النص المفهرس

صفحات 181-200

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
فَبَعَثَ إِلَيْهِم بِمِائَةِ نَافَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ. قَالَ سَهْلٌ: لَقَدْ
رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاء.
أخرجه البخاريّ في: ٩٣ - كتاب الأحكام، ٣٨ - باب كتاب الحاكم إلى
عمَّاله. ومسلم في: ٢٨ - كتاب القسامة، ١ - باب القسامة، حديث ٦.
قَالَ مَالِكٌ: الْفَقِيرُ هُوَ الْبِثْرُ.
٢/١٥٢٢ - قَالَ يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
بُشَيْرِ
هذا فلا يرد على الحنفية ما أوردوا من أن مذهبكم في القسامة تحليف الملاك لا
السكان، وها هنا قد حلف السكان ولم يتعرض بالملاك وهم المسلمون.
وإنما جرى أمر القسامة عليهم لما أن القوم كانوا معاهدين، وكانت
القسامة شائعة في الجاهلية على النحو الذي قلنا، فلا يورد أنها لو لم تفتح بعد
لما قبلوا ذلك منهم؛ لأنهم كانوا غير مقدورين عليهم. انتهى كلامه الشريف.
(فبعث) رسول الله وَلجر (إليهم) أي إلى الحارثيين أولياء المقتول (بمائة
ناقة) كمال الدية (حتى أدخلت) ببناء المجهول والضمير إلى النوق (عليهم الدار)
أي دارهم (قال سهل) بن أبي حثمة: (لقد ركضتني) بالضاد المعجمة أي
رفستني برجلها (منها ناقة حمراء) ولابن إسحاق ((فوالله ما أنسى ناقة بكرة منها
حمراء ضربتني وأنا أحوزها))، قال الباجي(١): قال ذلك على معنى إظهار تبيينه
للحديث ومشاهدته للكثير منه.
(قال مالك: الفقير) المذكور في الحديث معناه (هو البئر) كما تقدم في
شرح الحديث.
٢/١٥٢٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن بشير) بضم
(١) ((المنتقى)) (٥٥/٧).
١٨١

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
ابْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلِ الْأَنْصَارِيِّ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ
مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ. فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا. فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
سَهْلٍ، فَقَدِم مُحَيِّصَةُ. فَأَتِى هُوَ، وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
سَهْلٍ إِلَى النَّبِيِّ
صلىالله
.
وسلم
الموحدة وفتح الشين المعجمة (ابن يسار) بفتح التحتية والسين المهملة الخفيفة
(أنه) أي بشير (أخبره) أي يحيى قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في
إرسال هذا الحديث، وقال الزرقاني(١): هو موصول في ((الصحيحين))
وغيرهما(٢) من طريق بشر بن المفضل وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة والليث
وعبد الوهاب الثقفي كلهم عن يحيى بن سعيد عن بشير عن سهل بن أبي
حثمة، زاد حماد عن يحيى عن بشير ورافع بن خديج، وقال الليث عن يحيى:
حسبت أنه قال مع سهل ورافع بن خديج، اهـ.
(أن عبد الله بن سهل) رضي الله عنه (الأنصاري) الشهيد بخيبر
(ومحيصة بن مسعود خرجا) مع أصحاب لهما يمتارون تمراً (إلى خيبر) زاد في
رواية بشر بن المفضل ((وهي يومئذ صلح))، والمراد على الظاهر بعد فتحها،
وتقدم قريباً من كلام الشيخ الگنگوهي - نور الله مرقده - أنه استدل بالحديث
السابق على أنها لم تفتح بعد (فتفرقا في حوائجهما) وفي رواية ((فتفرقا في
النخل)) (فقتل) ببناء المجهول (عبد الله بن سهل)، فأخبر محيصة فأتاه محيصة
وهو يتشحط في دمه قتيلاً في الفقير فدفنه، (فقدم) بعد ذلك (محيصة) المدينة
فأخبر قومه (فأتى هو) أي محيصة (وأخوه حويصة) ابنا مسعود (وعبد الرحمن بن
سهل) أخو الشهيد (إلى النبي ◌َّة) ليخبروه الخبر.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٩/٤).
(٢) أخرجه البخاري في: ٨٧ - كتاب الديات، ٢٢ - باب القسامة (٦٨٩٨)، ومسلم في:
٢٨ - كتاب القسامة، ١ - باب القسامة، (١٦٦٩)، وأبو داود في: الديات (٤٥٢٣)،
والنسائي في: ٤٥ - كتاب القسامة (٤٧١٢).
١٨٢

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ لِيَتَكَلَّمَ، لِمَكَانِهِ مِنْ أَخِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ :
(كَبِّرْ كَبِّرْ)) فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةٍ. فَذَكَرَا شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ.
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ
صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ؟))
(فذهب عبد الرحمن) أخو الشهيد (ليتكلم) بزيادة اللام في جميع النسخ
بخلاف الرواية الأولى (لمكانه) وقرابته (من أخيه) الشقيق (فقال رسول الله إليه:
كبر كبر) بصيغة الأمر مثل الحديث السابق، وفي رواية ((الكبر الكبر)) بهمزة
وصل وضم الكاف وتسكين الموحدة جمع الأكبر، والنصب على الإغراء يعني
كما قال يحيى بن سعيد: ليلي الكلام الأكبر، قاله الزرقاني.
(فتكلم حويصة) وهو أكبر الثلاثة (ومحيصة) الذي كان مع الشهيد بخيبر
(فذكرا شأن عبد الله بن سهل) وحال قتله (فقال لهم رسول الله وَليقول: أتحلفون)
بهمزة الاستفهام (بالله خمسين يميناً) وليس في النسخ المصرية لفظ بالله
(وتستحقون دم صاحبكم أو) قال دم (قاتلكم) بالشك من الراوي.
قال النووي: المعنى يثبت حقكم على من تحلفون عليه، وذلك الحق
أعم من أن يكون قصاصاً أو دية، وقال الزرقاني(١): هذا تأويل بعيد متعسف،
حمله عليه نصرة مشهور مذهبه أنه لا قصاص بالقسامة في عمد ولا خطأ، إنما
فيها الدية على الجاني في العمد، وعلى عاقلته في الخطأ، والمتبادر من ذكر
الدم القصاص، والتبادر آية الحقيقة، ويؤيده أنه مسلم قتل بالقسامة رجلاً من بني
نضر بن مالك، رواه أبو داود، اهـ.
والعذر للشافعية في ذلك أن الوارد في الروايات الكثيرة في هذا الباب
إيجاب القود بإقامة البينة، ولذا ترجم أبو داود في ((سننه)) (٢) ((باب في ترك
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢١٠/٤).
(٢) ((سنن أبي داود مع بذل المجهود)) (٤٠/١٨).
١٨٣

