النص المفهرس
صفحات 161-180
٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حدیث ١/١٥٢١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبي لَيْلَى بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ : بنكولهم، أو وجبت بتقصيرهم في المحافظة كما في قتل الخطأ، ومن أبى منهم اليمين حبس حتى يحلف، وإن لم تكمل أهل المحلة كررت الأيمان عليهم حتی یتم خمسین. لما روي أن عمر - رضي الله عنه - لما قضى في القسامة وافى إليه تسعة وأربعون رجلاً، فكرر اليمين على رجل منهم حتى تمت خمسين، ثم قضى بالدية، ولا قسامة على صبيّ ولا مجنون ولا عبد ولا امرأة. وإن وجد ميتاً لا أثر به، فلا قسامة ولا دية؛ لأنه ليس بقتيل، اهـ مختصراً. ١/١٥٢١ - (مالك عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل) الأنصاري المدني، قال ابن سعد: اسمه عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل بن كعب هو الذي روى عنه مالك حديث القسامة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، وهو من رواة الستة إلا الترمذي. قال العيني: أبو ليلى بفتح اللامين مقصوراً ابن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، وقيل: أبو ليلى هو عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل، قال الكرماني: قيل: لم يرو عنه إلا مالك فقط، فهو نقض على قاعدة البخاري حيث قالوا: شرطه أن يكون لراویه راويان، اهـ. (عن سهل) بفتح السين المهملة وسكون الهاء (ابن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة الأنصاري الخزرجي المدني صحابي صغير ولد سنة ٣هـ، (أنه) أي سهلا (أخبره رجال من كبراء) بضم كاف وفتح موحدة، أي عظماء (قومه) هكذا في جميع نسخ ((الموطأ))(١) ليحيى، وكذا في ((الموطأ)) (١) انظر: ((التمهيد)) (١٥٠/٢٤ - ١٥٢). ١٦١ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث لمحمد(١)، وعلى هذا فالكبراء المخبرون أخبروا سهلاً، وهكذا سياق مسلم وابن ماجه. ولفظهما برواية بشر بن عمر عن مالك، حدثني أبو ليلى أنه أخبره عن رجال من كبراء قومه، وهكذا في رواية النسائي برواية ابن القاسم عن مالك عن أبي ليلى عن سهل، أنه أخبره رجال من كبراء قومه، وخالفهم ما رواه البخاري من طريقي عبد الله بن يوسف وإسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن أبي ليلى عن سهل، أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه، وعلى هذا فالكبراء أخبروا أبا ليلى، وهكذا سياق أبي داود برواية ابن وهب عن مالك، والظاهر أن هذا الاختلاف جاء عن الإمام مالك كما أشار إليه البيهقي، إذ أخرج الرواية برواية الشافعي ويحيى بن بكير عن مالك حدثني أبو ليلى، أنه أخبره رجال من كبراء قومه. ثم قال: وفي رواية الشافعي أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه، ثم قال: رواه البخاري في ((الصحيح)) عن عبد الله بن يوسف وإسماعيل عن مالك. وقال في إسناده كما قال الشافعي: أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه، وكذلك قاله ابن وهب ومعن وغيرهما عن مالك، وأخرجه مسلم عن بشر بن عمر عن مالك، وقال في إسناده كما قال ابن بكير: أنه أخبره هو عن رجل من كبراء قومه، وقال ابن التركماني (٢): ذكره يحيى بن يحيى عن مالك كرواية ابن بكير، وذكر صاحب ((التمهيد)) أن ابن وهب تابع يحيى على ذلك بخلاف ما ذكره البيهقي عن ابن وهب، اهـ. قلت: ورواية أبي داود المذكورة تؤيد ما ذكره البيهقي عن ابن وهب، (١) ح (٦٨١) وأخرجه الجماعة من حديث سهل بن عبد الله بن أبي حثمة - رضي الله عنه - أخرجه البخاري في الصلح ح (٢٧٠٢)، مع ((فتح الباري)) (٣٠٥/٥)، ومسلم ح (٤٣٦٣ - ٤٢٧٠) (١٣٩١/٣)، وأبو داود في («السنن)) (١٧٧/٤)، والترمذي ح (١٤٢٢)، والنسائي (٨٠٧/٨). (٢) ((الجرهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (١٢٠/٨). ١٦٢ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث والعجب أن الحافظين ابن حجر والعيني لم يتعرضا لهذا الاختلاف في شرحي البخاري، وأعجب منه أن الحافظ أبهمه في ((تهذيبه)) إذ قال: في ترجمة أبي ليلى روى عن سهل ورجال، وقيل: عن رجال من كبراء قومه، اهـ. اللَّهم إلا أن يقال: إن الحافظ أشار إلى ترجيح الأول إذ ذكر الثاني بلفظ: ((قيل)»، وإليه ميل البيهقي بظاهره، إذ ذكر له متابعات عديدة، فتأمل. ثم قال الزرقاني(١) وتبعه صاحب ((التعليق الممجد))(٢)، في أسماء الكبراء: قال الحافظ ابن حجر في ((مقدمة فتح الباري)): هم محيصة وحويصة ابنا مسعود، وعبد الله وعبد الرحمن ابنا سهل، اهـ. وفي هذا الكلام وهمان: الأول من هذين الشارحين الجليلين، وهو أن الحافظ - رحمه الله - لم يذكر هذا الكلام في حديث الباب