النص المفهرس
صفحات 621-640
٤١ - كتاب العقول (٨) باب حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّب؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةَ. فَإِذَا قُطِعَتِ السُّفْلَى فَفِيهَا ثُلُثَا الدِّيَةِ. علقمة قال: قال ابن مسعود: كل زوجين ففيهما الدية، وكل واحد ففيه الدية، رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، اهـ. (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول في الشفتين) الشَّفة والشِّفة من الإنسان ما يطبق على فمه ويستر أسنانه، وهما شفتان والجمع شفاه وشفهات (الدية كاملة) وجاء ذلك مرفوعاً عند النسائي وغيره في كتاب عمرو بن حزم من طريق الزهري كما تقدم قريباً، وهو مجمع عليه عند الفقهاء. قال الموفق(١): لا خلاف بين أهل العلم أن في الشفتين الدية، وهكذا في كتاب عمرو بن حزم، ولأنهما عضوان ليس في البدن مثلهما، فيهما جمال ظاهر، ومنفعة كاملة، فإنهما طبقٌ على الفم، ويقيانه ما يؤذيه، ويستران الأسنان، ويَرُدّان الريق، وينفخ بهما، ويتم بهما الكلام، فإن فيهما بعض مخارج الحروف، فتجب فيهما الدية كاملة كاليدين والرجلين، اهـ. قال الباجي: هذا مما لم يختلف فيه، وإنما الخلاف فيما قال بعد ذلك: إن في السفلى ثلثي الدية. (فإذا قطعت) ببناء المجهول الشفة (السفلى ففيها ثلثا الدية) هكذا بلفظ التثنية في نسخة الزرقاني، وعليه بنى شرحه إذ قال: لأن النفع بها أقوى، وعليه بنى الباجي شرحه، لكن اللفظ فيه في المتن والشرح كليهما بلفظ ثلث الدية بالإفراد، فالظاهر أنه من الناسخ لا من الشارع، وكذا بالتثنية في نسخة ((المسوى))، وعليه بنى شرحه، وهو الأوجه عندي، وأما في غير هؤلاء النسخ (١) ((المغني)) (١٢٢/١٢). ٦٢١ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب بلفظ ثلث الدية بالإفراد في جميع النسخ المصرية والهندية من المتون والشروح، وهكذا بالإفراد في نسخة ((الموطأ)» للإمام محمد. قال الباجي(١): قال ابن المواز: في كل واحد منهما نصف الدية، به قال مالك وجميع أصحابه فيما علمنا، ولم يأخذ مالك بقول ابن المسيب، قال في ((المجموعة)): لم يبلغني أن أحداً فَرَّق بينهما غيره، وأراه وهماً عليه، ولو ثبت عليه ما كان فيه حجة لكثرة من خالفه، والحجة أتم عليه أنه قال: إن السفلى أحمل للطعام واللعاب، فإن في العليا من الجمال أكثر من ذلك، وقد تختلف يسرى اليدين ويمناهما في المنافع، وتتساويان في الدية، وبهذا قضى عمر بن عبد العزيز، وقاله كثير من التابعين، قال ابن حبيب: وقيل: إن في العليا من الشفتين ثلثي الدية، وهو قول شاذٌ، اهـ. وقال محمد في ((موطئه))(٢) بعد أثر الباب: لسنا نأخذ بهذا، الشفتان سواء، في كل واحدة منهما نصف الدية، ألا ترى الخنصر والإبهام سواء، ومنفعتهما مختلفة، وهذا قول إبراهيم النخعي وأبي حنيفة والعامة من فقهائنا ، اهـ. وقال الموفق(٣): ظاهر المذهب أن في كل واحدة منهما نصف الدية، وروي هذا عن أبي بكر وعلي، وإليه ذهب أكثر الفقهاء، وروي عن أحمد رواية أخرى أن في العليا ثلث الدية، وفي السفلى الثلثين؛ لأن هذا يروى عن زيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب والزهري، ولأن المنفعة بها أعظم؛ لأنها التي تدور وتتحرك وتحفظ الريق والطعام، والعليا ساكنة لا حركة فيها، (١) ((المنتقى)) (٨٣/٧). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٨/٣). (٣) ((المغني)) (١٢/ ١٢٣). ٦٢٢ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ الرَّجُلِ الْأَعْوَرِ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ؟ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إِنْ أَحَبَّ الصَّحِيحُ أَنَّ يَسْتَقِيدَ مِنْهُ فَلَهُ الْقَوَدُ. وَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ الدِّيَةُ أَلْفُ دِينَارٍ. أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمِ. ولنا، قول أبي بكر وعلي - رضي الله عنهما -، ولأن كل شيئين وجبت فيهما الدية وجب في أحدهما نصفها كسائر الأعضاء، ولا اعتبار بزيادة النفع، اهـ. وأخرج ابن حزم في ((المحلى)) (١): عن زيد بن ثابت في الشفة العليا ثلث الدية، وفي الشفة السفلى ثلثا الدية؛ لأنها ترد الطعام والشراب، وعن سعيد بن المسيب مثل ذلك، ثم قال: هذا مكان اختلف فيه علي وزيد، ولا يصح في الشفتين نص ولا إجماع أصلاً، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله رَلر، ثم قال بعد التشنيعات على الأئمة كدأبه الفاسد: فالواجب في الشفتين القود في العمد أو المفاداة؛ لأنه جرح، وأما في الخطأ، فلا شيء لرفع الجناح عن المخطئ، وتحريم الأموال إلا بنص أو إجماع، اهـ. (مالك أنه سأل) هكذا سياق النسخ المصرية، وما في المتن هو سياق النسخ الهندية (ابن شهاب) الزهري (عن الرجل الأعور يفقأ) من الفقأ. وهو الشق، يقال: فقأ العين أي شدق حدقها، كذا في ((المحلى)) (عين الصحيح) مفعول يفقأ عمداً (فقال ابن شهاب) في الصورة المذكورة: (إن أحب الصحيح) أي المجني عليه الذي عينه ليست بأعور (أن يستقيد) أي يقتص (منه) أي من الأعور (فله القود) أي القصاص (وإن أحب) أن يأخذ الدية (فله الدية) ومقدارها (ألف دينار) إن كان من أهل ذهب (أو اثنا عشر) كذا في النسخ المصرية، وهو أوجه مما في الهندية بلفظ اثني عشر (ألف درهم) إن كان من أهل الفضة. (١) (٧٣/١١). ٦٢٣ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب قال الباجي(١): قوله: الأعور يفقأ عين الصحيح يريد عمداً، وأما إن كان خطأ فسواء كانت عين الجاني مثل العين التي أتلفها أو خلافها، فإنه ليس للمجني عليه إلا دية عينه خمسمائة دينار، وقوله: فإن للصحيح الخيار يريد إذا كانت العين الباقية للأعور مثل العين التي فقأ الصحيح في كونها يمنى أو يسرى، فأما إن كانت عينه الباقية يمنى، وفقأ يسرى الصحيح، فقال ابن المواز: أجمع أصحابنا أنه لا قصاص له، وإنما له ديتها نصف دية العينين. وأما إذا فقأ مثلها، فهو الذي قال ابن شهاب: إن الصحيح بالخيار، وقال ابن المواز: اختلف فيه الناس، فقال ابن القاسم وأكثر أصحابنا: المجني عليه بالخيار بين القود وأخذ نصف الدية، قال: وإلى هذا رجع مالك، وهو قول ابن سعيد، وما بلغني عن عمر وعثمان - رضي الله عنهما -، وكان لمالك قول: ليس له إلا القصاص، وبه نأخذ، وإليه رجع ابن القاسم في رواية عيسى عنه، وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون أنه رجع مالك إلى هذا، اهـ. قال الدردير(٢): إن فقأ سالم العينين أو سالم المماثلة للمجني عليه، فللأعور القود بأخذ نظيرتها من السالم، وله أيضاً أخذ الدية كاملة؛ لأنّ عينه بمنزلة العينين، وإن فقأ أعور من سالم مماثلة عينه السالمة، فلسالم العينين القصاص من الأعور، فيصير أعمى، أو دية ما ترك من عين الأعور، وهي دية كاملة ألف دينار من أهل الذهب، وإن فقأ الأعور من السالم غير المماثلة لعينه بأن فقأ مماثلة العوراء، فنصف دية فقط في ماله لتعمده، اهـ. قال الموفق(٣): في عين الأعور دية كاملة، وبذلك قال مالك والزهري (١) ((المنتقى)) (٨٣/٧). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢٥٥/٤). (٣) («المغني)) (١١٠/١٢). ٦٢٤ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ فِي كُلِّ زَوْج مِنَ الْإِنْسَانِ وإسحاق، وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي: فيهما نصف الدية؛ لقوله عليه السلام: ((في العين خمسون من الإبل))، وقول النبي ◌َّ: ((في العينين الدية)) يقتضي أن لا يجب فيهما أكثر من ذلك، فلو وجبت فيه دية، لوجب فيهما دية ونصف، ولنا، أن عمر وعثمان وعلياً وابن عمر قضوا في عين الأعور بالدية، ولا نعلم لهم في الصحابة مخالفاً فيكون إجماعاً. ثم قال: وإن قلع الأعورُ عينَ الصحيح نظرنا، فإن قلع العينَ التي لا تُماثِل عينَه الصحيحة، أو قَلَعَ المماثلة للصحيحة خطأ، فليس عليه إلا نصف الدية، لا أعلم فيه مخالفاً؛ لأن ذلك هو الأصل، وإن قلع المماثلة لعينه الصحيحة عمداً، فلا قصاص عليه، وعليه دية كاملة، وبهذا قال ابن المسيب وعطاء ومالك في إحدى روايتيه، وقال في الأخرى: عليه نصف الدية ولا قصاص، وقال المخالفون في المسألة الأولى: له القصاص، وإن اختار الدية فله نصفها للخبر، ولنا، أن عمر وعثمان قضيا بمثل مذهبنا (١)، ولا نعرف لهما مخالفاً في الصحابة، اهـ. وفي ((الدر المختار))(٢): إن كان القاطعُ أشلّ، أو ناقص الأصابع، خُيِّر المجني عليه بين القود وأخذ الأرش، وعلى هذا في السنِّ وسائر الأطراف التي تُقاد، إذا كان طرف الضارب والقاطع معيباً، يَتَخَيَّرُ المجني عليه بين أخذ المعيب والأرش كاملاً، قال برهان الدين: هذا لو الشّلاء ينتفع بها، فلو لم ينتفع بها لم تكن محلاً للقود، فله دية كاملة بلا خيار، وعليه الفتوى، ولا تقطع الصحيحة بالشّلَّاء، اهـ. (مالك أنه بلغه) من أسلاف أهل العلم (أن في كل زوج من الإنسان) كذا (١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٩٤/٨)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٣٣/٩). (٢) (١٢٢/٧). ٦٢٥ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب الدِّيَةُ كَامِلَةً. وَأَنَّ فِي اللِّسَانِ الدِّيَةَ كَامِلَةً. في المصرية، وهو الصحيح، فما في الهندية بدله ((من الأسنان)) تحريف، يعني في كل ما يكون في الإنسان منه شيئين كاليدين والرجلين والعينين (الدية كاملة) إذا أتلفا، كما تقدم في أول هذا الباب (وأن في اللسان) إذا أتلف (الدية كاملة) لأن اللسان من الأعضاء التي هي واحدة في الإنسان، وقد وردت الدية في اللسان نصاً في كتاب عمرو بن حزم عند النسائي وغيره. قال صاحب ((المحلى)): وروى البيهقي(١) عن ابن عمر مرفوعاً: في اللسان الدية إن منع الكلام، ونقل الشافعي فيه الإجماع، وإنما يجب الدية في اللسان عند أهل العلم إن امتنع أداء أكثر الحروف، قال الشُمُنِّي: لو قدر على التكلم ببعض الحروف دون بعض، تُقَسَّمُ الدية على عدد الحروف الثمانية والعشرين عندنا، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وقيل: على الحروف التي يتعلق باللسان، وهو قول بعض أصحاب الشافعي ووجه لأحمد، اهـ. قلت: ما عزا إلى البيهقي من حديث ابن عمر هو عبد الله بن عمرو بن العاص، رواه عنه بسنده إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ثم قال: هذا إسناد ضعيف، وأخرج بسنده عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ما أصيب من اللسان، فبلغ أن يمنع الكلام ففيه الدية، وما كان دون ذلك فبحسابه، وعن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قضى في اللسان إذا قطع بالدية إذا أوعي من أصله، وإذا قطع، فتكلم فنصف الدية، وعن مجاهد قال: الحروف ثمانية وعشرون حرفاً. فما قطع مع اللسان، فهو على ما نقص من الحروف. وقال الموفق (٢): أجمع أهل العلم على وجوب الدية في لسان الناطق، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود، وبه قال أهل المدينة وأهل (١) ((السنن الكبرى)) (٨٩/٨). (٢) ((المغني)) (١٢٤/١٢). ٦٢٦ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب وَأَنَّ فِي الْأَذْنَيْنِ، إِذَا ذَهَبَ سَمْعُهُما، الدِّيَةَ كَامِلَةً. اصْطَلَمَتَا أَوْ لَمْ تَصْطَلِمًا . الكوفة وأصحاب الرأي وأصحاب الحديث وغيرهم، وفي كتاب النبي لعمرو بن حزم: ((وفي اللسان الدية)). ثم قال: وإن ذهب بعض الكلام، وجب من الدية بقدر ما ذهب، ويُعْتَبَرُ ذلك بحروف المعجم، وهي ثمانية وعشرون حرفاً سوى ((لا))، فإن مخرجَها مخرجُ اللَّام، والألف، فمهما نقص من الحروف وجب من الدية بقدره، ففي الحرف الواحد رُبْع سُبْع الدِّية، وفي الحرْفين نصفُ سُبْعِها وهكذا، ويحتمل أن تُقَسَّم الدية على الحروف التي لِلِسان فيها عمل دون الشفة، وهي أربعة: الباء، والميم، والفاء، والواو دون حروف الحلق الستة، فهذه عشرة، وبقي ثمانية عشر حرفاً للّسان، تُقَسَّمُ ديتُه عليها، اهـ. قلت: والإمام الشافعي والموفق وغيرهما الذين حكوا الإجماع على ذلك، لم يلتفتوا إلى قول ابن حزم إذ قال: الواجب أنه لا يجب في اللسان إذا كان عمداً إلا القود أو المفاداة؛ لأنه جرح ولا مزيد، وأما الخطأ فمرفوع بنص القرآن، اهـ. وهؤلاء نقلة المذاهب لا يعدون قوله خارقاً للإجماع لقلة مبالاتهم بأقواله الشاذة المخالفة لجميع الأسلاف. (وأن في الأذنين) تثنية الأذن بسكون الذال المعجمة وضمها مؤنثة (إذا ذهب سمعهما الديةُ كاملة) سواء (اصطلمتا) ببناء الفاعل أي قُطِعَتَا من أصلهما (أو لم تَضْطلِما) ببناء الفاعل أي لم تُقْطَعًا، قال صاحب ((المحلى)): وبه قالت الثلاثة الباقية، ونقل فيه ابن المنذر(١) الإجماع، واستدل لذلك ما روى البيهقي (٢) عن معاذ مرفوعاً: ((في السمع مائة من الإبل))، ولو قطع الأذنان، ولم (١) انظر: ((المغني)) (١١٥/١٢ وما بعدها). (٢) ((السنن الكبرى)) (٨٥/٨). ٦٢٧ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب يذهب سمعهما، ففي الأصح من قَوْلي الشافعي يجب الدية لحديث عمرو بن حزم: ((في الأذن خمسون من الإبل))، رواه الدارقطني والبيهقي، وفي قول: تجب الحكومة، اهـ. قال الباجي(١): أما إذا لم يذهب سمعهما، فقد قال في ((المختصر)): ليس في إشراف الأذنين إلا حكومة، وروى البغداديون عن مالك في ذلك روايتين؛ إحداهما التي تقدمت، والثانية: فيهما الدية، وجه الرواية الأولى أنه قضى به أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، ولا نعلم له مخالفاً من الصحابة، ولأنه ليس فيهما منفعة مقصودة؛ لأن السمع يحصل مع عدمهما، ولا