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
القود بالقسامة))، وأورد فيها هذه الروايات، وتقدم في الحديث السابق أن
المراد بقوله: دم صاحبكم بدل الدم، ولا شك أنه يعم الدية والقصاص معاً.
قال الخطابي: وتأويل هؤلاء يستحقون دم صاحبكم أي دية صاحبكم؛
لأنهم يأخذونها بسبب الدم، فصلح أن يسمى ذلك دماً، وقد روي: ((إما أن
تدوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحرب)) فدل على صحة هذا التأويل، اهـ.
وقال ابن رشد(١): وعمدة من أوجب بها الدية فقط أن الأيمان يوجد لها
تأثير في استحقاق الأموال مثل ما ثبت من الحكم في الأموال باليمين والشاهد
مع أن حديث مالك عن ابن أبي ليلى ضعيف؛ لأنه رجل مجهول لم يرو عنه
غير مالك، وقيل فيه أيضاً: إنه لم يسمع من سهل، وحديث بشير بن يسار، قد
اختلف في إسناده، فأرسله مالك، وأسنده غيره، قال القاضي: يشبه أن تكون
هذه العلة هي السبب في أن لم يخرج البخاري هذين الحديثين، واعتضد
عندهم القياس في ذلك بما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لا قود
بالقسامة ولكن يستحق بها الدية، اهـ.
قلت: والحنفية لما لم يقولوا بتحليف المدعين، ولا بإيجاب القود أو
الدية بذلك حملوا قوله ويلي: ((أتحلفون)) على الاستفهام الإنكاري، ولا مانع
من الحمل عليه، فإن قوله ود ليل واللفظ لأبي داود ((إما أن يدوا صاحبكم وإما أن
يؤذنوا بحرب، فكتب إليهم بذلك فكتبوا إنا والله ما قتلناه، فقال لهم
رسول الله وَله: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا: لا، قال: فتحلف
لكم يهود، قالوا: ليسوا بمسلمين))، الحديث.
فإنه كالنص في أنه وُّ كتب إليهم إيجاب الدية عليهم لوجود القتيل
فيهم، ولما أنكر ذلك اليهود، ورأى و الر أن الحارثيين يتمنون القصاص سألهم
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٢٩/٢).
١٨٤

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ. لَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَحْضُرْ. فَقَالَ لَهُمْ
رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: «فَتْرِئُكُمْ يَهُودُ
على الإنكار، أتحلفون على ذلك؟ فلما أنكروا عن الحلف بَيَّنَ لهم الحكم،
وهو تحليف المدعى عليهم على الأصل المعروف، ولما لم يقبل المسلمون
ذلك أيضاً وداهم من عنده جبراً لقلوبهم.
وما ذكره الزرقاني من حديث أبي داود من قتل رجل من نضر بن مالك،
فقد قال الشيخ في ((البذل)) (١) تبعاً لتقرير الشيخ الكنگوهي - نور الله مرقده -:
إن الواقعة لم نعلم ما كانت، فلعله إنما قتله بظهور البينة أو إقرار القاتل بعد
القسامة، فلا يترك العمل بالأصول، والقواعد المضبوطة بتلك الرواية التي
تحتمل محامل، اهـ.
(فقالوا) أي الحارثيون (يا رسول الله لم نشهد) قتله (ولم نحضر) كذا في
النسخ الهندية وأكثر المصرية، وفي بعضها ((لم نحضر لهم))، وفي رواية ابن
المفضل ((كيف نحلف ولم نشهد ولم نر». (فقال رسول الله رَطير: فتبرئكم).
قال الزرقاني (٢): بسكون الموحدة أي تبرأ إليكم من دعواكم، وضبط
أيضاً بفتح الموحدة وشد الراء المكسورة أي يخلصونكم من الأيمان، اهـ.
وبهذا المعنى الثاني فسره الحافظ في ((الفتح)) كما تقدم في الحديث السابق،
فقال: يخلصونكم من الأيمان بأن يحلفوهم، فإذا حلفوا انتهت الخصومة، ولم
يجب عليهم شيء، وخلصتم أنتم من الأيمان. اهـ.
وفي ((المحلى)): من الإبراء أو التبرئة أي يرفعون منكم الظن والتهمة
عنهم، وروي من البراءة أي تبرأ إليكم من دعوتكم، اهـ.
(يهود) بالرفع ممنوع من الصرف للعملية والتأنيث على إرادة اسم القبيلة
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٩/١٨).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢١٠/٤).
١٨٥