ولا تعرض له في (المقدمة))، بل ذكره في باب القسامة في حديث سهل بلفظ: ((أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها)) الحديث، فقال الحافظ في ((المقدمة)): حديث سهل أن نفراً من قومه هم محيصة وحويصة ابنا مسعود، وعبد الله وعبد الرحمن ابنا سهل، اهـ والعجب أن عبد الله بن سهل - رضي الله عنه - لما كان قتل في خيبر فكيف صار من المخبرين لهذا الحديث، والوهم الثاني من الحافظ ابن حجر - رحمه الله - مع جلالة شأنه وعلو مكانه، فإن هؤلاء الأربعة لم يكونوا ذاهبين إلى خيبر، بل ذهب إليها عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود، كما ذكرهما الحافظ في ((الفتح)) (٣) إذ قال: قوله: ((أن نفراً من قومه)) سمى يحيى بن سعيد (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٧/٤). (٢) (٣٨/٣). (٣) ((فتح الباري)) (١٢/ ٢٣٣). ١٦٣ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةً منهم اثنين عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود، ثم ذكرهما بروايات عديدة ثم قال: قوله: انطلقوا إلى خيبر، وفي رواية يحيى: انطلقا إلى خيبر، وتحمل رواية الباب على أنه كان معهما تابع، اهـ. وسيأتي في سياق ((الموطأ)» أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر، فأتى محيصة، فأخبر أن عبد الله بن سهل قتل، وفيه فذهب محيصة لیتكلم وهو الذي كان بخيبر، الحديث. (أن عبد الله بن سهل) بن زيد بن كعب الأنصاري الحارثي، قال الحافظ في ((الإصابة)): له ذكر في حديث القسامة، ولم يبسط ترجمته (ومحيصة) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر التحتية الثقيلة على الأشهر وفتح الصاد المهملة على ما ضبطه الزرقاني، قال صاحب ((المحلى)): وقيل بسكون الياء وكذا أخوه حويصة فيه لغتان أيضاً، قال النووي: تشديد الياء فيهما أشهر اللغتين، اهـ. ابن مسعود بن كعب الحارثي الأوسي، هكذا ذكر نسبه أهل الرجال قاطبة كما في ((الإصابة)) و(تهذيب التهذيب))، و((تجريد الصحابة))، و((الاستيعاب))، و((أسد الغابة))، و((الإكمال)) و((التلقيح))، وهكذا ذكره شراح الحديث من العيني، والزرقاني، والشوكاني، وغيرهم. ويؤيده أيضاً رواية للنسائي بلفظ: وجد عبد الله بن سهل قتيلاً، فجاء أخوه وعماه حويصة ومحيصة، وهما عَمَّا عبد الله بن سهل، وهكذا في رواية للبيهقي بلفظ: وجد عبد الله بن سهل قتيلاً، فجاء أخوه عبد الرحمن وعماه حويصة ومحيصة، ثم قال: فتكلم أحد عميه الكبير منهما إما حويصة أو محيصة، ويشكل على هذا كله ما في الروايات الكثيرة لا سيما في رواية الشيخين البخاري ومسلم، بلفظ محيصة بن مسعود بن زيد، وكذا في بعض روايات النسائي والترمذي والبيهقي والدارقطني وغيرها، ويؤيده أيضاً ما في رواية لأبي داود بلفظ: فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل وابنا عمه حويصة ومحيصة، وكذا في عدة روايات من البيهقي وغيره. ١٦٤ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حدیث خَرَجًا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ. فَأُتِيَ مُحَيِّصَةُ. فَأُخْبِرَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِعَ فِي فَقِيرِ بِثْرٍ أَوْ عَیْنٍ. والعجب أن شراح الحديث لم يتعرضوا لهذا الاختلاف، وأعجب منه أن الحافظ ابن حجر مشى على رواية البخاري بلفظ محيصة بن مسعود بن زيد، ولم يتعرض عن هذا الاختلاف الشديد، بل ذكر في ((الفتح)) في موضع آخر عدة روايات بلفظ ابن زيد غير أنه قال في آخر الحديث قوله في نسب محيصة بن مسعود بن زيد: يقال: إن الصواب كعب بدل زيد، اهـ. وتبعه القسطلاني بلفظ قيل: الصواب كعب بدل زيد، وقال الشيخ في ((البذل))(١) تحت قول أبي داود: وهما ابنا عمه: هو إطلاق مجازي وإلا فهما ابنا عم أبيه، اهـ. (خرجا) أي عبد الله ومحيصة، وفي رواية ابن إسحاق(٢) فخرج عبد الله بن سهل في أصحاب له يتمارون تمراً (إلى خيبر) وفي مسلم خرجوا إلى خيبر في زمن رسول الله 18 وهو يومئذ صلح وأهلها يهود (من جهد) بفتح الجيم وسكون الهاء أي فقر شديد (أصابهم) ولفظ محمد ((من جهد أصابهما))، وفي ((البخاري)) انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود بن زيد إلى خيبر وهو يومئذ صلح فتفرقا . (فأتي) بضم الهمزة وكسر الفوقية (محيصة فأخبر) ببناء المجهول (أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح) ببناء المجهول (في فقير) بفتح الفاء وكسر القاف أي حفرة. والفقر الحفر فهو حفير أي محفور، وسيأتي عن الإمام مالك أنه قال: الفقير البئر، وفي ((التعليق الممجد))(٣): قال النووي: الفقير هو البئر القريبة القعر، الواسعة الفم، وقيل: الحفرة التي تكون حول النخل، اهـ. (بئر أو عين) شك من الراوي، ولفظ البخاري من رواية مالك ((وطرح في فقير أو عين)). (١) (بدل المجهود)) (٣٣/١٨). