النص المفهرس

صفحات 81-100

٤١ - كتاب العقول
(١٨) باب
(١٥١٦) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ اقْتَتَلُوا. فَانْكَشَفُوا. وَبَيْنَهُمْ
قَتِيلٌ أَوْ جَرِيحٌ. لَا يُدْرَى مَنْ فَعَلَ ذُلِكَ بِهِ: إِنَّ
قلت: ولا بد للقسامة عند مالك ومن وافقه اللوث، كما سيأتي في باب
القسامة مفصلاً.
قال صاحب ((المحلى)) بعد قول الإمام مالك المذكور في المتن: فلا
يحكم في تلك الصورة بالقسامة عند مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، قال
الشافعي: إلا أن يكون محلة أعدائه لا يخلطهم غيره، وقال أبو حنيفة: وجود
القتيل في المحلة والقرية يوجب القسامة، ولا يثبت القسامة فيما عدا ذلك،
قال: وإذا وجد القتيل بين قريتين يجب القسامة والدية على أهل أقربهما .
لما رواه البزار والبيهقي (١) عن أبي سعيد الخدري: ((أن قتيلاً وجد بين
حيين، فأمر النبي ◌َ ◌ّ أن يقاس إلى أيهما أقرب، فوجد أقرب إلى أحد الحيين
بشبر، فألقى ديته عليهم)) وروى ابن أبي شيبة عن الحارث بن الأزمع قال:
((وجد قتيل باليمن بين وادعة وأرحب، فكتب عامل عمر - رضي الله عنه - إليه
فكتب عمر إليه أن قِسْ ما بين الحيين، فإلى أيهما كان أقرب فخذهم، فقاسوه
فوجدوه أقرب إلى وادعة، فأخذنا وأغرمنا وأحلفنا، فقلنا: يا أمير المؤمنين
أتحلفنا وتغرمنا؟ قال: نعم، فأحلف خمسين رجلاً بالله ما قتلت وما علمت
قاتلاً)) كذا في ((المحلى))، وبسط هذه الروايات والتي بمعناها الزيلعي في
((نصب الراية))(٢).
(قال مالك في جماعة من الناس اقتتلوا) فيما بينهم (فانكشفوا) أي انهزموا
(وبينهم) يوجد (قتيل أو جريح لا يدرى) ببناء المجهول (من فعل) ببناء الفاعل
(به ذلك) الفعل من الجرح أو القتل، فقال مالك في الصورة المذكورة: (إن
(١) ((السنن الكبرى)) (١٢٤/٨، ١٢٥).
(٢) انظر: ((نصب الراية)) (٣٩٦/٤)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي (١٣٦/٨)، و((مصنف ابن
شيبة» (٣٩٢/٩).
٨١

٤١ - كتاب العقول
(١٨) باب
(١٥١٦) حديث
أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي ذَلِكَ أنَّ عَلَيْهِ الْعَقْلَ. وأَنَّ عَقْلَهُ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ
نَازَعُوهُ. وَإِنْ كَانَ الْجَرِيحُ أَوِ الْقَتِيلُ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيقَيْنِ. فَعَقْلُهُ عَلَى
الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعاً.
أحسن ما سمع) الإمام (في ذلك أن فيه) وفي النسخ المصرية ((أن عليه)) وهو
أيضاً بمعنى فيه (العقل) أي الدية واجب (وأن عقله على القوم الذين نازعوه)
يعني عقل كل واحد من المقتولين والمجروحين على الفريق المخالف، (وإن
كان القتيل أو الجريح من غير الفريقين) المتنازعين فيما بينهم (فعقله على
الفريقين جميعاً).
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن من قتل بين الفئتين في النائرة
تكون بينهم، فإن كل فرقة تضمن من أصيب من الفرقة الأخرى، وذلك إذا لم
يعلم من قتله، ووجه ذلك أن الظاهر أن قتيل كل فرقة إنما قتلته الفرقة
الأخرى، ولا قصاص لتعذر معرفة قاتله، وعدم اتفاق الطائفة الأخرى على
قتله، فلم يبق إلا الدية، ولا يحتاج في ذلك إلى قسامة، لأن القاتل لا يتعين،
ولو علم من أصابه وشهدت بذلك بينة ففيه القود، وإن لم يكن بينة كاملة،
وإنما كان شاهدٌ أو قول المقتول: دمي عند فلان أو عند جماعة سماهم، فقد
روي عن ابن القاسم: لا قسامة فيه إلا أن يشهد لجرحه رجلان، ثم مات من
ذلك بعد أيام ففيه القسامة، وقال أشهب وغيره: فيه القسامة.
قال ابن المواز: وقد رجع ابن القاسم بعد أن قال: لا قسامة فيمن قتل
بين الصفين بدعوى الميت ولا بشاهد، وقوله هذا خطأ، وقول المصنف: فإن
عقله على القوم الذين نازعوه، وقوله في عقل الأجنبي: على الفريقين يريد في
أموالهم، قاله ابن المواز عن مالك، فجعل لذلك حكم العمد لما كان عملهم
ومضاربتهم بقصد، ولم يجعل فيه القود لما لم يتعين القاتل، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١١٤/٧).
٨٢

