النص المفهرس
صفحات 541-560
٤١ - كتاب العقول (١) باب (١٥٠٥) حدیث لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْعُقُولِ: قال ابن القيم في ((الهدي))(١) في كتبه ول # التي كتبها إلى أهل الإسلام: منها كتابه إلى أهل اليمن، وهو الكتاب الذي رواه أبو بكر بن حزم عن أبيه عن جده، وكذا الحاكم في ((مستدركه))، والنسائي وغيرهما مسنداً، وأبو داود وغيره مرسلاً، وهو كتاب عظيم، فيه أنواع كثيرة من الفقه في الزكاة والديات والأحكام، وذكر الكبائر والطلاق وغير ذلك، قال الإمام أحمد: لا شك أن رسول الله وَلّ كتبه، واحتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات، اهـ. (لعمرو بن حزم) بن لوذان الأنصاري النجاري كان عامل النبي وَّ على نجران (في العقول) وتقدم ذكر هذا الكتاب في باب ((الأمر بالوضوء لمن مس القرآن))، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك))، والبيهقي في الزكاة مفصلاً. قال الزرقاني(٢) في ((شرح الموطأ)): هو كتاب جليل، فيه أنواع كثيرة من الفقه في الزكاة والديات والأحكام، وذكر الكبائر، والطلاق، والعتاق، وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والاحتباء، ومس المصحف وغيره، أخرجه النسائي(٣) وابن حبان موصولاً من طريق الزهري عن أبي بكر بن محمد عن أبيه عن جده: أن رسول الله وَ لل كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقدم به إلى أهل اليمن. وهذه نسخته: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال، والحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، قيل ذي رعين ومعافير وهمدان، أما بعد)) فذكر الحديث بطوله، وفيه ما في ((الموطأ)): ((إن في النفس مائة من الإبل))، الحديث. وهكذا قال الزرقاني في ((شرح المواهب)). (١) ((زاد المعاد)) (١١٤/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٧٥/٤). (٣) ((سنن النسائي)) (٤٨٥٣). ٥٤١ ٤١ - كتاب العقول (١) باب (١٥٠٥) حديث . وقلت: والظاهر عندي أن الذي كتبه رسول الله وَله إلى بني كلال هما كتابان: أحدهما: الذي كتبه لعمرو بن حزم، فقد أخرج الطبراني في ((تاريخه)) برواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر قال: كان رسول الله وَل بعث إلى بني الحارث بن كعب بعد أن ولي وفدهم عمرو بن حزم الأنصارى؛ ليفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتاباً عهد إليه فيه، وأمره فيه بأمره: ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوَفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾(١)، عقد من محمد النبي لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله)) إلى آخر ما ذكر من المكتوب، وفيه: ((لا يَمَسُّ أحدٌ القرآن إلا وهو طاهر))، ويُعَلِّمُ الناس معالم الحج وسنته وفريضته، وينهى الناس أن يصلي أحد في ثوب واحد وغير ذلك. وفيه أيضاً أحكام العشر، والصدقات، والجزية، وليس فيه ذكر الديات، نعم ذكر فيه الديات المحدثون في رواياتهم، فقد أخرج النسائي بسنده إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله وَلل كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت على أهل اليمن هذه نسختها: ((من محمد النبي ◌َّيّ إلى شرحبيل بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والحارث بن عبد كلال قيل ذي رعين ومعافر، وهمدان، أما بعد)) الحديث، فيه القود والديات. وأخرج النسائي(٢) أيضاً برواية سعيد بن عبد العزيز عن الزهري، قال: جاءني أبو بكر بن حزم بكتاب في رقعة من أدم عن رسول الله وَله: ((هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوَفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾، فتلا منها آيات، ثم (١) سورة المائدة: الآية ١. (٢) أخرجه النسائي في: باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول من كتاب القسامة: (المجتبى)) (٥٢/٨). ٥٤٢ ٤١ - كتاب العقول (١) باب (١٥٠٥) حدیث أَنَّ فِي النَّفْسَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ . قال: إن في النفس مائة من الإبل)) الحديث، وذكره الزيلعي بمواضع من ((نصب الراية))(١) مفصلاً ومختصراً، لا سيما في كتاب الزكاة ذكره مفصلاً . والكتاب الثاني: ما أخرجه الطبري أيضاً برواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله وَّ كتابُ ملوكٍ حميرَ مقدمَه من تبوك، ورسولُهم إليه بإسلامهم، إلى أن قال: فكتب إليهم رسول الله وَّر: ((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين، وهمدان ومعافر، أما بعد: ذلكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة)) إلى آخر ما ذكر من هذا المكتوب. وفيه أيضاً ذكر العشر والزكاة، وليس فيه أحكام مس القرآن والصلاة في الثوب الواحد وغيره، وليس فيه أيضاً ذكر الدیات. وقال صاحب ((الخميس)) (٢): قدم على رسول الله مَ له كتابُ ملوك حمير مقدمَه من تبوك سنة تسع، وهم الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين وهمدان ومعافر، ورسولهم إليه ◌ّلقول مالك بن مرة الرهاوي. والقيل: ملك من ملوك حمير دون الملك الأعظم، كما في ((الصحاح)). وفي ((القاموس)): قيئل، كفيعل سُمّي به، لأنه يقول ما شاء، فينفذ إلى أن قال: فلما قدم مالك بن مرة بإسلامهم كتب إليهم: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كلال)) فذكر الكتاب بنحو ما ذكره الطبري جاء (أن في النفس) أي في قتل النفس خطأ (مائة من الإبل). (١) انظر: ((نصب الراية)) (٣٣٩/٢). (٢) (١٣٨/٢). ٥٤٣ ٤١ - كتاب العقول (١) باب (١٥٠٥) حدیث وَفِي الْأَنْفِ، إِذَا أُوعِيَ جَدْعاً، مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ قال الموفق(١): أجمع أهل العلم على أن الإبل أصل في الدية، وأن دية الحر المسلم مائة من الإبل، وقد دلت عليه الأحاديث الواردة، منها حديث عمرو بن حزم، وحديث عبد الله بن عمر في دية خطأ العمد، وحديث ابن مسعود في دية الخطأ . (وفي الأنف إذا أوعي) بضم الهمزة وسكون الواو وكسر المهملة بعدها ياء، أي أخذ كله، ولفظ محمد في ((موطئه)) وفي الأنف إذا أوعيت (جدعاً) بفتح الجيم وإسكان الدال والعين المهملتين أي قطعاً، قال صاحب ((المحلى)): كذا هو في ((الموطأ)) بالتحتية، وفي سائر الأصول أوعب بالوحدة في آخره، وهما بمعنى واحد، وفي اللغة: وعب الشيء وأوعبه: أخذه بأجمعه. قال الزرقاني: وعى واستوعى لغة في الاستيعاب، وهو أخذ الشيء كله، وروي: وفي الأنف إذا أوعبت جدعة، ويروى استوعبت، أي استؤصل بحيث لم يبق منه شيء (مائة من الإبل) على أهلها . قال الموفق(٢): في الأنف الدية، إذا كان قُطِعَ مارنُه بغير خلاف بينهم، حكاه ابن عبد البر وابن المنذر عمن يحفظ من أهل العلم. وفي كتاب عمرو بن حزم: ((وفي الأنف إذا أُوْعِبَ جدعاً الدية))، وفي رواية مالك في ((الموطأ)): ((إذا أُوعِيَ جدعاً))، يعني إذا استوعب واستؤصل، ولأنه عضو فيه جمال ومنفعة، ليس في البدن منه إلا شيء واحد، فكانت فيه الدية كاللسان، اهـ. (وفي المأمومة) وهي الشجّة التي تصل إلى أم الدماغ. وهي الجلدة التي فيها الدماغ، كذا في ((المحلى))، قال الزرقاني(٣): قيل لها: مأمومة؛ لأن فيها (١) («المغني)) (٦/١٢). (٢) ((المغني)) (١١٩/١٢). (٣) (شرح الزرقاني)) (١٧٥/٤). ٥٤٤ ٤١ - كتاب العقول (١) باب (١٥٠٥) حديث ثُلُثُ الدِّيَةِ. وَفِي الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا . . معنى المفعولية في الأصل، وجمعها على لفظها مأمومات. وهي أشد الشجاج، قال ابن السكيت: صاحبها يصعق لصوت الرعد، ولرغاء