النص المفهرس

صفحات 221-240

٤٢ - كتاب القسامة
(٤) باب
وكذلك إن كان أحد الوليين غائباً، فادّعى الحاضر دون الغائب، أو ادعيا
جميعاً، ونكل أحدهما عن الأيمان، لم يثبت القتل في قياس قول الخرقي.
ومقتضى قول أبي بكر والقاضي ثبوت القسامة، وهو مذهب الشافعي؛
لأن أحدهما لم يكذب الآخر، فلم تبطل القسامة، كما لو كان أحد الوارثين
امرأة أو صغيراً، فعلى قولهم، يحلف المدعي خمسين يميناً، ويستحق نصف
الدية.
ثم قال(١) في موضع آخر: إذا كان في الأولياء نساء ورجال أقسم الرجال
وسقط حكم النساء، وإن كان فيهم صبيان ورجال بالغون أو كان فيهم
حاضرون وغائبون، فقد ذكرنا من قبل أن القسامة لا تثبت حتى يحضر الغائب،
وكذلك لا تثبت حتى يبلغ الصبي؛ لأن الحق لا يثبت إلا ببينة كاملة، والبينة
أيمان الأولياء كلهم، والأيمان لا تدخلها النيابة، ولأن الحق إن كان قصاصاً
فلا يمكن تبعيضه، فلا فائدة في قسامة الحاضر البالغ، وإن كان غيره فلا تثبت
إلا بواسطة ثبوت القتل، وهو لا يتبعض أيضاً.
وقال القاضي: إن كان القتل عمداً لم يقسم الكبير حتى يبلغ الصغير،
ولا الحاضر حتى يقدم الغائب؛ لأن حلف الكبير والحاضر لا يفيد شيئاً في
الحال، وإن كان موجباً للمال کالخطأ وعمد الخطأ، فللحاضر المكلف أن
يحلف ويستحق قسطه من الدية، وهذا قول أبي بكر وابن حامد ومذهب
الشافعي، واختلفوا في كم يحلف الحاضر؟ فقال ابن حامد: يقسم بقسطه من
الأيمان، فإن كان الأولياء اثنين أقسم الحاضر خمساً وعشرين، أو كانوا ثلاثة
أقسم سبع عشرة يميناً، وكلما قدم غائب أقسم بقدر ما علیه، واستوفى حقه؛
لأنه لو كان الجميع حاضرين لم يلزمه أكثر من قسطه.
(١) ((المغني)) (٢٠٨/١٢).
٢٢١

٤٢ - كتاب القسامة
(٥) باب
(٥) باب القسامة في العبيد
وقال أبو بكر: يحلف الأول خمسين يميناً، وهذا قول الشافعي؛ لأن
الحكم لا يثبت إلا بالبينة الكاملة، وهي الأيمان كلها، ولأن الخمسين في
القسامة كاليمين الواحدة في سائر الحقوق، فإذا قدم الثاني أقسم خمساً
وعشرين يميناً وجهاً واحداً عند أبي بكر؛ لأنه يبني على أيمان أخيه المتقدمة،
وقال الشافعي: فيه قول آخر، أنه يُقْسِمُ خمسين يميناً أيضاً؛ لأن أخاه إنما
استحق بخمسين، فكذلك هو. فإذا قدم ثالث أو بلغ، فعلى قول أبي بكر يقسم
سبع عشرة يميناً؛ لأنه يبني على أيمان أخويه، وللشافعي فيه قولان؛ أحدهما:
هذا، والثاني: خمسين يميناً، وإن قدم رابع كان على هذا المثال، انتهى.
(٥) القسامة في العبد
قال الموفق(١): إذا كان المقتول مسلماً حراً فليس فيه اختلاف، يعني في
القسامة، سواء كان المدعى عليه مسلماً أو كافراً، فإن الأصل في القسامة قصةٌ
عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر، فأمر النبي و 18 بالقسامة(٢)، أما إن كان
المقتول كافراً أو عبداً، وكان قاتله ممن يجب عليه القصاص بقتله، وهو
المماثل له في حاله، ففيه القسامة، وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي، وقال
الزهري والثوري ومالك والأوزاعي: لا قسامة في العبد، فإنه مال فلم تجب
القسامة فيه، كقتل البهيمة.
ولنا، أنه قتلٌ موجبٌ للقصاص، فأوجب القسامة كقتل الحر، وفارق
البهيمة، فإنها لا قصاص فيها، ويقسم على العبد سيده؛ لأنه المستحق لدمه،
وأم الولد والمدبر والمكاتب كالقن؛ لأن الرق ثابت فيهم، وإن كان القاتل
ممن لا قصاص عليه، كالمسلم يقتل كافراً، والحر يقتل عبداً، فلا قسامة فيه
(١) («المغني)) (٢١٤/١٢).
(٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٢٤/٨).
٢٢٢

