النص المفهرس
صفحات 141-160
٤١ - كتاب العقول (٢٣) باب يقتص، وما سرى إلى غير النفس، فإنه يقتص من الأول وله عقل السراية أنه إذا بلغ إلى النفس اقتصّ من النفس، وسقط حكم الجرح، وإذا سرى إلى عضو آخر لم يقد نفساً، كذا في ((المنتقى))(١). وفي ((المغني)) (٢): سراية الجناية مضمونة، بلا خلاف؛ لأنها أثر الجناية، والجناية مضمونة، فكذلك أثرها، ثم إن سرت إلى النفس وما لا يمكن مباشرته بالإتلاف، مثل أن يهشمه في رأسه، فيذهب ضوء عينيه، وجب القصاص فيه، ولا خلاف في ذلك في النفس، وفي ضوء العين خلاف، وإن سرت إلى ما يمكن مباشرته بالإتلاف، مثل إن قطع أصبعاً، فَتآكَلَتْ أخرى، وسقطت من مفصل، ففيه القصاص أيضاً في قول إمامنا، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وقال أكثر الفقهاء: لا قصاص في الثانية، وتجب ديتها؛ لأن ما أمكن مباشرته بالجناية لا يجب القود فيه بالسراية، كما لو رمى سهماً فمرق منه إلى آخر. ولنا، أن ما وجب فيه القود بالجناية وجب بالسراية، كالنفس وضوء العين، أما إن قطع أصبعاً فشَلّت إلى جانبها أخرى، وجب القصاص في المقطوعة حسب، والأرش في الشلّاء، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا قصاص فيهما، ويجب أرشهما جميعاً؛ لأن حكم السراية لا ينفرد عن الجناية، بدليل ما لو سرت إلى النفس، فإذا لم يجب القصاص في إحداهما لم يجب في الأخرى، ولنا، أنها جناية موجبة للقصاص لو لم تسر، فأوجبته إذا سرت كالتي تسري إلى سقوط أخرى، اهـ. وفي ((الهداية))(٣): من شجّ رجلاً موضحة فذهبت عيناه، فلا قصاص في (١) (١٣١/٧). (٢) ((المغني)) (١١ / ٥٦٢). (٣) (٤٦٨/٢). ١٤١ ٤١ - كتاب العقول (٢٣) باب وَالْجِرَاحُ فِي الْجَسَدِ عَلَى مِثْلِ ذُلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا عَمَدَ الرَّجُلُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَفَقَأَ عَيْنَهَا. أَوْ كَسَرَ يَدَهَا، أَوْ قَطَعَ إِصْبَعَهَا. أَوْ شِبْهَ ذُلِكَ. ذلك عند أبي حنيفة، قالوا: وينبغي أن تجب الدية فيهما، وقالا: في الموضحة القصاص، قالوا: وينبغي أن تجب الدية في العينين، لهما أن الفعل في محلين فيكون جنايتين مبتدأتين، فالشبهة في إحداهما لا تتعدى إلى الأخرى، كمن رمى إلى رجل عمداً، فأصابه ونفذ منه إلى غيره، فقتله يجب القود في الأول، وله أن الجراحة الأولى سارية، والجزاء بالمثل، وليس في وسعه الساري، فيجب المال، ولأن الفعل واحد حقيقة وهو الحركة القائمة، وكذا المحل متحد من وجه لاتصال أحدهما بالآخر، فأورثت نهايته شبهة الخطأ في البداية بخلاف النفسين، لأن إحداهما ليس من سراية صاحبه. وإن قطع أصبعا فشلّت إلى جنبها أخرى، فلا قصاص في شيء من ذلك عند أبي حنيفة، وقالا وزفر والحسن: يقتص من الأولى، وفي الثانية أرشها، والوجه من الجانبين قد ذكرنا، وروى ابن سماعة عن محمد في المسألة الأولى، وهو ما إذا شجّ موضحة، فذهب بصره، أنه يجب القصاص فيهما؛ لأن الحاصل بالسراية مباشرة كما في النفس، والبصر يجري فيه القصاص، بخلاف الخلافية الأخيرة؛ لأن الشلل لا قصاص فيه، فصار الأصل عند محمد على هذه الرواية أن سراية ما يجب فيه القصاص إلى ما يمكن فيه القصاص يوجب الاقتصاص، اهـ. (والجراح في) سائر (الجسد على مثل ذلك) أي حكمها مثل الحكم في اليد من السراية والبرء على النقص وغيرهما . (قال مالك: وإذا عمد) أي قصد (الرجل إلى امرأته) أي زوجته (ففقاً عينها، أو كسر يدها، أو قطع أصبعها، أو شبه ذلك) كذا في المصرية، وفي ١٤٢ ٤١ - كتاب العقول (٢٣) باب مُتَعَمِّداً لِذَلِكَ. فَإِنَّهَا تُقَادُ مِنْهُ. وَأَمَّ الرَّجُلُ يَضْرِبُ امْرَأْتَهُ بِالْحَبْلِ . أَوْ بِالسَّوْطِ. فَيُصِيبُهَا مِنْ ضَرْبِهِ مَا لَمْ يُرِدْ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ فَإِنَّهُ يُعْقَلُ مَا أَصَابَ مِنْهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَلَا يُقَادُ مِنْهُ. وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ أَقَادَ مِنْ كَسْرِ الْفَخِذِ. الهندية: أشباه ذلك، أي فعل شيئاً آخر أو أفعالا أخر مثل الأفعال المتقدمة حال كونه (متعمداً لذلك) الفعل المذكور (فإنها تقاد منه) أي من الرجل؛ لأن هذه الأفعال لا تدخل في التأديب المباح وهذا ظاهر. (وأما الرجل يضرب امرأته بالحبل) مثلاً (أو بالسوط) أو بنحوه ما يعتاد به ضرب التأديب (فيصيبها) أي