٤١ - كتاب العقول
(١٨) باب
(١٥١٦) حديث
وقال صاحب ((المحلى)) بعد قول المصنف: والحاصل إن كان القتيل من
إحدى الطائفتين، فالدية على الطائفة الأخرى وإلا فهي عليهما جميعاً، قال
النووي: هذا رواية عن مالك. وبه قال أحمد في رواية، والمشهور عن مالك
أنه إذا اقتتل الطائفتان فيوجد بينهما قتيل ففيه القسامة، وهو قول الشافعي
وأحمد وإسحاق.
ومذهب أبي حنيفة كما في ((الهداية)) (١) أنه إذا التقى قوم بالسيوف فأجلوا
عن قتيل، فهو على أهل المحلة؛ لأن القتيل بين أظهرهم والحفظ عليهم، إلا
أن يدّعي الأولياء على أولئك أو على رجل منهم بعينه، فلم يكن على أهل
المحلة شيء؛ لأن هذه الدعوى تضمنت براءة أهل المحلة عن القسامة، ولا
على أولئك حتى يقيموا البينة؛ لأن بمجرد الدعوى لا يثبت الحق للحديث
الذي رويناه، أما يسقط به الحق عن أهل المحلة؛ لأن قوله حجة على
نفسه، اهـ.
قال الموفق(٢) في بيان أنواع اللوث الموجب للقسامة: الخامس: أن
يقتتل فئتان، فيفترقون عن قتيل من إحداهما، فاللوث على الأخرى، ذكره
القاضي، فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضاً، فاللوث على طائفة
القتيل، وهذا قول الشافعي، وروي عن أحمد أن عقل القتيل على الذين
نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه، وهذا قول
مالك، وقال ابن أبي ليلى: على الفريقين جميعاً؛ لأنه يحتمل أنه مات من فعل
أصحابه فاستوى الجميع فيه، وعن أحمد في قوم اقتتلوا فقتل بعضهم، وجرح
بعضهم، فدية المقتولين على المجروحين تسقط منها دية الجراح، وإن كان
فيهم من لا جرح فيه فهل عليه من الديات شيء؟ على وجهين، اهـ.
(١) (٥٠٣/٢).
(٢) ((المغني)) (١٩٥/١٢).
٨٣

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
(١٩) باب ما جاء في الغيلة والسحر
(١٩) ما جاء في الغيلة
بكسر الغين المعجمة وإسكان التحتية: الخديعة، تقدم الكلام على
تفسيرها في دية أهل الذمة، وتقدم هناك أن قتل الغيلة وغيرها سواء عند الأئمة
الثلاثة في القصاص والعفو عن الولي خلافاً للإمام مالك، إذ قال: لا عفو في
قتل الغيلة، ولا صلح، وصلح الولي في ذلك مردود، والأمر فيه إلى السلطان.
والسحر
وفيه أبحاث:
الأول: في لغته، وحقيقته، قال صاحب ((الجمل)): هو كل ما لطف ودقّ
يقال: سحره إذا أبدى له أمراً يدق عليه ويخفى، وهو في الأصل مصدر يقال:
سحره سحراً، ولم يجئ مصدر لفعل يفعل على فِعل إلا سِحراً وفِعلاً، وقال
الغزالي في ((الإحياء))(١): السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور
حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الخواص هيكل على صورة الشخص
المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها
من الكفر والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين،
ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص
المسحور، اهـ.
وقال الموفق(٢): هو عُقَدٌ ورُقىّ وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئاً
يؤثر في بدن المسحور، أو قلبه، أو عقله من غير مباشرة له، وله حقيقة، فمنه
ما يقتل، وما يُمْرِضُ، وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وَظْأَها، ومنه ما يفرق
(١) ((إحياء علوم الدين)) (٢٩/١).
(٢) («المغني)» (٢٩٩/١٢).
٨٤

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
بين المرء وزوجه، وما يُبَغِّضُ أحدهما إلى الآخر، أو يُحَبِّبُ، وهذا قول
الشافعي، وذهب بعض أصحابه إلى أنه لا حقيقة له إنما هو تخييل؛ لأنه تعالى
قال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أََّ تَتْعَى﴾(١) وقال أصحابُ أبي حنيفة: إن كان شيئاً
يصل إلى بدن المسحور، كدخان ونحوه، جاز أن يحصل منه ذلك، فأما أن
يحصل المرض والموت من غير أن يصل إلى بدنه شيء، فلا يجوز ذلك؛ لأنه
لو جاز، لبطلت المعجزات؛ لأن ذلك يخرق العادات، فإذا جاز من غير
الأنبياء، بطلت معجزاتهم.
ولنا، قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿وَمِن شَرِّ
التَّفَّشَتِ فِىِ الْعُقَدِ ﴾﴾ يعني السواحرَ اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن عليه،
ولولا أن السحر له حقيقة لما أمر الله تعالى بالاستعاذة منه، وقال تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ
النَّاسَ السّحْرَ﴾ إلى قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِقُونَ بِهِ، بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَزَوْجِد٤ًٍ﴾(٢)
وروت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي ◌َّ سُحِرَ حتى أنه لَيُخَيَّلُ إليه أنه يفعل
الشيء وما يفعله، الحديث ذكره البخاري وغيره، وقد اشتهر بين الناس وجود عقد
الرجل عن امرأته حين يتزوجها، فلا يقدر على إتيانها، وحل عقده، فيقدر عليها
بعد عجزه عنها حتى صار متواتراً لا يمكن جحده، اهـ.
قال ابن عابدين: وهو علم يستفاد منه حصول ملكية نفسانية يقتدر بها
على أفعال غريبة لأسباب خفية، وفي ((شرح الزعفراني)): السحر حق عندنا
وجوده وتصوره وأثره، وقد ذكر الإمام القرافي المالكي الفرق بين ما هو سحر
يكفر به، وبين غيره، والحال في ذلك بما يلزم مراجعته من أواخر ((شرح
اللقاني الكبير)) على ((الجوهرة)) ومن كتاب ((الإعلام في قواطع الإسلام)) للعلامة
ابن حجر.
(١) سورة طه: الآية ٦٦.
(٢) سورة البقرة: الآية ١٠٢.
٨٥