٤٢ - كتاب القسامة
(٥) باب
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبِيدِ. أَنَّهُ إِذَا أُصِيبَ
الْعَبْدُ عَمْداً أَوْ خَطَأَ، ثُمَّ جَاءَ سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ يَمِيناً
وَاحِدَةً ثُمَّ كَانَ لَهُ قِيمَةُ عَبْدِهِ، وَلَيْسَ فِي الْعَبِيدِ قَسَامَةٌ فِي عَمْدٍ وَلَا
خَطٍ. وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ ذُلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ قُتِلَ الْعَبْدُ
في ظاهر قول الخرقي، وهو قول مالك؛ لأن القسامة تكون فيما يوجب القود،
وقال القاضي: فيهما القسامة، وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنه قتل
آدمي يوجب الكفارة، فشرعت القسامة فيه كقتل الحر المسلم، ولأن ما كان
حجة في قتل الحر المسلم، كان حجة في قتل العبد الكافر كالبينة، ولنا، أنه
قتل لا يوجب القصاص فأشبه قتل البهيمة، انتهى.
(مالك: الأمر) المختار (عندنا في العبد) وفي النسخ المصرية: في العبيد
(أنه إذا أصيب العبد) بالإفراد في جميع النسخ (عمداً أو خطأ) يعني لا فرق في
هذا الحكم بين العمد والخطأ. (ثم جاء سيده بشاهد) واحد على الإصابة
(حلف) سيده (مع شاهده) حلفاً يكون (يميناً واحدة) لا خمسين يميناً؛ لأنه لا
قسامة فيه، بل هو مال يكفي فيه القضاء بيمين وشاهد على مسلكهم (ثم كان
له) أي للسيد (قيمة عبده) قال الزرقاني (١): وإن زادت على دية الحر، انتهى.
قلت: هذا على مسلك الامام مالك والشافعي وأحمد، خلافاً للحنفية إذ
قالوا: إن كانت قيمته أقل من دية الحر بعشرة دراهم فعليه القيمة، وإن زادت
على ذلك لم تزد على هذا القدر، كما تقدم في باب ما يوجب العقل على
الرجل خاصة في ماله.
(وليس في العبد) وفي بعض النسخ ((العبيد)) (قسامة في عمد ولا خطأ) كرره
تأكيداً (ولم أسمع أحداً من أهل العلم قال ذلك) أي قال بالقسامة في العبيد.
(قال مالك: فإن قتل العبد عبداً) هكذا في جميع الهندية والمصرية من
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢١٦/٤).
٢٢٣

٤٢ - كتاب القسامة
(٥) باب
عَمْداً أَوْ خَطَأَ، لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ قَسَامَةٌ وَلَا يَمِينٌ.
وَلَا يَسْتَحِقُّ سَيِّدُهُ ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ. أَوْ بِشَاهِدٍ. فَيَحْلِفُ مَعَ
شَاهِدِهِ.
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ.
-
المتون والشروح، إلا في نسخة الزرقاني ففيها ((فإن قتل العبد)»، وضبط الفعل
ببناء المجهول، وقال: نائبه العبد، والأوجه الأول؛ لأنه لم يبق فرق بين هذا
القول، وبين القول الماضي على نسخة الزرقاني (عمداً أو خطأ) يعني لا فرق
فيه أيضاً في العمد والخطأ كالأول (لم يكن على سيد العبد المقتول قسامة ولا
يمين) أي أيمان القسامة فهو تفسير لقوله: قسامة (ولا يستحق سيده ذلك) العبد
أي قيمته (إلا ببينة عادلة) أي بشاهدين عدلين (أو بشاهد) واحد (فيحلف) السيد
حينئذٍ (مع شاهده) الواحد، كما هو الأصل في القضاء بيمين وشاهد.
(قال مالك: وهذا) الذي قلنا في مسألة العبد (أحسن ما سمعت في ذلك)
وعلم منه أنه سمع فيه أقوالاً أخر، قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن
العبد إذا قتل عمداً أو خطأ فجاء سيده بشاهد واحد على ما يدعيه من قتله،
فقد قال ابن المواز: لو قام شاهد على حر أنه قتل عبداً لحلف سيده يميناً
واحدة، وأخذ قيمته من المدعى عليه.
ثم يختلف فيه ابن القاسم وأشهب، قال: ويجلد مائة ويحبس سنة،
وقوله: في العبيد قسامة، هذا هو المشهور عن مالك؛ لأن العبد مال، وقد
روى ابن المواز أن العبد إذا قال: دمي عند فلان، فإنه يحلف المدعى عليه
خمسين يميناً ويُبرَّأ، قال أشهب: ويضرب مائة ويسجن سنة، فإن نكل حلف
السيد يميناً واحدة، واستحق قيمة عبده مع الضرب والسجن، قال ابن القاسم:
ثم يحلف المدعى عليه يميناً واحدة، ولا قيمة عليه ولا ضرب ولا سجن، فإن
نكل غرم القيمة وضرب وسجن، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٦٥/٧).
٢٢٤

٤٣ - كتاب الحدود
بسم الله الرحمن الرحيم
٤٣ - كتاب الحدود
(٤٣) كتاب الحدود
اختلفت نسخ ((الموطأ)) في ذكر هذه الكتب، ففي نسخة الباجي ذكر بعد
كتاب العتق كتاب القسامة، ثم كتاب العقول، ثم كتاب الحدود، ثم كتاب
الجامع، وفي نسخة الزرقاني ذكر بعد العتق كتاب الحدود، ثم كتاب العقول،
ثم كتاب القسامة، ثم كتاب الجامع، وهكذا في نسخة ((التنوير))، والمتون
المصرية، واقتفينا في ذلك ترتيب النسخ الهندية الشائعة في ديارنا كدأبنا في
هذا الوجيز المختصر من أول الكتاب إلى آخره، والله الموفق.
والحدود - بضم الحاء جمع حد بفتحها -، وهو الحاجز بين الشيئين يمنع
اختلاط أحدهما بالآخر، سُمِّي بذلك الحدود الشرعية لكونها مانعة لمتعاطيه
عن معاودة مثله، ولغيره أن يسلك مسلكه، والمذكور ههنا منها حد الزنا،
والقذف، والسرقة، والخمر.
قال الحافظ(١): وقد حصر بعض العلماء ما قيل فيه بوجوب الحدّ به في
سبعة عشر شيئاً، فمن المتفق عليه الردة والحرابة ما لم يتب قبل القدرة،
والزنا، والقذف به، وشرب الخمر، سواء أسكر أو لم يسكر، والسرقة، ومن
المختلف فيه جحد العارية، وشرب ما يسكر كثيره من غير الخمر، والقذف
بغير الزنا، والتعريض بالقذف، واللواط، ولو بمن يحل له نكاحها، وإتيان
البهيمة، والسحاق، وتمكين المرأة القرد، وغيره من الدواب من وطئها،
والسحر، وترك الصلوات تكاسلاً، والفطر في رمضان، وهذا كله خارج عما
تشرع فيه المقاتلة، كما لو ترك قوم الزكاة، ونصبوا لذلك الحرب.
(١) ((فتح الباري)) (٥٨/١٢).
٢٢٥