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
بِخَمْسِينَ يَمِيناً؟)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ. كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْم
كُفَّارٍ؟ .
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: فَزَعَمَ بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلُِّ
وَدَاهُ مِنْ عِنْدهِ .
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَالَّذِي سَمِعْتُ مِمَّنْ
أَرْضَى فِي الْقَسَامَةِ. وَالَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي الْقَدِيم
وَالْحَدِيثِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَيمَانِ، الْمُدَّعُونَ فِي الْقَسَامَةِ، فَيَحْلِفُونَ.
أو الطائفة (بخمسين يميناً) يحلفونها أنهم ما قتلوه ولا علموا له قاتلاً.
(فقالوا) كذا في النسخ المصرية، وهو أوجه مما في الهندية بلفظ ((فقال))
بصيغة الإفراد (يا رسول الله كيف نقبل أيمان قوم كفار؟) وفي رواية ابن إسحاق
قالوا: ما كنا لنقبل أيمان اليهود، ما فيهم من الكفر أعظم من أن يحلفوا على
إثم (قال يحيى بن سعيد) المذكور: (فزعم) أي قال، وإطلاق الزعم على القول
شائع (بشير بن يسار أن رسول الله وَليه وداه) بفتح الواو وتخفيف الدال المهملة
أعطاه الدية (من عنده) وتقدم في الحديث السابق الكلام عليه.
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) أهل المدينة (والذي سمعت)
بصيغة المتكلم (ممن أرضى) من أهل العلم (به) ضمير المجرور إلى الموصول
(في) أمر (القسامة و) هو (الذي اجتمعت عليه الأئمة) الذين يقتدى بهم (عندنا)
بالمدينة المنورة (في القديم) من زمن الصحابة (والحديث) من زمن التابعين،
وقوله: الأمر المجتمع مبتدأ، وخبره قوله: (أن يبتدأ) ببناء الفاعل من الابتداء
في أكثر النسخ الهندية، وفي بعضها والمصرية ((أن يبدأ)) من المجرد (بالأيمان)
أي أيمان القسامة (المدعون) الفاعل (في القسامة، فيحلفون) أولاً .
وتقدم في أول الباب أن ذلك مذهب ربيعة ومالك والشافعي وأحمد،
وقال الحسن: يستحلف المدعى عليهم أولاً خمسين، وقال الشعبي والنخعي
١٨٦

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
وَأَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ. إِمَّ أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ:
والثوري وأصحاب الرأي الثاقب: يستحلف خمسون رجلاً من أهل المحلة التي
وجد فيها القتيل، قال الموفق(١): لقضاء عمر - رضي الله عنه - بذلك، ولم
نعرف له في الصحابة، مخالفاً فكان إجماعاً، اهـ.
قلت: والروايات المرفوعة في ذلك مختلفة، فقد أخرج أبو داود عن
عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار أن النبي ◌َّ- قال لليهود
وبدأ بهم: يحلف منكم خمسون رجلاً فأبوا، الحديث، وقال الحافظ في
((الدراية)): هذا إسناد صحيح، وليس بمرسل كما زعم بعضهم.
وقال أيضاً في ((الفتح))(٢): قال عياض: ذهب من قال بالدية إلى تقديم
المدعى عليهم في اليمين إلا الشافعي وأحمد، فقالا بقول الجمهور: يبدأ
بأيمان المدعين، وردّها إن أبوا على المدعى عليهم، وقال بعكسه أهل الكوفة،
وكثير من أهل البصرة، وبعض أهل المدينة، والأوزاعي، فقالوا: يستحلف من
أهل القرية خمسون رجلاً خمسين يميناً ما قتلناه ولا علمنا من قتله، فإن حلفوا
برؤا، وإن نقصت قسامتهم عن عددٍ أو نكلوا حلف المدعون على رجل واحد،
واستحقوا، فإن نقصت قسامتهم قاده (٣) دية، وقال عثمان البتي من فقهاء
البصرة: ثم يبدأ بالمدعى عليهم بالأيمان، فإن حلفوا فلا شيء عليهم، وقال
الكوفيون: إذا حلفوا وجبت عليهم الدية وجاء ذلك عن عمر، واتفقوا كلهم
على أنها لا تجب بمجرد دعوى الأولياء حتى يقترن بها شبهة، يأتي بيانها
قريباً .
(وأن القسامة لا تجب) أي لا تثبت لولي الدم عندنا (إلا بأحد أمرين) ثم
فسرهما فقال: (إما) بحرف العطف (أن يقول المقتول) قبل موته وقد قارب
(١) («المغني)) (٢٠٣/١٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٣٦/١٢).
(٣) هكذا في ((فتح الباري)).
١٨٧

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ.
الموت (دمي عند فلان) قال أبو عمر: إنما جعل مالك قوله: دمي عند فلان
شبهةً ولطخاً؛ لأن المعروف من طبع الناس عند حضور الموت الإنابة والتوبة
والندم على ما سلف من العمل السيء.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَبِىّ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّذَّفَ وَأَكُنْ مِنَ
الصَّلِحِينَ﴾(١) وقوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِّ تُبْتُ
اُلْتَنَ﴾(٢) فهذه معهودة من طبع الإنسان، ولا يعلم من عادته أن يدع قاتله
ويعدل إلى غيره، وما خرج عن هذا نادر في الناس لا حكم له، كذا في
((الزرقاني))(٣).
وقال الباجي(٤): قول المقتول: دمي عند فلان، هو عند مالك في
الجملة لوث يوجب القسامة، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، وقد استدل
أصحابنا في ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَهُواْ بَقَرَةٌ﴾(٥) قال مالك:
وما ذكره الله تعالى من شأن البقرة التي ضرب القتيل بلحمها فحَيِيَ، فأخبره
عمن قتله دليل على أنه سمع من قول الميت، فإن قيل: إن ذلك آية، قيل: إنما
الآية في إحيائه، فإذا صار حياً لم يكن كلامه آية، وقد قبل قوله فيه، وهذا
مبنيّ على أن شريعة من قبلنا شريعة لنا إلا ما ثبت نسخه، اهـ. وتقدم في أول
الباب أن المسألة خلافية، والجمهور على خلافه.
قال الموفق(٦): إذا شهدت البينة العادلة أن المجروح قال: دمي عند
(١) سورة المنافقين: الآية ١٠.
(٢) سورة النساء: الآية ١٨.
(٣) (شرح الزرقاني)) (٢١١/٤).
(٤) ((المنتقى)) (٥٦/٧).
(٥) سورة البقرة: الآية ٦٧.
(٦) ((المغني)) (٢٠٧/١٢).
١٨٨