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
وحاصله أن السحر اسم جنس لثلاثة أنواع؛ الأول: السيميا: وهي ما
يركب من خواص أرضية، كدهن خاص، أو كلمات خاصة توجب إدراك
الحواس الخمس، أو بعضها بما له وجود حقيقي، أو بما هو تخيل صرف من
مأكول أو مشموم أو غيرهما، الثاني: الهيمياء: وهي ما يوجب ذلك لآثار
سماوية لا أرضية، الثالث: بعض خواص الحقائق كما يؤخذ سبع أحجار يرمى
بها نوع من الكلاب إذا رُمِي بحجر عضه فإذا عضها الكلب، وطرحت في ماء
فمن شربه ظهرت عليه آثار خاصة، فهذه أنواع السحر، اهـ.
الثاني: في حكم تعلمه، قال الموفق(١): إن تعلمه وتعليمه حرام لا نعلم
فيه خلافاً بين أهل العلم، وقال أصحابنا: يكفر الساحر بتعلمه وفعله، سواء
اعتقد تحريمه أو إباحته، وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكفر، وقال
أصحاب أبي حنيفة: إن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء كفر، وإن اعتقد
أنه تخييل لم يكفر، وقال الشافعي: إن اعتقد ما يوجب الكفر مثل التقرب إلى
الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس، أو اعتقد حل السحر كفر؛ لأن القرآن
نطق بتحريمه، وثبت بالنقل المتواتر والإجماع عليه وإلا فسق ولم يكفر؛ لأن
عائشة - رضي الله عنها - باعت مُدَبَّرَةً لها سحرتها بمحضر من الصحابة(٢)، ولو
كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها، ولم يجز استرقاقها .
ولنا، قوله تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ
سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُوا﴾(٣) إلى قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَاً
إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةُ فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي لا تتعلمه فتكفر بذلك، وقد روى هشام عن أبيه
(١) ((المغني)) (٣٠٠/١٢).
(٢) أخرجه البيهقي في باب: من لا يكون سحراً، من كتاب القسامة ((السنن الكبرى)) (٨)
١٣٧)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٨٣/١٠).
(٣) سورة البقرة: الآية ١٠٢.
٨٦

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
عن عائشة(١) قصة طويلة لامرأة ذهبت إلى هاروت وماروت لتعلم السحر
فأمراها بالبول في التنور، ففعلت، فرأت كأن فارساً خرج منها حتى طار إلى
السماء فقالا: ذلك إيمانك فذكر القصة بطولها، ثم قال: وقال علي: إن
الساحرَ كافر، ويحتمل أن المدبرة تابت فسقط عنها القتل، والكفر، ويحتمل
أنها سحرتها بمعنى أنها ذهبت إلى ساحر سحر لها، اهـ.
وقال الدردير(٢) في باب الردة: هي كفر المسلم بصريح من القول أو لفظ
يقتضيه أو فعل يتضمنه كإلقاء مصحف بقذر، وسحر، وعرفه ابن العربي بأنه
كلام يعظم به غيرُ الله، وينسبُ إليه المقادير والكائنات، وعلى هذا فقول الإمام
- رضي الله عنه -: إن تعلم السحر وتعليمه كفر وإن لم يعمل به ظاهر في
الغاية، اهـ.
وفي ((الدر المختار)): إن تعلم العلم يكون فرض عين، وفرض كفاية،
ومندوباً، وحراماً، وعَدَّ منه السحر، قال ابن عابدين(٣): قال الشُمُنِّي: تعلمه
وتعليمه حرام، ومقتضى إطلاقه ولو تعلم لدفع الضر عن المسلمين، وفي
(ذخيرة الناظر)): تعلمه فرضٌ لرد ساحر أهل الحرب، وحرام ليفرق به بين
المرأة وزوجها، وجائز ليوفق بينهما، وذكر في ((تبيين المحارم)) عن الإمام أبي
منصور أن القول بأن السحر كفر على الإطلاق خطأ، ويجب البحث عن
حقيقته، فإن كان في ذلك رد ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا .
ثم قال ابن عابدين بعد ذكر الأنواع الثلاثة من السحر المذكورة في
البحث الأول: فهذه أنواع السحر الثلاثة قد تقع بما هو كفر من لفظ أو اعتقاد
(١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٣٧/٨)، وابن جرير في تفسير سورة البقرة آية رقم
(١٠٢) ((تفسير الطبري)) (٤٦٠/١، ٤٦١).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٣٠١/٤).
(٣) ((حاشية رد المحتار)) (٤٢٦/٤).
٨٧