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١) باب ما جاء في الرجم
وأصل الحد ما يحجز بين شيئين، فيمنع اختلاطهما، وحدُّ الدار ما
يُمَيِّزها، وحد الشيء وصفه المحيط به المميز له عن غيره، وسميت عقوبة
الزاني ونحوه حداً لكونها تمنع المعاودة أو لكونها مقدرة من الشارع، قال
الراغب: وتطلق الحدود، ويراد بها نفس المعاصي كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُهَا﴾(١) وعلى شيء فيه مقدر، ومنه ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ
ظَلَمَ نَفْسَهُمْ﴾(٢)، وكأنها لما فصلت بين الحلال والحرام سميت حدوداً، فمنها
ما زجر من فعله، ومنها ما زجر عن فعله، ومنها ما زجر من الزيادة عليه،
والنقصان منه، اهـ.
وفي ((الهداية)) (٣): الحدُّ لغةً المنع، ومنه الحدّاد للبواب، وفي الشريعة
هو العقوبة المقدَّرة حقاً لله تعالى، حتى لا يسمى القصاص حداً لأنه حق
العبد، ولا التعزير لعدم التقدير، والمقصد الأصلي من شرعه الانزجار عما
يتضرر به العباد؛ والطهارة ليست أصلية فيه بدليل شرعه في حق الكافر، اهـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية من المتون والشروح بتأخير
التسمية عن الكتاب.
(١) ما جاء في الرجم
(
قال الراغب (٤): الرجام الحجارة، والرجم، الرمي بالرجام، يقال: رجم
(١) سورة البقرة: الآية ١٧٨.
(٢) سورة الطلاق: الآية ١.
(٣) (٣٣٩/١).
(٤) (ص٣٤٥).
٢٢٦

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
فهو مرجوم قال تعالى: ﴿لَيِن لَّ تَنْتَهِ يَنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُوِينَ﴾(١) ويستعار
الرجم للرمي بالظن والتوهم والشتم والطرد نحو قوله تعالى: ﴿رَحْمًا بِالْغَيْبِ﴾
والشيطان الرجيم المطرود عن الخيرات، اهـ.
قال الموفق(٢): فمعنى الرجم أن يرمي بالحجارة وغيرها حتى يقتل
بذلك، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن المرجوم يدام عليه الرجم حتى
يموت، ووجوب الرجم على الزاني المحصن رجلاً كان أو امرأة، هو قول
عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، من علماء الأمصار في
جميع الأعصار.
ولا نعلم فيه مخالفاً إلا الخوارج، فإنهم قالوا: الجلد للبكر والثيِّب؛
لقوله تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَلَِّ فَلَجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا﴾(٣) الآية، وقالوا: لا يجوز ترك
كتاب الله لأخبار آحاد، يجوز الكذب فيها، ولأن هذا يفضي إلى نسخ الكتاب
بالسنة، وهو لا يجوز.
ولنا أنه قد ثبت الرجم عن رسول الله وَ﴿ بقوله وفعله في أخبار تُشْبِهُ
المتواتر، وأجمع عليه أصحاب رسول الله وَعليه، وقد أنزله الله في كتابه، وإنما
نُسخ رسمه دون حكمه، فقد رُوي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: إن الله
تعالى بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب؛ فكان فيما أنزل عليه آية
الرجم، فقرأتُها، وعقلتُها ووعيتُها، ورجم رسول الله وَل﴿ ورجمنا بعده، فأخشى
إن طال بالناس زمانٌ أن يقول قائل: ما نَجِدُ آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا
بترك فريضة أنزلها الله تعالى الحديث، متفق عليه (٤).
(١) سورة الشعراء: الآية ١١٤.
(٢) ((المغني)) (٣٠٩/١٢).
(٣) سورة النور: الآية ٢.
(٤) أخرجه البخاري ٢٠٨/٨، ٢٠٩ رقم الحديث (٦٨٢٩)، و((فتح الباري)) (١٢/ ١٣٧).
٢٢٧
.)

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
فلو قلنا: إن الثيب لا يجلد لكان هذا تخصيصاً للآية العامة، وهذا سائغ
بغير خلاف، وقولهم: هذا نسخ ليس بصحيح، وإنما هو تخصيص، ثم لو كان
نسخاً لكان نسخاً بالآية التي ذكرها عمر - رضي الله عنه -.
وقال السرخسي في ((المبسوط)): حد الزنا نوعان: رجمٌ في حق
المحصن، وجلدٌ في حق غير المحصن، وكان الحكم في الابتداء الحبس في
البيوت والأذى باللسان، كما قال تعالى: ﴿فَمْسِكُهُنَ فِى الْبُيُوتِ﴾ وقال تعالى:
﴿فَاذُوهُمَّ﴾
ثم انتسخ ذلك بحديث عبادة - رضي الله عنه - أنه بصير قال: ((خذوا عني
قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد
مائة ورجم بالحجارة))، وكان هذا قبل نزول سورة النور بدليل قوله: خذوا
عني، ولو كان بعد نزولها، قال: خذوا عن الله، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:
﴿فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا﴾(١) الآية، واستقر الحكم على الجلد في غير المحصن،
والرجم في حق المحصن، اهـ.
قال ابن بطال: أجمع الصحابة وأئمة الأمصار على أن المحصن إذا زنى
عامداً عالماً مختاراً، فعليه الرجم. ودفع ذلك الخوارج وبعض المعتزلة،
واعتلُّوا بأن الرجم لم يذكر في القرآن، وحكاه ابن العربي عن طائفة من أهل
المغرب لقيهم، وهم من بقايا الخوارج، واحتجَّ الجمهور بأن النبيِ وَّ رجم؛
وكذلك الأئمة بعده، ولذلك قال علي - رضي الله عنه - عند البخاري، حين
رجم المرأة: قد رجمتها بسنة رسول الله ثڑ .
وثبت في ((صحيح مسلم))، عن عبادة أن النبي ◌َّ قال: ((خذوا عني قد
جعل الله لهن سبيلاً الثّيِّب بالثيِّيب الرجم))، وفي البخاري، من حديث عمر
(١) سورة النور: الآية ٢.
٢٢٨

