)) (١٢/ ٣٧٧). ٢٩٩ ٤٣ - كتاب الحدود (١) باب ( ١٥٣٠) حدیث أَوْ الاعْتِرَافُ. هذا مختصر من خطبة لعمر طويلة. قالها في آخر عمره . رواها البخاريّ بتمامها في: ٨٦ - كتاب الحدود، ٣١ - باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، ومسلم في: ٢٩ - كتاب الحدود، ٣١ - باب رجم الثيب في الزنى، حديث ١٥. ولنا، أنه يحتمل أنه من وطء إكراه أو شبهةٍ، والحد يسقط بالشبهات، وقد قيل: إن المرأة تحمل من غير وطء بأن يدخل ماء الرجل في فرجها، إما بفعلها أو فعل غيرها؛ ولهذا تُصُوِّرَ حمل البكر، فقد وجد ذلك. وأما قول الصحابة، فقد اختفلت الرواية عنهم، فروى سعيد ثنا خلف بن خليفة ثنا هاشم أن امرأة رُفِعَتْ إلى عمر بن الخطاب ليس لها زوج، وقد حملَتْ، فسألها عمر - رضي الله عنه - فقالت: إني امرأة ثقيلة الرأس، وقع عليّ رجل وأنا نائمة، فما استيقظت حتى فرغ، فدرأ عنها الحد(١). وروى(٢) النَّزَّال بن سبرة عن عمر - رضي الله عنه - أنه أَتِىَ بامرأة حامل فادّعت أنها أكرهت، فقال: خلِّ سبيلها، وكتب إلى أمراء الأجناد أن لا يقتل أحد إلا بإذنه، وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا: إذا كان في الحدِّ لعلَّ وعسى فهو معطل(٣)، وروى الدارقطني بإسناده عن ابن مسعود ومعاذ وعقبة بن عامر أنهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت، ولا خلاف في أن الحد يُدْرَأ بالشبهات، وهي متحققة هنا، اهـ. (أو) كان (الاعتراف) أي الإقرار بالزنا، وتقدم الكلام على الإقرار، وهذا حديث مختصر من حديث طويل أخرجه البخاري في ((باب رجم الحبلى في الزنا)). (١) أخرجه البيهقي في ((باب من زنى بامرأة مستكرة)) من كتاب الحدود (٢٣٥/٨، ٢٣٦). (٢) في نسخة ((البراء بن صبرة)) خطأ. (٣) ((السنن الكبرى)) (٢٣٨/٨). ٣٠٠