الإبل، ولا يطيق البروز في الشمس، ويسمى أيضاً آمّة، وجمعها أوام كدابة ودواب. قال الموفق: قال ابن عبد البر: أهل العراق يقولون: لها الآمَّةُ، وأهل الحجاز المأمومةُ، وهي الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ. سُمِّيَت أم الدماغ لأنها تحوطه وتجمعه. وأرشها (ثلث الدية) في قول عامة أهل العلم إلا مكحولاً، فإنه قال: إن كانت عمداً ففيها ثلثا الدية، وإن كانت خطأ ففيها ثلثها، ولنا، قوله وَّ في كتاب عمرو بن حزم: ((في المأمومة ثلث الدية))، وعن ابن عمر عن النبي وَل مثل ذلك، وروي نحوه عن علي، ولأنها شَجّةٌ، فلم يختلف أرشها بالعمد والخطأ في المقدار، كسائر الجراح، كذا في ((المغني))(١). (وفي الجائفة) اسم فاعل من جافته تجوفه إذا وصلت لجوفه، وهي الشجة التي بلغت الجوف (مثلها) أي ثلث الدية، قال الموفق: هذا قول عامة أهل العلم، منهم أهل المدينة وأهل الكوفة وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي إلا مكحولاً، قال فيها: في العمد ثلثا الدية، ولنا، كتاب عمرو بن حزم وعن ابن عمر عن النبي ◌َ ◌ّ مثله. قال الباجي(٢): هذا إذا كانت الجائفة غير نافذة، فإن كانت نافذة ففي (الموازية)) من رواية ابن القاسم وأشهب وغيرهما عن مالك: فيهما(٣) ثلث الدية دية جائفتين، قال ابن القاسم في ((المجموعة)): هو أحبُّ قولي مالك إلي، اهـ. (١) (١٦٤/١٢). (٢) ((المنتقى)) (٦٧/٧). (٣) كذا في الأصل، والظاهر: فيها ثلثا الدية. اهـ. ((ش)). ٥٤٥ ٤١ - كتاب العقول (١) باب (١٥٠٥) حديث وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ. وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ. وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ. وَفِي كُلِّ أُصْبُعِ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِلِ، قال: فإن جرحه في جوفه، فخرج من الجانب الآخر، فهما جائفتان في قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء ومجاهد ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، قال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أنه قال: هي جائفة واحدة، وحكي أيضاً عن أبي حنيفة؛ لأن الجائفة هي التي تنفذ من ظاهر البدن إلى الجوف، وهذه الثانية إنما نفذت من البطن إلى الظهر، ولنا، ما روى سعيد بن المسيب أن رجلاً رمى رجلاً بسهم، فأنفذه، فقضى أبو بكر - رضي الله عنه - بثلثي الدية، ولا مخالف له فيكون إجماعاً، أخرجه سعيد بن منصور في ((سننه))، اهـ. (وفي العين) الواحدة (خمسون) من الإبل، وفي العينين الدية كاملة، قال الموفق: أجمع أهل العلم على أن في العينين إذا أصيبتا خطأ الدية، وفي العين الواحدة نصفها، قال الباجي: يريد نصف الدية؛ لأن الدية مائة، وتجب في العينين واليدين والرجلين جميع الدية، ففي إحداهما نصف الدية، ولا نعلم في ذلك خلافاً، اهـ. (وفي اليد) الواحدة (خمسون) من الإبل، وفي اليدين الدية كاملة، قال الموفق: أجمع أهل العلم على وجوب الدية في اليدين، ووجوب نصفها في إحداهما، وروي عن معاذ بن جبل أن النبي ◌َّ قال: في اليدين الدية، وفي الرجلين الدية، وفي كتاب عمرو بن حزم: ((في اليد خمسون من الإبل)) (وفي الرجل) الواحدة (خمسون) من الإبل، وفي الرجلين الدية كما تقدم في حديث معاذ، قال الموفق: أجمع أهل العلم على أن في الرجلين الدية، وفي إحداهما نصفها، وروي ذلك عن عمر وعليّ. وبه قال مالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، اهـ. (وفي كل أصبع مما هنالك) أي من أصابع اليد أو الرجل (عشر من الإبل) قال الزرقاني: من الإبل متعلق به، وبالثلاثة قبله، على طريق التنازع، ٥٤٦ ٤١ - كتاب العقول (١) باب (١٥٠٥) حديث وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ. وفِي