النص المفهرس
صفحات 581-600
٤١ - كتاب العقول (٥) باب قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ فِي الْجِرَاحِ فِي الْجَسَدِ، إِذَا كَانَتْ خَطَأً، عَقْلٌ. إِذَا بَرَأَ الْجُرْحُ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ. فَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَثَلٌ أَوْ شَيْنٌ. فَإِنَّهُ يُجْتَهَدُ فِيهِ. إِلَّا الْجَائِفَةَ. فَإِنَّ فِيهَا ثُلُثَ دِيَةِ النَّفْسِ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ فِي مُنَقِّلَةِ الْجَسَدِ قال الباجي: يريد إن كان اليد أو الرجل الذي فيه نصف الدية كان بقدر ما نقصه العثل، وإن لم يكن فيه عقل مسمى، اجتهد فيه الحاكم في ذلك، یرید أعضاء الجسد مثل ضلع أو ترقوة، فهذه ليس فيها عقل مسمى، فإن عادت لهيئتها، فلا شيء في ذلك، وإن برئت على نقص، اجتهد الحاكم في ذلك. (قال مالك: وليس في الجراح في الجسد إذا كانت) الجراح (خطأ عقلٌ إذا برأ الجرح وعاد كهيئته) بالكاف في النسخ الهندية، أي صار كهيئته الأولى، وباللام في النسخ المصرية بدل الكاف كما تقدم، وهذا أيضاً تكرار للإيضاح وللاستثناء الآتي (فإن كان في شيء من ذلك عثل أو) وقع بعد البرء فيه (شين) عيب (فإنه يجتهد فيه) كما تقدم (إلا الجائفة فإن فيها) عقلاً مسمى وهي (ثلث دية النفس) كما تقدم في أول باب العقول. قال الباجي(١): يريد أن ديتها مقدرة، وذلك لغررها وخطرها وصغرها، وأنها إن برئت فإنها تبرأ غالباً على غير شين، فجعل فيها ثلث الدية تحرزاً للدماء وردعاً عنها . (قال مالك: وليس في مُنَقِّلَةِ الجسد) قال الزرقاني(٢): بكسر القاف الشديدة وفتحها، قيل: وهو أولى؛ لأنها محل الإجراح، وهكذا ضبطه ابن السكّيت، وهي التي ينقل منها فراش العظام، وهي ما رَقّ منها، وضبطه الفارابي والجوهري بالكسر على إرادة نفس الضربة؛ لأنها تكسر العظام وتنقلها ، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٧٦/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٧٩/٤). ٥٨١ ٤١ - كتاب العقول (٥) باب عَقْلٌ. وَهِيَ مِثْلُ مُوضِحَةِ الْجَسَدِ . قال الموفق(١): المنقلة زائدة على الهاشمة، وهي التي تكسر العظام، وتزيلها عن مواضعها، وفي ((الهداية)) (٢): الهاشمة التي تكسر العظم، والمنقلة هي التي تنقل العظم بعد الكسر، أي تحوله، اهـ. (عقل) أي دية معينة (وهي) المنقلة (مثل موضحة الجسد) لا عقل فيها أيضاً، قال الباجي: يريد أنها إذا برئت على سلامة فلا شيء فيها لقلة خطرها، أما مُنَقِّلَةُ الرأس ففيها العقل لغررها، وكذلك الموضحة، اهـ. قال الخرقي: في موضحة الحر خمسٌ من الإبل، والموضحة في الرأس والوجه سواء، وهي التي تبرز العظم، قال الموفق(٣): هذه من شجاج الرأس أو الوجه، وليس في الشجاج ما فيه قصاص سواها، ولا يجب المقدر في أقل منها، وأجمع أهل العلم على أن أرش الموضحة مقدرٌ، قاله ابن المنذر، وليس في موضحة غير الرأس والوجه مقدر في قول أكثر أهل العلم، منهم إمامنا مالك والثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر، قال ابن عبد البر: ولا يكون في البدن موضحة، يعني ليس فيها مقدر، قال: وعلى ذلك جماعة العلماء إلا الليث بن سعد، قال: الموضحة تكون في الجسد أيضاً، وقال الأوزاعي: في جراحة الجسد على النصف من جراحة الرأس، وحكي ذلك عن عطاء الخراساني، قال: في الموضحة في سائر الجسد خمسة وعشرون ديناراً. ولنا، أن اسم الموضحة يطلق على الجراحة المخصوصة في الوجه والرأس، وقول الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -: الموضحة في الوجه والرأس سواء، يدل على أن باقي الجسد بخلافه، ثم قال: (١) (١٢ / ١٦٤). (٢) (٤٦٥/٢). (٣) («المغني)) (١٥٨/١٢). ٥٨٢ ٤١ - كتاب العقول (٥) باب وفي الهاشمة عشر من الإبل، ولم يبلغنا عن النبي ◌ّ فيها تقدير، وأكثر من بلغنا قوله من أهل العلم على أن أرشها مقدر بعشر من الإبل، والهاشمة في الرأس والوجه خاصة على ما ذكرنا في الموضحة. ثم قال: وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وهي زائدة على الهاشمة، وهي التي تكسر العظام، وتزيلها عن مواضعها، وفيها خمس عشرة من الإبل بإجماع أهل العلم. وفي كتاب النبي ◌ّ لعمرو بن حزم: وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي تفصيلها ما في تفصيل الموضحة والهاشمة، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، ولا نعلم في جراح البدن الخالية عن قطع الأعضاء وكسر العظام مقدراً غير الجائفة. ثم قال الخرقي: وفي الترقوة بعيران، قال الموفق(١): ظاهره أن في كل ترقوة بعيرين، ففي الترقوتين أربعة أبعرة، وهذا قول زيد بن ثابت، والترقوة