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
أو فعل، وقد تقع بغيره كوضع الأحجار، وللسحر فصول كثيرة في كتبهم،
فليس كل ما يسمى سحراً كفراً، إذ ليس التكفير به لما يترتب عليه من الضرر،
بل لما يقع به مما هو كفر، كاعتقاد انفراد الكواكب بالربوبية أو إهانة قرآن أو
كلام مكفر ونحو ذلك.
الثالث: في حكم الساحر، قال الموفق(١): حد الساحر القتل، روي ذلك
عن عمر وعثمان وابن عمر وغيرهم من الصحابة والتابعين، وهو قول أبي حنيفة
ومالك، ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر، وهو قول ابن المنذر ورواية
عن أحمد، ووجه ذلك أن عائشة - رضي الله عنها - باعت مدبرة سحرتها، ولو
وجب قتلها لما حل بيعها، ولأن النبي وَ الر قال: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا
بإحدى ثلاث)). الحديث، ولم يصدر منه أحد الثلاثة، فوجب أن لا يحل دمه،
ولنا، ما روى جندب بن عبد الله عن النبي وَلّ أنه قال: ((حد الساحر ضربة
بالسيف)»، قال ابن المنذر: رواه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف، وروى سعيد
وأبو داود في ((كتابيهما)) عن بجالة جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: اقتلوا كل
ساحر، فقتلنا ثلاث سواحر في يوم، وهذا اشتهر فلم ينكر، فكان إجماعاً،
وقتل حفصة جارية لها سحرتها .
وهل يستتاب الساحر؟ فيه روايتان، إحداهما: أنه لا يستتاب، وهو ظاهر
ما نقل عن الصحابة، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه استتاب ساحراً، وعن
عائشة - رضي الله عنها - أن الساحرة سألت أصحاب النبي وَل وهم متوافرون
هل لها من توبة؟ فما أفتاها أحد، والرواية الثانية: يستتاب، فإن تاب قبلت
توبته؛ لأنه ليس بأعظم من الشرك والمشرك يستتاب، ومعرفته السحر لا تمنع
قبول توبته، فإن الله تعالى قبل توبة سحرة فرعون، وجعلهم من أوليائه، اهـ.
(١) («المغني)) (٣٠٢/١٢).
٨٨

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
وقال الدردير(١): إذا حكم بكفر الساحر، فإن كان متجاهراً به قتل،
وماله فيء ما لم يتب، وإن كان يسرّه قتل مطلقاً كالزنديق، قال الدسوقي: أي
فإنه يقتل ولا يقبل له توبة، اهـ. قلت: والأول حكمه حكم المرتد يستتاب
ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل.
وقال الباجي(٢): قال مالك: يقتل ولا يستتاب، وقال ابن عبد الحكم
وأصبغ: هو كالزنديق، ومن كان للسحر أو الزندقة مظهراً استتيب، فإن لم يتب
قتل، وقال ابن عبد الحكم: السحر كفر، فمن أسرّه وظهر عليه قتل، وإن
أظهره فكمن أظهر كفره، اهـ.
قال ابن عابدين: وذكر في ((فتح القدير)): أنه لا تقبل توبة الساحر،
والزنديق في ظاهر المذهب، فيجب قتل الساحر، ولا يستتاب بسعيه بالفساد لا
بمجرد علمه إذا لم يكن في اعتقاده ما يوجب كفره، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٣): وكل مسلم ارتدّ، فتوبته مقبولة إلا الكافر بسبب
نبي من الأنبياء، فإنه يقتل حداً، ولا تقبل توبته مطلقاً، ثم عدّ فيه رجالاً أخر
إلى أن قال: والكافر بسبب اعتقاد السحر لا توبة له، ولو امرأة في الأصح
لسعيها في الأرض بالفساد، وقال ابن عابدين: وفي ((الفتح)): السحر حرام بلا
خلاف بين أهل العلم، واعتقاد إباحته كفر، وعن أصحابنا ومالك وأحمد:
يكفر الساحر بتعلمه وفعله، سواء اعتقد الحرمة أو لا، ويقتل، وفيه حديث
مرفوع: ((حد الساحر ضربة بالسيف))(٤)، وعن الشافعي لا يقتل ولا يكفر إلا
إذا اعتقد إباحته.
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٠٢/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١١٧/٧).
(٣) (٤١٦/٤).
(٤) رواه الترمذي في كتاب الحدود (١٤٦٠) وقال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا
الوجه ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٦٠/٤)، والبيهقي في السنن (١٣٦/٨).
٨٩

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
والرابع: ما في ((المغني)) (١) أن ساحر أهل الكتاب لا يقتل لسحره، إلا
أن يَقْتُلَ به، وهو مما يقتل به غالباً، فيقتل قصاصاً، وقال أبو حنيفة: يقتل؛
لعموم ما تقدم من الأخبار، ولأنه جناية أوجبت قتل المسلم، فأوجبت قتل
الذمي كالقتل، ولنا، أن لبيد بن الأعصم سحر النبي ◌ّ﴿ فلم يقتل، ولأن
الشرك أعظم من سحره، ولا يقتل به، والأخبار وردت في ساحر المسلمين؛
لأنه يكفر بسحره، وقياسهم ينتقض بالزنا من المحصن، فإنه لا يقتل به الذمي
عندهم، ويقتل به المسلم، اهـ.
وفي ((رد المحتار)): قال أبو حنيفة: الساحر إذا أقرّ بسحره أو ثبت بالبينة
يقتل ولا يستتاب منه، والمسلم والذمي والحر والعبد فيه سواء، وقيل: يقتل
الساحر المسلم لا الكتابي، اهـ.
وقال الدردير (٢): وأدّبَ من تشهد ولم يوقف على الدوائم(٣) كساحر ذميّ
يؤدب إن لم يدخل ضرراً على مسلم وإلا قتل لنقض عهده، وللإمام استرقاقه،
فإن أدخل ضرراً على أهل الكفر أُدِّب ما لم يقتل أحداً بسحره، وإلا قتل، قال
الدسوقي: قوله: إن لم يدخل ضرراً على مسلم، يعني إن سحر مسلماً ولم
يدخل عليه ضرراً، فإن أدخل عليه ضرراً خُيِّرَ الإمام بين قتله واسترقاقه ما لم
ير المصلحة في قتله، وإلا تحتم قتله، إن لم يسلم. وأما إن سحر كافراً فإن لم
يدخل عليه ضرراً فلا أدب، وإن أدخل عليه ضرراً أدب ما لم يقتل أحداً
بسحره، وإلا قتل، اهـ.
قال الباجي(٤): إن كان الساحر ذمياً فقد قال مالك: لا يقتل إلا أن
(١) (٣٠٥/١٢).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٣٠٦/٤).
(٣) أي لم يلتزم أركان الإسلام.
(٤) ((المنتقى)) (١١٧/٧).
٩٠