المرأة (من ضربه) أي من ضرب الرجل (ما لم يرده) مفعول يصيبها (ولم يتعمد) الرجل (ذلك) الذي أصابها من الجراح تأكيد لقوله: يصيبها ما لم يرد (فإنه يعقل) ببناء المجهول (ما أصاب منها) أي من المرأة (على هذا الوجه) أي بضرب السوط وغيره بدون قصد الجراح (ولا يقاد منه) أي لا يقتص من الرجل؛ لأنه لم يتعمد ذلك. وفي ((المنهاج)): لو عَزَّرَ ولي أو والٍ أو زوج أو معلم فمضمون تعزيرهم على العاقلة إذا حصل به هلاك؛ لأنه مشروط بسلامة العاقبة، ومذهب علمائنا كما في ((الهداية)) وغيره، أن من حدَّ أو عَزَّر فمات هدر دمُه، وإن عَزّر زوج عرسه ضمن؛ لأن تأديبه مباح، فيقيد بشرط السلامة، كذا في ((المحلى)) قلت: وتقدمت المسألة في باب عقل المرأة. (مالك أنه بلغه أن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) قاضي المدينة (أقاد) أي اقتص (من كسر الفخذ) قال الباجي(١): وهو أمر مختلف فيه، وقد تقدم من رواية أشهب أنه لا يقاد به؛ لأنه متلف والغالب منه الهلاك، اهـ. (١) ((المنتقى)) (١٣١/٧). ١٤٣ ٤١ - كتاب العقول (٢٣) باب قلت: ولعله أشار بذلك إلى ما تقدم في أول هذا الباب وإن لم يذكر فيه رواية أشهب في ذلك. وقال الموفق(١) في شرائط القصاص: إمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة، ثم قال بعد الكلام في ذلك: إذا ثبت هذا فإن الجرح الذي يمكن استيفاؤه من غير زيادة، هو كل جرح ينتهي إلى عظم كالموضحة في الرأس والوجه، ولا نعلم خلافاً في القصاص في الموضحة، وفي معنى الموضحة كل جرح ينتهي إلى عظم فيما سوى الرأس والوجه، كالساعد والعضد والساق والفخذ في قول أكثر أهل العلم، وهو منصوص الشافعي، وقال بعض أصحابه: لا قصاص فيها؛ لأنه لا يقدر فيها، وليس بصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾ ولأنه أمكن استيفاؤها بغير حيف ولا زيادة، اهـ. ثم قال الخرقي: فإذا قطع منه طرفاً من مفصل قطع منه مثل ذلك المفصل، قال الموفق (٢): الخامس - من شرائط جريان القصاص في الأطراف - إمكان الاستيفاء من غير حيف وهو أن يكون القطع من المفصل، فإن كان من غير مفصل فلا قصاص فيه من موضع القطع بغير خلاف نعلمه، وقد روى نمر بن جابر(٣) عن أبيه أن رجلاً ضرب رجلاً على ساعده بالسيف فقطعها من غير مفصل فاستعدى عليه النبي وَل#، فأمر له بالدية، فقال: إني أريد القصاص، قال: ((خذ الدية بارك الله لك فيها)) (٤)، ولم يقض له بالقصاص، رواه ابن ماجه، اهـ. (١) انظر: ((المغني)) (٥٣٢/١١). (٢) ((المغني)) (٥٣٧/١١). (٣) كذا في الأصل. وفي ((سنن ابن ماجه)) (٢/ ٨٨٠) نِمْران بن جارية. (٤) تقدم تخريجه في: (ص ١٣٤). ١٤٤ ٤١ - كتاب العقول (٢٤) باب (٢٤) باب ما جاء في دية السائبة وجنايته وترجم البيهقي في ((سننه))(١) ((باب ما لا قصاص فيه))، وأخرج فيه عن عطاء أن عمر - رضي الله عنه - قال: لا أقيد من العظام، وبسند آخر عن عطاء بن أبي رباح أن رجلاً كسر فخذ رجل، فخاصمه إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين أقِدْني، قال: ليس لك القود، إنما لك العقل، قال الرجل: فاسمعني كالأرقم إن يقتل ينقم، وإن يترك يلقم، قال: فأنت كالأرقم. وبسند آخر عن الفقهاء من أهل المدينة كانوا يقولون: القود بين الناس من كل كسر أو جرح، إلا أنه لا قود في مأمومة، ولا جائفة، ولا متلف كائناً ما كان، وكانوا يقولون: الفخذ من المتالف، وقد روي في هذا عن النبي وَل بأسانيد لا تثبت، ثم ذكر الروايات المرفوعة في عدم القود في المأمومة وغيره، وذكر فيها حديث نمر بن جابر المذكور، لكن فيه بدله نمران بن جارية عن أبيه . وفي ((الهداية))(٢): لا قصاص في عظم إلا في السن، وهذا اللفظ مرويّ عن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما -، وقال عليه السلام ((لا قصاص في العظم))، والمراد غير السن، ولأن اعتبار المماثلة في غير السن متعذر لاحتمال الزيادة والنقصان بخلاف السن؛ لأنه يبرد بالمبرد، اهـ. (٢٤) دية السائبة وجنايته والسائبة هو العبد الذي يعتق على أن لا ولاء للمعتق عليه، وتقدم الكلام على لفظه، والاختلاف في حكمه، في ((باب ميراث السائبة))، وتقدم هناك أن المرجح عند الإمام مالك أن السائبة لا يوالي أحداً، وأن ميراثه للمسلمين وعقله عليهم، وعند أبي حنيفة والشافعي، وهو رواية لأحمد: ولاؤه وميراثه لمعتقه، والشرط باطل. (١) ((السنن الكبرى)) (٦٥/٨). (٢) (٤٤٩/٢). ١٤٥ ٤١ - كتاب العقول (٢٤) باب (١٥٢٠) حدیث ١٦/١٥٢٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ سَائِبَةً أَعْتَقَهُ بَعْضُ الْحُجَّاجِ. فَقَتَلَ ابْنَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَائِدٍ. ١٦/١٥٢٠ (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي مخففاً عبد الله بن ذكوان (عن سليمان بن يسار) بالتحتية وتخفيف السين المهملة، ولفظ محمد في ((موطئه)) (١) أن سليمان بن يسار أخبره (أن سائبة) لم يسم كان (أعتقه بعضُ الحُجَّاجِ) وفي الهندية: الحاج لم يعرف اسمه، زاد في رواية محمد، فكان يلعب مع ابن رجل من بني عابد، فقتل السائبة ابن العابدي (فقتل) السائبة (ابن رجل) مفعول (من بني عائذ) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية بالذال المعجمة في آخره، وضبطه الزرقاني بتحتية وذال معجمة، ووقع في نسخة ((الموطأ)) لمحمد، من بني عابد يعني بالموحدة والدال المهملة، وفي ((هامشه)): قال القاري: بكسر الموحدة وبالدال المهملة نسبة إلى عابد بن عبيد بن عمر بن مخزوم، وبكسر المثناة التحتية والذال المعجمة نسبة إلى عائذ بن عمر من بني شيبان، ذكره السيوطي، اهـ. ولفظ البيهقي في ((سننه))(٢) بسنده إلى ابن إسحاق حدثني أبو الزناد عن سليمان بن يسار قال: قدم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بمكة وهو خليفة، فرفع إليه رجل أعتق سائبة أصاب ابنا للسائب بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم خطأ، فطلب السائب من عمر بن الخطاب دية ابنه، فقال عمر - رضي الله عنه -: إن يكن له مال ودى ابنك لك من ماله بالغاً ما بلغ، قال السائب: فإن لم يكن له مال؟ قال عمر رضي الله عنه: فلا شيء لك. قال السائب: أفرأيت لو أصبناه خطأ؟ قال: إذاً والله تعقله، قال: فقال السائب: فإن قُتِل عقل، وإن قَتَل لم يعقل، قال: فقال عمر - رضي الله عنه -: نعم، (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٢/٣). (٢) («السنن الكبرى)) (٣٠١/١٠). ١٤٦ ٤١ - كتاب العقول (٢٤) باب (١٥٢٠) حدیث فَجَاءَ الْعَائِذِيُّ، أَبُو الْمَقْتُولِ، إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. يَطْلُبُ دِيَةَ ابْنِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا دِيَةَ لَهُ. قال: فقال السائب: هو إذاً كالأرقم إن يلق يلقم وإن يقتل ينقم، قال: فقال عمر: فهو والله ذلك، قال: فلم يعطه شيئاً، اهـ (فجاء العايذي) بالتحتية والذال المعجمة، ولفظ محمد: فجاء العابدي بالموحدة والدال المهملة (أبو المقتول) وهو السائب بن عائذ على رواية البيهقي المتقدمة (إلى عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - وهو بمكة (يطلب) العائذي (دية ابنه) قال الباجي يقتضي أن قتله كان خطأ، ولذلك لم يجب فيه غير الدية، ويحتمل أن يكون عمداً، واختار الدية على رواية التخيير، اهـ. قلت: والأول متعين لنص رواية البيهقي المتقدمة أنه أصابه خطأ (فقال عمر) رضي الله عنه: (لا دية له). قال الباجي(١): قول عمر - رضي الله عنه -: لا دية له، معناه - والله أعلم - أنه لا عاقلة له تلزمها الدية، لأن الدية تلزم العاقلة، وهذا لا عاقلة له، ومذهب مالك رحمه الله أن من لا قوم له يعقل عنه المسلمون، ويرثون عقله، رواه ابن المواز وغيره عنه، وهذا إذا قلنا: إن ولاءه للمسلمين، وإذا قلنا بقول ابن نافع ولاؤه لمعتقه، فقد قال ابن الماجشون: عقل من أعتق من البربر على مواليه، وهو قول ابن القاسم، ويحتمل أن يكون هذا المعتق سائبة غيرُ مسلم، وقد التزم بأرض المسلمين على أداء الجزية، ولم يوجد من يعقل معه، ولم يكن له مال، ويكون معنى قول عمر: لا دية له، يريد ليس له الآن دية لعدم عاقلة الجاني وفقره، وقال أشهب وسحنون: يعقل معه أهل جزيته، فلا يصح على هذا ما تقدم من التأويل. ويحتمل أن يكون المعتق سائبةً إن كان غير مسلم أن يدخل بأرض (١) ((المنتقى)) (١٣١/٧). ١٤٧ ٤١ - كتاب العقول (٢٤) باب (١٥٢٠) حديث الحرب، ثم يدخل مستأمناً، فيقتل مسلماً خطأ، فقد قال أشهب: يحبس ويرسل إلى أهل موضعه، وكورته التي هو منها، فيجيزون(١) ما صنع، وما يلزمهم في حكمنا، فإن أدوا عنه، وإلا لم يلزمه إلا ما كان يؤدى معهم، وروى عنه سحنون أن الدية في مال الجاني دون غيره، فعلى هذا يحتمل قول عمر - رضي الله عنه -: لا دية له إن لم يكن للجاني مال، اهـ. وسكت العلامة الزرقاني عن توجيه الأثر، وتقدم في ((باب