النص المفهرس
صفحات 201-220
٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
فَإِنْ نَكَلَ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْعَفْوُ عَنِ الدَّمِ، وَإِنْ
كَانَ وَاحِداً، فَإِنَّ الْأَيْمَانَ لَا تُرَدُّ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ وُلَاةِ الدَّم. إِذَا
نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنِ الْأَيْمَانِ. وَلَكِنَ الْأَيْمَانِ إِذَا كَانَ ذُلِكَ، تُرَدُّ عَلَى
المُدَّعَى عَلَيْهِمْ. فَيَحُلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلاً، خَمْسِينَ يَمِيناً.
(قال مالك: فإن نكل) عن اليمين (أحد من ولاة الدم الذين يجوز لهم
العفو) فاعل يجوز (عن الدم وإن كان) الناكل (واحداً فإن الأيمان لا ترد) ببناء
المجهول (على من بقي من ولاة الدم، إذا نكل أحد منهم) أي من ولاة الدم
(عن الأيمان) وهذا هو المذكور سابقاً كرّره تأكيداً وتفهيما (ولكن الأيمان إذا
كان ذلك) أي إذا كان النكول من أحد من ولاة الدم (ترد) ببناء المجهول (على
المدعى عليهم) ببناء المجهول (الدم) مفعول المدعى.
قال الموفق(١): فإن لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين
يميناً، وبُرِّئَ، وهذا ظاهر المذهب، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور كما
تقدم قوله مفصلاً في أول الباب.
(فيحلف منهم) أي من الذين ادعي عليهم القتل (خمسون رجلاً خمسين
يميناً). قال الباجي(٢): يريد أنه يحلف الجماعة في النكول كما يحلف الجماعة
في الدعوى، وقد روى مطرف عن مالك أنه لا يحلف المدعى عليه وحده
بخلاف المدعي، قال مطرف: لأن الحالف المدعى عليه يبرئ نفسه، ووجه
رواية ابن القاسم ما روي أنه و ﴿ قال للمدعين: أترضون خمسين يميناً من
اليهود ما قتلوه، فاقتضى ذلك أن القسامة مختصة بهذا العدد، ومن جهة المعنى
أنه لما جاز أن يحلف مع ولي الدم المدعي له غيره جاز أن يحلف مع المدّعى
عليه المنكر له غيره.
(١) ((المغني)) (٢٠٥/١٢).
(٢) ((المنتقى)) (٦٠/٧).
٢٠١
٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ رَجُلاً، رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ، فَإِنْ
لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ إِلَّا الَّذِي الدُّعِيَ عَلَيْهِ، حَلَفَ هُوَ خَمْسِينَ يَمِيناً وَبَرِئَّ.
(فإن لم يبلغوا) أي الذين ادعي عليهم القتل (خمسين رجلاً) بل كانوا أقل
من ذلك (ردت) ببناء المجهول (الأيمان على من حلف منهم) .
قال الباجي: يحتمل أن يريد إن لم يكن من يجوز أن يحلف من أولياء
المقتول من يبلغ خمسين رجلا، يريد وكان من وجد منهم اثنان فزائداً ردّت
الأيمان على من وجد منهم حتى يستوفوا خمسين يميناً، قال ابن الماجشون:
لهم أن يستعينوا بولاتهم وعشيرتهم كما كان ذلك لولاة المقتول، وقاله المغيرة
وأصبغ، وقال مطرف عن مالك: لا يجوز للمدعى عليهم، واحداً كانوا أو
جماعة أن يستعينوا بمن يحلف معهم، كما يفعل ولاة المقتول، لأنهم إنما
يبرؤن أنفسهم، ويحتمل أن يريد به، فإن لم يبلغ الذين طاعوا بالأيمان معه
خمسين رجلاً؛ لأن غيره ممن كان يصح أن يحلف معه أبوا من ذلك، فإن
الخمسين يميناً ترد على من تطوع بذلك.
(فإن لم يوجد أحد) موصوف صفته (يحلف إلا الذي) أي غير الذي
(ادعي عليه) ببناء المجهول (حلف هو) وحده (خمسين يميناً، وبرئ) من
القصاص.
قال الباجي(١): والفرق بين الأيمان والحالفين، أن الأيمان لا ضرورة
تدعو إلى التبعيض فيها عن العدد المشروع، وقد يعدم في الأغلب عدد
الحالفين، وقوله: برئ أي برئ من الدم وعليه جلد مائة، وسجن عام، قاله
مالك وابن القاسم، وإن أبى أن يحلف سجن حتى يحلف، انتهى.
وقال الموفق (٢): إذا رُدَّتِ الأيمان على المدّعى عليهم، وكان عمداً، لم
(١) ((المنتقى)) (٦١/٧).
(٢) ((المغني)) (١٢/ ٢١٣).
٢٠٢
٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
تجز على أكثر من واحد، فيحلف خمسين يميناً، وإن كانت عن غير عمد،
كالخطأ وشبه العمد، فظاهر كلام الخرقي أن لا قسامة في هذا؛ لأن القسامة
من شرطها اللوث، والعداوة إنما أثرها في تعمد القتل لا في خطئه، وقال غيره
من أصحابنا: فيه قسامة، وهو قول الشافعي؛ لأن اللوث لا يختصّ بالعداوة
عندهم، فعلى هذا تجوز الدعوى على جماعة، فإذا ادُّعي على جماعة، لزم كل
واحد منهم خمسين يميناً، وقال بعض أصحابنا: تقسم الأيمان بينهم بالحصص
كقسمها بين المدعين، إلا أنها ههنا تقسم بالسوّية(١)؛ لأن المدعى عليهم
متساوون فيها، وللشافعي قولان کالوجهين.
والحجة لهذا القول قوله وَله: (تُبَرِّئكم يهود بخمسين يميناً))، وفي لفظ
((يحلفون لكم خمسين يميناً))، ولأنهم أحد المتداعِيَيْن في القسامة، فتقسط
الأيمان على عددهم، وقال مالك: يحلف من المدعى عليهم خمسون رجلاً
خمسين يميناً، فإن لم يبلغوا خمسين ردَّت على من حلف منهم حتى تكمل
خمسين يميناً، فإن لم يوجد أحد إلا الذي ادعي عليه حلف وحده خمسين
يميناً لقوله {َله: ((تبرئكم يهود بخمسين يميناً)).