هو العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف، ولكل واحد ترقوتان، ففيهما أربعة أبعرة في ظاهر قول الخرقي، وقال القاضي: المراد الترقوتان معاً، فيكون في كل ترقوة بعير، وهذا قول عمر - رضي الله عنه -، وبه قال ابن المسيب وسعيد بن جبير وقتادة وإسحاق، وهو قول للشافعي، والمشهور من قوليه عند أصحابه، أن في كل واحد مما ذكرنا حكومة، وهو قول مسروق وأبي حنيفة ومالك وابن المنذر؛ لأنه عظم باطن لا يختص بجمال ومنفعة، فلم يجب فيه أرش مقدر كسائر أعضاء البدن. وفي الزندين أربعة أبعرة؛ لأن فيهما أربعة عظام، ففي كل عظم بعير، وهذا يروى عن عمر - رضي الله عنه -، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: فيه حكومة، ولا مقدر في غير هذه العظام في ظاهر كلام الخرقي، وهو قول أكثر أهل العلم. (١) انظر: ((المغني)) (١٧٢/١٢). ٥٨٣ ٤١ - كتاب العقول (٥) باب ثم قال: وما لم يكن فيه من الجراح توقيت، ولم يكن نظيراً لما وقتت ديته ففيه حكومة، كالشجاج التي دون الموضحة، وجراح البدن سوى الجائفة، وقطع الأعضاء، وكسر العظام المذكورة، ففيه حكومة، والحكومة أن يقوم المجني عليه كأنه عبدٌ لا جناية به، ثم يُقَوَّمُ، وهي به قد برأت، فما نقصته الجناية، فله مثله من الدية، وهذا تفسير الحكومة في قول أهل العلم كلهم، لا نعلم بينهم فيه خلافاً، وبه قال الشافعي والعنبري وأصحاب الرأي وغيرهم، قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن معنى قولهم: حكومة، أن يقال إذا أصيب الإنسان بجرح لا عقل له معلوم: كم قيمة هذا المجروح، لو كان عبداً لم يجرح هذا الجرح؟ فإذا قيل: مائة دينار، قيل: وكم قيمته وقد أصابه هذا الجرح، وانتهى برؤه؟ قيل: خمسة وتسعون، فالذي يجب على الجاني نصف عشر الدية، وإن قالوا: تسعون. فعشر الدية، وإن زاد أو نقص، فعلى هذا المثال، انتهى ملتقطاً. وفي ((الهداية)) (١): الشجاج عشرة، الحارصة، والدامعة، والدامية، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، والموضحة، والهاشمة، والمنقلة، والآمة، ففي الموضحة القصاص إن كان عمداً، ولا قصاص في بقية الشجاج؛ لأنه لا يمكن اعتبار المساواة فيها، وفيما دون الموضحة حكومة العدل؛ لأنه ليس فيها أرش مقدر، ولا يمكن إهداره، فيجب اعتباره بحكم العدل، وهو مأثور عن النخعي وعمر بن عبد العزيز، وفي الموضحة إن كانت خطأ عشر الدية، وفي المنقلة عشر الدية ونصف عشرها، وفي الآمة ثلث الدية، وهذه الشجاج تختص بالوجه والرأس لغة، وما كان في غير الوجه والرأس يسمى جراحة . والحكم مرتب على الحقيقة في الصحيح حتى لو تحققت (الشجة) في (١) (٨٤/٨). ٥٨٤ ٤١ - كتاب العقول (٥) باب قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الطَّبِيبَ إِذَا خَتَنَ فَقَطَعَ الْحَشَفَةَ، إِنَّ عَلَيْهِ الْعَقْلَ. وَأَنَّ ذُلِكَ مِنَ الْخَطَإِ الَّذِي تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَأَنَّ كُلَّ مَا أَخْطَأَ بِهِ الطَّبِيبُ أَوْ تَعَدَّى، إِذَا لَمْ يَتَعَمَّد ذُلِكَ، فَفِيهِ الْعَقْلُ. غيرهما نحو الساق واليد لا يكون لها أرش مقدر، وإنما تجب حكومة العدل، لأن التقدير بالتوقيف، وهو إنما ورد فيما يختص بهما، ولأنه إنما ورد الحكم فيها لمعنى الشين الذي يلحقه ببقاء أثر الجراحة، والشين يختص بما يظهر منهما في الغالب، وهو العضوان هذان ((الوجه والرأس)) لا سواهما. وتفسير حكومة العدل على ما قاله الطحاوي أن يقوم مملوكاً بدون هذا الأثر، ويُقَوَّمُ، وبه هذا الأثر، ثم ينظر إلى تفاوت ما بين القيمتين، فإن كان نصف عشر القيمة يجب نصف عشر الدية، وإن كان ربع عشر فربع عشر، وقال الكرخي: ينظر كم مقدار هذه الشجة من الموضحة، فيجب بقدر ذلك من نصف عشر الدية؛ لأن ما لا نصَّ فيه يُرَدُّ إلى المنصوص عليه، اهـ. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) في المدينة المنورة (أن الطبيب) زاد في النسخ الهندية هنا أيضاً لفظ ((عندنا))، ولا وجه له (إذا ختن) أحداً (فقطع الحشفة) محركة، رأس الذكر فوق موضع الختان (أن عليه العقل) أي الدية دون القصاص (وأن ذلك) الفعل (من الخطأ الذي تحمله العاقلة) لا الجاني في ماله (وأن كل ما أخطأ به الطبيب) المباشر بيده، كالقطع والبط (أو تعدى) بشيء عطف تفسير لقوله: أخطأ (إذا لم يتعمد ذلك) التعدي (ففيه العقل) أي الدية لا القصاص، أما إذا تعمد ذلك ففيه القصاص. قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن الطبيب والحجام والخاتن والبيطار إن مات من فعلهم أحد، فلا يخلو أن يفعلوا الفعل المعهود في ذلك، أو (١) ((المنتقى)) (٧٦/٧). ٥٨٥ ٤١ - كتاب العقول (٥) باب