المُوَضِحَةِ خَمْسٌ. ففيه حجة لمجيزه، قال الموفق(١): في كل أصبع من اليدين والرجلين عشر من الإبل، هذا قول عامة أهل العلم، منهم عمر وعليّ وابن عباس، وبه قال الثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفاً، إلا رواية عن عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في الإبهام بثلث غرة، وفي التي تليها باثنتي عشرة، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تليها بتسع، وفي الخنصر بست . وروي عنه أنه لما أخبر بكتاب كتبه النبي ◌ّ ل لآل حزم، وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل أخذ به، وترك قوله الأول، وعن مجاهد: في الإبهام خمس عشرة، وفي التي تليها ثلاث عشرة، وفي التي تليها عشر، وفي التي تليها ثمان، وفي التي تليها سبع. ولنا، ما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((هذه وهذه سواء) يعني الإبهام والخنصر، رواه البخاري وأبو داود. (وفي السن) بكسر السين المهملة وشدِّ النون جمعه أسنان يستعمل مؤنثة (خمس) من الإبل، سواء كانت أضراساً أو ثنايا أو رباعيات، وستأتي المسألة في ترجمة مستقلة. (وفي الموضحة) وهي الشَّجَّةُ التي تُوضِحُ العظم، وتكشفه (خمس) من الإبل، قال صاحب ((المحلى)): في الموضحة خمسٌ إن كان من الرأس أو الوجه اتفاقاً، وإلا ففيها حكومة عدل عند مالك والشافعي، اهـ. قلت: وسيأتي البسط في باب عقل الشجاج قريباً، والحديث أخرجه محمد في ((موطئه))(٢) بمثل ما في رواية يحيى، ثم قال محمد: وبهذا كله نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، اهـ. (١) ((المغني)) (١٤٨/١٢). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٨/٣). ٥٤٧ ٤١ - كتاب العقول (٢) باب (٢) باب العمل في الدية (٢) العمل في الدية يعني كيف يعطى الدية، قال الدسوقي(١): مأخوذ من الودى بوزن الفتى، وهو الهلاك سميت بذلك؛ لأنها مسببة عنه، فسميت باسم سببها على وزن عدة محذوفة الفاء، وهي الواو، وعوض عنها هاء التأنيث، اهـ. قال الباجي: الدية على ثلاثة أنواع: إبل، وذهب، وورق، ثم قال(٢): ولا يدخل فيها غير هذه الأصناف الثلاثة، قال مالك في ((الموازية)): لا يؤخذ فيها بقر ولا غنم ولا حلل، ولا تكون إلا من ثلاثة أشياء، إبل، أو ذهب، أو ورق، وفي ذلك خلاف لأبي يوسف ومحمد بن الحسن في قوليهما: يؤخذ من أهل البقر مائتا بقرة، ومن أهل الغنم ألف شاة، ومن أهل الحلل مائتا حلة يمانية، والدليل على ما نقوله أن عمر - رضي الله عنه - قوّم الإبل على أهل القرى بالذهب والورق، ووافق على ذلك من عاصره من الصحابة، وذلك يقتضي قصر الدية على ذلك، اهـ. قال الدسوقي: استفيد من كلام المصنف ((الدردير)) أن الدية إنما تكون من الإبل والذهب والورق، فلا يؤخذ في الدية عندنا بقر ولا غنم ولا عرض، اهـ. وقال الموفق(٣): أجمع أهل العلم على أن الإبل أصل في الدية، وأن دية الحر المسلم مائة من الإبل، وقد دلت عليه الأحاديث الواردة، منها حديث عمرو بن حزم، وحديث عبد الله بن عمر في دية خطأ العمد، وحديث ابن مسعود في دية الخطأ، وظاهر كلام الخرقي أن الأصل في الدية الإبل لا غيرُ. (١) ((حاشية الدسوقي)) (٢٦٦/٤). (٢) ((المنتقى)) (٦٨/٧). (٣) («المغني)) (٦/١٢). ٥٤٨ ٤١ - كتاب العقول (٢) باب وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول طاووس والشافعي وابن المنذر. وقال القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية الإبل والذهب والورق والبقر والغنم. فهذه خمسة لا يختلف المذهب فيها، وهذا قولُ عمر وعطاء وفقهاء المدينة السبعة، وبه قال الثوري وابنُ أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد، لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر - رضي الله عنه - قام