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
- رضي الله عنه - أنه خطب، فقال: ((إن الله بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه
القرآن، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، الحديث، كذا في ((الفتح))(١).
ومن العجب في ذلك ما أخرجه البخاري في ((صحيحه))(٢) عن عمرو بن
ميمون قال: رأيت في الجاهلية قردةً اجتمع عليها قردةٌ قد زنت، فرجموها.
قال الحافظ في ((الفتح)) (٣): وقد ساق الإسماعيلي هذه القصة من وجه
آخر مطولة عن عمرو بن ميمون، قال: كنت في اليمن في غنم لأهلي وأنا على
شرف، فجاء قرد مع قردة، فتوسد يدها، فجاء قرد أصغر منه، فغمزها، فسلت
يدها من تحت رأس القرد الأول سلًا رفيقاً، وتبعته، فوقع عليها، وأنا أنظر،
ثم رجعت، فجعلت تدخل يدها تحت خد الأول برفق، فاستيقظ فزعاً، فشمّها
فصاح، فاجتمعت القرود، فجعل يصيح ويومئ إليها بيده، فذهب القرود يمنةً
ويسرة؛ فجاءوا بذلك القرد أعرفه، فحفروا لهما حفرة، فرجموهما.
واستنكر ابن عبد البر هذه القصة، وتكلم عليها الحميدي في ((الجمع بين
الصحيحين))، وتعقبهما الحافظ في ((الفتح))، وقال في آخره: وقد أطنبتُ في
هذا الموضع لئلا يغتر ضعيفٌ بكلام الحميدي، قال: وقد ذكر أبو عبيدة
معمر بن المثنى في ((كتاب الخيل)) من طريق الأوزاعي أن مهراً أُنْزِي على أمه،
فامتنع، فأدخلت في بيت، وجُلِّلَت بكساء، وأُنْزي عليها، فنزى، فلما شمَّ ريح
أمه عمد إلى ذَكَره، فقطعه بأسنانه من أصله، فإذا كان هذا في الخيل مع كونها
أبعد في الفطنة من القرد، فجوازها في القرد أولى، اهـ.
ويذكر ذلك من دأب الإبل أيضاً. قال الدميري(٤): ذكر صاحب المنطق
(١) ((فتح الباري)) (١١٨/١٢).
(٢) ح (٣٨٤٩).
(٣) ((فتح الباري)) (١٦٠/٧).
(٤) ((حياة الحيوان)) للدميري (٢٨/١).
٢٢٩

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٣) حديث
١/١٥٢٣ - حدثنا مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛
أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَلَّهِ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ
وَامْرَأَةً زَنَیَا،
أنه لا ينزو على أمه. قال: وقد كان رجل في سالف الدهر ستر ناقة بثوب، ثم
أرسل ولدها عليها، فلما عرف ذلك قطع ذكره، ثم حقد على الرجل حتى
قتله، وآخر فعل ذلك فلما عرف أنها أمه قتل نفسه، قلت: لكن يُشْكل عليه ما
قيل في شرح بيت كعب بن زهير.
حرف أبوها أخوها من مهجّنة
وعمها خالها قوداء شمليل(١)
إذا قيل في شرحه: إنها من فحل حمل على أمه، فحُمِلت بهذه الناقة فهو
أبوها وأخوها، اللَّهم إلا أن يقال: إن هذه الخواص تكون لأفراد خاصة من
الحيوانات كما أن الغيرة في الإنسان أيضاً لا تعم لجميع أفراده.
١/١٥٢٣ - (مالك عن نافع) قال الحافظ (٢): في «موطأ محمد)» وحده
حدثنا نافع، قاله الدارقطني في الموطآت، اهـ.
(عن عبد الله بن عمر أنه قال: جاءت اليهود) من خيبر، وكانت إذ ذاك
حرباً، وذكر ابن العربي عن الطبري عن المفسرين قالوا: انطلق قوم من قريظة
والنضير، منهم كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وسعيد بن عمرو،
ومالك بن الصيف. وكنانة بن أبي الحقيق، وغيرهم (إلى رسول الله وَي) في
ذي القعدة سنة أربع (فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا) قال الحافظ في
((الفتح)) (٣): اسم المرأة بُسرة بضم الموحدة وسكون المهملة، ولم يسم الرجل،
وذكر أبو داود(٤) السبب في ذلك بسنده عن أبي هريرة قال: زنى رجل من
(١) (ديوان كعب)) (٦٣).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٦٧/١٢).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (١٦٨/١٢).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٤٤٨).
٢٣٠