ولنا، أن هذه أيمان يُبرئ بها كل واحد نفسه من القتل، فكان على كل
واحد خمسون، كما لو كان على كل واحد وحده قتيل، ولأنه لا يبرئ المدعى
عليه حال الاشتراك إلا ما يبرئه حال الانفراد، ولأن كل واحد منهم يحلف
على غير ما حلف عليه صاحبه، بخلاف المدَّعِين، فإن أيمانهم على شيء
واحد، انتھی.
وفي ((المحلى)): وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: لا يحلف المدعون،
وإنما يحلف المدعى عليهم، فإن لم يكمله أهل المحلة، كررت الأيمان عليهم
(١) وفي المدعين بقدر الإرث كما تقدم. (ش)).
٢٠٣
٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا فُرِقَ بَيْنَ الْقَسَامَةِ فِي الدَّم،
وَالْأَيْمَانِ فِي الْحُقُوقِ. أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَايَنَ الرَّجُلَ اسْتَثْبَتَ عَلَيْهِ فِي
حَقِّهِ. وَأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ قَتْلَ الرَّجُلِ لَمْ يَقْتُلْهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ
النَّاسِ. وَإِنَّمَا يَلْتَمِسُ الْخَلْوَةَ. قَالَ: فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْقَسَامَةُ إِلَّا فِيمَا
تَثْبُتُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ. وَلَوْ عُمِلَ فِيهَا كَمَا يُعْمَلُ فِي الْحُقُوقِ، هَلَكَتِ
الدِّمَاءُ، وَاجْتَرَأَ
حتى يتم خمسين؛ لما روي أن عمر - رضي الله عنه - لما قضى في القسامة
وافى إليه تسعة وأربعون رجلاً، فكَرّر اليمين على رجل منهم حتى تمت
خمسون، ثم قضى بالدية، وعن شريح والنخعي مثل ذلك، كذا في ((الهداية))،
وروى ذلك ابن أبي شيبة عن عمر - رضي الله عنه - والنخعي، ورواه
عبد الرزاق عن شریح، انتهى.
(قال مالك: وإنما فرق) ببناء المجهول (بين القسامة في الدم) في الاكتفاء
فيها على الأيمان وجعلها خمسين (والأيمان في الحقوق) إذ أدير الحكم فيها
أولاً على البينة وإن لم توجد فعلى يمين المدعى عليه (أن الرجل إذا داين) أي
أراد أن يعامل (الرجل) الآخر بالدين (استثبت عليه) أي على الرجل الآخر (في
حقه) بالإشهاد عليه أو الرهن والكفيل وغيرهما (وأن الرجل إذا أراد قتل الرجل)
الآخر (لم يقتله في جماعة من الناس) لئلا يحبسوه ولا يشهدوا عليه (وإنما
يلتمس) أي يطلب (الخلوة) من الناس حتى لا يراه أحد.
(قال) مالك: (فلو لم تكن القسامة) أيضاً (إلا فيما تثبت فيه البينة)
كالحقوق (ولو عمل فيها) أي في القسامة (كما يعمل) ببناء المجهول (في
الحقوق) من الإشهاد وغيره عطف تفسير على قوله: فلو لم تكن القسامة
(هلكت) أي ضاعت (الدماء) الكثيرة حيث لا توجد البينة، ومن اجترأ على
القتل أجدر على أن يجترئ على الحلف الكاذب (واجترأ) بالهمز في آخره أي
٢٠٤
.
٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حدیث
النَّاسُ عَلَيْهَا إِذَا عَرَفُوا الْقَضَاءَ فِيهَا. وَلَكِنْ إِنَّمَا جُعِلَتِ الْقَسَامَةُ إِلَى
وُلَاةِ الْمَقْتُولِ، يُبدَّؤُنَ بِهَا فِيهَا لِيَكُفَّ النَّاسُ عَنِ الدَّمِ. وَلِيَحْذَرَ الْقَاتِلُ
أَنْ يُؤْخَذَ فِي مِثْلِ ذُلِكَ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ.
قَالَ يَحْيَى: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ، فِي الْقَوْمِ. يَكُونُ لَهُمُ الْعَدَدُ
أسرع (الناس عليها) أي على الدماء، (إذا عرفوا) أن (القضاء فيها) أيضاً
كالحقوق بالبينة وغيرها (ولكن إنما جعلت) ببناء المجهول (القسامة إلى ولاة
المقتول يبدؤن) أي الولاة (بها) أي بالأيمان (فيها) أي في القسامة يبدؤن
بالحلف، فإن نكلوا ردّت على المدعى عليه ومن معه (ليكف الناس عن الدم،
وليحذر القاتل أن يؤخذ في مثل ذلك بقول المقتول) إذ يقول: دمي عند فلان أو
بقول أوليائه وأيمانهم.
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن الفرق بين القسامة وأيمان الحقوق
أن الرجل إذا داين استظهر لحقه بالوثائق والبينة، فإذا ترك ذلك فمن تضييعه
له، والمقتول إنما يلتمس قاتله موضع الخلوة، وحيث يعدم من يراه فكيف
يستظهر بأهل العدل، ولا علم عند أهل المقتول بذلك، فلا يمكنه الاستظهار
بالبينة، ولو لم يتصرف(٢) إلا ببينة، لقلّ تصرفه، وامتنع من منافعه ومكاسبه،
وسجن نفسه، وتعذر عليه عيشه، فلذلك جعل قوله: دمي عند فلان مؤثراً في
القسامة، وجعل الأيمان إلى أوليائه، وهذا الفرق إنما يعود إلى قبول قول
المدعي: دمي عند فلان، وبين قوله: لي عنده عشرة دنانير.
ويحتمل عندي وجهاً آخر من الفرق، وهو أن قول المدعى: دمي عند
فلان إنما يشهد لغيره؛ لأنه إنما يستحق ذلك بعد موته، فإنما يشهد لولاته،
وقول القائل: لي عند فلان دينار شهادة لنفسه، فلذلك لم يقبل قوله.
(قال مالك في القوم يكون لهم العدو) بالدال والواو في النسخ الهندية،
(١) ((المنتقى)) (٦١/٧).
(٢) أي أهل المعاملة اهـ. ((ش)).