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
(١٥١٧) حدیث
١٥١٧/ ١٣ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتَلَ نَفَرًا، خَمْسَةً أَوْ
سَبْعَةً. بِرَجُلٍ وَاحِدٍ قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ. وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ
صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعاً .
يدخل سحره ضرراً على المسلمين، فيكون ناقضاً للعهد، فيقتل نقضاً للعهد،
ولا تقبل منه توبة غير الإسلام، وأما إن سحر أهل ملته، فليؤدب إلا أن يقتل
أحداً فيقتل به، وقال سحنون في ((العتبية)) في الساحر من أهل الذمة: يقتل إلا
أن يسلم فيترك، فظاهر قول سحنون أنه يقتل على كل حال إلا أن يسلم،
بخلاف قول مالك: لا يقتل إلا أن يؤذي مسلماً أو يقتل ذمياً.
١٣/١٥١٧ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن
المسيب) التابعي الشهير (أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه -. قال
الزرقاني(١): رواية سعيد عن عمر - رضي الله عنه - متصلة؛ لأنه رآه وصحّح
بعضُهم سماعه منه، وقد رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من طريق عبيد الله
عن نافع عن ابن عمر بلفظ ((الموطأ)) سواء، اهـ.
(قتل نفراً خمسة أو سبعة) شك من الراوي (برجل واحد) غلام اسمه
أصيل من أهل صنعاء كما سيأتي في الروايات الآتية (قتلوه قتل غيلة) بكسر
الغين المعجمة وسكون الياء أي خديعة، قال الباجي: أصحابنا يوردوه (٢) على
وجهين؛ أحدهما: القتل على وجه التحيل والخديعة، والثاني: على وجه
القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ، اهـ.
(وقال عمر) رضي الله عنه: (لو تمالأ) أي تعاون واجتمع (عليه أهل
صنعاء) بالمد بلد معروف باليمن (لقتلتهم) به (جميعاً).
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠١/٤).
(٢) كذا في الأصل: ((ش)).
٩١

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
(١٥١٧) حديث
قال الحافظ في ((الفتح))(١): هذا مختصر من أثر وصله ابن وهب، ورواه
من طريقه قاسم بن أصبغ والطحاوي والبيهقي، قال ابن وهب: حدثني جرير بن
حازم أن المغيرة بن حكيم الصنعاني حدثه عن أبيه أن امرأة بصنعاء غاب عنها
زوجها، وترك في حجرها ابناً له من غيرها غلاماً يقال له: أصيل، فاتخذت
المرأة بعد زوجها خليلاً، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله، فأبى
فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر والمرأة
وخادمها، فقتلوه، ثم قطعوه أعضاءً وجعلوه في عيبة - بفتح المهملة وسكون
التحتية فموحدة مفتوحة - وعاء من أدم، فوضعوه في ركية، - بفتح الراء وكسر
الكاف وتشديد التحتية - بئر لم تطو في ناحية القرية ليس فيها ماء، فذكر
القصة .
وفيه: فأخذ خليلها فاعترف، ثم اعترف الباقون فكتب يعلى، وهو يومئذ
أمير بشأنهم إلى عمر - رضي الله عنه - فكتب عمر - رضي الله عنه - بقتلهم
جميعاً، وقال: والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين،
وأخرجه أبو الشيخ في ((كتاب الترهيب)) من وجه آخر عن جرير بن حازم،
وفيه: فكتب يعلى بن أمية عامل عمر على اليمن إلى عمر، فكتب إليه نحوه،
وفي أثر ابن عمر - رضي الله عنهما - هذا تعقب على ابن عبد البر في قوله: لم
يقل فيه أنه قتله غيلة إلا مالك، وروينا نحو هذه القصة من وجه آخر عند
الدار قطني .
وفي ((فوائد أبي الحسن بن زنجويه)) بسند جيد إلى أبي المهاجر عبد الله بن
عميرة قال: كان رجل يسابق الناس كل سنة بأيام، فلما قدم وجد مع وليدته
سبعة رجال يشربون، فأخذوه فقتلوه، فذكر القصة في اعترافهم، وكتاب الأمير
إلى عمر - رضي الله عنه - وفي جوابه ((أن اضرب أعناقهم واقتلها معهم، فلو
(١) ((فتح الباري)) (٢٢٨/١٢).
٩٢