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٣) حديث
اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه بُعث
بالتخفيف، فإن أفتانا بفُتْيا دون الرجم، قبلناها، الحديث.
وفيما تقدم عن الطبري عن المفسرين، فسألوا النبي وقال﴿ل وكان رجل
منهم، وامرأة من أشراف أهل خيبر، وكانت خيبر حينئذٍ حرباً، فقال لهم:
اسألوه، فنزل جبرئيل على النبي ◌َّ، فقال: اجعل بينك وبينهم ابن صُوريا،
فذكر القصة مطولاً .
قال الباجي(١): قوله: جاءت اليهود يحتمل أن يريد به أحبار اليهود
ورُهبانهم، وقد روي عن ابن القاسم في ((المزنية)) أنه إذا أتى أساقفة اليهود
والنصارى إلى حاكم المسلمين بمن زنى من أهل ملتهم ليحكم بينهم ليس له
ذلك حتى يرضى الزانيان بذلك، فإن رضي بذلك فالحاكم مخير إن شاء حكم
بينهما وإن شاء لم يحكم بينهما، وأحبُّ إليّ أن لا ينظر الحاكم بينهما.
فعلى هذا يحتمل أن يكون الزانيان قد رضيا بذلك مع رضا الأساقفة،
وإنما اختار للحاكم أن لا ينظر بينهما، وقد نظر بينهما النبي ◌َّر، لأنه يحتمل
أن يكون وَ ل﴿ إنما أنفذ عليهما حكم دينهم، ولم يكن نزل بعدُ حدُّ الزاني عليه.
وفي ((النوادر)) ونحوه في كتاب محمد إنما حكم رسول الله وَلقول بين اليهود
فيما أظهر عليهم في ((التوراة)) هذا قبل نزول الحدود، والحاكم منا اليوم لا
يحكم عليه بحكم التوراة، وإنما يحكم على من يحكم بحكم الإسلام، وقال
أشهب في ((الموازية)): إذا طلب أهل الذمة إقامة الرجم بينهم، فإن كان ذلك
فيما بينهم فذلك لهم، كانوا أهل صلح أو عنوة، إلا من كان منهم رقيقاً لمسلم
من عبد أو أمة، فليس لهم فيه رجم ولا جلد، ولا قتل، ووجه ذلك أن حق
السيد المسلم يتعلق بهم اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١٣٢/٧).
٢٣١

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٣) حديث
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ: ((مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟»
فَقَالُوا : نَفْضَحُهُمْ
(فقال لهم رسول الله رَير: ما تجدون في التوراة) ما استفهامية مبتدأ.
وتجدون جملة في محل الخبر، قال النووي(١): هذا السؤال ليس لتقليدهم ولا
لمعرفة الحكم فيهم، وإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم، كذا في
((المحلى)) (في شأن الرجم) أي في حكمه.
قال الباجي(٢): يحتمل أنه وَلّ قد علم بالوحي أن حكم الرجم فيها ثابتٌ
على ما شرع، لم يلحقه تغيير ولا تبديل، ويحتمل أنه قد علم ذلك بخبر
عبد الله بن سلام، ومن أسلم من علماء اليهود على وجهٍ حصل له العلم بصحة
ما نقلوه، ويحتمل أن يسألهم عن ذلك ليعلم ما عندهم فيه، ثم يستعلم صحة
ذلك من قبل الله تعالى.
وهذا يقتضي أنه قصد الحكم بينهما بما في التوراة لأحد وجهين؛ إما
لأنهم حكموا ليحكم بينهم بالتوراة، وأظهروا إليه أنهم قصدوا بذلك إنفاذه
الحكم بينهم إذا كان الحكم مصروفاً إليه ومقصوراً، وقد روى ابن القاسم عن
مالك لم يكونوا أهل ذمة ولكنهم حَكَّمُوا النبيَّ ◌َّر، فحكم بينهم.
والوجه الثاني: على قول مالك: إن شريعة من قبلنا يلزمنا انقاذ ما ثبت
عندنا منها بقرآن أو حديث صحيح حتى يثبت عندنا نسخها، إما بشريعتنا فقط؛
وإما بشريعتنا وشريعة من قبلنا ممن بيننا وبينه من الرسل، وعلى هذا الوجه
يجب أن يكون علم أنه لم ينسخ هذا الحكم من التوراة بشرع موسى ولا شرع
لغيره من الرسل بعده عليهم الصلوات والسلام، اهـ.
(فقالوا: نفضحهم) بالنون والضاد المعجمة المفتوحتين بينهما فاء ساكنة
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٠٨/١١).
(٢) ((المنتقى)) (١٣٣/٧).
.
٢٣٢

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٣) حديث
.....
وَيُجْلَدُونَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ. إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ
من الفضيحة أي نكشف مساويهم للناس، قال الحافظ(١): وقع بيان الفضيحة
في رواية أيوب عن نافع في التوحيد بلفظ: ((نُسَخِّم وجوههما ونُخُزِيهما))، وفي
رواية عبد الله بن عمر «قالوا: نُسَوِّدُ وجوههما، ونُحَمِّمُهما، ونخالف بين
وجوههما ويطاف بهما))، وفي رواية عبد الله بن دينار .. ((أن أحبارنا أحدثوا
تحميم الوجه والتجبية))، وفي حديث أبي هريرة. ((يحمم ويُجَبَّه ويجلد،
والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار، وتقابل أقفيتهما، ويطاف بهما)). وجزم
إبراهيم الحربي بأن تفسير التجبية من قول الزهري فكأنه أدرج في الخبر.
(ويجلدون) ببناء المجهول قال صاحب (المحلى)): وإنما أتى أحد الفعلين
مجهولاً، والآخر معروفاً ليشعر بأن الفضيحة موكولة إلى اجتهادهم، إن شاؤوا
استحمُّوا وجه الزاني أو عَزَرُّوه، والجلد لم يكن كذلك، قال الباجي(٢): ظاهره
أنهم قصدوا التبديل والتحريف والكذب على التوراة، إما رجاء أن يحكم بغير
ما أنزل الله، وإما لأنهم قصدوا بتحكيمه والر التخفيف على الزانيين، ورأوا أن
ذلك يخرجهم عما أوجب عليهم من إقامة الرجم، ولعلهم قصدوا بذلك
اختيار (٣) أمره إذا اعتقدوا أن النبي ◌ََّ لا يُقَرُّ على الحكم بالباطل. فعصمه الله
تعالى وأبطل كيدهم، وجعل سبب ذلك بأن أكْذَبهم عبدُ الله بن سلام، وتناهوا
في المكر بأن جعل قارئهم يده على آية الرجم، وقرأ ما قبلها وما بعدها أهـ . .
(فقال عبد الله بن سلام) بخفة اللام، الصحابي الشهير، كان من حبر
اليهود، ثم أسلم، وشهد له النبي ◌ّلل بالجنة (كذبتم) يا معشر اليهود (إن فيها
الرجم) على الزاني المحصن، وفي رواية للشيخين فقال عبد الله بن سلام:
(١) ((فتح الباري)) (١٦٨/١٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٣٣/٧).
(٣) هكذا في الأصل الذي بأيدينا بالتحتية، وحكى الحافظ من كلام الباجي بلفظ اختبار أمره
بالموحدة، قال: لأنه من المقرر أن من كان نبياً لا يُقَرُّ على باطلٍ، انتهى. ((ش)).
٢٣٣