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
أو يَأْتِيَ وُلَاةُ الدَّم بِلَوْثٍ
فلان، فليس ذلك موجباً للقسامة ما لم يكن لوث، وهذا قول أكثر أهل العلم،
منهم الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي، وقال مالك والليث: هو لوث؛ لأن
قتيل بني إسرائيل قال: قتلني فلان فكان حجة، وروي هذا القول عن
عبد الملك بن مروان.
ولنا، قول النبي وَل: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى قوم دماء رجال
وأموالهم)) ولأنه يدعي حقاً لنفسه فلم يقبل قوله، كما لو لم يمت، ولأنه خصم
فلم تكن دعواه لوثاً كالولي، وأما قتيل بني إسرائيل فلا حجة فيه، فإنه لا
قسامة فيه، ولأن ذلك كان من آيات الله ومعجزات نبيه موسى عليه السلام،
حيث أحياه الله تعالى بعد موته، وأنطقه بقدرته بما اختلفوا فيه، ولم يكن الله
لينطقه بالكذب بخلاف الحيّ، ولا سبيل إلى مثل هذا اليوم، ثم ذاك في تنزيه
المتهمين، فلا يجوز تعديتها إلى تهمة البريئين، اهـ.
وقال الحافظ في ((الفتح))(١) في الوجوه السبعة الآتية من تصوير اللوث:
الأول: أن يقول المريض: دمي عند فلان وما أشبه ذلك، ولو لم يكن به أثر
أو جرح، فإن ذلك يوجب القسامة عند مالك والليث ولم يقل به غيرهما،
واشترط بعض المالكية الأثر والجرح، واحتج لمالك بقصة بقرة بني إسرائيل،
وتعقب بخفاء الدلالة منها، وقد بالغ ابن حزم في ردِّ ذلك، واحتجوا بأن
القاتل يتطلب حالة غفلة الناس، فتتعذر البينة، فلو لم يعمل بقول المضروب
لأدى ذلك إلى إهدار دمه، ولأنها حالة يتحرى فيها اجتناب الكذب، ويتزود
فيها من البر والتقوى، وهذا إنما يتأتى في حال المحتضر، اهـ.
(أو يأتي ولاة الدم) أي الذين لهم حق الولاية في أخذ بدل الدم (بلوث)
بفتح اللام آخره مثلثة قرينة حال توقع في القلب صدق المدعي، مأخوذ من
لوث الماء كدره، كذا في هامش («الهداية».
(١) ((فتح الباري)) (٢٣٦/١٢).
١٨٩

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
مِنْ بَيِّنَةٍ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَاطِعَةً عَلَى الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّمُ.
وفسره المصنف بقوله: (من بينة) أي حجة، هذا هو الظاهر، فما في
النسخ الهندية بدله ((من بيته)) ليس بوجيه (وإن لم تكن قاطعة على الذي يدعى
عليه الدم) قال الزرقاني(١): بيان للوثٍ، والواو للحال، اهـ. قلت: الواو على
ما في جميع النسخ الهندية والمصرية من المتون والشروح بلفظ: ((وإن لم تكن))
وصلية واللفظ هكذا في نسخة الزرقاني أيضاً بلفظ: وإن لم، ولو لم تكن لفظ
إن الوصلية كان الواو للحال، وكان أحسن معنى، لكن يأبى عنه إن الوصلية،
ثم قال الأزهري: اللوث البينة الضعيفة غير الكاملة.
قال الحافظ في ((الفتح)) (٢) بعد ما حكى اختلاف الفقهاء في بداية
المدّعين أو المدعى عليهم بالأيمان: واتفقوا كلهم على أنها لا تجب بمجرد
دعوى الأولياء حتى يقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها، واختلفوا في
تصوير الشبهة على سبعة أوجه، وملخصها :
الأولى: أن يقول المريض: دمي عند فلان وتقدم قريباً، قال به مالك
واللیث، ولم يقل به غيرهما .
والثانية: أن يشهد من لا يكمل النصاب بشهادته كالواحد أو جماعة غير
عدول، قال بها المذكوران، ووافقهما الشافعي ومن تبعه.
الثالثة: أن يشهد عدلان بالضرب، ثم يعيش بعده أياماً، ثم يموت منه من
غير تخلل إفاقة، فقال المذكوران: تجب فيه القسامة، وقال الشافعي: بل يجب
القصاص بتلك الشهادة.
الرابعة: أن يوجد مقتول وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل، وعليه
أثر الدم مثلاً ولا يوجد غيره، فتشرع فيه القسامة عند مالك والشافعي، ويلتحق
به أن تفرق جماعة عن قتيل.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣١١/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٣٦/١٢).
١٩٠