يتجاوزوه، فإن فعلوا المعهود، فقد قال ابن القاسم في ((المجموعة)): لا ضمان على أحد منهم إن لم يخالف، وكذلك معلم الكتاب والصنعة إن ضرب الصبي للتأديب الضرب المعتاد، فلا ضمان عليه، ووجه ذلك أنه مأمور بمثل هذا، ومأذون له فيه، فلم يكن عليه ضمان، وإن جاوز المعتاد، مثل أن يقطع الخاتن الحشفة، أو يضرب المعلم لغير أدب تعدياً، أو يتجاوز في الأدب، قال مالك في ((المجموعة)): الحجام يقطع حشفة صغير أو كبير، أو يؤمر بقطع يد في قصاص، فيقطع غيرها، أو زاد في القصاص على الواجب، فإنه من الخطأ ما كان دون الثلث، ففي ماله، وما بلغ الثلث فعلى عاقلته، سواء عمل ذلك بأجر أو بغير أجر، قال عيسى بن دينار في ((المزنية)): في الطبيب يختتن فيقطع الحشفة سواء غر من نفسه أو لم يغر، ووجه ذلك أنه متعمد في فعل مأذون فيه لم يعلم تعمده، فكان له حكم الخطأ، اهـ. وفي ((المحلى)): الأصل في ذلك قوله وَلَهُ: ((من تطبب ولم يعْلَمْ منه طِبُّ فهو ضامن))، رواه أبو داود والنسائي(١)، قال الخطابي: لا أعلم خلافاً في أن المعالج إذا تَعَدَّى، فتلف المريض كان ضامناً، والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعدٍ، فإذا طرأ من فعله التلف ضمن الدية، وسقط عنه القود؛ لأنه لا يستبدُّ بذلك دون إذن المريض وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته، اهـ. وفي ((الدر المختار)): (٢) أنه لا ضمان على حجام وفَصّادٍ وبزّاغ أي بيطار لم يجاوز الموضع المعتاد، فإن جاوزه ضمن الزيادة كلها إذا لم يهلك، وإذا هلك ضمن نصف دية النفس، وفي ((المنهاج)): أنه من حجم أو فصد بإذن لم يضمن، اهـ. (١) أخرجه أبو داود (٤٥٨٦)، والنسائي (٥٢/٨، ٥٣)، وابن ماجه (٣٤٦٦). (٢) (٣٥٣/٦). ٥٨٦ ٤١ - كتاب العقول (٦) باب (٦) باب عقل المرأة قال الموفق(١): لا ضمان على حَجَّام ولا ختّان ولا متطبب، إذا عرف منهم حذق الصنعة ولم تجن أيديهم، فهؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به لم يضمنوا بشرطين، أحدهما: أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع، وإذا قطع مع هذا كان فعلاً محرماً فيضمن سرايته كالقطع ابتداء، والثاني: أن لا تجني أيديهم فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع. فإذا وجد هذان الشرطان لم يضمنوا سرايته، كقطع الإمام يد السارق، فأما إن كان حاذقاً، وجنت يده، مثل أن تجاوز قطع الختان إلى الحشفة، أو قطع في غير محل القطع، أو قطع بآلَةٍ كَالَّةٍ يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع فيه، وأشباه هذا، ضمن فيه كله؛ لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فأشبه إتلاف المال، ولأن هذا فعل محرم فيضمن سرايته، وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافاً، اهـ. (٦) عقل المرأة قال ابن المنذر وابن عبد البر(٢): أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصفُ دية الرجل، وحكى غيرهما عن ابن عُلَيَّةَ والأصمّ أنهما قالا: ديتها كدية الرجل، لقوله ◌َ: ((في النفس المؤمنة مائة من الإبل))(٣)، وهذا قول شاذٌ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي ◌ّ﴾، فإن في كتاب عمرو بن حزم: ((دية المرأة على النصف من دية الرجل)) وهي أخص مما ذكروه، فيكون مفسراً لما ذکروه مخصصاً له. ودية نساء كل أهل دين على النصف من دية رجالهم، وتساوي جراح (١) ((المغني)) (١١٧/٨). (٢) انظر: ((المغني)) (٥٦/١٢). (٣) أخرجه النسائي (٥٢/٨)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٧٣/٨، ١٠٠)، والحاكم في كتاب الزكاة، ((المستدرك)) (٣٩٧/١)، و((الدرامي)) (١٩٣/٢). ٥٨٧ ٤١ - كتاب العقول (٦) باب المرأة جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإن جاوز الثلث فعلى النصف، روي هذا عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت، وبه قال ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وربيعة ومالك، قال ابن عبد البر: هو قول فقهاء المدينة السبعة وجمهور أهل المدينة، وحكي عن الشافعي في القديم، وقال الحسن: يستويان إلى النصف، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنها على النصف فيما قل وكثر، وروي ذلك عن ابن سيرين، وبه قال الثوري والليث وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور والشافعي في ظاهر مذهبه، واختاره ابن المنذر؛ لأنهما شخصان تختلف ديتهما، فاختلف أرش أطرافهما، كالمسلم والكافر، وروي عن ابن مسعود أنه قال: تعاقل المرأة الرجل إلى نصف عشر الدية، فإذا زاد على ذلك فهي على النصف، لأنها تساويه في الموضحة. قال الموفق: ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله وَ له: ((عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها))، أخرجه النسائي(١)، وهو نص يقدم على ما سواه، اهـ. وفي ((الهداية))(٢): ودية المرأة في النفس، وفيما دون النفس على النصف من دية الرجل، وقد ورد هذا اللفظ موقوفاً على علي - رضي الله عنه - ومرفوعاً إلى النبي وَلَ، والموقوف فيه كالمرفوع، إذ لا مدخل للرأي في التقدير، وقال الشافعي في رواية: ما دون الثلث لا يتنصف، وإمامه فيه زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، والحجة عليه ما رويناه بعمومه، ولأن حالها أنقص من حال الرجال ومنفعتها أقل، وقد ظهر أثر النقصان في التنصيف في النفس، فكذا في أطرافها وأجزائها اعتباراً بها وبالثلث وما فوقه، اهـ. (١) ((سنن النسائي)) (٤٨٠٥). (٢) (٤٦١/٢). ٥٨٨ ٤١ - كتاب العقول (٦) باب وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: تُعَاقِلُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَة. إِصْبَعُهَا كَإِصْبَعِهِ. وفي ((المحلى)): قال أبو حنيفة: المرأة وأطرافها وجراحاتها على النصف من دية الرجل وأطرافه وجراحاته، وهو ظاهر مذهب الشافعي، كما في ((المنهاج)) وغيره(١)، لما رواه البيهقي(٢) عن معاذ مرفوعاً: ((دية المرأة على النصف من دية الرجل))، وأجيب عن حديث النسائي بأن ابن عياش الراوي عن ابن جريج ضعيف عن الحجازيين وابن جريج حجازي. وعن أثر زيد بن ثابت بأنه منقطع، اهـ. قلت: وحديث عمرو بن شعيب ضعفه البيهقي أيضاً، وأخرج بسنده إلى الشيباني وابن أبي ليلى وزكريا عن الشعبي أن علياً - رضي الله عنه - كان يقول: جراحات النساء على النصف من دية الرجل فيما قل وكثر، ثم أخرج بسنده إلى حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب أنهما قالا: عقل المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وفيما دونها، ثم قال: حديث إبراهيم منقطع إلا أنه يؤكد رواية الشعبي(٣)، اهـ. (مالك، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: تعاقل المرأة الرجل) أي تساوي ديتهما، يقال: تعاقلوا دم القتيل، إذا اشتركوا في تأديته، قال الباجي (٤): يريد أن ما دون ثلث الدية عقلها فيه، كعقل الرجل وهو معنى معاقلتها له، اهـ. (إلى ثلث الدية) فإن جاوز الثلث فهو على النصف من دية الرجل، ثم فسره ببعض أمثلته، فقال: (إصبعها كإصبعه) في كون دية كل (١) انظر: في هذه المسألة: ((البدائع)) (٢٥٤/٧)، و((الدر المختار)» (٤٠٧/٥)، و((مغني المحتاج)) (٥٦/٤)، و((كشف القناع)) (١٨/٦/٦)، و((الفقه الإسلامي وأدلته)) (٣١٠/٦). (٢) ((السنن الكبرى)) (٩٥/٨). (٣) انظر: ((السنن الكبرى)) (٩٦/٨). (٤) ((المنتقى)) (٧٨/٧). ٥٨٩ ٤١ - كتاب العقول (٦) باب وَسِنُّهَا كَسِنِّهِ. وَمُوضِحَتُهَا كَمُوضِحَتِهِ. وَمُنَقِّلتُهَا كَمُنَقِّلَتِهِ. وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَبَلَغَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ مِثْلَ قَوْلٍ سَعِيدٍ بَنِ الْمُسَيَّبِ فِي الْمَرْأَةِ. أَنَّها تُعَاقِلُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ. فَإِذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ كَانَتْ إِلَى النَّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ . قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ ذُلِكَ أَنَّهَا تُعَاقِلُهُ فِي الْمُوضِحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ. وَمَا دُونَ الْمَأْمُومَةِ والْجَائِفَةِ وَأَشْبَاهِهِمَا. مِمَّا يَكُونُ فِيهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ فَصَاعِداً . منهما عشراً من الإبل (وسنها كسنه) فيها خمس من الإبل (وموضحتها كموضحته) وهي الجراحة التي تصل إلى العظم، وتوضحه وتبينه (ومنقلتها كمنقلته) والمنقلة هي التي تنقل العظم، كما تقدم قريباً، قال الباجي: يريد أن عقل هذه الجراحات كلها دون الثلث، فلذلك ساوت فيها الرجل. (مالك عن ابن شهاب) الزهري بدون الواسطة (وبلغه) أي مالكاً - رضي الله عنه - (عن عروة بن الزبير) بواسطة (أنهما) أي الزهري وعروة (كانا يقولان مثل قول سعيد بن المسيب) المذكور وهو قوله: (في) دية (المرأة أنها تعاقل) وتساوي دية (الرجل إلى ثلث دية الرجل فإذا بلغت) ديتها (ثلث دية الرجل كانت) أي ردت (إلى النصف من دية الرجل). (قال مالك: وتفسير ذلك) وتوضيحه (أنها تعاقله في الموضحة والمنقلة) فإن الدية فيهما أقل من الثلث؛ لأن دية الموضحة خمس من الإبل، ودية المنقلة خمس عشرة من الإبل (وما دون) أي في الجراحات التي تكون أخفّ من (المأمومة والجائفة) كالهاشمة، فإن الدية فيها عشر من