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
(١٥١٧) حديث
أن أهل صنعاء اشتركوا في دمه لقتلتهم))، وهذه القصة غير الأولى، وسنده
جيد، فقد تكرر ذلك من عمر - رضي الله عنه - ولم أقف على اسم واحد ممن
ذكر فيها إلا على اسم الغلام في رواية ابن وهب، اهـ.
وقال الزيلعي(١): رواه مالك في ((الموطأ))، وعن مالك رواه محمد في
((موطئه))، والشافعي في ((مسنده))، وذكره البخاري في ((صحيحه)) في كتاب
الديات، ولم يصل به سنده، ولفظه عن ابن عمر أن غلاماً قُتِلَ غِيْلَة، فقال
عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به، وقال مغيرة بن حكيم عن أبيه: أن
أربعة قتلوا صبياً فقال عمر - رضي الله عنه - مثله.
ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) حدثنا عبد الله بن نمير عن يحيى بن
سعيد به، ومن طريق ابن أبي شيبة، رواه الدارقطني في ((سننه))، ورواه ابن أبي
شيبة أيضاً عن ابن عمر أن عمر - رضي الله عنهما - قتل سبعة من أهل صنعاء
برجل، وقال: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم.
ورواه مطولاً عبد الرزاق في ((مصنفه))(٢) فقال: أخبرنا ابن جريج أخبرني
عمرو بن دينار أن حي بن يعلى أخبرنا أنه سمع يعلى يخبر بهذا الخبر، وأن
اسم المقتول أصيل قال: كانت امرأة بصنعاء لها ربيب، فغاب زوجها، وكان
لها أخلّاء، فقالوا: إن هذا الغلام هو يفضحنا، فانظروا كيف تصنعون به،
فتمالأوا عليه وهم سبعة نفر مع المرأة، فقتلوه، وألقوه في بئر غمدان، فلما
فقد الغلام خرجت امرأة أبيه، وهي التي قتلته، وهي تقول: اللَّهم لا تُخْفٍ
عليّ من قتل أصيلاً، قال: وخطب يعلى الناسَ في أمره، فمر رجل بعد أيام
ببئر غمدان، فإذا هو بذباب عظيم أخضر يطلع من البئر مرة، ويهبط أخرى،
(١) ((نصب الراية)) (٣٥٣/٤).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (٤٧٧/٩ - ٤٧٩)، الأثر (١٨٠٧٩)، و((الاستذكار)) (٢٣٣/٢٥).
٩٣

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
(١٥١٧) حديث
قال: فأشرف على البئر، فوجد ريحاً منكرة، فأتى إلى يعلى، فقال: ما أظن
إلا قد قدرتُ لكم على صاحبكم، وقص عليه القصة، فأتى يعلى حتى وقف
على البئر، والناس معه، فقال أحد أصدقاء المرأة ممن قتله: دَلَّوني بحبل،
فدلّوه، فأخذ الغلام، فغيبه في سرب من البئر، ثم رفعوه، فقال: لم أقدر على
شىء .
فقال رجل آخر: دلوني، فدلّوه فاستخرجه، فاعترفت المرأة، فاعترفوا
كلهم، فكتب يعلى إلى عمر، فكتب إليه: أن اقتلهم، فلو تمالأ عليه أهل
صنعاء لقتلتهم به، اهـ.
قال محمد (١) بعد أثر الباب: وبهذا نأخذ، إن قتل سبعة أو أكثر من ذلك
رجلاً عمداً قتل غيلة أو غير غيلة ضربوه بأسيافهم حتى قتلوه، قتلوا به كلهم،
وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، اهـ.
قال الباجي(٢): وأما قتل الجماعة بواحد يجتمعون في قتله، فإنهم يقتلون
به، وعليه جماعة العلماء، وبه قال عمر وعلي وابن عباس وغيرهم، وعليه
فقهاء الأمصار إلا ما يروى عن أهل الظاهر، والدليل على ما نقوله خبر عمر
- رضي الله عنه - هذا، ولم يعلم له مخالف، فثبت أنه إجماع، اهـ.
وقال الموفق(٣): الجماعة إذا قتلوا واحداً، فعلى كل واحد منهم
القصاص، إذا كان كل واحد منهم لو انفرد بفعله، وجب عليه القصاص، روي
ذلك عن عمر وعلي والمغيرة بن شعبة وابن عباس، وبه قال ابن المسيب
والحسن وعطاء وغيرهم، وهو مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٨/٣).
(٢) ((المنتقى)) (١١٦/٧).
(٣) («المغني)) (٤٩٠/١١).
٩٤

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
(١٥١٧) حديث
وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي، وحكي عن أحمد رواية أخرى لا يقتلون
به، وتجب عليهم الدية، وهذا قول ابن الزبير والزهري وابن سيرين وربيعة
وداود وابن المنذر، وحكاه ابن أبي موسى عن ابن عباس،
وروي عن معاذ بن جبل وابن الزبير وابن سيرين والزهري أنه يقتل منهم
واحد، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية، لأن كل واحد منهم مكافئ له
فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد، ولأن الله
تعالى قال: ﴿الْخُّ بِالْخُ﴾(١) وقال تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(٢) فمقتضاه أنه
لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة، ولأن التفاوت في الأوصاف يمنع بدليل
أن الحر لا يؤخذ بالعبد، والتفاوت في العدد أولى، قال ابن المنذر: لا حجة
مع من أوجب قتل جماعة بواحد.
ولنا، إجماع الصحابة، وروى ابن المسيب أن عمر - رضي الله عنه - قتل
سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلاً، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم
جميعاً، وعن علي - رضي الله عنه - أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلاً، وعن ابن عباس
أنه قتل جماعة بواحد، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعاً،
ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك أدى إلى التسارع إلى القتل به، فيؤدي إلى
إسقاط حكمة الردع والزجر، اهـ.
وقال الحافظ(٣): قال ابن سيرين فيمن قتله اثنان: يقتل أحدهما، ويؤخذ
من الآخر الدية، فإن كانوا أكثر وُزَّعَتْ عليهم بقيةُ الدية كما لو قتله عشرة،
فقتل واحد [و]أخذ من التسعة تسع الدية، وعن الشعبي يقتل الولي من شاء
(١) سورة البقرة: الآية ١٧٨.
(٢) سورة المائدة: الآية ٤٥.
(٣) ((فتح الباري)) (٢٢٧/١٢).
٩٥