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حدیث
الخامسة: أن يقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند
الجمهور، وفي رواية عن مالك تختص القسامة بالطائفة التي ليس هو منها إلا
إن كان من غيرهما فعلى الطائفتين.
السادسة: المقتول في الزحمة يعني كما وقع ليمان والد حذيفة - رضي الله
عنه - إذ قتل في أُحُدٍ ظناً منهم أنه من المشركين.
قال ابن بطال(١): اختلف علي وعمر - رضي الله عنهما -؛ هل تجب ديته
في بيت المال أو لا؟ وبالوجوب قال إسحاق.
وقال الحسن: ديته على جميع من حضر، وقال الشافعي ومن تبعه: إنه
يقال لوليه: ادَّع على من شئت واحلف، فإن حلفت استحقيت(٢) الدية، وإن
نكلت حلف المدعى عليه على النفي، وسقطت المطالبة، وقال مالك: دمه
هدر .
السابعة: أن يوجد قتيل في محلة أو قبيلة، فهذا يوجب القسامة عند
الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأتباعهم، ولا يوجب القسامة عندهم سوى هذه
الصورة، وشرطها عندهم إلا الحنفية أن يوجد بالقتيل أثر، وقال داود: لا
تجري القسامة إلا في العمد على أهل مدينة أو قرية كبيرة، وهم أعداء
للمقتول، وقال الجمهور: إنه لا قسامة فيه، بل هو هدر؛ لأنه قد يقتل، ويلقى
في المحلة ليتهموا، وبه قال الشافعي، وهو رواية عن أحمد إلا أن يكون في
مثل القصة التي في حديث الباب، فيتّجه فيها القسامة لوجود العداوة، ولم تر
الحنفية ومن وافقهم لوثا يوجب القسامة إلا هذه الصورة، انتهى.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢١٨/١٢).
(٢) هكذا في الأصل وفي ((إرشاد الساري)) (٣٥١/١٤). والظاهر ((استحققت)) بصيغة
الخطاب.
١٩١

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
وقال الموفق(١): اختلفت الرواية عن أحمد في اللوث المشترط في
القسامة، فروي عنه أن اللوث هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدّعى عليه،
كنحو ما بين الأنصار ويهود خيبر، وما بين أهل القرى والقبائل الذين بينهم
الدماء والحروب، وما بين أهل الشرطة واللصوص وكل من بينه وبين المقتول
ضِغْنٌ يغلب على الظن أنه قتله، ولم يذكر القاضي في اللوث غير العداوة، إذا
ثبت هذا، فإنه لا يشترط مع العداوة أن لا يكون في الموضع الذي به القتيل
غير العدو، نص عليه أحمد، واشترط القاضي أن يوجد القتيل في موضع عدو
لا يختلط بهم غيرهم، وهذا مذهب الشافعي.
والرواية الثانية عن أحمد، أن اللوث ما يُغَلِّبُ على الظن صدق المدَّعَى،
وذلك من وجوهٍ:
أحدها: العداوة المذكورة.
الثاني: أن يتفرق جماعة من قتيل، فيكون ذلك لوثاً في حق كل واحد
منهم، فإن ادعى الولي على واحد، فأنكر كونه مع الجماعة، فالقول قوله مع
يمينه. وهو مذهب الشافعي؛ لأن الأصل عدم ذلك إلا أن يثبت ببينة.
الثالث: أن يزدحم الناس في مضيق، فيوجد فيهم قتيل، فظاهر كلام
أحمد، أنه ليس بلوثٍ، فإنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة: فديته من بيت
المال، وهذا قول إسحاق، وروي ذلك عن عمر وعلي، وقال الحسن والزهري
فيمن بات في الزحام: ديته على من حضر، وقال مالك: دمه هدر.
الرابع: أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ
بالدم، ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنه قتله، مثل أن يرى رجلاً هارباً
يحتمل أنه القاتل أو سَبُعاً يحتمل ذلك فيه.
(١) انظر: ((المغني)) (١٢/ ١٩٣، ١٩٦).
١٩٢

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
الخامس: أن يقتتل فئتان، فيفترقون عن قتيل من إحداهما، فاللوث على
الأخرى، فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضاً، فاللوث على طائفة
القتيل، وهذا مذهب الشافعي، وروي عن أحمد أن عقل القتيل على الذين
نازعوهم إلا أن يدعوا على واحد بعينه، وهذا قول مالك، وقال ابن أبي ليلى:
على الفريقين جميعاً؛ لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه.
السادس: أن يشهد بالقتل عبيد ونساء، فهذا فيه عن أحمد روايتان؛
إحداهما: أنه لوث لأنه يغلب على الظن صدق المدعي في دعواه فأشبه
العداوة، الثانية: ليس بلوث؛ لأنها شهادة مردودة، فلم تكن لوثاً كما شهد
کفار .
فإن شهد به فسَّاق أو صبيان، فهل يكون لوثاً؟ على وجهين: أحدهما:
ليس بلوث؛ لأنه لا يتعلق لشهادتهم حكم، فلا يثبت اللوث بها كشهادة
الأطفال والمجانين، والثاني: يثبت بها اللوث؛ لأنها شهادة يغلب على الظن
صدق المدعي، فأشبه شهادة النساء والعبيد، وقول الصبيان معتبر في الإذن في
دخول الدار، وقبول الهدية ونحوها، وهذا مذهب الشافعي.
ويعتبر أن يجيء الصبيان متفرقين لئلا يتطرق إليهم التواطؤ على الكذب،
فهذه الوجوه قد ذكر عن أحمد أنها لوث؛ لأنها يغلب على الظن صدق
المدعي أشبهت العداوة، وروي أن هذا ليس بلوث، وهو ظاهر كلامه أي
الإمام أحمد في الذي قتل في الزحام؛ لأن اللوث إما يثبت بالعداوة لقضية
الأنصاري القتيل بخيبر، ولا يجوز القياس؛ لأن الحكم ثبت بالمظنّة، ولا
يجوز القياس في المظان؛ لأنه يُعْتَبَرُ في التعدية والقياس التساوي بين الأصل
والفرع في المقتضي، ولا سبيل إلى يقين التساوي بين الظَّنَّيْنِ مع كثرة
الاحتمالات وترددها، فعلى هذه الرواية حكم هذه الصور حكم غيرها مما لا
لوث فيه، وليس من شرط اللوث أن يكون بالقتيل أثر، وبهذا قال مالك
١٩٣