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٠٧/٤) و ((الاستذكار)) (٣٠٤/٢٥). (٣) (٣٩/٣). ١٦٥ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حدیث فَأَتَّى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ. فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ. ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، قال الحافظ: وفي رواية بشر بن المفضل فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلاً أي يضطرب فيتمرغ في دمه فدفنه، وفي رواية سليمان بن هلال فوجد عبد الله بن سهل مقتولاً في سربه فدفنه صاحبه، وفي رواية محمد بن إسحاق فوجد في عين قد كسرت عنقه وطرح فيها . (فأتى) ببناء الفاعل (محيصة) فاعله (يهود) بعد دفنه (فقال) لهم: (أنتم والله قتلتموه) قال الزرقاني: حلف لقرائن قامت عنده، أو قيل له بخبر يوجب العلم، اهـ. وقال الباجي(١): يحتمل أن يكون أخبره من عاين قتله من أهل العدل ومن غير أهل العدل، أو أخبره بذلك من وجده مقتولاً، ولم يعاين من قتله، ويحتمل أن يكون بقي عبد الله قائماً يتكلم، ويقول: قتلني يهود، ووصف بأنه قتيل بمعنى أنه قد أنفذت مقاتله، اهـ. (فقالوا) أي اليهود: (والله ما قتلناه) مقابلة لليمين باليمين، زاد في رواية ((ولا علمنا قاتلاً)) أي له (فأقبل) محيصة (حتى قدم على قومه) بني حارثة بالمدينة المنورة (فذكر لهم ذلك) الذي جرى بخيبر (ثم أقبل هو) أي محيصة (وأخوه حويصة) بضم الحاء المهملة وفتح الواو وكسر التحتية الثقيلة على الأشهر وصاد مهملة، وتقدم في ذكر محيصة أن فيهما لغتين، ابن مسعود بن كعب الأوسي شهد أحداً والخندق وسائر المشاهد (وهو) أي حويصة (أكبر منه) أي من محيصة لكنه أسلم بعده. وفي أبي داود(٢) أن رسول الله وَّل قال: ((من ظفرتم به من رجال يهود (١) ((المنتقى)) (٥٢/٧). (٢) ((سنن أبي داود)) (١٥٥/٣) ح (٣٠٠٢). ١٦٦ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث وعَبْدُ الرَّحْمُنِ. فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ. وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((كَبِّرِ كَبِّرْ)) يُرِيدُ السِّنِّ. فاقتلوه)) فوثب محيصة على شبيبة رجلٍ من تجار يهود كان يلابسهم، فقتله، وكان حويصة إذ ذاك لم يسلم، وكان أسنَّ من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: ((أي عَدُوَّ اللهِ أما والله لرُبَّ شَحْمٍ في بَطْنِك مِنْ مالِه)»، وفي ((الزرقاني)) برواية ابن إسحاق أنه مَ لّ قاله بعد قتل كعب بن الأشرف. (وعبد الرحمن بن سهل) بن زيد بن كعب الحارثي أخو عبد الله المقتول، جاء يطلب دم أخيه، فأراد أن يتكلم، وهو أصغر القوم، فقال بَّهُ: ((كَبِّرْ كَبِّرْ)) كذا في ((الإصابة))، وبحث في أن هذا والذي ذكر في ((الموطأ)) في ميراث الجدة واحد أو اثنان، ورجح كونهما اثنين، ولم يذكره في ((تهذيبه))؛ لأنه ليس من رواة الستة. (فذهب محيصة ليتكلم) بزيادة اللام في النسخ المصرية، وبحذفها في الهندية (وهو الذي كان) مع المقتول (بخيبر) وكان أعرف بالقصة، وفي الرواية الآتية فذهب عبد الرحمن ليتكلم لمكانه من أخيه، وجمع باحتمال أن كلاً منهما أراد الكلام (فقال له) أي لمحيصة (رسول الله وكيل كبر كبر) بصيغة الأمر بالتكرير للتأكيد، أي قدِّم الأكبر أي ليلي الكلام، أو ليبدأ بالكلام الكبير، أو المعنى عَظّمْ من هو أكبر منك بأن يفوض إليه الكلام، كذا في ((المحلى)) (يريد السن) إرشاداً إلى الأدب في تقديم الأسن، وفيه أن المشتركين في الدعوى وغيرها أكبرهم أولى ببدء الكلام، فإذا سمع منه تكلم الأصغر، فيسمع منه إن احتيج له، فإن كان فيهم من له بيان، ولتقديمه وجه، فلا بأس بتقديمه وإن أصغر، قاله ابن عبد البر. وأخرج بسنده أنه قدم وفد من العراق إلى عمر بن عبد العزيز فنظر عمر إلى شاب منهم يريد الكلام، فقال عمر: كبروا كبروا، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين إن الأمر ليس بالسن، ولو كان كذلك لكان في المسلمين من هو أسن ١٦٧ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث فَتكلَّمَ حُوَيِّصَةُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ. منك، قال: صدقت تكلم - رحمك الله - قاله الزرقاني(١). وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب إكرام الكبير ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال))، وأخرج فيه أولاً حديث الباب ثم ذكر فيه حديث ابن عمر: ((أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم)) الحديث. قال الحافظ(٢): كأنه أشار بإيراده إلى أن تقديم الكبير حيث يقع