٢٠٥
٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حدیث
يُتَّهَمُونَ بالدَّمِ. فَيَرُدُّ وُلَاةُ الْمَقْتُولِ الْأَيْمَانَ عَلَيْهِمْ. وَهُم نَفَرٌ لَهُمْ
عَدَدٌ: إنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ إِنِسانٍ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِيناً، وَلَا تُقْطَعُ
الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرٍ عَدَدِهِمْ. وَلَا يَبْرَؤُونَ دُونَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ إِنْسَانٍ
عَنْ نَفْسِهِ خَمْسِينَ يَمِيناً .
قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذُلِكَ.
ويلفظ ((العدد)) بالدالين في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح،
والأوجه عندي الأول؛ لأن العداوة لها دخل في القسامة ولوثها، وقوله: لهم
العدد، لا حاجة إلى ذكره بعد ما سيجيء من قوله: وهم نفر لهم عدد، فيكون
هذا مكرراً بلا فائدة (يتهمون) ببناء المجهول أي هؤلاء العدد باعتبار الجنس
(بالدم) أي بدم المقتول (فيرة) ببناء الفاعل (ولاة المقتول) بنكولهم (الأيمان
عليهم) أي على المدعى عليهم (وهم) أي المدعى عليهم (نفر) أي جماعة (لهم
عدد) بالدالين في جميع النسخ الهندية والمصرية.
فقال مالك في الصورة المذكورة: (إنه يحلف كل إنسان منهم) أي من
المدعى عليهم (عن نفسه خمسين يميناً) أنه لم يقتله (ولا تقطع) ببناء المجهول
أي لا تنقسم (الأيمان عليهم بقدر عددهم) بأن يصير مجموع أيمانهم خمسين
(ولا يبرؤون) ببناء الفاعل أي لا يخلصون أي كل واحد منهم (دون أن يحلف)
بناء الفاعل (كل إنسان منهم) أي من المدعى عليهم (خمسين يميناً) أنه لم
يقتله .
(قال) مالك: (وهذا) الذي قلنا: من حلف كل واحد منهم خمسين يميناً
(أحسن ما سمعت في ذلك) الأمر، قال الباجي(١): قوله: في القوم يتّهمون
بالقتل ترد عليهم الأيمان، فإن كل إنسان منهم يحلف خمسين يميناً، قال مالك
في ((الموازية)): لأن كل واحد منهم يحلف عن نفسه، قال عبد الملك: ولكل
(١) ((المنتقى)) (٦٢/٧).
٢٠٦
٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
قَالَ: وَالْقَسَامَةُ تَصِيرُ إِلَى عَصَبَةِ الْمَقْتُولِ، وَهُمْ وُلاَةُ الدَّم
الَّذِينَ يَقْسِمُونَ عَلَيْهِ. وَالَّذِينَ يُقْتَلُ بِقَسَامَتِهِمْ.
واحد منهم أن يستعين في أيمانه بمن شاء من عصبته إلى أن يكون على كل
واحد خمسون يميناً، قال ابن المواز وقاله عبد الملك: وإن كانوا مفترقين، فلا
يستعين أحد بغير عصبته، وإن كانوا من فخذ واحد، جاز أن يستعين أحدهم
بقوم، ثم يستعين بهم الثاني ثم الثالث، ولا يجوز أن يجمع أحدهم في يمين
واحد تبرئة الثلاثة، فيقول: ما فعله فلان وفلان، ولكن تفرد اليمين عن كل
واحد منهم، انتهى.
وقال الدردير(١): فإن نكل بعض من يعتبر وسقط الدم، فترد أيمان على
المدعى عليهم، فيحلف كل منهم خمسين يميناً إن تعدّدُوا؛ لأن كل واحد منهم
مُتَّهمٌ بالقتل، وإن كان لا يقتل بالقسامة إلا واحد، ولا استعانة لمن ردت عليه
بغيره ولو واحداً، ورجح بعضهم الاستعانة ههنا أيضاً كالولي، انتهى.
وتقدم قريباً ما قال الموفق(٢) من أنه إذا ردت الأيمان على المدعى
عليهم، وكان عمداً، لم تجز على أكثر من واحد إلى آخر ما بسطه، وفيه: إذا
ادعي على جماعة لزم كل واحد منهم خمسون يميناً .
(قال مالك: والقسامة تصير) أي ترجع (إلى عصبة المقتول) وفسره بقوله:
(وهم) أي العصبة (ولاة الدم) وهم (الذين يقسمون عليه) أي على طلب الدم
(و) هم (الذين يقتل) ببناء المجهول (بقسامتهم) في قتل العمد، قلت: وتقدم
في أول الباب اختلافهم في من يجب عليه أيمان القسامة، وتقدم هناك أيضاً
من قول الدردير من أنه لا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة من النسب،
وأما النساء فلا يحلفن في العمد، وسيأتي في الباب الآتي أيضاً.
(١) ((الشرح الكبير)) (٢٩٦/٤).
(٢) انظر: ((المغني)) (٢١٣/١٢).
٢٠٧
٤٢ - كتاب القسامة
(٢) باب
(٢) باب من تجوز قسامته في العمد من ولاة الدم
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، أَنَّهُ
لَا يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ فِي الْعَمْدِ أَحَدٌ مِنَ النِّسَاءِ،
(٢) من يجوز قسامته من ولاة الدم - في قتل العمد -
وتقدم في الباب السابق ما قال الموفق(١) من أنه اختلفت الرواية عن
أحمد فيمن تجب عليه أيمان القسامة، فروي عنه أنه يحلف من العصبة الوارث
منهم، وغير الوارث خمسون رجلاً، كل واحد منهم يميناً واحداً، وهذا قول
المالك، فعلى هذا يحلف الوارث منهم الذين يستحقون دمه، فإن لم يبلغوا
خمسين، تُمِّمُوا من سائر العصبة، يؤخذ الأقرب فالأقرب من قبيلته التي ينتسب
إليها .
والرواية الثانية: لا تقسم إلا الوارث، وتعرض الأيمان على ورثة
المقتول دون غيرهم على حسب مواريثهم، وهو قول الشافعي، وعلى هذه
الرواية تقسم بين الورثة من الرجال من ذوي الفروض والعصبات على قدر
إرثهم، انتھی.