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
والشافعي، وعن أحمد أنه شرط، وهذا قول حماد وأبي حنيفة والثوري؛ لأنه
إذا لم يكن به أثر احتمل أنه مات حتف أنفه. ولنا، أنه وَ لّ لم يسأل الأنصار،
هل كان بقتيلهم أثر أم لا؟، انتهى.
وقد عرفت فيما سبق أن عبد الله وجد يتشحط في دمه قتيلاً، فأي فاقة
وقعت بعد ذلك إلى السؤال عن الأثر.
وفي (البداية))(١): أجمع جمهور العلماء القائلون بالقسامة أنها لا تجب
إلا بشبهة، واختلفوا في الشبهة ما هي؟ فقال الشافعي: إذا كانت الشبهة في
معنى الشبهة التي قضى بها رسول الله صل﴿ بالقسامة، وهي أن يوجد قتيل في
محلة قوم، لا يخالطهم غيرهم، وبين أولئك القوم، وبين قوم المقتول عداوة،
كما كانت بين اليهود والأنصار، وكانت خيبر دار اليهود مختصة بهم، قال:
وكذلك لو وجد في ناحية قتيل، وإلى جانبه رجل مختضب بالدم، وكذلك لو
دخل على نفر بيتا، فوجد بينهم قتيل وما أشبه هذه الشبه مما يُغلِّبُ على ظن
الحكام أن المدعي مُحق لقيام تلك الشبهة، وقال مالك بنحو من هذا، أعني
أن القسامة لا تجب إلا بلوث، والشاهد الواحد عنده إذا كان عدلاً لوتٌ
باتفاقٍ عند أصحابه، واختلفوا إذا لم يكن عدلاً .
وكذلك وافق الشافعي في قرينة الحال المخيلة، مثل أن يوجد قتيلٌ
متشحطاً بدمه، وبقربه إنسان بيده حديدة مدماة، إلا أن مالكاً يرى أن وجود
القتيل في المحلة ليس لوثاً، وإن كانت هنالك عداوة بين القوم الذين منهم
القتيل، وبين أهل المحلة، وإذا كان ذلك كذلك لم يبق ههنا شيء يجب أن
يكون أصلاً، لاشتراط اللوث في وجوبها، ولذلك لم يقل بها قوم.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: إذا وجد قتيل في محلة قوم وبه أثر، وجبت
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٣٠/٢).
١٩٤

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
فَهذَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ لِلْمُدَّعِينَ الدَّمَ عَلَى مَن ادَّعُوهُ عَلَيْهِ، وَلَا تَجِبُ
الْقَسَامَةُ عِنْدَنَا إِلَّا بِأَحَدِ هُذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَتِلْكَ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتَلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا، وَالَّذِي
لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ
القسامة على أهل المحلة، ومن أهل العلم من أوجب القسامة بنفس وجود
القتيل في المحلة دون سائر الشرائط التي اشترط الشافعي، ودون وجود الأثر
بالقتيل الذي اشترطه أبو حنيفة، وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود
- رضي الله عنهم -، وقال به الزهري وجماعة من التابعين، وهو مذهب ابن
حزم حيث قال: القسامة تجب متى وجد قتيلٌ لا يعرف من قتله أينما وجد،
فادّعى ولاة الدم على رجل، وحلف منهم خمسون رجلاً خمسين يميناً، فإن
هم حلفوا على العمد فالقود، وإن حلفوا على الخطأ فالدية، وليس يحلف
عنده أقل من خمسين رجلاً، وعند مالك رجلان فصاعدا من أولئك.
وقال داود: لا أقضي بالقسامة إلا في مثل السبب الذي قضى به
رسول الله ◌ّله، وانفرد مالك والليث من بين فقهاء الأمصار القائلين بالقسامة،
فجعلا قول المقتول: قَتَلَني فلان، لوثاً يوجب القسامة، انتهى.
وعرفت مما سبق أن مجرد وجود القتيل في محلة وبه أثر القتل موجب
للقسامة عند الحنفية، ولم يشترطوا في ذلك غير ذلك.
(فهذا) الذي ذكر من الأمرين (يوجب) أي يثبت (القسامة للمدعين الدم)
بالنصب مفعول المدعين (على من ادعوه) ضمير الجمع إلى المدعين، وضمير
المفعول إلى الدم (عليه) ضمير المجرور إلى من (ولا تجب القسامة عندنا)
المالكية (إلا بأحد هذين الوجهين) المذكورين كرره تأكيداً.
(قال مالك: وتلك) التي ذكرت في القول السابق في بداية المدّعين
بالأيمان هي (السنة التي لا اختلاف فيها) أي في هذه السنة (عندنا) بالمدينة
المنورة (و) هذا هو الأمر (الذي لم يزل عليه عمل الناس) تأكيد لقوله: لا
١٩٥