الإبل، بخلاف المأمومة والجائفة، فإن الدية فيهما الثلث وفي (أشباههما) بضمير التثنية في النسخ المصرية، وإفراد المؤنث في النسخ الهندية، فالمرجع الجراحات المذكورة (مما يكون فيه ثلث الدية فصاعداً) أي زائداً من الثلث كاليد الواحدة ٥٩٠ ٤١ - كتاب العقول (٦) باب فَإِذَا بَلَغَتْ ذُلِكَ كَانَ عَقْلُهَا فِي ذُلِكَ، النَّصْفَ مِنْ عَقْلِ الرَّجُلِ. وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابِ يَقُولُ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَصَابَ امْرَأَتَهُ بِجُرْحٍ أَنَّ عَلَيْهِ عَقَّلَ ذُلِكَ الْجُرْحِ. وَلَا يُقَادُ مِنْهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا ذُلِكَ فِي الْخَطَإٍ. أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَيُصِيبُهَا مِنْ ضَرْبِهِ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ. كَمَا يَضْرِبُهَا بِسَوْطِ فَيَفْقَأُ عَيْنَهَا. وَنَحْوَ ذَلِكَ. والرجل الواحدة، فإن الدية في كل واحد منهما النصف (فإذا بلغت) ديتها (ذلك) أي الثلث أو أكثر من الثلث (كان عقلها في ذلك النصف من عقل الرجل) على الأصل المذكور. (مالك أنه سمع ابن شهاب) الزهري (يقول: مضت السنة) قال ابن عبد البر: إذا أطلق الصحابي وكذا التابعي ذكر السنة، فالمراد به سنته وَ ل# ما لم يضف إلى صاحبها، يعني سنة العمرين ونحوها، كذا في ((المحلى)) (أن الرجل إذا أصاب امرأته بجرح) بضم الجيم متعلق بقوله: أصاب (أن عليه) أي على الزوج (عقل ذلك الجرح) وأرشه (ولا يقاد منه) أي لا يقتص من الزوج. (قال مالك: وإنما ذلك) أي الحكم المذكور يكون (في الخطأ) مثل (أن يضرب الرجل امرأته فيصيبها) بالنصب (من ضربه ما) أي شيء (لم يتعمد) أي لم يقصد هذا الجرح الذي أصابها (كما) لو كان مثلاً (يضربها بسوط) وليس في النسخ الهندية لفظ كما، فجعل صاحب ((المحلى)) قوله: يضربها استئنافاً مُبَيِّناً لعدم التعمد (فيفقأ عينها) مثلاً (ونحو ذلك) من جرح آخر من غير تعمد لذلك الجرح، أما إذا فقأ عينها أو أصابها بجرح آخر عمداً ففيه القود. قال الباجي(١): يريد - والله أعلم - أن يقصد إلى أدبها بسوط أو حبل، (١) ((المنتقى)) (٧٩/٧). ٥٩١ ٤١ - كتاب العقول (٦) باب فيصيبها من ذلك ذهاب عين أو غيرها، ففيها العقل دون القود، أما لو تعمدها بفقءٍ عين أو قطع يد أو غيرها لا قَوَدَ منه، رواه ابن القاسم عن مالك في ((المجموعة)) وبه قال الثوري، ووجه ذلك أن الزوج له تأديب الزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِى تَّخَافُونَ نُشُوزَهُنَ﴾، الآية فيها ﴿وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾ وهو مصدق في جنايته عليها، ومخالفتها له على المعروف، فكان أدبه لها مباحاً، فما تولد منه فلا قصاص فيه، وإن عمد إلى الضرب المتلف للأعضاء فعليه القصاص، لقول النبيِ وَّر: ((كلها قصاص))، وفي كتاب الله: ﴿وَاُلْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾، اهـ قال الموفق(١): وليس على الزوج ضمان الزوجة إذا تلفت من التأديب المشروع في النشوز، ولا على المعلم إذا أَذَّبَ صبيه الأدب المشروع، وبه قال مالك وقال أبو حنيفة والشافعي: يضمن، اهـ. وفي ((الهداية))(٢): من حَدَّه الإمام أو عَزَّرَه فمات فدمُه هَدَرٌ؛ لأنه فعل ما فعل بأمر الشرع، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة، كالفصّاد والبزّاغ، بخلاف الزوج إذا عزّر زوجته؛ لأنه مطلق فيه، والإطلاقات تتقيد بشرط السلامة، كالمرور في الطريق، اهـ. وفي ((الدر المختار))(٣): من حد أو عزّر فهلك، فدمه هدر، إلا امرأة عزّرها زوجها فماتت، لأن تأديبه مباح، فيتقيد بشرط السلامة، قال ابن عابدين: وفي ((الدر المنتقى)): يضمن المعلم بضرب الصبي، وقال مالك وأحمد: لا يضمن الزوج ولا المعلم في التعزير، ولا الأب في التأديب لو بضربٍ معتادٍ وإلا ضمنه بإجماع الفقهاء، اهـ. (١) ((المغني)) (٥٢٨/١٢). (٢) (٣٦١/١). (٣) انظر: ((رد المحتار على الدر المختار)) (١٢٦/٦). ٥٩٢ ٤١ - كتاب العقول (٦) باب قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمَرْأَةِ يَكُونُ لَهَا زَوْجٌ وَوَلَدٌ مِنْ غَيْرِ عَصَبَتِهَا وَلَا قَوْمِهَا. فَلَيْسَ عَلَى زَوْجِهَا، إِذَا كَانَ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى، مِنْ عَقْلِ جِنَايَتِهَا شَيْءٌ. وَلَا عَلَى وَلَدِهَا إِذَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ قَوْمِهَا. ولا عَلَى إِخْوَتِهَا مِنْ أَمِّهَا إِذَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ عَصَبَتِهَا وَلَا قَوْمِهَا. فَهُؤُلَاءِ أَحَقُّ بِمِيرَاثِهَا. وَالْعَصَبَةُ عَلَيْهِمُ الْعَقْلُ مُنْذُ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ إِلَى الْيَوْم. وَكَذَلِكَ مَوَالِي الْمَرْأَةِ. مِيرَاثُهُمْ لِوَلَدِ الْمَرْأَةِ. وَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِهَا. وَعَقْلُ جِنَايَةِ الْمَوَالِي عَلَى قَبِيلَتِهَا . (قال مالك في المرأة) التي (يكون لها زوج) من غير عاقلتها (وولد من غير عصبتها ولا قومها) عطف تفسير لعصبتها (فليس على زوجها إذا) لم يكن من قومها بل (كان من قبيلة أخرى من عقل) أي دية (جنايتها) التي كانت لخطأ (شيء) اسم ليس (ولا على ولدها) بفتحتين اسم جنس أو بضم واو وسكون لام جمع (إذا كانوا) أي الأولاد (من غير قومها ولا على إخوتها) التي كانت (من أمها) أي بني الأخياف (إذا كانوا من غير عصبتها ولا) يكونون من (قومها) توضيح لكونهم من غير عصبتها (فهؤلاء) المذكورون من الزوج والأولاد وبنو الأخياف (أحق بميراثها) على حصصهم في القرآن والسنة (والعصبة) مبتدأ خبره يكون (عليهم العقل) أي الدية (منذ زمان رسول الله وَّه إلى اليوم) أي إلى الآن. (وكذلك موالي المرأة) أي الذين أعتقتهم المرأة يكون (ميراثهم) أي ميراث الموالي (لولد المرأة وإن كانوا) الواو وصلية (من غير قبيلتها) لأن الميراث لا يختصُّ بالقبيلة (و) يكون (عقل جناية الموالي) المذكورة (على قبيلتها). قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن حكم الولاية وحكم الوراثة قد (١) ((المنتقى)) (٧٩/٧). ٥٩٣ ٤١ - كتاب العقول (٦) باب يختلفان، فترث المرأة زوجها وابنها وإخوتها لأمها، ولا يعقلون عنها إذا لم يكونوا من قومها، ويعقل عنها عصبتها، وهؤلاء أحق بميراثها منهم؛ لأن التوارث قد يكون بغير التعصيب، وتحمل الدية إنما هو بالتعصيب، اهـ. قال الموفق(١): لا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة العصبات، وأن غيرهم من الإخوة من الأم وسائر ذوي الأرحام والزوج وكل من عدا العصبات ليسوا هم من العاقلة، واختلف في الآباء والبنين هل هم من العاقلة أم لا؟ وعن أحمد في ذلك روايتان؛ إحداهما: كل العصبة من العاقلة، يدخل فيه آباء القاتل وأبناؤه، وهذا اختيار أبي بكر، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله وَّ ر أن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا، لا يرثون منها شيئاً إلا ما فضل عن ورثتها، الحديث رواه أبو داود (٢). ولأنهم عصبة فأشبهوا الإخوة. والرواية الثانية: ليس آباؤه وأبناؤه من العاقلة، وهو قول الشافعي؛ لما روى أبو هريرة قال: اقتتلتِ امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى فقتلتها، فاختصموا إلى رسول الله وَلّ، فقضى بديةِ المرأة على عاقلتها، ووَرِثَها ولَدُها ومن معهم، متفق عليه، وفي رواية عن جابر، قال: فجعل النبي ◌ِّ دية المقتولة على عاقلتها، وبَرَّأ زوجها وولدها، قال: فقالت عاقلة المقتولة: ميراثها لنا، فقال رسول الله وَّيقول: ((ميراثها لزوجها وولدها))، رواه أبو داود(٣). فإن كان الولدُ ابنَ ابنِ عمٍّ، أو كان الوالد مولَى، أو عَصَبةَ مولى، فإنه يعقلُ في ظاهر كلام أحمد، وقال الشافعي: لا يعقل؛ لأنه والد أو ولد، ولنا، أنه ابن ابن عم أو مولى فيعقل، كما لو لم يكن ولداً. (١) («المغني)) (٣٩/١٢). (٢) أخرجه أبو داود (٤٥٦٤). (٣) ((سنن أبي داود)) (٤٥٧٥). ٥٩٤ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥٠٩) حدیث (٧) باب عقل الجنين ٥/١٥٠٩ - وحدّثني: يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ وسائرُ العصبات من العاقلة بَعُدُوْا أو قربوا من النسب، والمولى وعصبتُه، ومولى المولى وعصبتُه، وغيرهم، وبهذا قال عمر بن عبد العزيز والنخعي ومالك والشافعي، ولا أعلم من غيرهم خلافهم، وذلك لأنهم عصبة يرثون المال إذا لم يكن وارث أقرب منهم، فيدخلون في العقل كالقريب، ولا يعتبر أن يكونوا وارثين في الحال، بل متى كانوا يرثون لولا الحجب عقلوا؛ لأن النبي و 8﴿ قضى بالدية بين عصبة المرأة من كانوا، اهـ. (٧) عقل الجنين فعيل بمعنى المفعول من جنّ الشيء سَتَرَه، قال صاحب ((التعليق الممجد))(١): هو الولد ما دام في بطن الأم، سُمّيَ به لكونه مخفياً، ومادة هذا اللفظ دل على الاختفاء، ومنه الجن والجنون وغيرهما. قال الموفق(٢): في جنين الحرة المسلمة غرة، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب والنخعي ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي صَالله قضى فيه بغرة عبد أو أمة، قال: لتأتين بمن يشهد معك، فشهد له محمد بن وَسَّلة مسلمة، ثم ذكر عن ((الصحيحين)) رواية أبي هريرة الآتي في