وتقدم أيضاً أن لا خلاف بين العلماء في أن الصبيان لا يقسمون، سواء
كانوا من الأولياء أو مدعى عليهم، وأنهم اختلفوا في النساء، فقال مالك: لهن
مدخل في قسامة الخطأ دون العمد، وقال الشافعي: يقسم كل وارث، ولا
يحلفن عند أحمد إذا كن من أهل القتيل، ولا قسامة عندنا الحنفية على صبي
ولا امرأة، كما تقدم عن ((الهداية)).
(قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا) أهل المدينة (أنه لا يحلف
في القسامة في العمد أحد من النساء) كما تقدم قريباً مختصراً، قال صاحب
((المحلى)): وبه قال ربيعة والليث والأوزاعي وأحمد وداود، وقال الشافعي:
(١) ((المغني)) (٢١٠/١٢).
٢٠٨
٤٢ - كتاب القسامة
(٢) باب
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ وُلاَةٌ إِلَّا النِّسَاءُ، فَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ
قَسَامَةٌ وَلَا عَقْوٌ.
قَالَ يَحْيَىُ: قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُقْتَلُ عَمْداً: إِنَّهُ إِذَا قَامَ
عَصَبَةُ الْمَقْتُولِ أَوْ مَوَالِيهِ، فَقَالُوا: نَحْنُ نَحْلِفُ وَنَسْتَحِقُّ دَمَ صَاحِبَنَا،
فِذْلِكَ لَهُمْ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ أَرَادَ النِّسَاءُ أَنْ
يحلف الورثة كلهم ذكوراً كانوا أو إناثاً في العمد والخطأ، وبه قال أبو ثور
وابن المنذر، انتهى.
(فإن لم يكن للمقتول ولاة) أي من له مطالبة الدم (إلا النساء) وليس في
النسخ الهندية لفظ إلا، والظاهر أنه سقوط من الكاتب (فليس للنساء في قتل
العمد قسامة ولا عفو).
قال الباجي(١): يريد أنه لا يقسم إلا الأولياء من الرجال ومن له تعصيب،
وأما من لا تعصيب له من الخؤولة وغيرهم فلا قسامة لهم، وإذا كان للقتيل أم،
فإن كانت معتقة أو أعتق أبوها أو جدها أقسم مواليها في العمد، ومن شهد شاهد
عدل بقتله عمداً، وقال: دمي عند فلان، ولم يكن له عصبة وكان له من الأقارب
نساء أو خؤولة فإنه لا قسامة فيه، ويحلف المدعى عليهم القتل، وقوله: ليس
للنساء عفو، يريد قبل القسامة، وأما بعد القسامة إذا أقسم العصبة، فقد قال
مالك: إن عفا النساء وقام بالدم العصبة، أو عفا العصبة وقام بالدم النساء، فمن
أراد القود أولى ممن تركه؛ لأن الدم إذا ثبت فقد أوجب القتل، انتهى.
(قال مالك في الرجل يقتل) ببناء الفاعل أو المفعول (عمداً: إنه إذا قام
عصبة المقتول أو مواليه) الذين أعتقوه (فقالوا: نحن نحلف) بقتل العمد
(ونستحق) بحلفنا (دم صاحبنا، فذلك) الحق (لهم قال مالك: وإن أراد النساء أن
(١) ((المنتقى)) (٦٢/٧).
٢٠٩
٤٢ - كتاب القسامة
(٢) باب
يَعْفُونَ عَنْهُ، فَلَيْسَ ذُلِكَ لَهُنَّ الْعَصَبةُ وَالْمَوَالِي أَوْلَى بِذُلِكَ مِنْهُنَّ،
لأنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ اسْتَحَقُوا الدَّمَ وَحَلَفُوا عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ عَفَتِ الْعَصَبَةُ أَوْ الْمَوَالِي، بَعْدَ أَنْ يَسْتَحِقُوا
الدَّمَ، وَأَبَى النِّسَاءُ، وَقُلْنَ: لَا نَدَعُ قَاتِلَ صَاحِبَنَا، فَهُنَّ أَحَقُّ وَأَوْلَى
بِذْلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَخَذَ الْقَوَدَ أَحَقُّ مِمَّنْ تَرَكَهُ مِنَ النِّسَاءِ وَالْعَصَبَةِ. إِذَا
ثَبَتَ الدَّمُ وَوَجَبَ الْقَتْلُ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْسَمُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ مِنَ المُدَّعِينَ
يعفون عنه، فليس ذلك لهن) لما تقدم مراراً أن لا مدخل للنساء عند مالك في
قتل العمد.
(قال مالك: العصبة والموالي أولى) وأحق (بذلك) أي بالدم (منهن؛
لأنهم) أي العصبة والموالي (هم الذين استحقوا الدم وحلفوا عليه) كما تقدم
قريباً .
(قال مالك: وإن عفت) من العفو (العصبة أو الموالي) عن القتل (بعد أن
يستحقوا) بصيغة الجمع في النسخ المصرية، وهو أوجه مما في الهندية بلفظ
الإفراد (الدم) بأيمان المدعين (وأبى النساء) عن العفو (وقلن: لا ندع) ولا نترك
(قاتل صاحبنا) بلا قتل (فهن) أي النساء (أحق وأولى بذلك) أي بأخذ القود
(لأن من أخذ القود أولى) وأحق (ممن تركه) أي ترك القود (من النساء والعصبة)
بيان لقوله: من أخذ.
(إذا ثبت الدم ووجب القتل) عطف تفسير لقوله: ثبت، وتقدم قريباً من
كلام الباجي أن النساء لا مدخل لهن في القود أو العفو قبل القسامة، وأما بعد
القسامة، فمن أخذ بالقود أولى ممن تركه، والنساء والعصبة في ذلك سواء بعد
القسامة، وهذه الفروع لا تتمشى في مسلك الحنفية إذ لا أيمان عندهم للمدعين
ولا ولاة الدم، وإنما الأيمان عندهم على أهل المحلة التي وجد فيها القتيل.
(قال مالك: لا يقسم في قتل العمد من المدعين) بالياء الواحدة في النسخ
٢١٠
٤٢ - كتاب القسامة
(٢) باب
إِلَّا اثْنَانِ فَصَاعِداً، تُرَدَّدُ الْأَيْمَان عَلَيْهِمَا حَتَّى يَحْلِفَا خَمْسِينَ يَمِيناً ثُمَّ
قَدْ اسْتَحَقًّا الدَّمَ، وَذُلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا .
المصرية وهو الأوجه مما في الهندية بلفظ المدعيين باليائين (إلا اثنان فصاعداً)
ولا يقسم أقل من اثنين، قال ابن القاسم: كما أنه لا يقتل بأقل من شاهدين،
ولذا لا تحلف النساء في العمد؛ لأن شهادتهن لا تجوز فيه ويحلفن في
الخطاء؛ لأنه مال، وشهادتهن جائزة في الأموال، انتهى.
(تردد) وتكرر (الأيمان عليهما) إن كانا اثنين، وعليهم إن كانوا أكثر من
الاثنين (حتى يحلفا خمسين) أي حتى تتم خمسون (يميناً ثم قد استحقا الدم)
بعد تكميل الأيمان خمسين (وذلك الأمر عندنا) بالمدينة المنورة.
قال الباجي(١): يريد أنه إن لم يوجد من يستحق أن يحلف من الأولياء
إلا واحد، فإن الأيمان لا تثبت في جنبتي القتيل، ولكن ترد على القاتل
فيحلف وحده إن لم يوجد من يحلف معه، والفرق بينه وبينه أن جنبة القتيل لا
يحلف لإثبات الدم إلا اثنان، وفي جنبة القاتل يحلف لنفي الدم واحد أن جنبة
القتيل إذا تعذرت القسامة فيها لم يبطل الحق؛ لأن رد الأيمان على جنبة القاتل
فيه استيفاء حقهم، وجنبة القاتل لو لم تقبل أيمانه وحده لم يكن لما فاته من
الحق بدل، انتهى.
وتقدم ما قال الموفق(٢): اختلفت الرواية عن أحمد في من تجب عليه
أيمان القسامة، فروي عنه أنه يحلف من العصبة الوارثُ منهم، وغير الوارث
خمسون رجلاً كل واحد منهم يميناً، وعلى هذه الرواية يحلف الوارث منهم،
فإن لم يبلغوا خمسين تمموا من سائر العصبة، يؤخذ الأقرب منهم فالأقرب،
والرواية الثانية: لا يقسم إلا الوارث، وتعرض الأيمان على ورثة المقتول دون
(١) ((المنتقي)) (٦٢/٧).
(٢) ((المغني)) (٢١٠/١٢).
٢١١
٤٢ - كتاب القسامة
(٢) باب
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا ضَرَبَ النَّفَرُ الرَّجُلَ حَتَّى يَمُوتَ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ
قُتِلُوا بِهِ جَمِيعاً. فَإِنْ هُوَ مَاتَ بَعْدَ ضَرْبِهِمْ كَانَتِ الْقَسَامَةَ، وَإِذَا
كَانَتِ الْقَسَامَةُ لَمْ تَكُنْ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ وَاحِد وَلَمْ يُقْتَلْ غَيْرُهُ وَلَمْ نَعْلَمْ
قَسَامَةٌ كَانَتْ قَظُ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ .
غيرهم على حسب مواريثهم، هذا قول الخرقي واختيار ابن حامد، وقول الشافعي،
وعلى هذه الرواية تقسم بين الورثة من الرجال من ذوي الفروض والعصبات على قدر
إرثهم، مثل أن يخلف المقتول ابنين أو أخاً وزوجاً حلف كل واحد منهم خمساً
وعشرين يميناً، ثم قال: فإن كان فيهم من لا قسامة عليه بحال، وهو النساء سقط
حكمه، فإذا كان ابن وبنت، حلف الابن الخمسين كلها، انتهى.
(قال مالك: وإذا ضرب النفر) أي الجماعة (الرجل) الواحد (حتى يموت)
ذلك الرجل (تحت أيديهم) أي حين ضربهم (قتلوا) ببناء المجهول (به) أي
بالرجل الواحد (جميعاً) كما قال به جمهور العلماء، منهم الأئمة الثلاثة أبو
حنيفة ومالك والشافعي، وهو رواية عن أحمد - رحمه الله -، وقد قال عمر
- رضي الله عنه : - لو تمالا عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، كما تقدم في أول
(باب الغيلة والسحر)) وتقدم هناك اختلافهم في ذلك.
(فإن هو) أي المضروب (مات بعد ضربهم) يعني لم يمت حال الضرب،
بل عاش، ثم مات بعد ذلك، قال الباجي: يريد أن يشهد على الضرب
شاهدان، فعاش المضروب ثم مات (كانت القسامة) في ذلك في أنه مات من
ضربهم (وإذا كانت القسامة) يعني إذا آل الأمر إلى القسامة (لم تكن) القسامة
(إلا على رجل واحد) معين (ولم يقتل) ببناء المجهول أي لا يقتل بالقسامة
(غيره) أي غير الرجل المعين المذكور.
(ولم نعلم قسامة) التنكير للتعميم (كانت) أي وجدت في الزمن الماضي
(قط) بتشديد الطاء للتأكيد (إلا على رجل واحد) معين، قال الباجي(١): هذا
(١) ((المنتقى)) (٦٣/٧).
٢١٢
٤٢ - كتاب القسامة
(٣) باب
(٣) باب القسامة في قتل الخطأ
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: الْقَسَامَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، يُقْسِمُ الَّذِينَ
يَدَّعُونَ الدَّمَ وَيَسْتَحِقُّونَهُ بِقَسَامَتِهِمْ. يَحْلِفُونَ خمسين يَمِيناً، تَكونُ عَلَى
قَسْمِ مَوَارِيثِهِمْ مِنَ
قول مالك وأكثر أصحابه، وقال أشهب: إن شاؤوا أقسموا على واحد أو على
اثنين أو على جميعهم، ثم لا يقتلون إلا واحداً ممن أدخلوه في القسامة،
انتھی .
وتقدم ما قال الموفق من أنه لا يختلف المذهب أنه لا يستحق بالقسامة
أكثر من قتل واحد، وبهذا قال مالك وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم:
يستحق بها قتل الجماعة، وبنحوه قال أبو ثور. وقد عرفت فيما سبق مراراً أن
لا قود بالقسامة عندنا الحنفية.