جمال ظاهر؛ لأن العمامة تسترهما، وجه الرواية الثانية ما احتجّ به ابن المواز أن في الحديث في الكتاب الذي كتب لابن حزم: ((وفي الأذن خمسون))، ومن جهة المعنى أن فيه جمالاً ظاهراً كالأنف، وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبي الزناد وغير واحد من العلماء، وروى الشيخ أبو إسحاق فيهما قولين، أحدهما حكومة عدل، والآخر خمس عشرة فريضة دية المُنَقلة، اهـ. وقال الموفق(٢): وفي السمع إذا ذهب من الأذنين الدية، لا خلاف في هذا، قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن في السمع الدية، روي ذلك عن عمر - رضي الله عنه -، وبه قال قتادة ومجاهد والثوري والأوزاعي وأهل الشام وأهل العراق ومالك والشافعي وابن المنذر، ولا أعلم عن غيرهم خلافاً لهم، وقد روي عن معاذ أن النبي بَّر قال: ((وفي السمع الدية))، ورُوي أن رجلاً رمى رجلاً بحجر في رأسه، فذهب سمعُه وعقلُه ولسانُه ونكاحه(٣)، (١) ((المنتقى)) (٨٥/٧). (٢) («المغني)) (١١٥/١٢). (٣) كذا في الأصل، والمراد (ذَكَرُه)) كما سيأتي قريباً. ٦٢٨ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب فقضى عمر - رضي الله عنه - بأربع ديات، والرجل حيّ (١). وإن ذهب السمع من إحدى الأذنين، وجب نصف الدية، وإن قطع أذنه، فذهب سمعه، وجبت ديتان؛ لأن السمع في غيرهما، فأشبه ما لو قلع أجفان عينيه، فذهب بصره، بخلاف العين إذا قلعت، فذهب بصره، فإن البصر في العين، فأشبه البطش الذاهب بقطع اليد، اهـ. وقال ابن رشد(٢): اختلفوا في الأذنين متى تكون فيهما الدية؟ فقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري والليث: إذا اصطلمتا كان فيهما الدية، ولم يشترطوا إذهاب السمع، بل جعلوا في ذهاب السمع الدية مفردة، وأما مالك فالمشهور عنه أنه لا تجب في الأذنين الدية، إلا إذا ذهب سمعهما، فإن لم يذهب ففيه حكومة، فرُوي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قضى في الأذنين بخمس عشرة من الإبل، وقال: إنهما لا يضران السمع، ويسترهما الشعر أو العمامة، اهـ. وفي ((الشرح الكبير))(٣) لابن قدامة: في الأذنين الدية، روي ذلك عن عمر وعلي، وبه قال الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي ومالك في إحدى الروايتين عنه، وقال في الأخرى: فيه حكومة عدل، ولنا، أن في كتاب النبي ◌َ﴿ لعمرو بن حزم: ((في الأذنين الدية))، ولأن عمر وعلياً - رضي الله عنهما - قضيا فيهما بالدية، فإن قيل: فقد رُوي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قضى في الأذن بخمسة عشر بعيراً، قلنا: لم يثبت عنه ذلك، قاله ابن المنذر، ولأن ما كان في البدن منه عضوان كان فيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية، بغير خلاف بين القائلين بوجوب الدية فيهما، اهـ. (١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٨٦/٨، ٩٨). (٢) ((بداية المجتهد)) (٤٢١/٢). (٣) ((الشرح الكبير)) (٩/ ٥٩٣). ٦٢٩ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب وَفِي ذَكَرِ الرَّجُلِ الدِّيَةُ كَامَلَةً. وفي ((الهداية))(١): وكذا ((أي الدية كاملة)) إذا ذهب سمعه أو بصره، وقد رُوي أن عمر - رضي الله عنه - قضى بأربع ديات في ضربة واحدة، ذهب بها العقل والكلام(٢) والسمع والبصر، ثم قال: وفي الأذنين الدية، كذا روي في حديث سعيد بن المسيب عن النبي ◌َّر، اهـ وعلم من هذا كله أن ههنا مسألتين: إحداهما: ذهاب السمع، وفيه الدية إجماعاً، لا خلاف بينهم في ذلك، والثانية: قطع الأذنين، ففيه خلاف، وفيهما أيضاً دية كاملة عند الحنفية وأحمد، والمرجح عن الشافعي، والمرجوح عن مالك، وأما في المرجح عن مالك والمرجوح عن الشافعي، فيهما حكومة عدل. (وفي ذكر) بفتحتين (الرجل) خبر مقدم (الدية كاملة) قال الموفق(٣): أجمع أهل العلم على أن في الذكر الدية، وفي كتاب النبي ◌َّ لعمرو بن حزم: ((وفي الذكر الدية))، ولأنه عضوٌ واحدٌ، فيه الجمال والمنفعة، فكملت فيه الدية، كالأنف واللسان، اهـ. (١) (٢ /٤٦٢). (٢) كذا في الأصل، وهكذا حكى كلام صاحب ((الهداية)) الزيلعي في ((نصب الراية))، والحافظ في ((الدراية)) ولم يتعقبا على كلامه، بل حكي في هامش ((الهداية)) عن ((الكافي)) بلفظ: ذهب بها عقله وسمعه وبصره ومنفعة ذوقه، وسكت عنه صاحب ((العناية)) وصاحب ((تكملة فتح القدير)) ووافق ((الهداية)) الزيلعي على ((الكنز))، ويشكل عليه أن الأثر الذي ذكره الزيلعي وابن حجر عن عمر - رضي الله عنه - هو بلفظ: رمى رجلٌ رجلاً بحجر في رأسه في زمان عمر بن الخطاب، فذهب سمعه وعقله ولسانه وذكره فلم يقرب النساء، فقضى فيها عمر - رضي الله عنه - بأربع ديات، وهو حيٍّ، وعزياه إلى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، وهكذا ذكره البيهقي في موضعين من («سننه»، وذكر السرخسي في ((المبسوط)) روي عن عمر - رضي الله عنه -، أنه قضى لرجل على رجل بأربع ديات بضربة واحدة، كان ضرب على رأسه، فأذهب عقله وسمعه وبصره ومنفعة ذكره، اهـ. ((ش)). (٣) ((المغني)) (١٤٦/١٢). ٦٣٠ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب وَفِي الْأُنْثَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةً. وهكذا حكى الإجماع على ذلك غير واحد من نقلة المذاهب، ولم يلتفتوا في ذلك إلى خلاف ابن حزم، إذ خالف في هذه المسائل كلها، ولم يوجب في شيء من هذه الأعضاء الدية، فقال(١) في الذكر: قد ذكرنا ما جاء في ذلك في صحيفة عمرو بن حزم وصحيفة عمرو بن شعيب، وخبر مكحول ورجل من آل عمر - رضي الله عنه -، وأن كل ذلك لا يصح منه. ثم ذكر آثار الصحابة والتابعين في ذلك، ثم قال: ليس في هذا الباب شيء إلا عن خمسة من الصحابة، لا يصح عن أحد منهم شيء إلا عن علي - رضي الله عنه - وحده، ومُدَّعي الإجماع هاهنا مُقْدِمٌ على الكذب على جميع الأمة. ثم قال(٢): فإذ لا يصح فيه شيء لا نص ولا إجماع، فالواجب أن لا يجب في ذلك شيء في الخطأ، وأن يجب في ذلك القود في العمد أو المفاداة، لأنه جرح، اهـ. (وفي الأنثيين الدية كاملة) قال الباجي: قال أبو إسحاق: قطعتا أو شلتا أو رضتا حتى زالتا، قال الموفق(٣): لا نعلم في هذا خلافاً، وفي كتاب النبي وَ ◌ّ لعمرو بن حزم: ((وفي البيضتين الدية))، ولأن فيهما الجمال والمنفعة، فإن النسل يكون بهما، فكانت فيهما الدية كاليدين، ورُوي عن سعيد بن المسيب أنه قال: مضت السنة أن في الصلب الدية، وفي الأنثيين الدية، وفي إحداهما نصفُ الدية في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن سعيد بن المسيب أن في اليسرى ثلثي الدية، وفي اليمنى ثلثها؛ لأن نفع اليسرى أكثر؛ لأن النسل (١) انظر: ((المحلى بالآثار)) (١١ /٧٧). (٢) المصدر السابق (١١/ ٨٠). (٣) ((المغني)) (١٤٧/١٢). ٦٣١ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ فِي تَدْيَي الْمَرْأَةِ الدِّيَةَ كَامِلَةً . يكون بها، ولنا، أن ما وجبت الدية في شيئين منه، وجب في أحدهما نصفها، كاليدين وسائر الأعضاء، وما ذكره ينتقض بالأصابع والأجفان، تستوي دياتُها مع اختلاف نفعها، اهـ. (مالك أنه بلغه) عن السلف من أهل العلم، وقد أخرجه البيهقي (١) بسنده عن ابن المسيب أنه قال: في ثدي المرأة نصف الدية وفيهما الدية، وعن ربيعة الرأي أنه قال: في ثدي المرأة سداد لصدرها، وثمال(٢) لولدها، وهو بمنزلة المال في الغنى، وبمنزلة الأثاث في الجمال، وبمنزلة الجرح الشديد في المصيبة، نصف دية المرأة، قال: وروينا عن الشعبي والنخعي نحو قول ابن المسيب، وعن النخعي في ثدي الرجل حكم العدل، اهـ. (أن في ثديي المرأة) غدة في صدرها، يمتصّ منه الصبيُّ الحليبَ، يذكر ويؤنث (الدية كاملة) قال الزرقاني(٣): إذا استأصلهما بالقطع، أما حلمتاهما، وهي رأسهما، فلا تجب الدية فيهما، إلا بشرط إبطال اللبن، اهـ. وقال الخرقي: في الثديين الدية، سواء كان من رجل أو امرأة، قال الموفق(٤): أما ثديا المرأة ففيهما الدية، لا نعلم فيه بين أهل العلم خلافاً، وفي الواحد منهما نصف الدية، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن في ثدي المرأة نصف الدية، وفي الثديين الدية، وممن حفظناه ذلك عنه الحسن والشعبي والزهري ومكحول وقتادة ومالك والثوري (١) ((السنن الكبرى)) (٩٧/٨). (٢) الثمال - بالكسر - الملجأ والغيات. (٣) ((شرح الزرقاني)) (١٨٥/٤). (٤) ((المغني)) (١٤٢/١٢). ٦٣٢ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب قَالَ مَالِكٌ: وَأَخَفُّ ذُلِكَ عِنْدِي الْحَاجِبَانِ. وَثَّدْيَا الرَّجُلِ. والشافعي وأصحاب الرأي، ولأن فيهما جمالاً ومنفعة، وفي قطع حلمتي الثديين ديتهما، نص عليه أحمد، وروي نحوه عن الشعبي والنخعي والشافعي، وقال مالك والثوري: إن ذهب اللبن وجبت ديتهما، وإلا وجبت حكومةٌ بقدر شينه، ولنا، أنه ذهب منهما ما تذهب المنفعة بذهابه، فوجبت الدية كالأصابع مع الكف. وأما ثدي الرجل، وهما الثَّنْدُوَتان، ففيهما الديةُ، وبهذا قال إسحاق، وحَكَى ذلك قولاً للشافعي، وقال النخعي ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر: فيهما حكومةٌ، وهو ظاهر مذهب الشافعي، اهـ. وفي ((الهداية))(١): في ثديي المرأة الدية؛ لما فيه من تفويت جنس المنفعة، وفي إحداهما نصف الدية، بخلاف ثديي الرجل حيث تجب حكومة عدل؛ لأنه ليس فيه تفويت جنس المنفعة والجمال، وفي حلمتي المرأة الديةٌ كاملة؛ لفوات جنس منفعة الإرضاع وإمساك اللبن، وفي إحداهما نصفها، اهـ. (قال مالك: وأخف ذلك) الذي تجب فيه الدية (عندي الحاجبان) تثنية حاجب، وهو العظم الذي فوق العين (وثديا الرجل) قال الزرقاني: فليس فيهما الدية بل الحكومة، اهـ. وتقدم الخلاف في ثدي الرجل في القول السابق. وأما الحاجبان ففيهما الدية عند الإمام أحمد، صرح به الخرقي، وقال الموفق(٢): وممن أوجب الدية في الحاجبين سعيد بن المسيب وشريح والحسن وقتادة، وروي عن علي وزيد بن ثابت أنهما قالا في الشعر: فيه الدية، وقال مالك والشافعي: فيه حكومة عدل، واختاره ابن المنذر، اهـ. (١) (٤٦٣/٢). (٢) ((المغني)) (١٢/ ١١٧). ٦٣٣ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أُصِيبَ مِنْ أَظْرَافِهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهِ فَذَلِكَ لَهُ. إِذَا أُصِيبَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَعَيْنَاهُ فَلَهُ ثَلاثُ دِيَاتٍ . وفي ((الهداية))(١): في الحاجبين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وعند الشافعي ومالك تجب حکومة عدل، اهـ. (قال مالك: الأمر عندنا أن الرجل إذا أصيب من أطرافه أكثر من ديته) يعني يبلغ الواجب في أطرافه المجروحة ما يزيد على دية نفسه الكاملة (فذلك) كله (له) أي يعطى المجروح الديات كلها مثلاً (إذا أصيبت يداه) ففيهما دية كاملة (ورجلاه) ففيهما دية أخرى كاملة (وعيناه) ففيهما دية ثالثة كاملة (فله) أي للمجروح بهذه الثلاثة (ثلاث) بفتح المثلثة واللام (ديات) كاملة، وهكذا إن أصيب مع ذلك بأطراف أخر، فتزيد الديات على الثلاث. قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن من أصيب من أطرافه ما فيه ديات كثيرة، وبقيت نفسه، فإنه يأخذ دية كل شيء من ذلك، وإن بلغت عدتها ديات نفوس كثيرة، فإنها لا تتداخل مع بقاء النفس، وإنما تدخل كلها في دية النفس إذا تلفت النفس، فيكون في ذلك كله دية واحدة، ومن ذلك أن في العينين دية، وفي الشفتين دية، وفي اللسان دية، وفي اليدين دية، وفي الصلب إذا كسر دية، وفي العقل دية، وفي الذكر دية، وفي الأنثيين دية، وفي الرجلين دية، ففي الرَّجُلِ تسع ديات غير مختلف فيها، اهـ. وقد تقدم قريباً أن عمر - رضي الله عنه - قضى بأربع ديات في ضربة واحدة، ذهب بها العقل واللسان والسمع والذكر، قال ابن رشد(٣): أجمعوا على أن من أصيب من أطرافه أكثر من ديته أن له ذلك، مثل أن تصاب عيناه وأنفه فله ديتان، اهـ. (١) (٤٦٣/٢). (٢) ((المنتقى)) (٨٥/٧). (٣) ((بداية المجتهد)) (٤٢٢/٢). ٦٣٤ ٤١ - كتاب العقول (٨) باب قَالَ مَالِكٌ، فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ الصَّحِيحَةِ إِذَا فُقِتَتْ خَطَأَ : إِنَّ فِيهَا الدِّيَةَ كَامِلَةً . (قال مالك: في عين الأعور الصحيحة) صفة لعين، فما في النسخ الهندية بلفظ الصحيح المذكر ليس بوجيه (إذا فقئت) بالفاء والقاف على بناء المجهول (خطأ) قيد به؛ لأن في العمد القِصَاص (إن فيها) أي في العين الواحدة الصحيحة (الدية كاملة) قال الباجي: وهذا على ما قال: إن في عين الأعور الدية كاملة، قال ابن سحنون وابن المواز: أجمع أصحابنا على ذلك، وقال العراقيون: فيها نصف الدية كإحدى اليدين، وهذا غير مشبه باليدين؛ لأنه يبصر بالعين الواحدة ما يبصر بالعينين، ولا يعمل بيد واحدة ما يعمل بيدين، اهـ. قال الموفق(١): في عين الأعور دية كاملة، وبذلك قال الزهريُّ ومالك والليث وقتادة وإسحاق، وقال مسروق وعبد الله بن مغفل والنخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي: فيها نصف الدية؛ لقوله وَّ: ((في العين خمسون من الإبل))، وقول النبي ◌ُّر: ((في العينين الدية)) يقتضي أن لا تجب فيهما أكثر من ذلك، سواء قلعهما واحدٌ أو اثنان في وقت واحد، أو في وقتين، وقالعُ الثانية قالعُ عين أعور، فلو وجبت عليه دية لوجب فيهما دية ونصف، ولأن ما ضُمِنَ بنصف دية مع بقاء نظيره ضمن به مع ذهابه، كالأذن، ويحتمل هذا كلامُ الخرقي؛ لقوله: في العين الواحدة نصف الدية، ولم يُفَرِّق. ولنا، أن عمر وعثمان وعلياً وابن عمر - رضي الله عنهم - قضوا في عين الأعور بالدية، ولم نعلم لهم في الصحابة