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
(١٥١٨) حديث
١٤/١٥١٨ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ حَقْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ
وسلم
قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا، سَحَرَتْهَا، وَقَدْ كَانَت دَبَّرَتْهَا، فَأَمَرَتْ بِهَا فَقُتِلَتْ.
منهما، أو منهم إن كانوا أكثر من واحد، ويعفو عمن بقي، وعن بعض السلف
يسقط القود ويتعين الدية، وحكي ذلك عن ربيعة وأهل الظاهر، وقال ابن
بطال: جاء عن معاوية وابن الزبير والزهري مثل قول ابن سيرين، وحجة
الجمهور أن النفس لا تتبعض، فلا يكون ذهوقها بفعل بعض دون بعض، وكان
كل منهم قاتلاً، اهـ.
١٤/١٥١٨ - (مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة) هكذا
في جميع النسخ المصرية، وبعض الهندية، وفي أكثرها ابن سعيد بدل سعد،
والصواب الأول، وهو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن
سعد بن زرارة، ويقال: ابن محمد بدل عبد الله، ومنهم من ينسبه إلى جده
لأمه، فيقول محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، كذا في ((التهذيب))(١).
وفي ((التقريب)): محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وأبوه ابن
عبد الله، ويقال محمد بن عبد الرحمن بن سعد، فينسب أبوه إلى جد أبيه، ثقة
من السادسة مات سنة ١٢٤هـ. من رواة الستة، كان والياً على اليمامة لعمر بن
عبد العزيز - رضي الله عنه -.
(أنه بلغه أن) أم المؤمنين (حفصة) بنت عمر - رضي الله عنهما - (زوج
النبي وَليل قتلت) أي أمرت من يقتل (جارية لها) كانت (سحرتها وقد كانت)
حفصة (دبرتها) فأرادت بالسحر تعجيل موت حفصة لتعجيل عتقها (فأمرت)
حفصة (بها) أي بالجارية (فقتلت) ببناء المجهول.
قال الباجي(٢): ظاهره من جهة اللفظ أنها اختصت بقتلها، إما بأن تكون
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٢٩٨/٩).
(٢) ((المنتقى)) (١١٦/٧).
٩٦

٤١ - كتاب العقول
(١٩) باب
(١٥١٨) حديث
قَالَ مَالِكٌ: السَّاحِرُ الَّذِي يَعْمَلُ السِّحْرَ، وَلَمْ يَعْمَلْ ذُلِكَ لَهُ
غَيْرُهُ. هُوَ مَثَلُ الَّذِي قَالَ الله
باشرت ذلك أو أمرت به من أطاعها، وقد روي عن مالك أنه قال: وقد أمرت
حفصة في جارية لها سحرتها أن تقتل، ويحتمل أن يريد بذلك أنها رفعت
أمرها إلى من له النظر في ذلك من أمير أو غيره، وأثبتت عنده ما أوجب
ذلك، فنسب القتل إليها لما كانت سببه، ويحتمل أن يكون من ثبت عنده من
الأمراء بعد أن حكم بالقتل، ومباشرته إليها فباشرته، أو أمرت به من ناب
عنها، هذا ما يحتمله اللفظ على أنه قد روي أنها أفردت بذلك دون أمير، ولا
حکم حاکم به.
وقد روى نافع عن ابن عمر أن جارية لحفصة سحرت حفصة، فوجدوا
سحرها فاعترفت على نفسها، فأمرت حفصة عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب
فقتلها، فبلغ ذلك عثمان فأنكره، فأتاه ابن عمر فقال إنها سحرتها، ووجدوا
معها سحرها، فاعترفت على نفسها، فكان عثمان أنكر عليها ما فعلت دون
السلطان، فالساحر وإن كان يجب قتله، فإنه لا يلي ذلك إلا السلطان، وفي
((الموازية)): العبد أو المكاتب يسحر سيده يقتل، ويلي ذلك السلطان، قال:
أصبغ: ليس لسيده ولا لغيره قتله، اهـ.
وحديث نافع أخرجه البيهقي (١) بسنده إلى نافع عن ابن عمر أن حفصة
بنت عمر سحرتها جارية لها، فأقَرَّتْ بالسحر، وأخرجته، فقتلتها، فبلغ ذلك
عثمان فغضب، فأتاه ابن عمر - رضي الله عنهما - فقال: جاريتها سحرتها
أقرت بالسحر، وأخرجته، قال: فكَفَّ عثمان، قال: وكأنه إنما كان غضبه
لقتلها إياها بغير أمره، اهـ.
(قال مالك: الساحر الذي يعمل السحر) أي يباشره بيده (ولم يعمل ذلك)
أي السحر (له غيره، هو) أي المباشر بنفسه (مثل) بفتحتين أي نظير (الذي قال الله
(١) ((السنن الكبرى)) (١٣٦/٨).
٩٧

٤١ - كتاب العقول
(٢٠) باب
تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ - ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ أُشْتَنَهُ مَا لَهُرُ فِ الْآَخِرَةِ
مِنْ خَلَقٍ وَلَبِْسَ﴾(١) - فَأَرَى أَنْ يُقْتَلَ ذُلِكَ، إِذَا عَمِلَ ذُلِكَ هُوَ
نَفْسُهُ.
(٢٠) باب ما يجب في العمد
تبارك وتعالى) في حقه (في كتابه: ﴿وَلَقَدْ﴾) لام قسم (﴿عَلِمُوا﴾) أي اليهود
راجع في المعنى؛ لقوله تعالى السابق ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ
سُلَيْمَنَّ﴾ الآية (﴿لَمَنِ﴾) لام ابتداء معلقة بما قبلها ومن موصولة (﴿أَشْتَرََهُ﴾)
أي اختاره (﴿مَا لَهُ﴾) ما نافية والضمير للموصول (﴿فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾)
أي نصيب في الجنة، ومن لم يكن له نصيب في الجنة أصلاً، فهو كافر حقاً؛
لأن للمسلم نصيباً في الجنة ولو بعد حين، فإذا علم أنه ليس للساحر نصيب
في الجنة أصلاً (فأرى أن يقتل) ببناء المجهول (ذلك) الساحر (إذا عمل ذلك)
السحر (هو نفسه) أي يباشره بخلاف أن يعمل له السحر غيره، فإن الكفر يرجع
إلى مباشر السحر لا إلى الذي يباشر له السحر غيره، وهذا مبني على ما تقدم
من كفر الساحر عند الإمام مالك مطلقاً .
(٢٠) ما يجب في العمد
يعني موجب القتل العمد، وهو القصاص، وذكر فيه أيضاً ملحقات القتل
العمد، وتقدم في باب ما يوجب العقل على الرجل في خاصة ماله، أنهم
اختلفوا في أن موجب العمد القصاص خاصة، كما قاله أبو حنيفة، وهو
المشهور عن الإمام مالك، ورواية عن أحمد والشافعي، أو أحد شيئين من
القصاص والدية، كما قال به الشافعي في المشهور عنه، وهو المشهور في
مذهب أحمد، ورواية عن مالك.
(١) سورة البقرة: الآية ١٠٢.
٩٨