(٣) القسامة في - قتل - الخطأ
قد عرفت فيما سبق أن لا مدخل للنساء عند الإمام مالك في القسامة في
قتل العمد، ولهن مدخل في القسامة في الخطأ، ولذا أفرد هذا الباب عما
سبق، وأنت خبير أيضاً بأنه لا مدخل للحنفية في هذا الباب، ولا في الباب
السابق، لأنه لا أيمان عندهم في القسامة على الولاة، لا في العمد ولا في
الخطأ، فهذان البابان خارجان عن مسلكهم، فإن الأيمان عندهم على أهل
المحلة التي وجد فيها القتيل.
(قال مالك في القسامة) والأيمان (في قتل الخطأ:) إنه (يقسم الذين
يدعون الدم).
وفسر قوله: يدعون الدم بقوله: (ويستحقونه) أي الدم (بقسامتهم) وصورة
الحلف أنهم (يحلفون خمسين يميناً) إذ هي نصاب القسامة (ثم يكون) هكذا في
النسخ الهندية، فالضمير إلى الحلف، وفي النسخ المصرية بلفظ ((تكون)) بدون
حرف العطف، فالضمير إلى الأيمان وهذا أوجه (على) قدر (قسم مواريثهم من
٢١٣
٤٢ - كتاب القسامة
(٣) باب
الدِّيَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأَيْمَانِ كُسُورٌ إِذَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ، نُظِرَ إِلَى
الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ تِلْكَ الْأَيْمَانِ إِذَا قُسِمَتْ. فَتُجْبَرُ عَلَيْهِ تِلْكَ
الْيَمِينُ.
الدية) يعني يقسم الأيمان عليهم بقدر إرثهم.
قال الزرقاني(١): فإن كانا اثنين حلف كلٌّ خمساً وعشرين، وفي
((المحلى)): ففي زوجة وبنت تحلف الزوجة عشراً والبنت أربعين (فإن كان في
الأيمان كسور) يعني لا تنقسم الأيمان على الورثة بالسوية (إذا قسمت) الأيمان
(بينهم) أي بين الورثة (نظر) ببناء المجهول (إلى الذي يكون عليه أكثر تلك
الأيمان) أي الذي يكون عليه أكثر كسورها، قاله الزرقاني (إذا قسمت) ببناء
المجهول (فتجبر) ببناء المجهول أي تكمل (عليه) أي على صاحب الأكثر (تلك
اليمين) المكسورة .
قال الزرقاني: كابن وبنت فتحلف البنت سبعة عشر يميناً؛ لأن كسرها
أكثر من كسر الابن، وفي ((المحلى)): ففي الأبوين تحلف الأم سبعة عشر
يمينا، والأب ثلاثة وثلاثين يميناً؛ لأن عليها أن تحلف ستة عشر يميناً، وثلثا
يمين، وهي ثلث خمسين، فتجبر عليها الكسر، انتهى.
قال الباجي(٢): قوله: يحلفون خمسين يميناً، علّق ذلك بالعدد؛
لأنها قسامة في دم، فاختصت بالخمسين كالعمد، ولهذا المعنى يبدأ فيها
المدعون، وتكون الأيمان على الورثة إن كانوا يحيطون بالميراث على قدر
مواريثهم، فإن كان في الأيمان كسر، فالقسامة على أكثرهم حظاً منها.
قاله مالك في ((المجموعة))، قال عبد الملك: لا ينظر إلى كثرة ما عليه
من الأيمان، وإنما ينظر إلى أكثر تلك اليمين، قال ابن القاسم: فإن كان
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢١٥/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٦٣/٧).
٢١٤
٤٢ - كتاب القسامة
(٣) باب
على أحدهم نصفها. وعلى الآخر ثلثها، وعلى الآخر سدسها، جبرت
على صاحب النصف، وإن كان الوارث لا يحيط بالميراث، فإنه لا يأخذ
حصة من الدية حتى يحلف خمسين يميناً، ولا يحمل بعض الورثة عن
بعض شيئاً من الأيمان في الخطأ، كما يتحملها بعض العصبة عن بعض
في العمد، إلا في جبر بعض اليمين، فإنها تجبر على أكثرهم حظاً منها،
قال ابن المواز: لأنه مال، ولا يتحمل أحد فيه اليمين عن غيره كالديون،
انتھی .
قال الموفق(١): على الرواية التي تقسم فيها الأيمان على الورثة إن
انقسمت من غير كسر، مثل أن يخلف المقتول ابنين، حلف كل واحد منهما
خمساً وعشرين، وإن كان ثلاثة بنين حلف كل واحد منهم سبع عشرة يميناً؛
لأن تكميل الخمسين واجب، ولا يمكن تبعيض اليمين ولا حمل بعضهم لها
عن بعض، فوجب تكميل اليمين المنكسرة في حق كل واحد منهم، وهذا أحد
قولي الشافعي.
وقال في الآخر: يحلف كل واحد من المدعين خمسين يميناً، سواء
تساووا في الميراث أو اختلفوا، وعن مالك ينظر إلى ما عليه أكثر اليمين،
فيجبر عليه ويسقط عن الآخر، ولنا، قوله وَلير للأنصار: ((تحلفون خمسين يميناً
وتستحقون دم صاحبكم))، وأكثر ما يروى عنه في الأيمان خمسون، ولو حلف
كل واحد خمسين، لكانت مائة ومائتين، وهذا خلاف النص، وما قال مالك لا
يصح؛ لأنه إسقاط لليمين عمن عليه بعضها، فلم يجز، كما لو تساوى الكسران
بأن يكون على كل واحد من الاثنين نصفها، أو على كل واحد من الثلاثة
ثلثها ، انتهى.
(١) انظر: «المغني)) (٢١٠/١٢، ٢١١).
٢١٥
٤٢ - كتاب القسامة
(٣) باب
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ وَرَثَةٌ إِلَّ النِّسَاءُ، فَإِنَّهُنَّ
يَحْلِفْنَ وَيَأْخُذْنَ الدِّيَةَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، حَلَفَ
خَمْسِينَ يَمِيناً وَأَخَذَ الدِّيَةَ، وإِنَّمَا يَكُونُ ذُلِكَ فِي قَتْلِ الْخَطٍَّ وَلَا
يَكُونُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ.