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٣) حديث
فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا. فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى أَيَّةِ الرَّجْم. ثُمَّ قَرَأَ
مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ.
.
ادعهم يا رسول الله بالتوراة، فأتي بها، وفي أخرى قال أي النبي وَلّ: ((فأتوا
بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، (فأتوا) بفتح الهمزة على صيغة الجمع من
الماضي (بالتوراة) وفي النسخ الهندية، فأتُوا بالتوراة، فاتلوها، وعلى هذه
النسخة يكون قوله: فأتوا بصيغة الأمر.
والأوجه الأول، لمناسبة قوله الآتي ((فنشروها))، زاد في رواية زيد بن
أسلم «فأتي بها فنزع الوسادة من تحت يده، فوضع التوراة عليها، ثم قال:
((آمنت بك وبمن أنزلك)) وفي حديث جابر عند أبي داود (١) فقال: ((ائتوني بأعلم
رجلين منكم))، فأتي بابن صوريا، زاد الطبري في حديث ابن عباس: ائتوني
برجلين من علماء بني إسرائيل، فأتوه برجلين: أحدهما شابٌّ، والآخر شيخ،
قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، كذا في ((الفتح)) (٢).
(فنشروها) أي فتحوها (فوضع أحدهم) هو عبد الله بن صوريا اليهودي
الأعور الذي كان يقرأ (يده على آية الرجم، ثم قرأ ما قبلها وما بعدها)، وفي
رواية عبيد الله بن عمر، فوضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، فقرأ ما
بين يديها وما وراءها، وفي رواية: فقالوا لرجل ممن يرضون: يا أعور. اقرأ،
فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه، واسم هذا الرجل عبد الله بن
صوريا، وقد وقع عند النقاش في تفسيره أنه أسلم، لكن ذكر مكيّ في تفسيره،
أنه ارتدّ بعد أن أسلم، وعند الطبري ثم كفربعد ذلك ابن صوريا، ونزلت فيه
﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] الآية.
(فقال له) أي للقارىء الواضع يده، (عبد الله بن سلام: ارفع يدك) عنها
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٥٢).
(٢) ((فتح الباري)) (١٦٩/١٢).
٢٣٤

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٣) حديث
فَرَفَعَ يَدَهُ. فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَقَالُوا: صَدَقَ. يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ
الرَّجم.
(فرفع يده فإذا فيها آية الرجم)، ووقع بيان ما في التوراة من آية الرجم في رواية
أبي هريرة المحصن والمحصنة إذا زنيا، فقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت
المرأة حُبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها، وفي حديث جابر عند أبي
داود، قالا: نجد في التوراة: إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل
الميل في المكحلة، رُجما، زاد البزار من هذا الوجه، فإن وجدوا الرجل مع
المرأة في بيت أو في ثوبها، وعلى بطنها؛ فهي ريبة، وفيها عقوبة، قال: فما
منعكما أن ترجموهما: قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل.
٠٠٠ ٠٫٠٠٠٠٠٠
وفي حديث أبي هريرة، فما أول ما ارتخَصْتُم أمر الله؟ قال: زنى ذو
قرابة من الملك، فأخّر عنه الرجم، ثم زنى رجل شريف، فأرادوا رجمه،
فحال قومه دونه، وقالوا: ابدأ بصاحبك، فاصطلحوا على هذه العقوبة، وفي
حديث البراء أنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا
الوضيع أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا، فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف
والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، كذا في ((الفتح))(١).
(فقالوا: صدق يا محمد إن فيها آية الرجم) ولأبي داود عن جابر فدعا
رسول الله ﴿ ﴿ بالشهود، فجاء أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ذَكَرَه في فرجها مثل
المِرْوَدِ في المكحلة، قال النووي: فإن صحَّ هذا، فإن كان الشهود مسلمين
فظاهر، وإن كانوا كفاراً فلا اعتبار لشهادتهم، ويتعين أنهما أقرّا بالزنا، قال
صاحب (المحلى)): وهذا على أصل الشافعية، وأما عندنا فتقبل شهادة بعضهم
علی بعض، انتھی.
٠٠٠
وقال الخطابي: شهادة أهل الذمة مقبولة في وصية المسلم في السفر
(١) ((فتح الباري)) (١٢/ ١٧٠).
٢٣٥