التساوي، أما لو كان عند الصغير ما ليس عند الكبير، فلا يمنع من الكلام بحضرة الكبير؛ لأن عمر - رضي الله عنه - تأسف حيث لم يتكلم ولده مع أنه اعتذر له بكونه بحضوره وحضور أبي بكر، ومع ذلك تأسف على كونه لم یتکلم، اهـ. ثم قال الزرقاني: حقيقة الدعوى إنما هي لعبد الرحمن أخي القتيل، ولا حق لابن عمه فيها، وإنما أمر رسول الله وم لو أن يتكلم الأكبر؛ لأنه لم يكن المراد حينئذ الدعوى، بل سماع صورة القصة، وعند الدعوى يستحق المستحق، أو المعنى أن الأکبر یکون وکیلاً له، اهـ. (فتكلم حويصة) الذي هو أسن أولاً (ثم تكلم) بعده (محيصة) الذي كان بخيبر تكميلاً للقصة، قال الباجي(٣): يحتمل أن يريد أنه تكلم حويصة بجملة الأمر، ثم تكلم محيصة بتفاصيله لما شهد، ويحتمل أن يكون حويصة تكلم بمعظمه، وأن محيصة أكمل ما نسي منه، أو لم يكن أخبر به، ثم ذكره محيصة فاستوفاه، اهـ. وفي رواية لمسلم ((فصمت عبد الرحمن، وتكلم صاحباه، ثم تكلم (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٨/٤). (٢) «فتح الباري)) (٥٣٥/١٠). (٣) ((المنتقى)) (٥٣/٧). ١٦٨ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حدیث فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِمَّا أنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ)) معهما، فذكروا مقتل عبد الله بن سهل)) الحديث، ولعل عبد الرحمن احتاج إلى التكلم إذ ذاك لكون الدعوى له. (فقال رسول الله وَلي: إما) حرف عطف (أن يدوا صاحبكم) بفتح التحتية وخفة الدال المهملة من الدية أو يعطوا اليهود دية صاحبكم (وإما أن يُؤْذَنُوا) ببناء المجهول أي يعلموا، والضميران ليهود خيبر، قال صاحب ((التعليق الممجد (١) على موطأ محمد)): وفي كثير من نسخ هذا الكتاب: ((إما أن تَدُوا، وإما أن تُؤْذَنُوا)) بصيغة الخطاب، فالخطاب لبعض اليهود الحاضرين، والأول أظهر، اهـ. قلت: كذا بالخطاب في نسخة الشرح من الباجي، قال الحافظ: وفي رواية أبي قلابة، فأرسل إلى اليهود، فدعاهم، فقال: ((أنتم قتلتم هذا)) الحديث. (بحرب) من الله ورسوله آلچ . واستدل بذلك اللفظ شيخ مشايخنا الگنگوهي - نور الله مرقده - أن خيبر لم تفتح بعد كما سيأتي في كلامه الشريف قريباً، وقال صاحب ((المحلى)): أي يدفعوا إليكم ديته، وإما أن يعلمونا أنهم ممتنعون من التزام أحكامنا، فينتقض عهدهم، ويصيرون حرباً علينا، وفيه حجة لمن يقول: إن الواجب في القسامة الدية لا القصاص، ذكره النووي، اهـ. وذلك لأن الواجب عند الشافعية في القسامة الدية، لا القصاص، على أحد القولين، بخلاف المالكية والحنابلة إذ أوجبوا في القسامة القصاص أيضاً، ولذا قال الباجي(٢): يحتمل أن يريد بقوله: يدوا إعطاء الدية؛ لأنه قد جرى في كلام الحارثيين أنهم طلبوا الدية دون القصاص، ويحتمل أنهم لم يكونوا ادعوا حينئذ قتل عمد، ويحتمل أنهم لما لم يُعَيّنُوا القاتل، وإنما قالوا: إن (١) (٤٠/٣). (٢) («المنتقى)) (٥٣/٧). ١٦٩ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَيهِ فِي ذَلِكَ. فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّه لِحُوَيِّصَةِ ومُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمُنِ: ((أتَحْلِفُونَ بعض يهود قتله، ولا يعرف من هو، لم يلزم في ذلك قصاص، وإنما يلزم فيه الدية، اهـ. (فكتب إليهم رسول الله وَ له) أي أمر رسول الله وَله بالكتاب إلى اليهود (في ذلك) الأمر الذي بلغه وَل﴿ من قتل عبد الله (فكتبوا) أي اليهود (إنا والله ما قتلناه) زاد في رواية ((ولا علمنا قاتلاً)) (فقال رسول الله وَله لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن) الذين كانوا أتوه أولاً (أتحلفون) بهمزة الاستفهام، قال الباجي: قوله: أتحلفون بمعنى أنهم عصبته القائمون بدمه، فأما عبد الرحمن فهو أخوه، وهو أحق بأمره إلا أن ولي الدم إذا كان واحداً نظر من يحلف معه من عصبته؛ لأنه لا يحلف في دم العمد أقل من اثنين، اهـ. قال الزرقاني(١): في عرض اليمين على الثلاثة حجة قوية لقول مالك ومن وافقه أنه لا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة، وأن لولي الدم، وهو لههنا الأخ الاستعانة بعاصبه، اهـ. وقال الحافظ في ((الفتح)) (٢): اختلف في عدد الحالفين، فقال الشافعي: لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خمسين يميناً، سواء قلُّوا أو كثروا، فلو كانوا بعدد الأيمان حلف كل واحد منهم يميناً، وإن كانوا أقل أو نكل بعضهم ردّت الأيمان على الباقين، فإن لم يكن إلا واحد حلف خمسين يميناً، واستحق، وقال مالك: إن كان ولي الدم واحداً ضم إليه آخر من العصبة، ولا يستعان بغيرهم، وإن كان الأولياء أكثر حلف منهم خمسون، وقال الليث: لم أسمع أحداً يقول: إنها تنزل عن ثلاثة أنفس، وقال الزهري عن سعيد بن (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٨/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٢٣٨/١٢). ١٧٠ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟» المسيب: أول من نقص القسامة عن خمسين معاوية، قال الزهري: وقضى به عبد الملك، ثم ردّه عمر بن عبد العزيز إلى الأول، اهـ. (وتستحقون دم صاحبكم) كذا في النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية (دية صاحبكم)) والمعروف في الروايات الأول، قال الزرقاني: أي بدل دم صاحبكم، ففيه حذف مضاف، أو معنى صاحبكم غريمكم، فلا حاجة إلى تقدير، والجملة فيها معنى التعليل؛ لأن المعنى أتحلفون لتستحقوا؟ اهـ. قال الباجي: قوله: ((أتحلفون وتستحقون)) يحتمل إن أثبتم ما يوجب ذلك، فلما قالوا: لا نحلف كان نكولا، ولما قالوا: لم نشهد كان إظهاراً لعدم ما يوجب القسامة، وقوله: ((دم صاحبكم)) يحتمل أن يريد به مما يجب لهم في دم صاحبهم المقتول، ويحتمل أن يريد دم صاحبكم الذي تدعون عليه القتل. وفي حديث سليمان بن يسار ((وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم)) فأظهر احتمال الوجهين، ويحتمل أن يريد بالصاحب القتيل، فيكون ذلك على الشك في اللفظ، فإذا قلنا: المراد به القاتل، وإنما ادّعوا على جماعة يهود بقول محيصة: ((أنتم والله قتلتموه))، يحتمل أن يكون أولاً لم يتعين له قاتل، وإنما تعلق قتله عنده بواحد أو جماعة من اليهود، ثم تعين له القاتل بعد ذلك. ويحتمل أن يكون لم يتعين له قاتل غير أنه حكم النبي و لو أنه يستحق بالقسامة دم رجل واحد، ولا خلاف في المذهب أنه يستحق بالقسامة مثل القاتل خلافاً للشافعي في قوله: لا يستحق بالقسامة القصاص، وإنما يستحق به الدية، والدليل على ما نقوله قوله (وَلير: ((تستحقون دم صاحبكم)) فنص على أن المستحق هو الدم، ولا خلاف أي في المذهب أنه لا يستحق بالقسامة إلا قتل رجل واحد خلافاً للشافعي في أحد قوليه، والدليل على ما نقوله قوله وَير: (دم صاحبکم أو قاتلكم»، اهـ. ١٧١ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث ذكر الباجي لههنا مسألتين، تقدم إجمالهما في أول الباب. الأولى: إيجاب القصاص، قال الموفق(١): الأولياء إذا حلفوا استحقوا القود، إذا كانت الدعوى عمداً إلا أن يمنع ذلك مانع، روي ذلك عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر، وعن معاوية وابن عباس والحسن وإسحاق، لا تجب بها إلا الدية؛ لقوله وَالر لليهود: ((إما أن تدوا صاحبكم، وإما أن تؤذنوا بحرب من الله)) ولأن أيمان المدّعين إنما هي بغلبة الظن، وحكم الظاهر، فلا يجوز إشاطة الدم بها لقيام الشبهة المتمكنة، ولأنها حجة لا يثبت بها النكاح، ولا يجب بها القصاص كالشاهد واليمين. وللشافعي قولان كالمذهبين. ولنا، قوله : ((يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم بِرُمَّتِه))(٢)، وفي رواية: (وتستحقون دم صاحبكم)) فأراد دم القاتل؛ لأن دم القتيل ثابت لهم قبل اليمين، ولأنها حجة يثبت بها العمد فيجب بها القود، وقد روى الأثرم بإسناده عن عامر الأحول ((أن النبي ◌َل﴿ أقاد بالقسامة الطائفة)) وهذا نص، ولأن الشارع جعل القول قول المدعي مع يمينه احتياطاً للدم، فإن لم يجب القود سقط هذا المعنى، اهـ قلت: والمشهور من قولي الشافعي المنصور عند أتباعه إيجاب الدية لا القصاص، ولذا نقل عامة نقلة المذاهب مذهب الشافعي إيجاب الدية لا غير، ولذا أوّل النووي والخطابي وغيرهما من الشافعية قوله وقال: ((تستحقون دم صاحبكم)) كما سيأتي في الحديث الآتي، وقال صاحب ((المحلى)) تحت قول مالك: ((استحقوا دم صاحبهم)): هو قول الزهري والأوزاعي وإسحاق وأحمد وأبي ثور وهو القول القديم للشافعي، والجديد له، وهو قول لأحمد: لا يجب (١) «المغني)) (٢٠٤/١٢). (٢) الرُمَّةُ: الحبل الذي يُربط به من عليه القود. ١٧٢ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث في القسامة القصاص، بل الواجب فيه الدية عمداً كان الدعوى أو خطأ، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وابن عباس ومعاوية والحسن والشعبي والنخعي، اهـ. والمسألة الثانية: قتل الواحد فقط قصاصاً، قال الموفق(١): لا يختلف المذهب أنه لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد، وبهذا قال الزهري ومالك وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: يستحق بها قتل الجماعة؛ لأنها بينة موجبة للقود، فاستوى فيه الواحد والجماعة، وهذا نحو قول أبي ثور، ولنا، قوله ◌َّي: (يدفع إليه برمته)) خص بها الواحد، ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل في قتل الواحد، فيقتصر عليه، ويبقى