خطيباً فقال: ألا إن الإبل قد غلت، فَقَوَّمَ على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، رواه أبو داود(١). ولنا، قوله ويجر: ((ألا إن في قتيل عمد الخطأ، قتيل السوط والعصا مائة من الإبل))، ولأن النبي ◌َّل﴿ فَرّق بين دية العمد والخطأ، فَغَلَّظَ بعضَها وَخَفَّفَ بعضَها، ولا يتحقق هذا في غير الإبل، وحديث عمرو بن شعيب يدل على أن الأصل الإبل، فإن إيجابه لهذه المذكورات على سبيل التقويم لغلاء الإبل، ولو كانت أصولاً بنفسها لم يكن إيجابها تقويماً للإبل، ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك ولا لذكره معنىً، وقد روي أنه كان يُقَوّمُ الإبل قبل أن تغلو بثمانية آلاف درهم، اهـ مختصراً . وفي ((الهداية))(٢): الدية في الخطأ مائة من الإبل، ومن العين ألف دينار، ومن الورق عشرة آلاف درهم، ولا تثبت الدية إلا من هذه الأنواع الثلاثة عند أبي حنيفة، وقالا: منها ومن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، ومن الخُلل مائتا حُلّةٍ، كلّ حُلّة ثوبان؛ لأن عمر - رضي الله عنه - هكذا جعل على أهل (١) ((سنن أبي داود)) (٤٥٤٢). (٢) (٢ /٤٦٠). ٥٤٩ ٤١ - كتاب العقول (٢) باب (١٥٠٦) حديث ٢/١٥٠٦ - حدّثني مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى. فَجَعَلَهَا عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ. وَعَلَى الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ كل منها، وله أن التقدير إنما يستقيم بشيء معلوم المالية، وهذه الأشياء مجهولة المالية، ولهذا لا يقدر بها ضمان، والتقدير بالإبل عُرِفَ بالآثار المشهورة، عدمناها في غيرها، اهـ. وعلم من ذلك أنهم اختلفوا في أصل الدية على أربعة أقوال: الأول: أن الأصل فيه الإبلُ لا غير، وهو مذهب الشافعي، ورواية لأحمد، وهو مختار الخرقي، والثاني: أن الأصل فيه ثلاثة أشياء: الإبل والذهب والفضة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، والثالث: خمسة أشياء: الثلاثة المذكورة والبقر والغنم، وهو المرجح عند الحنابلة في مذهبهم، حتى قال القاضي: لا يختلف المذهب في ذلك، وحكي ذلك عن الثوري وغيره، الرابع: ستة أشياء: الخمسة المذكورة، والحلل، وهو مذهب صاحبي أبي حنيفة. ٢/١٥٠٦ - (مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (قَوَّمَ) بتشديد الواو (الدية) أي جعل عوض الدية التي هي عبارة عن مائةٍ من الإبل (على أهل القرى) قال الباجي(١): خَصَّ بذلك أهل القرى؛ لأن أهل العمود هم أهلُ إبل، قال مالك: أهل البادية والعمود هم أهل الإبل، وهذا مما لا خلاف فيه، اهـ. (فجعلها) وفي النسخ الهندية بدون الضمير (على أهل الذهب) وسيأتي المراد بأهل الذهب وأهل الورق. (ألف دينار) كذا في النسخ الهندية والمصرية، وهو الصواب، فما في بعض النسخ المصرية، بلفظ ((ألفي دينار)) تحريف من الناسخ (و) جعلها (على أهل الورق) بكسر الواو الفضة (اثني عشر) (١) ((المنتقى)) (٦٨/٧). ٥٥٠ ٤١ - كتاب العقول (٢) باب (١٥٠٦) حدیث أَلْفَ دِرْهَم. كذا في النسخ المصرية، وهو أوجه مما في النسخ الهندية بلفظ: اثنا عشر (ألف درهم) فضة، قال صاحب ((المحلى)): عليه مالك، وهو القول القديم للشافعي، إلا أنه قال: يقدر بتقدير عمر - رضي الله عنه - عند إعواز الإبل، أي فقدانه، وهي الأصل في باب الديات، ثم رجع، وقال: الأصل فيها الإبل، فإذا أعوزت يجب قيمتها بالغة ما بلغت، وتأول أثر عمر - رضي الله عنه - على أن قيمة الإبل كانت قد بلغت في زمانه اثني عشر ألف درهم، اهـ. قال الباجي: فاستقرت على ذلك، أي على تقويم عمر - رضي الله عنه - الدية، لا تغير بتغير أسواق الإبل، وبهذا قال أبو حنيفة في استقرار القيمة، وخالفنا في القدر، وقال الشافعي: إن الإبل تُقَوَّمُ على أهل