٤١ - كتاب العقول
(٢٠) باب
(١٥١٩) حدیث
١٥/١٥١٩ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنِ،
مَوْلَى عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ؛ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ أَفَادَ وَلِيَّ رَجُلٍ
مِنْ رَجُلٍ فَتَلَهُ بِعَصَاً. فَقَتَلَهُ وَلِيُّهُ بِعَصاً.
١٥/١٥١٩ - (مالك عن عمر) معدولاً (ابن حسين) الجمحي (مولى عائشة
بنت قدامة) الصحابية على الصواب (أن عبد الملك بن مروان) أحد ملوك بني
أمية (أقاد) ضمير الفاعل إلى عبد الملك، ومفعوله (وليَّ رجل) أي مكنه من
القود (من رجل قتله بعصا، فقتله وليه بعصا) قال الباجي (١): القصاص يكون
بمثل ما قتل به، ومن ألقى رجلاً في النار فمات ألقي هو في النار، وبأي شيء
قتل قتل به، هذا هو المشهور في المذهب.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز القود إلا بالسيف خاصة، والدليل على ما
نقول قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾(٢) وقوله
تعالى: ﴿فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بٍِ﴾(٣) ودليلنا من جهة السنة أن يهودياً رضخ
رأس جارية من الأنصار بحجر، فاعترف، فأتي به النبي وَّر، فرضخ رأسه بين
حجرين .
وإذا ثبت ذلك فإن لأصحابنا في فروع هذه المسألة اختلافاً، وأصل
المذهب ما قدمناه، فقد روي عن ابن الماجشون أنه قال: من قتل بالنار لم
يقتل بها؛ لقوله عليه السلام: ((لا يعذب بالنار إلا رب النار)) (٤) والمشهور من
قول مالك وأصحابه، يقتل بها للآية المذكورة، وقال عبد الملك بن
الماجشون: من قتل بالرمي بالحجارة لم يقتل بذلك؛ لأنه لا يأتي على ترتيب
القتل، والمشهور من المذهب ما قدمناه وغير ذلك من الفروع، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١١٩/٧).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٤.
(٣) سورة النحل: الآية ١٢٦.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٦٧٥)، والدارمي (١٨٢/٢).
٩٩

٤١ - كتاب العقول
(٢٠) باب
(١٥١٩) حديث
قال الموفق(١): الرجل إذا جرح رجلاً ثم ضرب عنقه، فاختلفت الرواية
عن أحمد في كيفية الاستيفاء، فروي عنه لا يُستوفى إلا بالسيف في العنق، وبه
قال عطاء والثوري وأبو يوسف ومحمد؛ لما روي أنه رَليل قال: ((لا قود إلا
بالسيف))، رواه ابن ماجه (٢)، والرواية الثانية عن أحمد أنه لَأَهْلٌ أن يفعل به
كما فعل، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأبي حنيفة وأبي
ثور للآيتين المذكورتين، وحديث اليهودي المذكور، ولقوله وَ الر: ((من حرق
حرقناه ومن غرَّقَ غَرَّقْناه)(٣) وأما حديث ((لا قود إلا بالسيف)) فقال أحمد:
إسناده ليس بجيد، ومتى قلنا: له أن يستوفي بمثل ما فعل بوليه، فأحب أن
يقتصر على ضرب عنقه، فله ذلك وهو أفضل، لأنه تارك بعض حقه
ثم قال(٤): وإن قتله بغير سيف، مثل إن قتله بحجر أو هدم أو تغريق،
فهل يُستوفى القصاص بمثل فعله؟ فيه روايتان؛ إحداهما: له ذلك وهو قول
مالك والشافعي، والثانية: لا يُستوفى إلا بالسيف في العنق. وبه قال أبو
حنيفة، فيما إذا قتله بمُثَقَّل الحديد على إحدى الروايتين عنده، ووجه الروايتين
ما تقدم في المسألة الأولى، ولأن هذا لا تؤمن معه الزيادة على ما فعله
الجاني، فلا يجب القصاص بمثل آلته، كما لو قطع الطرف بآلة كالّةٍ، أو
مسمومة، أو قتله بتجريع الخمر أو بالسحر.
وأما على الرواية الثانية، فإنه إذا فعل به مثل فعله فلم يمت، قتله
بالسيف، وهذا أحد قولي الشافعي، وقوله الثاني أنه يكرر عليه ذلك الفعل حتى
يموت به؛ لأنه قتله بذلك، فله قتله بمثله، ولنا، أنه قد فعل به مثل فعله فلم يزد
(١) ((المغني)) (٥٠٨/١١).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٨٨٩/٢).
(٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤٣/٨).
(٤) ((المغني)) (٥١٢/١١).
١٠٠