الباب. ٥/١٥٠٩ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري (عن أبي هريرة) هكذا أخرجه البخاري في (١) (٢٢/٣). (٢) ((المغني)) (٦٠/١٢). ٥٩٥ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥٠٩) حديث أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ ((صحيحه))، قال الحافظ(١): ورواه البخاري أيضاً عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وكلا القولين صواب، إلا أن مالكاً كان يرويه عن ابن شهاب عن سعيد مرسلاً وعن أبي سلمة موصولاً، اهـ. (أن امرأتين من هذيل) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة نسبة إلى هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، ولا يخالفه رواية الليث عن الزهري: امرأتين من بني لحيان؛ لأنه بطن من هذيل، وكانتا ضَرَّتين، كما رواه أحمد وغيره من طريق عمرو بن تميم بن عويمر الهذلي، وعويمر براء آخره وبدونها عن أبيه عن جده، قال: كانت أختي مليكة وامرأة منا يقال لها: أم عفيف بنت مسروح من بني سعد بن هذيل تحت حمل بن مالك بن النابغة، فضربت أم عفيف مليكة، وللبيهقي وأبي نعيم في ((المعرفة)) عن ابن عباس تسمية الضاربة أم غطيف، وهُمَا واحدةٌ، قاله الزرقاني(٢). قال الحافظ(٣): وأخرج الطبراني من طريق أبي المليح بن أسامة بن عمير الهذلي عن أبيه قال: كان فينا رجل يقال له: حمل بن مالك، له امرأتان، إحداهما هذلية والأخرى عامرية، فضربت الهذلية بطن العامرية، وأخرج من طريق عون بن عويم قال: كانت أختي مليكة وامرأة منا يقال لها: أم عفيف بنت مسروح تحت حمل بن النابغة، فضربت أم عفيف مليكة، ووقع في رواية عكرمة عن ابن عباس قال: إحداهما مليكة، والأخرى أم غطيف، أخرجه أبو داود. وهذا الذي وقفت عليه منقولاً، وبالآخر جزم الخطيب في ((المبهمات))، وزاد بعض شراح ((العمدة)): وقيل: أم مكلف، وقيل: أم مليكة، اهـ. وجزم ابن عبد البر أن الرامية أم عفيف والمرمية مليكة، كما حكاه الزرقاني. (١) «فتح الباري)) (١٢/ ٢٥٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٨١/٤). (٣) ((فتح الباري)) (٢٤٨/١٢). ٥٩٦ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥٠٩) حديث رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأَخْرَى. فَطَرَحَتْ جَنِيْنَهَا. فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَه بِغُرَّةِ: (رمت إحداهما الأخرى) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (بحجر) وليس هذا في النسخ المصرية، وسياق الزرقاني يدل على أنه ليس لفظ ((الموطأ)) إذا أضافه إلى رواية الليث، قلت: وزاده أيضاً في رواية الزهري عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عند البخاري بحجر، قال الحافظ: ووقع في رواية أبي داود من طريق حمل بن مالك، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، وعند مسلم من طريق عبيد بن نضيلة عن المغيرة بن شعبة قال: ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط، وفي حديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه، فضربت الهذلية بطن العامرية بعمود فسطاط أو خباء، قال الزرقاني: ولبعضهم بمسطح أي خشبة، أو عود يرقق به الخبز، قال ابن عبد البر: ولهذا الاضطراب لم يذكر مالك شيئاً من ذلك، وإنما قضى المعنى المراد بالحكم؛ لأنه لا فرق عنده بين الحجر وغيره في العمد، اهـ. (فطرحت) أي ألقت المرمية (جنينها) قال الباجي(١): الجنين المذكور ما ألقته المرأة مما يعرف أنه ولد، قال ابن الموّاز: وإن لم يكن مخلقاً، قال داود بن جعفر عن مالك: إذا سقط منها ولد، مضغة كان أو عظماً، كان فيه الروح إذا علم أنه ولد، قال مالك في ((المجموعة)): ولم يتبين من خلقه عين ولا إصبع ولا غير ذلك، فإذا علم النساء أنه ولد ففيه الغرة، وتنقضي به العدة، وتكون به الأمة أم ولد، اهـ. قال الموفق(٢): فإن أسقطت ما ليس فيه صورة آدمي فلا شيء فيه؛ لأنا لا نعلم أنه جنين، وإن ألقت مضغة فشهدت ثقاتٌ من القوابل أن فيه صورة خفية ففيه غرة (فقضى فيه رسول الله وَطاهر بغرة) بضم الغين المعجمة وشدة الراء بياض في الوجه، عبر به عن الجسد كله إطلاقاً للجزء عن الكل. (١) ((المنتقى)) (٨٠/٧). (٢) «المغني)) (٦٣/١٢). ٥٩٧ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥٠٩) حدیث عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ . أخرجه البخاري في: ٧٦ - كتاب الطب، ٤٦ - باب الكهانة. ومسلم في: ٢٨ - كتاب القسامة. ١١ - باب دية الجنين، حديث ٣٤. قال الحافظ(١): الغرة في الأصل البياض يكون في جبهة الفرس، وقد استعمل للآدمي في حديث الوضوء: ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً))، الحديث، وتطلق