على الأصل فيما عداه، اهـ. وقد عرفت في أول الباب أن لا عبرة لحلف الأولياء المدعين عند الحنفية ومن وافقهم، والحلف عندهم على المدعى عليهم كما هو الأصل في باب الدعاوى، فالمسألتان خارجتان عن مسلكهم. وأجابوا عن حديث الباب بوجوه؛ منها؛ ما في أبي داود والبيهقي واللفظ له عن عبد الرحمن بن بجيد أنه قال: والله ما هكذا كان الشأن، ولكن سهل أوهم، ما قال رسول الله وَلجر: احلفوا على ما لا علم لكم به، ولكنه كتب إلى يهود خيبر: أنه وجد فيكم قتيل بين أبياتكم فَدُوه، فكتبوا إليه يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلاً، فوداه رسول الله وَ ل من عنده، وما أوردوا عليه من إرساله. رده ابن التركماني بإثبات صحبته عن ابن حبان وغيره. ومنها؛ أن هذه الرواية فيها اختلاف كثير في البداية بأيمان المدّعين أو المدّعى عليهم، قال أبو داود: رواه ابن عيينة عن يحيى فبدأ بقوله: تُبَرِّؤُكم يهودُ بخمسين يميناً، يحلفون، ولم يذكر الاستحقاق، قال أبو داود(٢): وهذا وهم من ابن عيينة، اهـ. (١) «المغني)) (٢١٨/١٢). (٢) انظر: ((سنن أبي داود مع بذل المجهود)) (٣٤/١٨). ١٧٣ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث قلت: لكن قال الحافظ في ((الدراية)) تبعاً للزيلعي(١): تابع ابن عيينة وهب عند أبي يعلى، يعني في تقديم اليهود في الأيمان، وأخرج أبو داود عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار أن النبي ◌َّ قال لليهود وبدأ بهم: ((يحلف منكم خمسون رجلاً))، الحديث، قال الحافظ في ((الدراية)): وهذا إسناد صحيح، وليس بمرسل كما زعم بعضهم، اهـ. ولذا قال ابن التركماني(٢): قد صرح سهل في رواية مالك أنه أخبره رجال من كبراء قومه، فهذا يكشف لك أنه أخذ القضية عن هؤلاء، ولم يشهدها، فتبين أن روايته لهذا الحديث مرسلة، ثم إن حديثه مضطرب إسناداً ومتناً، أما الإسناد فلما في اختلاف الرواة عن مالك في قوله: أخبره رجال من كبراء قومه أو هو ورجال كما تقدم، وأما المتن فمن جهة اختلاف رواية يحيى وسعيد، ولمخالفة ابن عيينة كما مر، ومع إرساله واضطرابه خالف الأصول الشرعية، وحديث ابن بجيد سلم من ذلك كله، وروي معناه من وجوه، وهو أولى برسول الله وَ ل ◌ّ أن لا يأمر أحداً بالحلف على ما لا علم له، وأيضاً فإن النبي وَيّ قال للثلاثة: ((أتحلفون))، وعند الشافعي اليمين تجب على عبد الرحمن وحده؛ لأنه أخو المقتول، وحويصة ومحيصة عَمَّاه، ولا يمين عليهما، اهـ. ومنها؛ أن الرواية أخرجها البخاري في ((صحيحه)) برواية بشير عن سهل بلفظ، فقالوا: يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا أحدنا قتيلاً، فقال: ((الْكُبَرَ الكُبَرَ))، فقال لهم: ((تأتون بالبينة على من قتله))، قالوا: ما لنا بينة، قال: ((فيحلفون))، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، الحديث، وهذا موافق للأصل المعروف في الشرع ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر))، قال (١) انظر: ((نصب الراية)) (٣٩٠/٤). (٢) انظر: ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (١٢١/٨). ١٧٤ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حدیث الحافظ(١): كذا في رواية سعيد بن عبيد، ولم يقع في رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، ولا في رواية أبي قلابة للبينة ذكر. وطريق الجمع أن يقال: حفظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر، فيحمل على أنه طلب البينة أولاً، فلم تكن لهم بينة، فعرض عليهم الأيمان، فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم فأبوا، وأما قول بعضهم: إن ذكر البينة وهم؛ لأنه ◌َّ قد علم أن خيبر لم يكن بها أحد من المسلمين، فدعوى نفي العلم مردودة، فإنه وإن سُلِّمَ أنه لم يكن مع اليهود فيها أحد من المسلمين، لكن في نفس القصة أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمراً، فيجوز أن يكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك. وقد وجدنا لطلب البينة في هذه القصة شاهداً من وجه آخر، أخرجه النسائي(٢) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلاً على أبواب خيبر، فقال ◌َله: «أقم شاهدين على من قتله، أدفعه إليك برمته))، الحديث، وهذا السند صحيح حسن. وقد أخرج أبو داود(٣) أيضاً عن رافع بن خديج قال: أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولاً، فانطلق أولياؤه إلى النبي ◌ّ له فقال: ((شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم))، الحديث، اهـ. وقال ابن رشد في ((البداية)»(٤) بعد ذكر حديث أبي داود عن أبي سلمة وسليمان بن يسار عن رجال من كبراء الأنصار أن رسول الله وَ لو قال