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
أَنَّ الْمُبَدَّئِينَ بِالْقَسَامَةِ أَهْلُ الدَّم. وَالَّذِينَ يَدَّعُونَهُ فِي الْعَمْدِ وَالخَطٍَّ.
قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ بَدَّأَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿َ الْحَارِثِيِّينَ فِي قَتْلِ
صَاحِبِهِم الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ.
اختلاف فيه عندنا، ثم أوضح هذا الأمر الذي أشار إليه أولاً بقوله: وتلك
السنة بقوله: (أن المُبَدَّئين) بصيغة المفعول من التبدئة يعني أن الذين يُبْدَأُ بهم
(بالقسامة) أي بالأيمان (هم أهل الدم) خبر أنَّ، والمراد به أولياء الدم.
وفسرهم بقوله: (والذين يدعونه) أي الدم (في العمد والخطأ) يعني سواء
كانوا يدّعونه في قتل العمد أو في قتل الخطأ، قال الزرقاني(١): وأعاد ذلك،
وإن قدمه قريباً لزيادة قوله: في العمد والخطأ، وللاحتجاج بقوله (قال مالك)
في الاستدلال على مختاره في تبدئة المدعين بالقسامة (وقد بدّء) من التبدئة أي
قَدَّم (رسول الله وَّرَ الحارثين) نسبة إلى حارثة بالمثلثة بطن من الأوس، والمراد
عبد الرحمن وحويصة ومحيصة المذكورون في أول الحديث من الباب (في قتل
صاحبهم) أي عبد الله (الذي قتل) ببناء المجهول (بخيبر)، وتقدم في أول الباب
اختلاف الأئمة في ذلك مفصلاً .
وتقدم أيضاً جواب الحنفية عن قصة الحارثين بأن الروايات في ذلك
مختلفة، وقد أخرج أبو داود (٢) عن رجال من الأنصار أن النبي وَ لّ قال
لليهود، وبدء بهم: ((يحلف منكم خمسون رجلاً»، الحديث، وقد أخرج أيضاً
عن عبد الرحمن بن بجيد أنه قال: والله ما هكذا كان الشأن، ولكن سهلا
أوهم ما قال رسول الله وَّر: احلفوا على ما لا علم لكم به، الحديث، وأيضاً
يخالفه الحديث المشهور المجمع عليه المعمول به إجماعاً ((البينة على المدعي
واليمين على من أنكر)).
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢١١/٤).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٤٥٢٦).
١٩٦

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعُونَ اسْتَحَقُّوا دَمَ صَاحِبِهِمْ وَقَتَلُوا
مَنْ حَلَفُوا عَلَيْهِ. وَلَا يُقْتَلُ فِي الْقَسَامَةِ إِلَّا وَاحِدٌ. لَا يُقْتَلُ فِيهَا
اثْنَانِ. يَحْلِفُ مِنْ وُلَاةِ الدَّم خَمْسُونَ رَجُلاً خَمْسِينَ يَمِيناً.
(قال مالك: فإن حلف المدّعون) على قتل العمد (استحقوا دم صاحبهم)
أي بدل دم المقتول. وفسر قوله: استحقوا بقوله: (وقتلوا من حلفوا عليه) أنه
قتله عمداً، وتقدم في أول الباب في حديث سهل تحت قوله مَله: ((وتستحقون
دم صاحبكم))، اختلاف الأئمة في ذلك من أن إيجاب القود مذهب مالك
وأحمد ومن وافقهما، والمشهور من مذهب الشافعي ومن وافقه في ذلك
إيجاب الدية فقط لا القصاص (ولا يقتل) ببناء المجهول (في القسامة) في
دعوى العمد (إلا واحد) فقط، وأكده بقوله: (لا يقتل فيها اثنان) بواحد.
وهذه المسألة أيضاً خلافية تقدمت في حديث سهل، وتقدم هناك ما قال
الموفق من أنه لا يختلف المذهب أنه لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد،
وبهذا قال مالك وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: يستحق بها قتل
الجماعة إلى آخر ما تقدم من كلامه.
وقال ابن رشد (١): اختلف الذين أوجبوا القود بالقسامة هل يقتل بها أكثر
من واحد؟ فقال مالك: لا تكون القسامة إلا على واحد. وبه قال أحمد، وقال
أشهب: يقسم على الجماعة، ويقتل منها واحد يعينه الأولياء، وهو ضعيف،
وقال المغيرة المخزومي: كل من قسم عليه قتل، انتهى.
(يحلف) ببناء الفاعل (من ولاة الدم) أي المستحقين به (خمسون رجلاً)
فاعل يحلف، وكونهم ذكوراً شرط في دعوى قتل العمد دون الخطأ عند الإمام
مالك، كما تقدم في أول الباب في اختلاف الأئمة في ذلك (خمسين يميناً) كل
واحد يميناً واحداً.
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٣٢/٢).
-
١٩٧

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
قال الباجي(١): يحتمل أن يريد أنه إن كان الولاة أكثر من خمسين حلف
منهم خمسون، فيكون من للتبعيض، ويحتمل أن يريد به يحلف من هذا الجنس
خمسون، فتكون من للجنس، فإذا كان ولاة الدم خمسين فلا خلاف أن
جميعهم يحلف، وإن كانوا أكثر من خمسين، فقد حكى القاضي أبو محمد في
ذلك روايتين؛ إحداهما: يحلف منهم خمسون رجلاً خمسين يميناً، والرواية
الثانية: يحلف جميعهم، وقال المغيرة وأشهب وعبد الملك: إن كانوا أكثر من
خمسين وهم في العقد سواء، فليس عليهم أن يحلف منهم إلا خمسون، وهذا
المشهور من المذهب في كتب المغاربة من المالكية.
وإنما اختلفوا إذا كانوا خمسين، وأرادوا أن يحلف منهم رجلان خمسين
يميناً، ففي ((المجموعة)) عن عبد الملك، لا يجزئهم ذلك، وهو كالنكول، ومذهب
ابن القاسم أن ذلك يجزئ وينوب عما بقي، قال محمد: وقول ابن القاسم
صواب؛ لأن أهل القسامة تجزئ أيمان بعضهم عن بعض، انتهى مختصراً.
وتقدم في أول الباب ما قال الدردير(٢): أنه يحلف في الخطأ من يرث
المقتول، وتوزع على قدر الميراث كبنت مع ابن، فتحلف سبعة عشر وهو ثلاثة
وثلاثون، ولا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة من النسب، سواء ورثوا
أم لا، ووزعت الأيمان على مستحق الدم، فإن زادوا على خمسين اجتزأ منهم
بخمسين؛ لأن الزيادة خلاف سنة القسامة، انتهى.
وفي ((المحلى)): قال الشافعي: لا يحلف منهم إلا الوارث، وتوزع
الخمسون على الورثة اثنين أو أكثر بحسب الإرث، وجبر الكسر لو كانوا ثلاثة
مثلاً حلف كل واحد منهم سبعة عشر، انتهى.
وتقدم في أول الباب من كلام الموفق، أن للإمام أحمد في ذلك
روايتين؛ إحداهما: يحلف من العصبة الوارث، وغير الوارث خمسون رجلاً،
(١) ((المنتقى)) (٥٨/٧).
(٢) (الشرح الكبير)) (٢٩٣/٤).
١٩٨