الغرة على الشيء النفيس آدمياً كان أو غيره ذكراً كان أو أنثى، وقيل: أطلق على الآدمي غرة؛ لأنه أشرف الحيوان، فإن محل الغرة الوجه، والوجه أشرف الأعضاء، وعن أبي عمرو بن العلاء قال: الغرة عبد أبيض أو أمة بيضاء، قال: فلا يجزئ في دية الجنين سوداء، إذ لو لم يكن في الغرة معنى زائداً لما ذكرها، ويقال: عبد أو أمة، ويقال: إنه انفرد بذلك، وسائر الفقهاء على الإجزاء فيما لو أخرج سوداء، وأجابوا بأن المعنى الزائد كونه نفيساً، فلذلك فسروه بعيد أو أمة؛ لأن الآدمي أشرف الحيوان، اهـ. (عبد أو وليدة) قال صاحب ((المحلى)): بالجر على الصفة أو البدل، ورواه بعضهم بإضافة غرة بالإضافة البيانية، وإذا رفع العبد فهو خبر مبتدأ محذوف، وإذا نصب فهو تمييز أو مفعول به أي أعني عبداً، اهـ. وقال الزرقاني: بجرهما بدل من غرة، و((أو)) للتقسيم لا للشك، ورواه بعضهم بالإضافة البيانية، والأول أقيس وأصوب؛ لأنه حينئذ يكون من إضافة الشيء إلى نفسه، ولا يجوز إلا بتأويل كما ورد قليلاً، اهـ. وقال الموفق(٢): بالإضافة والصفة، والصفة أحسن؛ لأن الغرة اسم للعبد نفسه، اهـ. قال الحافظ(٣): قال الإسماعيلي: قراءة العامة بالإضافة وغيرهم بتنوين (١) «فتح الباري)) (٢٤٩/١٢). (٢) ((المغني)) (٥٩/١٢ -٦٤). (٣) (فتح الباري)) (٢٤٩/١٢). ٥٩٨ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥٠٩) حدیث غرة، وحكى القاضي الخلاف، وقال: التنوين أوجه؛ لأنه بيان للغرة ما هي، وتوجيه الآخر أن الشيء قد يضاف إلى نفسه لكنه نادر. وقال الباجي(١): يحتمل أن تكون أو للشك من الراوي في تلك الواقعة المخصوصة، ويحتمل أن تكون للتنويع وهو الأظهر، وقيل: المرفوع من الحديث قوله: بغرة، وأما قوله: عبد أو أمة، فشك من الراوي في المراد بها ، اهـ. قال الموفق(٢): الغرة عبد أو أمة، هذا قول أكثر أهل العلم، وقال عروة وطاووس ومجاهد: عبد أو أمة أو فرس؛ لأن الغرة اسم لذلك، وقد جاء في حديث أبي هريرة قال: قضى رسول الله 18َّ في الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل، وجعل ابن سيرين مكان الفرس مائة شاة ونحوه، قال الشعبي: لأنه روي في حديث عن النبي ول أنه جعل في ولدها مائة شاة، رواه أبو داود، وروي عن عبد الملك بن مروان أنه قضى في الجنين إذا أملص بعشرين ديناراً، فإذا كان مضغة فأربعين، فإذا كان عظماً فستين، فإذا كان العظم قد كسي لحماً فثمانين، فإن تم خلقه، وكسي شعره فمائة دينار، وقال قتادة: إذا كان علقة، فثلث غرة، وإذا كان مضغة فثلثي غرة. ولنا، قضاء رسول الله 18 في إملاص المرأة بعبد أو أمة، وسنة رسول الله ﴿ قاضية على ما خالفها، وذكر الفرس والبغل في الحديث وهمٌّ، انفرد به عيسى بن يونس عن سائر الرواة، فالظاهر أنه وهم، وهو متروك في البغل بغير خلاف، والحديث الذي ذكرناه أصح ما روي فيه، وهو متفق عليه، وقد قال به أكثر أهل العلم، فلا يلتفت إلى ما خالفه، وقول عبد الملك بن (١) ((المنتقى)) (٨٠/٧). (٢) ((المغني)) (٥٩/١٢ - ٦٤). ٥٩٩ ٤١ - كتاب العقول (٧) باب (١٥٠٩) حديث مروان تحكم بتقدير لم يرد به الشرع، وكذلك قول قتادة، وقول رسول الله وَل أحق بالاتباع من قولهما، اهـ. وقال الحافظ(١): وأشار البيهقي إلى أن ذكر الفرس في المرفوع وهمٌ، وأن ذلك أدرج من بعض رواته على سبيل التفسير للغرة، وذكر أنه في رواية حماد عن عمرو بن دينار عن طاووس بلفظ: فقضى أن في الجنين غرة، قال طاووس: الفرس غرة، وكذا أخرج الإسماعيلي من طريق حماد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: الفرس غرة، وكأنهما رأيا أن الفرس أحق بإطلاق لفظ الغرة عن الآدمي، ونقل ابن المنذر والخطابي عن طاووس ومجاهد وعروة: الغرة عبد أو أمة أو فرس، وتوسع داود ومن تبعه من أهل الظاهر، فقالوا: يجزئ كل ما وقع عليه اسم غرة، اهـ. ثم قال الموفق(٢): وتجب الغرة سالمة من العيوب وإن قل العيب؛ لأنه حيوان وجب بالشرع، فلم يقبل فيه المعيب، كالشاة في الزكاة، ولأن الغرة من الخيار، والمعيب ليس من الخيار، ولا يقبل فيها هرمة ولا ضعيفة ولا خنثى ولا خصي، وإن كثرت قيمته؛ لأن ذلك عيب، ولا يتقدر سنها في ظاهر كلام الخرقي، وهو قول أبي حنيفة، وقال أبو الخطاب وأصحاب الشافعي: لا يقبل فيها من له دون سبع سنين؛ لأنه يحتاج إلى من يكفله وليس من الخيار، وذكر بعض أصحاب الشافعي أنه لا يقبل فيها غلام بلغ خمس عشرة سنة؛ لأنه لا يدخل على النساء، ولا ابنة عشرين، لأنها تتغير، وهذا تحكم لم يرد الشرع به، فيجب أن لا يقبل، والشاب البالغ أكمل من الصبي عقلاً وأقدر على التصرف وأنفع في الخدمة، اهـ. (١) ((فتح الباري)) (٢٤٩/١٢). (٢) («المغني)) (١٢ /٦٥). ٦٠٠