ميراث السائبة)) ما قال الإمام مالك: إن أحسن ما سمع في السائبة أنه لا يوالي أحداً، وأن ميراثه للمسلمين وعقله عليهم، وقال البيهقي (٢) بعد أثر الباب: قال الشافعي: هذا إذا ثبت بقولنا أشبه؛ لأنه لو رأى ولاءه للمسلمين رأى عليهم عقله، ولكن يشبه أن يكون عقله على مواليه، فلما كانوا لا يعرفون لم يَرَ فيه عقلاً حتى يعرف مواليه، اهـ. قلت: وعليه حمل الإمام محمد إذ ترجم عليه في ((موطئه))(٣) ((باب من قتل خطأ ولم تعرف له عاقلة))، ثم قال بعد ذكر أثر الباب: وبهذا نأخذ، ألا ترى أن عمر - رضي الله عنه - أبطل ديته، ولا نراه أبطل ذلك؛ لأن له عاقلة، ولكن عمر - رضي الله عنه - لم يعرفها، فيجعل الدية على العاقلة، ولو أن عمر - رضي الله عنه - لم ير له مولى، ولا أن له عاقلة، لجعل دية من قتل في ماله، أو على بيت المال، ولكنه رأى له عاقلة، ولم يعرفهم لأن بعض الحجاج أعتقه، ولم يعرف المعتق ولا عاقلته، فأبطل ذلك عمر - رضي الله عنه - حتی یعرف، اهـ. (١) كذا في الأصل، والظاهر عندي فيخبرون، اهـ. ((ش)). (٢) ((السنن الكبرى)) (٣٠١/١٠). (٣) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٢/٣ -٣٤). ١٤٨ ٤١ - كتاب العقول (٢٤) باب (١٥٢٠) حدیث فَقَالَ الْعَائِذِيُّ: أَرَأَيْتَ لَوْ قَتَلَهُ ابْنِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إذاً، تُخْرِجُونَ دِيَتَهُ، فَقَالَ: هُوَ، إِذاً، كَالْأَرْقَم، إِنْ يُتْرَكْ يَلْقَمْ. وَإِنْ يُقْتَلْ يَنْقَمْ. (فقال العائذي: أرأيت) بفتح تاء الخطاب أي أخبرني (لو قتله) أي السائبة (ابني) فاعل قتل أي فما تفعل إذ ذاك؟ (فقال له) أي للسائب (عمر بن الخطاب: إذاً) حرف جزاء وجواب (تخرجون ديته) وفي النسخ الهندية: إذن تخرجون ديته أي حينئذ يجب العقل على عاقلتكم (فقال العائذي: هو) أي السائبة (إذاً) أي إذ ذاك (كالأرقم) بالراء المهملة والقاف: الحية التي فيها بياض وسواد، وقيل: التي فيها حمرة وسواد، كأنه رقم عليها ونقش (إن يترك) ببناء المجهول (يلقم) بفتح أوله وسكون اللام وفتح القاف ببناء الفاعل معناه يجعلك لقمة، والمراد الأكل بسرعة (وإن يقتل) ببناء المجهول (ينقم) ببناء الفاعل. قال الزرقاني(١): بكسر القاف من باب ضرب لغة القرآن، وفي لغة بفتح القاف من باب تعب، وهي أولى ههنا بالسجع، ومعناه إن تركت قتله قتلك، وإن قتلته كان له من ينتقم منك، وهو مَثَل من أمثال العرب مشهور، قال ابن الأثير: كانوا في الجاهلية يزعمون أن الجن تطلب ثأر الجن، وهي الحية الرقيقة، فربما مات قاتلها، وربما أصابه خلل، وهذا مثل فيمن يجتمع عليه شَرَّان لا يدري كيف يصنع بهما، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٦/٤). ١٤٩ ٤٣ - كتاب القسامة بسم الله الرحمن الرحيم ٤٢ - كتاب القسامة (٤٢) كتاب القسامة هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية من المتون والشروح، ذكر هذا الكتاب ههنا إلا في نسخة الباجي، ففيها ذكره قبل كتاب العقول، والقسامة بفتح القاف وخفة السين اسم مصدر بمعنى القسم، وقيل: مصدر، وقد يطلق على الجماعة الذين يقسمون، كذا في بعض الشروح، وفي ((القاموس)): القسامة الجماعة يقسمون على الشيء ويأخذونه ويشهدون، كذا في ((المحلى)). قال الزرقاني(١): مأخوذ من القسم وهو اليمين، وقال الأزهري: القسامة اسم للأولياء الذين يحلفون على استحقاق دم المقتول، وقيل: مأخوذ من القسمة لقسمة الأيمان على الورثة، اهـ. وقال الموفق(٢): القسامة مصدر أقسم قسماً وقسامة ومعناه حلف حلفاً، والمراد بها ههنا الأيمان المكررة في دعوى القتل، قال القاضي: هي الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة، قال: وأهل اللغة يذهبون إلى أنها القوم الذين يحلفون سموا باسم المصدر، كما يقال: رجل عدل، وأي الأمرين كان، فهو من القسم الذي هو الحلف، اهـ. قال الحافظ في ((الفتح)) (٣): هي مصدر أقسم وخص القسم على الدم بالقسامة، وقال إمام الحرمين: هي عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يقسمون، وعند الفقهاء اسم للأيمان، وفي ((المحكم)): القسامة الجماعة يقسمون على الشيء أو يشهدون به، ويمين القسامة منسوب إليهم، ثم أطلقت على الأيمان نفسها، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٧/٤). (٢) ((المغني)) (١٨٨/١٢). (٣) ((فتح الباري)) (١٢/ ٢٣٢). ١٥٠ ٤٢ - كتاب القسامة وفي ((الدر المختار)) (١): القسامة