الذهب والورق، فتكون قيمتها الدیة، اهـ. قال الموفق (١): فإذا قلنا: هي خمسة أصول، فإن قدرها من الذهب ألف مثقال، ومن الورقِ اثنا عشر ألف درهم، ومن البقر والحلل مائتان، ومن الشاة ألفان، ولم يختلف القائلون بهذه الأصول في قدرها من الذهب، ولا من سائرها إلا الورق، فإن الثوري وأبا حنيفة وصاحبيه قالوا: قدرها عشرة آلاف من الورق، وحكي ذلك عن ابن شبرمة؛ لما روى الشعبي أن عمر - رضي الله عنه - جعل على أهل الورق عشرة آلاف، ولأن الدينار معدول في الشرع بعشرة دراهم، بدليل أن نصاب الذهب عشرون مثقالاً، ونصاب الفضة مائتان. وبما ذكرناه قال الحسن وعروة ومالك والشافعي في قول، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس، ولأن الدينار معدول باثني عشر درهماً، بدليل أن عمر - رضي الله عنه - فرض الجزية على الغني أربعة دنانير أو ثمانية وأربعين درهماً، وعلى المتوسط دينارين أو أربعة وعشرين درهماً، وعلى الفقير ديناراً أو اثنا عشر درهماً، وهذا أولى مما ذكروه في نصاب الزكاة. (١) ((المغني)) (٧/١٢). ٥٥١ : ٤١ - كتاب العقول (٢) باب (١٥٠٦) حديث قال ابن عبد البر: ليس مع من جعل الدية عشرة آلاف عن النبي وَسـ حديث مسند ولا مرسل، وحديث الشعبي عن عمر - رضي الله عنه - يخالفه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عنه، اهـ. قلت: وحديث عمرو بن شعيب أخرجه أبو داود(١) بسنده إلى عمرو عن أبيه عن جده أن عمر - رضي الله عنه - قام خطيباً فقال: ألا إن الإبل قد غلت، فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً، وعلى أهل البقر مائتي بقرة؛ وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة. وفي ((المحلى)): قال أبو حنيفة وأصحابه: يجب على أهل الفضة عشرة آلاف درهم، قال محمد في ((الآثار)) (٢): أنا أبو حنيفة عن الهيثم عن عامر الشعبي عن عبيدة السلماني عن عمر قال: على أهل الورقٍ من الدية عشرة آلاف درهم، ثم ساق الحديث بمثل حديث عمرو بن شعيب، قال محمد: وبهذا كله نأخذ، وكان أبو حنيفة يأخذ من ذلك الإبل والدراهم والدنانير، يعني ولم يأخذ بالحلل والبقر والشاء. قال محمد فيما حكى عنه الشافعي في ((الأم)) (٣): ويشهد لكون الدية عشرة آلاف إجماعهم على جعلهم النصاب الورق في الزكاة مائتي درهم، ونصاب الذهب عشرين ديناراً، فجعل الدينار بمنزلة عشرة دراهم، وكذلك قول علي وابن مسعود: لا يقطع اليد في أقل من دينار وعشرة دراهم يدل على ذلك، قال: وقد صدق أهل المدينة في روايتهم أنه فرض الدية اثني عشر ألفاً، فإنه إنما فرضها اثني عشر ألفاً بوزن ستة، اهـ. (١) تقدم تخريجه في (ص٥٤٩). (٢) ((كتاب الآثار)) (ص ١٢٠). (٣) (١١٤/٦، ١١٥). ٥٥٢ ٤١ - كتاب العقول (٢) باب (١٥٠٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: فَأَهَلُ الذَّهَبِ أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ مِصْرَ. وَأَهْلُ الْوَرِقِ أَهْلُ الْعِرَاقِ. وفي ((المغني))(١): وقد روي أنه كان يُقَوِّمُ الإبلَ قبل الغلاء بثمانية آلاف درهم، ولذلك قيل: إن دية الذمي أربعة آلاف درهم، وديته نصف الدية، فكان ذلك أربعة آلاف حين كانت الدية ثمانية آلاف درهم، اهـ. وفي ((الهداية))(٢): من العين ألف دينار، ومن الورق عشرة آلاف درهم، وقال الشافعي: من الورق اثنا عشر ألفاً؛ لما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي وَل﴿ قضى بذلك، ولنا، ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أن النبي ◌َّ﴾ قضى بالدية في قتيل بعشرة آلاف درهم، وتأويل ما روي أنه قضى من دراهم كان وزنها ستة، وقد كانت كذلك، اهـ. (قال مالك: فأهل الذهب أهل الشام وأهل مصر) زاد الزرقاني: وأهل المغرب (وأهل الورق أهل العراق) قال الزرقاني(٣): ومن والاهم، قال