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٣) حديث
فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَ فَرُجِمَا .
خاصة، وممن روي عنه أنه قبلها في هذه الحالة شريح والنخعي، وهو قول
الأوزاعي، وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز لا تقبل شهادتهم إلا في مثل هذا
الموضع للضرورة.
وقال الشافعي: لا تقبل شهادة ذمي بوجه، لا على مسلم، ولا على
كافر، وهو قول مالك، وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز شهادة أهل الكتاب
بعضهم على بعض، وقال أهل الرأي: شهادة بعضهم عل بعض جائز، والكفر
كله ملة واحدة، وقال آخرون: شهادة اليهودي على اليهودي جائزة، لا على
النصراني، والمجوسي، ولا يجوز شهادة أهل ملة على أخرى، وهذا قول
الشعبي وابن أبي ليلى، وإسحاق بن راهوية، وذلك للعداوة التي ذكرها الله
تعالى بين هذه الفرق، كذا في ((البذل))(١).
(فأمر بهما رسول الله (وَّلة) ولفظ حديث أبي هريرة فقال النبي وَّ: فإني
أحكم بما في التوراة، وفي حديث البراء اللَّهم إني أول من أحيا أمرك إذ
أماتوه (فرجما) ببناء المجهول. قال الباجي(٢): يحتمل أن يكون حكم الرجم
قد لزمهما، ولزم النبي وَلّ إنفاذ ذلك فيهما بتحكيمهم له وقبوله ذلك، وأمره ولايه
برجمهما، يقتضي أن الإمام لا يباشر ذلك بنفسه، فقال مالك في ((المزنية)):
· وقد أقامت الأئمة الحدود، فلم نعلم أحداً منهم تولى ذلك بنفسه، وبه قال
مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: إن شهد الزنا بالاعتراف كان على الإمام أن
يبدأ بالرجم، ثم يتبعه سائر الناس، وإن كان ثبت ببينة بدأ الشهود ثم الإمام ثم
سائر الناس، والدليل على ما نقوله أن هذا حدٌّ من الحدود، فلم يلزم الامام
مباشرته كالجلد والقطع في السرقة، اهـ.
(١) ((بذل المجهود)) (٤١٨/١٧).
(٢) ((المنتقى)) (١٣٣/٧).
٢٣٦
.

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٣) حديث
وقال الموفق (١): السُّنَّةُ أن يدور الناس حول المرجوم، فإن كان الزنا
ثبت بالبينة، فالسنة أن يبدأ الشهود بالرجم، وإن كان ثبت بإقراره بدأ به الإمام
أو الحاكم إن كان ثبت عنده، ثم يرجم الناس بعده. وروى سعيد بإسناده عن
علي - رضي الله عنه - قال: الرجم رجمان، فما كان منه بإقرار، فأول من
يرجم الامام ثم الناس، وما كان ببينة، فأول من يرجم البينة، ثم الناس، ولأن
فعل ذلك أبعد لهم من التُّهمة في الكذب عليه، اهـ.
وقال أيضاً في موضع آخر مستدلاً للمالكية في مسألة الحبل: وروي عن
علي - رضي الله عنه - أنه قال: أيها الناس! إن الزنا زناآن: زنا سرٍّ وزنا
علانيةٍ، فزنا السرِّ أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا
العلانية أن يظهر الحبل أو الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي، وهذا قول
سادة الصحابة، ولم يظهر لهم في عصرهم مخالف، فيكون إجماعاً .
ثم تَعَقَّبَ عليه بأن الصحابة مختلفة في مسألة الحبل، فبقي مسألة البداية
على حاله.
وفي ((الهداية))(٢): يبتدأ الشهود برجمه ثم الإمام ثم الناس، كذا روي عن
علي - رضي الله عنه -. ولأن الشاهد قد يتجاسر على الأداء، ثم يستعظم
المباشرة، فيرجع، فكان في بدايته احتيال للدرأ، وقال الشافعي: لا يشترط
بدايته اعتباراً بالجلد، قلنا: كل أحد لا يحسن الجلد فربما يقع مهلكاً.
والإهلاك غير مستحق، ولا كذلك الرجم، لأنه إتلاف.
فإن امتنع الشهود من الابتداء سقط الحد؛ لأنه دلالة الرجوع، وإن كان
الزاني مُقِرّاً، ابتدأ الإمام، ثم الناس كذا روي عن علي - رضي الله عنه -،
(١) ((المغني)) (٣١٢/١٢).
(٢) (٣٤١/١).
٢٣٧

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٣) حديث
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي
ورمى رسول الله ◌َ﴿ الغامدية بحصاةٍ مثل الحِمَّصةِ، وكانت قد اعترفت
بالزنا، اهـ.
قلت: بسط الحافظان الزيلعي وابن حجر (١) في تخريج أحاديث ((الهداية))
في الآثار عن علي - رضي الله عنه - في ذلك بطرق، وفي ((الدراية)): حديث
رمى رسول الله # الغامدية بحصاة، وکانت قد اعترفت بالزنا، رواه أبو داود،
والنسائي، والبزار من طريق عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه مطولاً،
ومختصراً، اهـ.
(فقال عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -: (فرأيت الرجل) الزاني
(يحني) بفتح الياء وسكون الحاء المهملة وكسر النون، آخره ياء ساكنة، قال
ابن عبد البر: هكذا رواه أكثر شيوخنا عن يحيى بالحاء، وقال بعضهم عنه
بالجيم، والصواب فيه عند أهل العلم يجنأ بالجيم والهمز أي يميل عليها، كذا
في ((التنوير)).
وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): وجملة ما حصل لنا من الاختلاف في ضبط
هذه اللفظة عشرة أوجه، ثم بسط هذه الوجوه العشرة، وقال في موضع آخر:
قوله: فرأيت اليهودي أحنى عليها، وقد ضبطت بالحاء المهملة، ثم نون بلفظ
الفعل الماضي أي أكبّ عليها، يقال: أحنت المرأة على ولدها حنواً، وحنت
بمعنى، اهـ.
وقال ابن الأثير في الجيم: أجنى يجني إجناء، وجنى على الشيء يجنو
إذا أكب عليه، وقيل: هو مهموز، وقيل: الأصل فيه الهمزة من جنا إذا مال
عليه، وعطف، ثم خفف، وهو لغة في أجنا، ولو روي بالحاء المهملة بمعنى
(١) راجع ((نصب الراية)) (٣٢٠/٣)، و((الدراية)) (٩٧/٢) ح (٦٤٨).
(٢) ((فتح الباري)) (١٦٩/١٢).
٢٣٨