لغة: بمعنى القسم، وهو اليمين مطلقاً، وشرعاً: اليمين بالله تعالى بسبب مخصوص، وعدد مخصوص، على شخص مخصوص، علی وجه مخصوص، وسيأتي بيانه، اهـ. وفي ((المحلى)): هو في الشرع عبارة عن أيمان يقسم بها أولياء الدم على استحقاق دم صاحبهم، وهذا على رأي مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة هي أيمان يقسم بها أهل المحلة على نفي القتل عنهم، اهـ. قلت: وكان بدء القسامة في أيام الجاهلية بدأه أبو طالب عم النبي كما في البخاري عن ابن عباس قال: إن أول قسامة كانت في الجاهلية لَفِيْنَا بني هاشم، الحديث. ثم أقرّه الإسلام كما في قصة عبد الله بن سهل في خيبر، قال أبو عمر: كانت في الجاهلية، فأقرها # على ما كانت عليه في الجاهلية، رواه عبد الرزاق وابن وهب، وأخرج مسلم بسنده إلى رجل من أصحاب النبي ◌َله من الأنصار أنه ود ليل أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، ثم رواه عن ناس من الأنصار عن النبي (8* بمثله، كذا في ((الزرقاني))(٢) مختصراً. قال الموفق(٣): الأصل في القسامة ما روي عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج أن مُحيِّصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا إلى خيبر فتفرقا في النخيل، فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود، الحديث (٤). وفي ((المحلى)): قال عياض: حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة ومن بعدهم، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ (١) (٣١٨/١٠). (٢) (٤/ ٢٠٧). (٣) ((المغني)) (١٨٨/١٢). (٤) أخرجه البخاري (٤١/٨، ٤٢). ١٥١ ٤٢ - كتاب القسامة به، ولم يأخذ به سالم وسليمان بن يسار وقتادة وابن علية والبخاري. وعن عمر بن عبد العزيز روايتان، اهـ. وقريب منه ما في ((الفتح)) (١) إذ قال: قال القاضي عياض: هذا الحديث أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد. وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، وإن اختلفوا في صورة الأخذ به، وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة، فلم يروا القسامة، ولا أثبتوا بها في الشرع حكماً، وهذا مذهب الحكم بن عتيبة وأبي قلابة وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وإبراهيم بن علية وإليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه، اهـ. وقال في موضع آخر: وسبق عمر بن عبد العزيز إلى إنكار القسامة سالم بن عبد الله بن عمر، فأخرج ابن المنذر عنه أنه كان يقول: يا لقوم يحلفون على أمر لم يروه ولم يحضروه، ولو كان لي أمر لعاقبتهم، ولجعلتهم نكالاً، ولم أقبل لهم شهادة، وهذا يقدح في نقل إجماع أهل المدينة على القود بالقسامة، فإن سالماً من أجلِّ فقهاء المدينة، وأخرج ابن المنذر أيضاً عن ابن عباس أن القسامة لا يقاد بها، اهـ. قال ابن رشد في ((البداية))(٢): أما وجوب الحكم بها في الجملة، فقال بها جمهور فقهاء الأمصار مالك والشافعي وأبو حنيفة وسفيان وداود وأصحابهم وغير ذلك من فقهاء الأمصار، وقالت طائفة من العلماء سالم وأبو قلابة وعمر بن عبد العزيز وابن علية: لا يجوز الحكم بها، عمدة الجمهور ما ثبت (١) (٢٣٦/١٢). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢/ ٤٢٧). ١٥٢ ٤٢ - كتاب القسامة عنه - عليه السلام - من حديث حويصة ومحيصة، وهو حديث متفق على صحته من أهل الحديث، إلا أنهم مختلفون في ألفاظه، وعمدة الفريق الثاني النافي لوجوب الحكم بها، أن القسامة مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها . فمنها، أن الأصل في الشرع أن لا يحلف أحد إلا على ما علم قطعاً أو شاهد حِسّاً، وإذا كان كذلك فكيف يقسم أولياء الدم، وهم لم يشاهدوا القتل، بل قد يكونون في بلد، والقتل في بلد آخر، ولذلك روى البخاري(١) عن أبي قلابة أن عمر بن عبد العزيز أَبْرَزَ سريرَه يوماً للناس، ثم أذن لهم فدخلوا عليه، فقال: ما تقولون في القسامة؟، قالوا: نقول: القسامة القود بها حق قد أقاد بها الخلفاء، فقال: ما تقول يا أبا قلابة ونصبني للناس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين عندك أشراف العرب ورؤساء الأجناد، أرأيت لو أن خمسين رجلاً شهدوا على رجل أنه زنا بدمشق، ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا، قال: أفرأيت لو أن خمسين رجلاً شهدوا عندك على رجل أنه سرق بحمص، ولم يروه أكنت تقطعه؟ قال: لا . وفي بعض الروايات، قلت: فما بالهم إذا شهدوا أنه قتله بأرض كذا، وهم عندك أقدت بشهادتهم؟، قال: فكتب عمر بن عبد العزيز في القسامة أنهم إن أقاموا شاهدي عدل أن فلاناً قتله فأقده، ولا يقتل بشهادة الخمسين إلى آخر ما بسطه من وجوههم. وأنت خبير بأن هذه الإيرادات كلها ترد على الذين قالوا بوجوب القود بالقسامة، ومسلك الحنفية - شكر الله سعيهم - بمعزل من هذه الإيرادات، فإنهم لم يوجبوا القود بذلك ولم يأمروا بالحلف على الغائب، بل أمروا بالحلف على من أنكروا بأصل معروف في الشرع، البينة على المدعي واليمين على من أنكر على ما سيأتي من التفاصيل. (١) ((صحيح البخاري)) (٦٨٩٩). ١٥٣ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب (١) باب تبدئة أهل الدم في القسامة بسم الله الرحمن الرحيم هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية من ذكر التسمية بعد الكتاب. (١) تبدئة أهل الدم في القسامة يعني البداية بأولياء الدم في الأيمان، قال ابن رشد في ((البداية))(١): اختلف العلماء في القسامة في أربعة مواضع تجري مجرى الأصول لفروع هذا الباب، الأولى: هل يجب الحكم بالقسامة أم لا؟ وقد تقدم قريباً، الثانية: إذا قلنا بوجوبها هل يجب بها الدم أو الدية أو دفع مجرد الدعوى؟ فقال مالك وأحمد: يستحق بها الدم في العمد والدية في الخطأ، وقال الشافعي والثوري وجماعة: تستحق بها الدية فقط، وقال بعض الكوفيين: لا يستحق بها إلا دفع الدعوى، والثالثة: هل يبدأ بالأيمان فيها المدعون أو المدعى عليهم؟ فقال الشافعي وأحمد وداود وغيرهم: يبدأ المدعون، وقال فقهاء الكوفة والبصرة وكثير من أهل المدينة: بل يبدأ المدعى عليهم بالأيمان، والرابعة: ما يُعَدُّ لوثاً، وهي موجب القسامة. وأجمع جمهور العلماء القائلون بها أنها لا تجب إلا بشبهة، واختلفوا في الشبهة ما هي؟ وسيأتي بيانها في محلها، وهي التي يقال لها اللوث، وفيه اختلاف كثير في تفاصيله. قال الموفق(٢): إذا وجد قتيل في موضع فادعى أولياؤه قتله على رجل أو جماعة، ولم تكن بينهم عداوة ولا لوث(٣)، فهي كسائر الدعاوى إن كانت لهم بينة حكم لهم بها، وإلا فالقول قول المنكر، وبهذا قال مالك والشافعي وابن (١) ((بداية المجتهد)) (٤٢٧/٢). (٢) انظر: ((المغني)) (١٨٩/١٢ - ٢٢١). (٣) اللوث: الشر والمطالبات بالأحقاد. ١٥٤ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب المنذر، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا ادّعى أولياؤه قتله على أهل المحلة أو على معين، فللوليٍّ أن يختار من الموضع خمسين رجلاً، يحلفون خمسين يميناً والله ما قتلناه، ولا علمنا قاتله، فإن لم يحلفوا، حبسوا حتى يحلفوا أو يقروا؛ لما روي أن رجلاً وجد قتيلاً بين حيين، فحلفهم عمر - رضي الله عنه - خمسين يميناً، وقضى بالدية على أقربهما يعني على أقرب الحيين، فقالوا: ما وَقَتْ أيمانُنا أموالَنا ولا أموالُنا أيمانَنا، فقال عمر - رضي الله عنه -: حقنتم بأموالكم دماءكم(١). ولنا، حديث عبد الله بن سهل ثم قال: ولا تسمع الدعوى، على غير معين، فلو كانت الدعوى على أهل مدينة أو محلة أو واحد غير معين لم تسمع الدعوى، وبهذا قال الشافعي، وقال أصحاب الرأي: تسمع ويستحلف خمسون منهم، أما إن ادعى القتل من غير وجود قتل ولا عداوة فحكمها حكم سائر الدعاوى في اشتراط تعيين المدعى عليه، ولا نعلم فيه خلافاً . وإذا ادعى القتل ولم يكن عداوة ولا لوث، ففيه عن أحمد روايتان: إحداهما: لا يحلف المدعى عليه ولا يحكم عليه بشيء ويخلى سبيله، وهو الذي ذكره الخرقي، والثانية: يستحلف وهو الصحيح وهو قول الشافعي، والمشروع يمين واحدة، وعن أحمد يشرع خمسون يميناً؛ لأنها دعوى في القتل، فكان خمسين يميناً كما لو كان بينهم لوث. وللشافعي في هذا قولان كالروايتين، فإن نكل المدعى عليه عن اليمين لم يجب القصاص بغير خلاف في المذهب، وقال أصحاب الشافعي: إن نكل المدعى عليه ردت اليمين على المدعي فحلف خمسين يميناً، واستحق القصاص إن كانت الدعوى عمداً، والدية إن كانت موجبة للقتل، وإن كان (١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٢٤/٨). ١٥٥ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب بينهم عداوة ولوث، فادعى أولياؤه على واحد، حلف الأولياء على قاتله خمسين يميناً، واستحقوا دمه إن كانت الدعوى عمداً، وسيأتي الكلام على اللوث في محله. وليس