ليهود، (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٣٥/١٢). (٢) ((سنن النسائي)) (٤٧٢٠). (٣) ((سنن أبي داود)) (٤٥٢٤). (٤) (بداية المجتهد)) (٤٣٠/٢). ١٧٥ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث فَقَالُوا : لَا. ٠ وبدأ بهم: ((أيحلف منكم خمسون رجلاً خمسين يميناً))، الحديث. وفيه ((فجعلها رسول الله وَ طير دية على يهود))؛ لأنه وجد بين أظهرهم، وبهذا تمسك من جعل اليمين في حق المدعى عليهم، وألزمهم الغرم مع ذلك، وهو حديث صحيح الإسناد، لأنه رواه الثقات عن الزهري عن أبي سلمة، وروى الكوفيون ذلك عن عمر أنه - رضي الله عنه - قضى على المدعى عليهم باليمين والدية. وخرج مثله أيضاً من تبدئة اليهود بالأيمان عن رافع بن خديج، واحتجوا أيضاً بما تقدم من قصة رجل من بني سعد، وكان أجرى فرسه، فوطئ على أصبع الجهني، فنزي(١) فيها فمات، فقال عمر - رضي الله عنه - للذي ادّعى عليهم: أتحلفون بالله خمسين يميناً ما مات منها؟ الحديث، وقالوا: أحاديثنا هذه أولى من التي روي فيها تبدئة المدعين بالأيمان؛ لأن الأصل شاهد لأحاديثنا من أن اليمين على المدعى عليه، قال أبو عمر: والأحاديث المتعارضة في ذلك مشهورة، اهـ. (فقالوا) أي عبد الرحمن وحويصة ومحيصة (لا) نحلف، وفي الرواية الآتية قالوا: يا رسول الله لم نشهد ولم نحضر، قال الحافظ: في رواية يحيى بن سعيد: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر، وفي رواية حماد: أمر لم نره، اهـ. قال الباجي(٢): قولهم: لا نحلف يحتمل أن يكون تنزهاً عن الأيمان مع تيقنهم قتله، ويحتمل أن يكون امتناعاً منها لما لم يعلموا، ولا تيقنوا مقتضاها، وفي رواية سليمان بن يسار أن النبي و 18 لما قال لهم: أتحلفون؟ قالوا: لم نشهد ولم نحضر، وهذا ظاهر الامتناع من أن يقسموا على أمر لم يقع لهم (١) نُزِيَ نزواً الرجل: نَزِف وجرى دمه. (٢) ((المنتقى)) (٥٥/٧). ١٧٦ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث قَالَ: ((أَفَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟)) قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ. فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ وَّهُ مِنْ العلم به، فأقرهم النبي ول# على ذلك فثبت بذلك صحة أيمانهم، وذلك أن الأيمان في القسامة عند مالك على البت والقطع دون العلم، اهـ. قلت: ولذلك لم ير الحنفية على المدعين إذا لم يروه ولم يحضروا، وأوجبوا الأيمان على المدعى عليهم بعدم قتلهم ونفي العلم على قاتله. (قال) الر: (أفتحلف) بصيغة التأنيث، وبهمزة الاستفهام في النسخ المصرية، وبحذف الاستفهام وصيغة التذكير في النسخ الهندية (لكم يهود) خمسين يميناً أنهم ما قتلوه (قالوا) الثلاثة المذكورون: (ليسوا) أي يهود (بمسلمين) وفي رواية بشير بن يسار عند البخاري قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود ... قال الحافظ(١): وفي رواية يحيى بن سعيد ((فتبرئكم يهود بخمسين يميناً)) أي يخلصونكم من الأيمان بأن يحلفوهم فإذا حلفوا انتهت الخصومة فلم يجب عليهم شيء، وخلصتم أنتم من الأيمان، ((قالوا: كيف نأخذ بأيمان قوم كفار)» وفي رواية أبي قلابة ((ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون))، اهـ. قال الباجي: قولهم: ليسوا بمسلمين على معنى إظهار عداوتهم واستباحتهم قتلهم ورضاهم بالأيمان الحانثة لا على معنى أن لهم غير هذا من الحقوق، وأن أيمان الكفار لا تبرئهم بما ادّعى عليهم أو ردّت الأيمان فيه عليهم، ولو كان كذلك لقضى بالدية على اليهود، ولكنه عدل وَلّل إلى أن تفضل على الحارثيين، وأعطاهم من بيت المال دية قتيلهم حين لم يثبت له في الحكم شيء، اهـ. (فوداه) بخفة الدال المهملة بلا همز أي أعطى ديته (رسول الله وَلو من (١) «فتح الباري)) (١٢/ ٢٣٤). ١٧٧ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث عِنْدِهُ. عنده) وفي رواية الشيخين: فوداه مائة من إبل الصدقة، قال الحافظ(١) زعم بعضهم أنه غلط من سعيد بن عبيد لتصريح يحيى بن سعيد بقوله: من عنده، وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون اشتراه من إبل الصدقة بمال عنده، أو المراد بقوله: من عنده أي بيت المال المرصد للمصالح، وأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع به مجاناً، لما في ذلك من قطع المنازعة وإصلاح ذات البين، وقد حمله بعضهم على ظاهره، فحكى القاضي عياض عن بعض العلماء جواز صرف الزكاة في المصالح العامة، واستدل بهذا الحديث وغيره، وعلى هذا، فالمراد بالعندية كونها تحت أمره وحكمه، وللاحتراز من جعل ديته على اليهود أو غيرهم. قال القرطبي في ((المفهم)): فعل مل ذلك على مقتضى كرمه، وحسن سياسته، وجلباً للمصلحة، ودرءاً