وقال الدردير (١): وجبرت اليمين على أكثر كسرها، ولو كان صاحبه أقل
نصيباً كبنت مع ابن، فتحلف سبعة عشر يميناً وهو ثلاثة وثلاثون، وإلا بأن
تساوت الكسورة كثلاث بنين على كل ستة عشر وثلثان، فعلى كل منهم تكميل
ما انكسر علیه، انتهى.
(قال مالك: وإن لم يكن للمقتول ورثة إلا النساء) فلما كان لهن مدخل
في قتل الخطأ دون العمد (فإنهن يحلفن) بالقسامة (ويأخذن الدية) لأن الدية
مال يأخذ منه حقه كل وارث ذكراً كان أو أنثى (وإن لم يكن له) أي للمقتول
(وارث إلا رجل واحد) فقط (حلف) ذلك الرجل وحده (خمسين يميناً وأخذ
الدية) كلها (وإنما يكون ذلك) أي الاعتبار بحلف النساء، والاكتفاء بحلف
رجل واحد (في قتل الخطأ) خاصة (ولا يكون) ذلك (في قتل العمد) إذ لا يعتبر
فيه إلا حلف رجلين فصاعداً عصبة.
قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن حكم القسامة في قتل الخطأ غير
حكمها في قتل العمد؛ لأنها لما اختصت القسامة في الخطأ بالمال، كان ذلك
للورثة رجالاً كانوا أو نساء، قلّ عددهم أو كثر، ولا يحلف في ذلك إلا
وارث، وأما قتل العمد فإن مقتضاه القصاص، وإنما يقوم به العصبة من
الرجال، فلذلك تعلقت الأيمان بهم دون النساء، انتهى.
(١) ((الشرح الكبير)) (٤/ ٢٩٤).
(٢) ((المنتقى)) (٦٤/٧).
٢١٦
٤٢ - كتاب القسامة
(٤) باب
(٤) باب الميراث في القسامة
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: إِذَا قَبِلَ وُلَاةُ الدَّم الدِّيَةَ فَهْيَ مَوْرُوثَةٌ
عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، يَرِثُهَا بَنَاتُ الْمَيِّتِ وَأَخَوَاتُهُ. وَمَّنْ يَرِثُهُ مِنَ النِّسَاءِ،
فَإِنْ لَمْ يُحْرِزِ النِّسَاءُ مِيراثَهُ كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ دِيَتِهِ لِأَوْلَى النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ
مَعَ النِّسَاءِ.
(٤) الميراث في القسامة
يعني الدية الحاصلة من القسامة كيف تقسم في الورثة، وقد تقدم في أول
باب ميراث العقل أن دية المقتول موروثة عنه كسائر أمواله عند جمهور
العلماء، إلا في إحدى الروايتين عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: يرثها
عصابته الذين يعقلون، وكان عمر - رضي الله عنه - يذهب إلى هذا، ثم رجع
عنه لما بلغه عن النبي وَ ل توريث المرأة من زوجها.
(قال مالك: إذا قبل) بكسر الموحدة (ولاة الدم الدية) في القسامة (فهي
موروثة) أي منقسمة في الميراث (على كتاب الله) أي على ما قرره الله عز اسمه
في كتابه من المواريث (يرثها) أي الدية (بنات الميت وأخواته) على أصول
الإرث، خصهما بالذكر تمثيلاً، (و) كذا يرثها (من يرثه) أي الميت (من النساء)
بيان لقوله: من يرثه، يعني أن النساء لهن حق في الميراث على أصول
الميراث، وإن لم يكن لهن حق في القسامة والعفو كما تقدم. (فإن لم يحرز
النساء) أصحاب الفروض (ميراثه) كله (كان ما بقي من ديته لأولى) وأقرب
(الناس بميراثه) من عصبته (مع النساء) كبنتين وأخ وابن عم فلا شيء له والثلث
للأخ؛ لأنه أقرب بميراثه، كذا في ((الزرقاني))(١).
قال الباجي (٢): وهذا ما قال: إن الولاة إذا قبلوا الدية فهي موروثة على
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢١٦/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٦٤/٧).
٢١٧
٤٢ - كتاب القسامة
(٤) باب
قَالَ مَالِكٌ: إِذَا قَامَ بَعْضُ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ الَّذِي يُقْتَلُ خَطَأَ، يُرِيدُ
أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرٍ حَقِّهِ مِنْهَا، وَأَصْحَابُهُ غَيَبٌ لَمْ يَأْخُذْ ذُلِكَ.
وَلَمْ يَسْتَحِقَّ مِنَ الدِّيَةِ شَيْئاً، فَلَّ وَلَا كَثُرَ. دُونَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْقَسَامَةَ.
يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِيناً. فَإِنْ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِيناً اسْتَحَقَّ حِصَّتَهُ مِنَ
الدِّيَةِ.
كتاب الله، يرثها بنات الميت وأخواته وسائر من يرثه من النساء، الأم والزوجة
والإخوة للأم والجدة، والأصل في ذلك ما روي عن الضحاك بن أشيم
الكلابي أنه قال: كتب إليّ رسول الله وَله: أن أورث امرأة أشيم الضبابي من
دية زوجها(١)، انتهى.
(قال مالك: إذا قام بعض ورثة المقتول) وفي النسخ الهندية ((بعض ورثة
دية المقتول)) والمؤدى واحد، (الذي يقتل خطأ) صفة للمقتول (يريد) بعض
الورثة المذكورة (أن يأخذ من الدية بقدر حقه) ونصيبه (منها، وأصحابه) أي بقية
الورثة (غيبٌ) قال الزرقاني: بفتحتين جمع غائب كخادم وخدم، وفي
((المحلى)): بضم الغين وتشديد التحتية جمع غائب، قلت: وعلى كلا الوزنين
يجمع الغائب (لم يأخذ)، أي لا يجوز لهذا القائم من بعض الورثة أن يأخذ
(ذلك) أي نصيبه منها .
ثم أكده بقوله: (ولم يستحق) ذلك القائم (من الدية شيئاً قَلَّ ولا كثر) أي
لا قليلاً ولا كثيراً (دون أن يستكمل القسامة) وفسر قوله: يستكمل القسامة
بقوله: (يحلف خمسين يميناً) لاستكمال القسامة (فإذا حلف) ذلك وحده
(خمسين يميناً)، فقد استكمل القسامة ووجب الدية فحينئذٍ (استحق) ذلك
الحالف (حصته) ونصيبه (من الدية) بقدر الإرث، قال صاحب ((المحلى)): وهو
مذهب الشافعي، ففي ((المنهاج)): لو غاب أحد الورثة حلف الآخر خمسين
یمیناً، وأخذ حصته، انتھی.
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٢٧)، والترمذي (٢١١٠)، وابن ماجه (٢٦٤٢).
٢١٨
٤٢ - كتاب القسامة
(٤) باب
وَذَلِكَ أَنَّ الدَّم لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِخَمْسِينَ يَمِيناً، وَلَا تَثْبُتُّ الدِّيَةُ حَتَّى
يَثْبُتُ الدَّمُ، فَإِنْ جَاءَ بَعْدَ ذُلِكَ مِنَ الْوَرَثَةِ أَحَدٌ، حَلَفَ مِنَ الْخَمْسِينَ
يَمِيناً بِقَدْرٍ مِيراثِهِ، وَأَخَذَ حقَّهُ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْوَرَثَةُ حُقُوقَهُمْ إِنْ جَاءَ
أَخْ لِأُمِّ فَلَهُ السُّدُسُ. وَعَلَيْهِ مِنَ الْخَمْسِينَ يَمِيناً، السُّدُسُ. فَمَنْ
حَلَفَ اسْتَحَقَّ مِنَ الدِّيَةِ. وَمَنْ نَكَلَ بَطَلَ حَقُّهُ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ
غَائِباً أَوْ صَبِياً لَمْ يَبْلُغْ، حَلَفَ الَّذِينَ حَضَرُوا خَمْسين يَمِيناً، فَإِنْ جَاءَ
الْغَائِبُ بَعْدَ ذُلِكَ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ الْحُلْمَ،
(وذلك) أي وجه توقفه على خمسين يميناً (أن الدم) في القسامة (لا يثبت إلا
بخمسين يميناً) وذلك ظاهر (ولا تثبت الدية حتى يثبت الدم) بالقسامة (فإن جاء بعد
ذلك) أي بعد الحالف المذكور قبل (من الورثة أحد) آخر (حلف) ذلك الآخر (من
الخمسين يميناً بقدر ميراثه) فقط؛ لأن ذلك المقدار كان واجباً عليه لما تقدم مراراً،
أن الأيمان في الخطأ على الورثة بقدر إرثهم، وإنما احتاج الأول إلى الخمسين
لاستكمال القسامة، فقد استكملت بحلفه، فلم يبق على الآخرين إلا ما كان واجباً
عليهم بقدر إرثهم (وأخذ) ذلك الآخر (حقه) ونصيبه بقدر الإرث، وهكذا يفعل في
بقية الورثة كلها، قال صاحب ((المحلى)): وبه قال الشافعي: إنه لو حضر الغائب
بعد حلف الحاضر حلف بقدر حصته، كما لو كان حاضراً، انتهى.
(حتى يستكمل الورثة حقوقهم) أي أنصباءهم، مثلاً جاء رجل أولاً
وحلف خمسين يميناً استكمل بذلك القسامة (فإن جاء) بعد ذلك (أخ لأم فله)
أي نصيبه من الميراث (السدس. وعليه يكون من الخمسين يميناً) أيضاً
(السدس) وهكذا (فمن حلف) من الورثة بقدر إرثه من الأيمان (استحق حقه من
الدية ومن نكل) عن الأيمان (بطل حقه. وإن كان بعض الورثة غائباً) حين طالب
بعض الورثة الموجودون الدية (أو) كان بعض الورثة إذ ذاك (صبياً لم يبلغ)
صفة كاشفة لقوله: صبياً (حلف الذين حضروا) من البالغين (خمسين يميناً)
لاستكمال القسامة، ثم أخذوا بقدر نصيبهم من الدية (فإن جاء الغائب بعد ذلك
حلف) بقدر إرثه (أو بلغ الصبي الحلم) بضم الحاء ما يراه النائم في المنام،
٢١٩
٤٢ - كتاب القسامة
(٤) باب
حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَحْلِفُونَ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ مِنَ الدِّيَةِ. وَعَلَى قَدْرِ
مَوَارِيثِهِمْ مِنْهَا .
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ.
والمراد بلغ مبلغ الرجال (حلف) ذلك أيضاً بقدر إرثه وأخذ حقه.
ثم أوضحه بقوله: (يحلفون) أي كل من الغائب والصبي (على قدر
حقوقهم)، أي بقدر ما يستحقون (من الدية) وهي (على قدر مواريثهم منها) أي
من الدية، قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن بعض ورثة القتيل إذا قام
وسائرهم غيَّبٌ، فإنه لا يأخذ شيئاً من الدية حتى يحلف خمسين يميناً؛ لأنه لا
يستحق شيئاً منها إلا باستكمال الأيمان، فإن جاء بعد ذلك بعض من غاب
حلف من الأيمان بقدر ما كان يجب عليه منها لو حضر جميعهم أول الأمر،
وأخذ حصته من الدية.
وكذلك لو نكل بعضهم، لم يستحق من لم ينكل شيئاً من الدية حتى
يستكمل خمسين يميناً، ويأخذ من الدية، بقدر حصته منها لو حلف جميعهم،
ويبطل حق من نكل ومن غاب من الورثة، أو كان صبياً، فهو على حقه حتى
يكبر الصغير، ويحضر الغائب، فيحلف بقدر حقه ويأخذه، انتهى.
(قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت في ذلك) وعلم منه أنه - رضي الله
عنه - سمع غيره أيضاً، إلا أنه اختار ذلك لوجوه الترجيح عنده.
وقال الموفق(٢): القسامة لا تثبت ما لم يتفق الأولياء على الدعوى، فإن
كذب بعضهم بعضاً لم تثبت القسامة، نص عليه أحمد، فأما إن لم يكذبه ولم
يوافقه في الدعوى، مثل إن قال أحدهما: قتله هذا، وقال الآخر: لا نعلم
قاتله، فظاهر كلام الخرقي أن القسامة لا تثبت لاشتراطه ادّعاء الأولياء،
(١) ((المنتقى)) (٦٤/٧).
(٢) («المغني)) (١٢ / ١٩٧).
٢٢٠