مخالفاً، فيكون إجماعاً، ولأن قلع عين الأعور تتضمن إذهاب البصر كله، فوجبت الدية، كما لو أذهبه من العينين، اهـ. وقال البيهقي(٢): قال الشافعي: لا يجوز أن يقال: في عين الأعور الدية، (١) ((المغني)) (١١٠/١٢). (٢) ((السنن الكبرى)) (٩٤/٨). ٦٣٥ ٤١ - كتاب العقول (٩) باب (٩) باب ما جاء في عقل العين إذا ذهب بصرها حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ زيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يَقُولُ: فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ إِذَا طَفِئَتْ .... وإنما قضى رسول الله ◌َ﴾ في العين بخمسين، وهي نصف دية، وعين الأعور لا تعدو أن تكون عيناً، اهـ. (٩) ما جاء في عقل العين أي ديتها إذا ذهب بصرها يعني ما يجب في العين التي كان ذهب نور بصرها من قبل؟ (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سليمان بن يسار) الهلالي أحد الأعلام (أن زيد بن ثابت) الصحابي الشهير، والأثر هكذا أسنده محمد في ((موطئه)) (١)، وأخرجه البيهقي في ((سننه))(٢) بسنده إلى الشافعي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير بن عبد الله بن الأشجِّ عن سليمان بن يسار أن زيد بن ثابت قضى في العين القائمة، الحديث. وهكذا أخرجه ابن حزم في ((المحلى)) عن سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن بكير بن عبد الله بن الأشج، وهكذا أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) برواية الثوري عن يحيى بن سعيد. (كان يقول) وسياق الهندية ((عن زيد بن ثابت أنه كان يقول)) (في العين القائمة) أي الباقية في موضعها (إذا أطفئت) بالهمزة ضبطه صاحب ((المحلى))، وهو كذلك في بعض النسخ المصرية وفي أكثرها، والهندية بدون الهمزة يقال: طفئت عينه إذا ذهب نورها، ولفظ محمد في ((موطئه)): في العين القائمة إذا فقئت، وهو ببناء المجهول من الفقأ وهو الشق، وفي البيهقي: في العين القائمة إذا طفئت أو قال: بخقت، وفي ((المحلى))(٣) لابن حزم: في العين القائمة إذا (١) رقم الحديث (٦٦٩). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١١١/٢٥). (٣) المحلّى (٣٤/٧) البخص: بتحريك الخاء: هو لحم تحت الجفن الأسفل يظهر عند تحديق الناظر إذا أنكر شيئاً وتعجب منه. ٦٣٦ ٤١ - كتاب العقول (٩) باب مَائَهُ دِینارٍ . بُخصَتْ، وفي هامشه: بَخَصَ عينَه، قَلَعَها مع شحمتها، وبابه قطع، ولا تقل: بخس، اهـ. فما في ((موطأ يحيى)) هو بيان العين قبل الجرح، وما في (المحلى)) و((موطأ محمد)) هو بيانها بعد الجرح فتصح الروايتان. (مائة دينار) مبتدأ مؤخر، قال الزرقاني(١): لم يأخذ بذلك مالك بل قال: إن أمكن أن يفعل ذلك بالجاني وإلا فالعقل كالخطأ، اهـ. وقال محمد في ((موطئه))(٢) بعد أثر الباب: ليس عندنا فيها أرش معلوم، ففيها حكومة عدل، فإن بلغت الحكومة مائة دينار أو أكثر من ذلك، كانت الحكومة فيها، وإنما نضع هذا من زيد بن ثابت؛ لأنه حکم بذلك، اهـ. قال الباجي(٣): العين القائمة هي التي بقيت صورتها، وهيئتها، وذهب بصرها، فيحتمل أن يكون ذلك على معنى تقدير عقلها في الجملة، ويحتمل أن يكون قال ذلك في عين معينة، أداه اجتهاده إلى غرم هذا المقدار فيها، وهذا هو الصواب، وفي ((الموازية)) و((المجموعة)) عن مالك: أن المجتمع عليه أنه سمع أن ليس في العين القائمة التي ذهب بصرها، فبقيت إلا الاجتهاد، وكذلك اليد الشلّاء تقطع، ومعنى ذلك أن منافعها قد ذهبت، وإنما بقي منها شيء من الجمال، فلذلك كان فيها الاجتهاد، ولم يتقدر عقلها؛ لأن ذلك إنما يكون في عضو باقي المنافع أو بعضها، وروى ابن المواز عن مالك، وكذلك الرجل العرجاء لم يبق فيها منفعة، وكذلك الذراع يقطع بعد ذهاب الكف، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٥/٤). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٦/٣). (٣) ((المنتقى)) (٨٦/٧). ٦٣٧ ٤١ - كتاب العقول (٩) باب قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَتَرِ الْعَيْنِ وقال الموفق(١): اليد الشلّاء التي ذهبت منها منفعةُ البطش، والعين القائمة التي ذهب بصرها، وصورتها باقية كصورة الصحيحة، واختلفت الرواية عن أحمد فيهما، وفي السن السوداء، فعنه، في كل واحدة ثلث ديتها، وروي هذا عن ابن الخطاب ومجاهد، وبه قال إسحاق، وعن زيد بن ثابت في العين القائمة مائة دينار، والرواية الثالثة عن أحمد، كذا في الأصل، والصواب الرواية الثانية، في كل واحدة حكومة، وهذا قول مسروق والزهري ومالك