من شرط اللوث أن يكون بالقتيل أثر، وبهذا قال مالك، والشافعي، وعن أحمد أنه شرط، وهذا قول حماد وأبي حنيفة والثوري؛ لأنه إذا لم يكن به أثر احتمل أنه مات حتف أنفه، فالأولياء إذا ادعوا القتل على من بينه وبين القتيل لوث، شرعت اليمين في حق المدعين أولاً، فيحلفون خمسين يميناً على المدعى عليه إن قتله، وثبت حقهم قبله، فإن لم يحلفوا استحلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ، وبهذا قال ربيعة ومالك والشافعي، وقال الحسن: يستحلف المدعى عليهم أولاً خمسين يميناً ويبرؤون، وإن أبوا أن يحلفوا استحلف خمسون من المدعين أن حقنا قبلكم ثم يعطون الدية، وقال الشعبي والنخعي والثوري وأصحاب الرأي: يستحلف خمسون رجلاً من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل بالله ما قتلناه، ولا علمنا قاتلاً، ويغرمون الدية لقضاء عمر - رضي الله عنه - بذلك، ولم نعرف له في الصحابة مخالفاً فكان إجماعاً . ولنا، حديث سهل وهو صحيح، متفق عليه، ورواه مالك في ٢ ((موطئه)) والأولياء إذا حلفوا استحقوا القود، وإذا كانت الدعوى عمداً إلا أن يمنع مانع، روي ذلك عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر، وعن معاوية وابن عباس والحسن وإسحاق لا تجب بها إلا الدية؛ لقوله 18 لليهود: ((إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب من الله))، ولأن أيمان المدعين إنما هي بغلبة الظن وحكم الظاهر، فلا يجوز إشاطة الدم بها لقيام الشبهة، وللشافعي قولان کالمذهبین. ١٥٦ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب ولنا قوله ◌َ﴾(١): (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برُمَّته))، فإن لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبُرِّئ، هذا ظاهر المذهب للإمام أحمد، وبه قال ربيعة ومالك والليث والشافعي وأبو ثور، وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن أحمد أنهم يحلفون، ويغرمون الدية لقضية عمر - رضي الله عنه -، وخبر سليمان بن يسار، وهو قول أصحاب الرأي، فإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال لقضية عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر، وأبى الأنصار أن يحلفوا وقالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فوداه النبي وَّر من عنده كراهية أن يُطَلَّ دمُه، وإن امتنع المدعى عليهم من اليمين لم يحبسوا حتى يحلفوا، ويَديْه الإمام من بيت المال، نص عليه أحمد، وعنه يجب عليهم الدية، وهو الصحيح؛ لأنه حكم ثبت بالنكول، فثبت في حقهم كسائر الدعاوى، وعن أحمد رواية أخرى أنهم يحبسون حتى يحلفوا، وهو قول أبي حنيفة. وإذا شهدت البينة العادلة أن المجروح قال: دمي عند فلان، فليس ذلك بموجب للقسامة ما لم يكن لوث، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي، وقال مالك، وليث: هو لوث، وروي هذا القول عن عبد الملك بن مروان، والنساء والصبيان لا يقسمون، أما الصبيان فلا خلاف بين أهل العلم أنهم لا يقسمون، سواء كانوا من الأولياء أو مدعى عليهم، وأما النساء فإذا كن من أهل القتيل لم يستحلفن، وبهذا قال ربيعة والثوري والليث والأوزاعي، وقال مالك: لهن مدخل في قسامة الخطأ دون العمد . وقال الشافعي: يقسم كل وارث بالغ لأنها يمين في دعوى، فتشرع في (١) أخرجه البخاري (٤١/٨، ٤٢، ٣٩/٩، ٨٣، ٩٣، ٩٤)، ومسلم (١٢٩٢/٣ - ١٢٩٥)، وأبو داود (٢/ ٤٨٤). ١٥٧ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب حق النساء كسائر الأيمان، ولنا، قوله ◌َّيقول: ((يقسم خمسون رجلاً منكم)) ولأنها حجة يثبت بها قتل العمد، فلا تسمع من النساء كالشهادة وإن كانت المرأة مدعى عليها القتل، فإن قلنا: إنه يقسم من العصبة رجال، لم تقسم المرأة أيضاً؛ لأن ذلك مختص بالرجال، وإن قلنا: يقسم المدعى عليه فينبغي أن تستحلف؛ لأنها لا تثبت بحلفها حقاً ولا قتلاً، وإنما هي لتبرئتها فتشرع في حقها . واختلفت الرواية عن أحمد فيمن يجب عليه أيمان القسامة، فروي عنه أنه يحلف من العصبة للوارث وغير الوارث خمسون رجلاً كل واحد يميناً واحدة، وهذا قول مالك. والرواية الثانية: لا يقسم إلا الوارث، وتُعرض الأيمان على ورثة المقتول حسب مواريثهم، وهذا اختيار الخرقي، وقول الشافعي، ولا يختلف المذهب لأحمد أنه لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد، وبهذا قال الزهري ومالك وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: يستحق بها قتل الجماعة؛ لأنها بينة موجبة للقود، فاستوى فيها الواحد والجماعة، ونحوه قول أبي ثور، ولنا، قوله وَلقر: (يقسم خمسون منكم على رجل فيدفع إليه برمته)) فخص بها الواحد، ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصل، فيقتصر عليه. ويجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله، وإن كانوا غائبين عن مكان القتل؛ لأنه وَل قال للأنصار: ((تحلفون وتستحقون دم صاحبكم)) وكانوا بالمدينة والقتل بخيبر، ولأن الإنسان يحلف على غالب ظنه، ولا ينبغي أن يحلف إلا بعد الاستثبات وغلبة ظن يقارب اليقين، وهذا كله مذهب الشافعي، هذا اختصار مسالك الأئمة في مسألة القسامة ملتقط من ((المغني) . وسيأتي قريباً في ((الموطأ)) ما قال الإمام مالك: إن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين: إما أن يقول المقتول: دمي عند فلان، أو يأتي ولاة الدم بلوث ١٥٨ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب من بينة وإن لم تكن قاطعة على الذي يدعي عليه الدم، فهذا يوجب القسامة للمدعين الدم على ما ادّعوه، ولا تجب القسامة عندنا إلا بأحد هذين الوجهين، اهـ. وقال الدردير(١): القسامة التي توجب القصاص في العمد، والدية في الخطأ، سببها قتل الحر المسلم وإن غير بالغ بجرح أو ضرب أو سم أو نحو ذلك، لا الرقيق والكافر في محل اللوث كأن يقول بالغ عاقل وإن أنثى لا صبي حر مسلم: قتلني فلان أو دمي عند فلان، ولو قال خطأ، أو كان القاتل فاسقاً ادعاه على ورع، فإنه يكون لوثاً، أو ادعى ولد على والده أنه أضجعه وذبحه، أو قالت زوجة: قتلني زوجي فيقسمون، ويقتل الوالد أو الزوج، ويقسم الولي بالله الذي لا إله إلا هو لمن ضربه أو جرحه مات بضربه، فيحلفون خمسين يميناً لقد جرحه أو ضربه ولقد مات منه. وليس من اللوث وجود المقتول في قرية ولو مسلماً بقرية كفار يخالطهم فيها غيره، وإلا كان لوثاً يوجب القسامة كما في قضية عبد الله بن سهل، لأن خيبر ما كان يخالط اليهود فيها غيرهم، ولا وجوده في دار قوم، لجواز أن يكون قتله إنسان، ورماه فيها ليلوث أهلها به، وهي خمسون يميناً بتاً أي قطعاً، واعتمد الباتُّ على ظن قوي ولا يكفي قوله: أظن أو في ظني أنه مات من ضربه، ويحلفها في الخطأ من يرث المقتول، وتوزع على قدر الميراث؛ لأنها سبب في حصوله كبنت مع ابن، فتحلف سبعة عشر يميناً، وهو ثلاثة وثلاثون، وإن نكلوا أي الورثة حلفت عاقلة الجاني، ومن حلف منهم برئ ولا غرم عليه، ومن نكل منهم، فحصته من الدية يغرمها . ولا يحلف في العمد أقل من رجلين عصبة من النسب، سواء ورثوا أم (١) ((الشرح الكبير)) (٢٨٧/٤). ١٥٩ ٤٢ - كتاب القسامة (١) باب لا، وأما النساء فلا يحلفن في العمد لعدم شهادتهن فيه، ووُزِّعَتِ الأيمان على مستحق الدم، فإن زادوا على خمسين اجتزئ منهم بخمسين؛ لأن الزيادة خلاف سنة القسامة، وهذا في العمد، أما في الخطأ، فتُوَزَّعُ على قدر الإرث، وإن نكلوا فتردُّ أيمان على المدعى عليهم بالقتل، فيحلف كل منهم خمسين يميناً إن تعددوا؛ لأن كل واحد متّهمٌّ بالقتل، ومن نكل حُبِس حتى يحلف، أو يموت في السجن، ووجب بالقسامة الدية في الخطأ والقود في العمد من واحد تعين بتعيين المدعي على جماعة استووا في العمد مع وجود اللوث، يقولون لمن ضربه مات، ولا يقولون لمن ضربهم مات، ولا يقتل بها أكثر من واحد، ولا غير معين، اهـ مختصراً. وفي ((الهداية))(١): إذا وجد القتيل في محلة ولا يعلم من قتله، استُحلف خمسون رجلاً منهم، يتخيرهم الولي: بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، فإذا حلفوا قضي على أهل المحلة بالدية، ولا يستحلف الولي، وقال الشافعي: لا تجب الدية لقوله وَالر: ((تبرؤكم اليهود بأيمانها))، ولأن اليمين عهدت في الشرع مبرئاً للمدعى عليه، لا ملزماً، كما في سائر الدعاوى. ولنا، أن النبي و 18 جمع بين الدية والقسامة في حديث سهل، وفي حديث زياد عن أبي مريم، وكذا جمع عمر - رضي الله عنه - بينهما على وادعة، وقوله وقّر: ((تبرؤكم اليهود)»، محمول على الإبراء عن القصاص والحبس، والقسامة ما شرعت لتجب الدية إذا نكلوا، بل شرعت ليظهر القصاص بتحرزهم عن اليمين الكاذبة، فيقروا بالقتل، فإذا حلفوا حصلت البراءة عن القصاص. ثم الدية تجب بالقتل الموجود منهم ظاهراً لوجود القتيل بين أظهرهم، لا (١) (٢ /٤٩٧). ١٦٠