الباجي (٤): أما أهل الذهب ففي ((الموازية)) عن مالك: أهل الشام، وأهل مصر، قال ابن حبيب: وكذلك مكة والمدينة، وقال أصبغ في ((العتبية)): هم اليوم أهل ذهب، وقال ابن القاسم: أهل المغرب أهل ذهب، وقال ابن حبيب: أهل الأندلس أهل الورق، فيحتمل أن يجمع بينه وبين قول ابن القاسم، فيكون أهل المغرب أهل ذهب إلا الأندلس، ويحتمل ذلك خلافاً من قوليهما، وأما أهل مكة فقد قال أشهب في ((الموازية)): أهل الحجاز أهل إبل، وأهل مكة منهم، وأهل المدينة أهل ذهب، وروى عنه أصبغ في ((العتبية)»: أهل مكة أهل ذهب. (١) (٧/١٢). (٢) (٤٦١/٢). ((شرح الزرقاني)» (١٧٦/٤). (٣) (٤) ((المنتقى)) (٦٨/٧). ٥٥٣ ٤١ - كتاب العقول (٢) باب (١٥٠٦) حديث وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ أَنَّهُ سَمِعَ؛ أنَّ الدِّيَةَ تُقْطَعُ فِي ثَلَاثِ سِنِينٍ أَوْ أَرْبَعٍ سِنِينَ. وأما أهل الورق، فقد قال مالك: أهل العراق، قال ابن القاسم: وأهل فارس وخراسان، قال القاضي أبو الوليد: وعندي أنه يجب أن ينظر إلى غالب أموال الناس في البلاد، فأيّ بلد غلب على أموال أهلها الذهبُ، فهم أهل ذهب، وأي بلدٍ غلب على أموالهم الورقُ، فهم أهل ورق، وربما انتقلت الأموال، فيجب أن تنتقل الأحكام، وقد أشار إلى ذلك في قوله: في مكة والمدينة اليوم أهل ذهب، اهـ. وقال الدردير(١): دية الخطأ على البادي، وهو خلاف الحاضر مائة من الإبل، وعلى الشامي والمغربي والمصري ألف دينار، وأهل الروم كأهل مصر، وكذا مكة والمدينة، وعلى العراقي والفارسي والخراساني اثنا عشر درهماً، قال الدسوقي: قوله: على البادي، أي على القاتل البادي من أي إقليم كان، فإن لم يكن عند أهل البادية إبل، بل خيل مثلاً كلّفوا بما في حاضرتهم، كما قاله بن، وقيل: يكلفون قيمة الإبل، اهـ. (مالك، أنه سمع) أهل العلم (أن الدية يقطع) بصيغة المضارع المذكر والمؤنث نسختان، وعلى كلتيهما ببناء المجهول من التقطيع أي تنجم (في ثلاث سنين أو أربع سنين) رفقاً بالعاقلة، قال الموفق(٢): لا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافاً بين أهل العلم، ورُوي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس، وبه قال الشعبي والنخعي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وقد حكي عن قوم من الخوارج أنهم قالوا: الدية حالة؛ لأنها بدل متلف، ولم ينقل ذلك إلينا عمن يعد خلافه خلافاً، وتُخَالف الديةُ سائر المُتلَفات؛ لأنها تجب على غير الجاني على سبيل المواساة له، فاقتضت الحكمة تخفيفها عليهم، وقد روي (١) ((الشرح الكبير)) (٢٦٦/٤). (٢) («المغني)) (١٧/١٢). ٥٥٤ ٤١ - كتاب العقول (٢) باب (١٥٠٦) حديث قَالَ مَالِك: وَالثَّلَاثُ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ. عن عمر وعلي أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، ولا مخالف لهما في عصرهما فكان إجماعاً، اهـ. (قال مالك: والثلاث) أي التقطيع في ثلاث سنين (أحبُّ ما سمعت إليّ) متعلق بأحبّ (في ذلك) الأمر متعلق بما سمعت، قال الباجي(١): قوله: إنه سمع إلخ يقتضي أمرين: أحدهما: التأجيل، والثاني: التنجيم على آجال بعضها بعد بعض، فأخبر أنه سمع ذلك في ثلاث سنين أو أربع سنين، ويحتمل ذلك معاني: أحدها: التخيير، والثاني: الشك، والثالث: أن يكون سمع القولين، كل قول من قائل من أهل العلم يراه ويفتي به دون القول الآخر، واختار مالك ثلاث سنين، والأصل فيه ما روي أن عمر بن الخطاب وعلياً - رضي الله عنهما - قضيا بالدية في ثلاث سنين ولم يخالفهما أحد، اهـ. قال الدردير (٢): الدية الكاملة تُنَجَّمُ في ثلاث سنين، يحل كل نجم منهما، وهو الثلث بآخر سنة، أولها من يوم الحكم لا من يوم القتل على المشهور، والثلث كدية الجائفة، والثلثان كجائفتين، أو