والشافعي وأبي ثور والنعمان وابن المنذر؛ لأنه لا يمكن إيجاب دية كاملة لكونها قد ذهبت منفعتها، ولا مقدر فيها، فتجب الحكومة فيها . ولنا، ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله وَاخيه في العين القائمة السادّة لمكانها بثلث الدية، رواه النسائي(٢) مفصلاً، وأبو داود(٣) مختصراً. وقال ابن عابدين(٤) تحت قول الماتن: في لسان الأخرس حكومة عدل: أي إذا لم يذهب به ذوقه؛ لأن المقصود منه الكلام، ولا كلام فيه، فصار كاليد الشلّاء، والرجل العرجاء، والعين القائمة العوراء، والسن السوداء، فإن في الكل حكومة عدل؛ لأنه لم يفوت منفعة، ولا فَوَّت جمالاً على الكمال، اهـ. وسيأتي الجواب عن حديث عمرو بن شعيب في آخر الباب. (وسئل) ببناء المجهول الإمام (مالك) رضي الله عنه (عن شتر العين) بفتح الشين المعجمة والفوقية أي قطع جفنها الأسفل، مصدر شتر من باب تعب، قاله (١) ((المغني)) (١٥٤/١٢). (٢) ((سنن النسائي)) (٥٥/٨) (٤٨٤٠). (٣) ((سنن أبي داود)) (٤٥٦٧). (٤) (رد المحتار)) (٢٣٩/١٠). ٦٣٨ ٤١ - كتاب العقول (٩) باب وَحِجَاج الْعَيْنِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِي ذُلِكَ إِلَّ الاجْتِهَادُ. إِلَّا أَنْ يَنْقُصَ بَصَرُ الْغَيْنِ. فَيَكُونُ لَهُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ بَصَرِ الْعَيْنِ. الزرقاني، وهو كذلك بالشين المعجمة في جميع النسخ الهندية، وبعض المصرية، وفي أكثر النسخ المصرية بالسين المهملة، وضبطه صاحب ((المحلى)) بكسر السين. وقال الباجي(١): أما شتر العين وحجاج العين، فهو العظم المستدير حول العين، ويقابل هو الأعلى الذي تحت الحاجب، اهـ. والظاهر أنه جعلهما واحداً، والصحيح أنهما مختلفان، وفي ((مختار الصحاح)): الشتر بفتحتين انقلاب في جفن العين، اهـ. (وحِجاج العين) بكسر الحاء المهملة وفتحها لغة وجيمين بينهما ألف، العظم المستدير حولها، مذكر، وقال ابن الأنباري: العظم المشرف على غار العين، قاله الزرقاني(٢) . وفي ((المحلى)) عن ((القاموس)): بضم الحاء ويكسر، لكن في النسخ التي بأيدينا من ((القاموس)): الحجاج بالفتح ويكسر: الجانب، وعظم ينبت عليه الحاجب، اهـ. وفي ((المجمع)) عن ((النهاية)): بالكسر والفتح: العظم المستدير حول العين، اهـ. (فقال) مالك: (ليس في ذلك) الذي سئل عنه (إلا الاجتهاد) أي الحكومة (إلا أن ينقص) بذلك الجرح (بصر العين) أي نور نظره (فيكون له) أي للمجروح (بقدر ما نقص من بصر العين) من الدية. قال الباجي: قال ابن المواز: إن شجّ حاجبه، فبرئ على عثم، ففيه حكومة إن سلمت العين، وأما إن نقص بذلك من بصره شيء، فليس له إلا قدر (١) ((المنتقى)) (٨٦/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٨٥/٤). ٦٣٩ ٤١ - كتاب العقول (٩) باب دية ما نقص من بصره، يريد أن الحاجب وإن كان عضواً غير العين، فإنه من آلاته وتوابعه، فإذا أصابه بضربة واحدة، ولم يؤثر في غير الحاجب اعتبر تأثيرها في الحاجب، وإذا أثرت في البصر الذي هو مقصود العين، سقط تأثيرها في الحاجب، إذ كان فيه الاجتهاد، ولم يكن فيه أرش مقدّرٌ، فإذا لم يبلغ الموضحة فإنما فيه الاجتهاد، إن كان قد أثر الضرب شيئاً، فإن لم يؤثر في البصر، ثبت حكم ذلك الشين، وإن أثر في البصر بطل، وكان تبعاً لما نقص من البصر. ولو كانت الشجّة يجب بها أرش مقدر، كالموضحة في الحاجب لكان أرشها مع دية ما نقص من البصر؛ لأن أرش الموضحة أمر ثابت بنفسه غنيٌّ عن الاجتهاد، فلم يكن تبعاً لغيره مما لا يكون في ذلك العضو، وذلك أن الحاجب عضو غير العين التي فيها البصر، اهـ. قال الموفق(١): في الأشفار الأربعة يعني في أجفان العينين، وهي أربعة، الدية؛ لأن فيها منفعة الجنس، وفي كل واحد منها رُبْع الدية، وبهذا قال الحسن والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وعن مالك في جفن العين وحِجاجها الاجتهاد، لأنه لم يُعْلَمْ تقديرُه عن النبيِ بََّ، والتقدير لا يثبت قياساً، ولنا، أنها أعضاء فيها جمال ظاهر، ونفع كامل، فإنها تُكِنُّ العينَ، وتحفظها، وتقيها الحر والبرد، وتكون كالغلق عليها، يطبقه إذا شاء، ويفتحه إذا شاء، ولولاها لقبح منظره، فوجبت فيها الدية كاليدين، ولا نسلم أن التقدير لا يثبت قياساً، فإذا ثبت هذا، فإن في أحدها ربع الدية، وحكي عن الشعبي أنه يجب في الأعلى ثلثا دية العين، وفي الأسفل ثلثها؛ لأنه أكثر نفعاً. ولنا، أن كل ذي عدد تجب الدية في جميعه تجب بالحصة في الواحد (١) ((المغني)) (١١٣/١٢). ٦٤٠