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
فَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ أَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ. إِلَّا أَنْ يَنْكُلَ
أَحَدٌ مِنْ وُلاَةِ الْمَقْتُولِ، وُلَاةِ الدَّم، الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْعَقْوُ عَنْهُ. فَإِنْ
نَكَلَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَئِكَ فَلَا سَبِيلَ إِلَىَ الدَّمِ إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
والثانية: لا يقسم إلا الوارث، وتوزع على الورثة حسب مواريثهم، وهو اختيار
الخرقي، وقول الشافعي، انتهى. وهذا كله عند الأئمة الثلاثة - رضي الله
عنهم -، وأما عند الحنفية فلا دخل للأولياء في القسامة، بل الأيمان على أهل
المحلة التي وجد فيها القتيل كما تقدم.
(فإن قل عددهم) أي عدد الأولياء عن الخمسين (أو نكل بعضهم) عن
الحلف (ردّت) ببناء المجهول (الأيمان عليهم) أي على الموجودين في صورة
القلة، وعلى الحالفين في صورة النكول.
قال الباجي(١): يريد إن قل عدد المعينين من العصبة أو نكل بعضهم،
فإن كانوا أكثر من اثنين، فنكل بعضهم عن معونة الولي، فإن من بقي مع الوليّ
ترد عليهم الأيمان حتى يستوفوا خمسين يميناً، فلا تبطل القسامة بنكول بعض
المعينين مع بقاء الولي أو الأولياء عن القيام بالدم والمطالبة به. وإن نكل الولي
لم يكن للمعينين القسامة ولا المطالبة بالدم، وكذلك لو كان الأولياء جماعة
فنكل واحد منهم لم يكن لغيرهم قسامة في المشهور من المذهب، انتهى.
(إلا أن ينكل أحد من ولاة المقتول) أي (ولاة الدم) بالجر بدل من ولاة
المقتول (الذين) أي من الولاة الذين (يجوز لهم العفو عنه) أي عن الدم. (فإن
نكل) أي أنكر عن اليمين (أحد من أولئك) الذين لهم حق العفو (فلا سبيل) ولا
حق للباقين (إلى الدم) أي في القسامة في المشهور من المذهب، كما تقدم عن
الباجي قريباً، قال صاحب ((المحلَّى)): قوله: إلى الدم أي إلى القصاص (إذا نكل
أحد منهم) أي من الأولياء كرره تأكيداً. قال ابن رشد(٢): لا يحلف عند مالك
(١) ((المنتقى)) (٥٩/٧).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٢/ ٤٣٢).
١٩٩

٤٢ - كتاب القسامة
(١) باب
(١٥٢٢) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ
إِذَا نَكَلَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ عَفْوٌ.
أقل من اثنين في الدم ويحلف الواحد في الخطأ، وإن نكل عنده أحد من ولاة
الدم، بطل القود، وصحت الدية في حق من لم ينكل، أعني حظه منها، وقال
الزهري: إن نكل منهم أحد، بطلت الدية في حق الجميع، انتهى.
وفي ((المحلى)): وأما عند الشافعي فإنما يجب بحلفهم الدية لا
القصاص، فإن نكل أحدهم حلف الآخر خمسون وأخذ حصته، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير)) (١) لابن قدامة: الثالث من شروط ثبوت القسامة:
اتفاق الأولياء على الدعوى، فإن كذب بعضهم بعضاً. فقال أحدهم: قتله هذا،
وقال الآخر: لم يقتله هذا، أو قال: بل قتله هذا الآخر، لم تثبت القسامة،
نص عليه أحمد، سواء كان المكذب عدلاً أو فاسقاً، وعن الشافعي أن القسامة
لا تبطل بتكذيب الفاسق، فأما إذا لم يكذبه، ولم يوافقه، مثل أن قال
أحدهما: قتله هذا، وقال الآخر: لا نعلم قاتله، فظاهر قول المصنف أن
القسامة لا تثبت، وهو ظاهر كلام الخرقي لاشتراط ادّعاء الأولياء على واحد،
وهذا قول مالك.
وكذلك إن كان أحد الوليين غائباً فادعى الحاضر دون الغائب أو ادعيا
جميعاً على واحد، ونكل أحدهما عن الأيمان لم يثبت القتل في قياس قول
الخرقي، ومقتضى قول أبي بكر والقاضي ثبوت القسامة، وكذلك مذهب
الشافعي؛ لأن أحدهما لم يكذب الآخر فلم تبطل القسامة، انتهى.
(قال مالك: وإنما ترد) ببناء المجهول (الأيمان على من بقي منهم) أي من
الموجودين أو من الحالفين كما تقدم من الصورتين (إذا نكل) عن اليمين (أحد
ممن لا يجوز له عفو) كما تقدم في القول السابق كرره تثبيتاً وتوضيحاً، قال
صاحب ((المحلى)): وهم غير الورثة من عشيرة المقتول.
(١) (١٩/١٠).
٢٠٠
.