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٣) حديث
عَلَى الْمَرْأَةِ. يَقِيْهَا الْحِجَارَةَ.
أخرجه البخاريّ في: ٨٦ - كتاب الحدود، ٣٧ - باب أحكام أهل الذمة
وإحصائهم إذا زنوا ورُفعوا إلى الإمام، ومسلم في: ٢٩ - كتاب الحدود، ٦ - باب
رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، حديث ٢٦.
قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي يَحْنِي: يُكِبُّ عَلَيْهَا حَتَّى تَقَعَ الْحِجَارَةُ عَلَيْهِ .
أكبّ عليه لكان أشبه، وقال في حرف الحاء: قال الخطابي: الذي جاء في
((السنن)) ((يجني)) بالجيم، والمحفوظ بالحاء أي يكب عليها، وأن أبا عمر صوّب
رواية الجيم والهمز، وقال ابن دقيق العيد: إنه الراجح في الرواية، قاله
الزرقاني(١) (على المرأة) المزنية (يقيها) زاد في النسخ الهندية قبل ذلك الواو،
والأوجه عندي حذفه كما في النسخ المصرية (الحجارة) أي حجارة الرمي (قال
مالك: معنى يحني عليها يكب) بضم الياء وكسر الكاف أي يميل (عليها حتى تقع
الحجارة) أي حجارة الرمي (عليه) أي على الرجل الزاني، ولا تقع على حبيبته.
قال الباجي(٢): قال مالك: لا يحفر للمرجوم، ولا سمعت أحداً ممن
مضى يحب ذلك، وقال الشافعي: يحفر للمرأة، قال مالك: دل قوله: فرأيت
الرجل يحني على المرأة أنه لا يحفر له، ولو حفر له ما استطاع أن يحني
عليها، قال أشهب: وإن حفرله فأحبّ إليّ أن يخلى له يداه، ويحسن عندي أن
لا يحفر له ولا يربط.
قال القاضي أبو محمد: والدليل على أنه لا يحفر للمرأة أن هذا شخص
مرجوم في الزنا كالرجل، ولأنه إذا كان على وجه الأرض أتت الحجارة على
جميع أعضائه، فكان أسرع لأمره، قال عيسى بن دينار: الامام يفعل من ذلك
ما أحبّ، قال ابن مزين عن أصبغ يحفر للمرجوم، ويرسل له يداه يستتر بها،
ويدرأ بها عن وجهه إن أحبّ، اهـ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٣٦/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٣٤/٧).
٢٣٩

٤٣ - كتاب الحدود
(١) باب
(١٥٢٣) حدیث
وقال الحافظ في ((الفتح)) (١) في حديث ماعز: استدلّ به على أنه لا
يشترط الحفر للمرجوم، لأنه لم يذكر في حديث الباب، بل وقع التصريح في
حديث أبي سعيد عند مسلم، فقال: فما حفرنا له ولا أوثقناه، ولكن وقع في
حديث بريدة عنده فحفر له حفيرة، ويمكن الجمع بأن المنفي حفيرة، لا يمكنه
الوثوب منها، والمثبت عكسه، أو أنهم في أول الأمر لم يحفروا له، ثم لما فرّ
فأدركوه حفروا له حفيرة، فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه.
وعند الشافعية لا يحفر للرجل، وفي وجه يتخيّر الإمام، وهو أرجح لثبوته
في قصة ماعز، والمثبت مقدم على النافي، وفي المرأة أوجه، ثالثها؛ الأصح
إن ثبت زناها بالبينة استحب لا بالإقرار، وعن الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم
لا يحفر، وقال أبو يوسف وأبو ثور: يحفر للرجل والمرأة، اهـ.
فقال الموفق(٢): إذا كان الزاني رجلاً أقيم قائماً، ولم يوثق بشيء، ولم
يحفر له، سواء ثبت الزنا ببينة أو إقرار، لا نعلم فيه خلافاً؛ لأن النبي وَل ـ لم
يحفر لماعز، قال أبو سعيد: فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه، ولكنه قام لنا،
رواه أبو داود(٣)، وإن كان امرأة فظاهر كلام أحمد أنها لا يحفر لها أيضاً.
وذكر في ((المُجَرَّدِ)) أنه إن ثبت الحد بالإقرار لم يُحفر لها، وإن ثبت
بالبيِّنة حُفِرَ لها إلى الصدر، قال أبو الخطاب: هذا أصحُّ عندي، وهو قول
أصحاب الشافعي، لما روى أبو بكر وبريدة أن النبي ◌ّ رجم امرأة، فحفر لها
إلى الثَّنْدُوَةَ(٤)، رواه أبو داود(٥)، ولأنه أستر لها، ولا حاجة إلى تمكينها من
(١) ((فتح الباري)) (١٢٦/١٢).
(٢) ((المغني)) (٣١١/١٢).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٤٦٠/٢).
(٤) الثندوة: لحم الثدي.
(٥) ((سنن أبي داود)) (٤٦٢/٢) ح (٤٤٤٢).
٢٤٠