للمفسدة على سبيل التأليف، ولا سيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق، ورواية من قال: من عنده أصح من رواية من قال: من إبل الصدقة، وقد قيل: إنها غلط، والأولى أن لا يغلط الراوي ما أمكن فيحتمل أوجهاً منها، فذكر ما تقدم، وزاد: أن يكون تَسَلَّف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفيء، أو أن أولياء القتيل كانوا مستحقين للصدقة فأعطاهم أو أعطاهم ذلك من سهم المؤلفة استئلافاً لهم، واستجلاباً لليهود، اهـ. وفي ((المحلى)): قوله: من عنده أي قطعاً للنزاع، فإن أهل القتل لا يستحقون إلا أن يحلفوا أو المدعى عليهم، وقد امتنعوا من الأمرين وهم مكسورون بقتيلهم، فأراد النبي 9ّ قطع المنازعة أو إصلاح ذات البين، فدفع من عنده، يحتمل أن يكون من خالص ماله في بعض الأحوال صادف ذلك عنده، ويحتمل أنه من بيت المال، وما رواه ابن أبي شيبة بلفظ إبل الصدقة (١) ((فتح الباري)) (٢٣٥/١٢). ١٧٨ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث فقيل: إنها غلط؛ لأنها ليس مصرفاً للصدقة، وأوّله الجمهور بأنه اشتراها من أهل الصدقات بعد أن ملكوها، ثم دفعها تبرعاً إلى أهل القتيل، وقيل: إن أولياء القتيل كانوا فقراء، وجوز أبو إسحق المروزي صرف الصدقة إلى الدية لهذا الحدیث، اهـ. وقال الشيخ في ((البذل)) (١): ووقع في رواية للنسائي: فقسم رسول الله وَل ديته عليهم، وأعانهم بنصفها، قال: ولم أر أحداً كتب هذا البحث مفصلاً من بيان المذاهب، والجمع بين الروايات مثل ما كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه وشيخنا - رضي الله عنه -، فأُحِبُّ أن أذكرها لينتفع بها الطالبون والمدرسون، قال: باب القسامة: المذهب فيها معلوم، وهو استحقاق القود بحلف خمسين من أولياء المقتول عند الشافعي(٢) - رحمه الله - إن كان هناك لوث وإلا فمذهبهم مثل مذهبنا، وهو أنه يجب على ولي المقتول إقامة البينة، وإن تعسر حلف المتهمون خمسين يميناً ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلاً، فإن قامت البينة أقيد منه، وإن لم تقم ونكلوا عن اليمين وجبت الدية، وإن حلفوا تبرؤا من الدية عندهم. وعندنا يغرمون الدية على كل حال، سواء حلفوا أو نكلوا عن اليمين، وهذا هو الثابت بالنظر إلى مجموع الروايات إذ البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، ولا معنى لإيجاب اليمين على أولياء المقتول، وقد ذكرت البينة في كثير من الروايات، وما لم يذكر فيها محمول على ما ذكر؛ لأن الوقعة متحدة فيعمل بما وافق الأصول منها دون ما خالف، وكذلك فقد اختلف فيها (١) ((بذل المجهود)) (١٨ /٤٤). (٢) هذا على أحد القولين للشافعي، وبه قال مالك وأحمد، كما تقدم من تفصيل المذاهب في ذلك، ((زکریا)). ١٧٩ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١٥٢١) حديث بين حلف اليهود خمسين يميناً، فمن مثبتٍ(١) لها، ومن نافٍ إياها، والجمع أن اليهود كتبوا إليه بحلفهم خمسين ولم يشهدوا ولم يطلبهم أيضاً، ولا معتبر بما كتبوا به إليه وَ﴾، فإن الأيمان لا بد وأن تكون في مجلس القضاء بحضور الحاكم ولم يوجد، فمن ذكرها عنى بها كتابتهم، ومن نفاها نفى اليمين المطابق للقاعدة. ثم إن الروايات مختلفة أيضاً في بذل الدية ممن كان، والأصل أن اليهود لم يثبت عليهم شيء لعدم البينة وكانوا مستعدين للأيمان، إلا أن أولياء المقتول لم يقبلوها منهم، وكان ذلك حقاً لهم، فسقطت أيمانهم بإسقاط هؤلاء، إلا أن اليهود بذلوا من المال شيئاً ظناً منهم أن القصة منجرة إلى أزيد من ذلك، وقد خافوا على أنفسهم ثبوت المدعى حيث وجد القتيل فيهم، فأحبوا أن يسلموا من ذلك بما بذلوا، وقبله النبي ◌ّلير منهم لما علم أنه لو لم يثبت عليهم المدعى، وهو الظاهر لعدم البينة، وعدم مبالاة هؤلاء بالأيمان لسلموا من غير شيء، ولم يُزْرَؤا في مالٍ ولا نفس، فهذه حقيقة القصة. ثم إنه 18 أكمل الدية من عنده، فمن أنكر الأخذ من اليهود، فإنما أنكر أخذ كلها، وبعد ثبوتها حسب القاعدة المقررة شرعاً، ومن أثبت أخذها منهم، فإنما قصد بذلك أخذ شيء من ذلك، ومما ينبغي التنبيه عليه أن خيبر إذ ذاك كانت لم تفتح بعد، وكان الأقوام فيما بينهم تعاهد، كما يدل عليه قوله في الرواية: ((فأذنوا بحرب من الله ورسوله)) إذ لو كانت مفتوحة لما افتقر إلى الحرب والإيذان بل كانوا أذلاء، يخرجهم المسلمون من أرضهم حيث شاؤوا، ولذلك لم يتتبع النبي ◌ُّر قصة القتيل هذه حق التتبع، لكون القوم على سواء، فلو بولغ فيها لاحتمل أول الأمر إلى القتال والجدال، وكان فيه خلاف المصلحة، وعلى (١) ففي ((أبي داود)) وغيره من حديث ابن بجيد فكتبوا يحلفون بالله خمسين يميناً ما قتلناه وما علمنا قاتلاً، ((زکریا)). ١٨٠