جائفة مع مأمومة بالنسبة للدية الكاملة، فالثلث في سنة، والثلثان في سنتين، اهـ. وقال الموفق(٣): ويجب في آخر كل حول ثلثها، ويعتبر ابتداء السنة من حين وجوب الدية، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ابتداؤها من حين حكم الحاكم؛ لأنها مدة مختلف فيها، فكان ابتداؤها من حكم الحاكم كمدة العُنَّةِ، ولنا، أنه مال مؤجل فكان ابتداء أجله من حين وجوبه كالدين المؤجل، ولا نسلم الخلاف فيها، فإن الخوارج لا يعتد بخلافهم، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٦٩/٧). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢٨٥/٤). (٣) («المغني)) (١٢/ ١٧). ٥٥٥ ٤١ - كتاب العقول (٢) باب (١٥٠٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرَ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا؛ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْل الْقُرَى، فِي الدِّيَةِ، الْإِبِلُ. وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَمُودِ، الذَّهَبُ وَلَا الْوَرِقُ وَلَا مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ الْوَرِقُ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ، الذَّهَبُ. وفي ((المحلى)): التأجيل بالثلث رواه البيهقي من قضاء عمر وعلي - رضي الله عنهما -، وعزاه الشافعي في ((مختصره)) إلى قضاء النبي ◌َّ، وبه قال أبو حنيفة: إنها تؤخذ في ثلاث سنين من وقت القضاء، وهو قول الشافعي، كذا في ((المنهاج))، فما في ((شرح الوقاية)): إنه يجب عند الشافعي حالاً غلط، اهـ (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا يقبل من أهل القرى)، والبلاد وهم الذين لا يكونون من أهل العمود، وأهل البادية (الإبل في الدية) لأن الواجب على أهل القرى الذهب أو الفضة، فالإبل بخلاف الواجب عليهم (ولا) يؤخذ (من أهل العمود) والبادية (الذهب ولا الورق) لأن الواجب عليهم الإبل خاصة (ولا من أهل الذهب) وهم أهل الشام وغيرهم، كما تقدم في القول السابق (الورق) لأنه خلاف الواجب عليهم (ولا) يقبل (من أهل الورق) وهم أهل العراق وغيرهم (الذهب) وإنما يقبل من كل منهم ما وجب عليه. قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إنه إنما يؤخذ من أهل كل بلد في الدية ما ثبت في حقهم، واختص بهم من أفضل الأموال، وما يكون تعاملهم به، فلا يؤخذ من أهل القرى الإبل، ولا من أهل العمود الذهب والورق، فقصر الإبل عليهم، كما قصر الذهب والورق على أهل القرى، ومنع أن يكون شيء من ذلك على التخيير لجانٍ أو مجني عليه، وإنما هو أمر لازم على هذا الوجه، إلا أن يقع الاتفاق من الفريقين على شيء، فيكون تعاوضاً مستقبلاً، اهـ. وفي ((المحلى)): قال الشافعي: الأصل الإبل وإنما يجب النقد عند (١) ((المنتقى)) (٧ /٧٠). ٥٥٦ ٤١ - كتاب العقول (٣) باب (٣) باب ما جاء في دية العمد إذا قبلت وجناية المجنون فقدانها، سواء في ذلك أهل القرى وغيرهم، وقال أبو حنيفة: الكل سواء في الكل. وقال الموفق(١) بعد ذكر الأصول الخمسة من الإبل والنقدين والبقر والشاء والحلل: وعلى هذا أيُّ شيء أَحْضَرَه مَنْ عليه الديةُ من القاتل أو العاقلة من هذه الأصول، لزم الولي أخذه، ولم يكن له المطالبة بغيره، سواء كان من أهل هذا النوع أو لم يكن؛ لأنها أصول في قضاء الواجب يجزئ واحد منهما، فكانت الخيرة إلى من وجبت عليه كخصال الكفارة. وإن قلنا: الأصل الإبل خاصة، فعليه تسليمها إليه سليمة من العيوب، وأيهما أراد العدول عنها إلى غيرها، فللآخر منعه؛ لأن الحق متعين فيها، فاستحقت كالمثل في المثليات المتلفة، وإن أعوزت الإبل، ولم توجد إلا بأكثر من ثمن المثل، فله العدول إلى ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم، وهذا قول الشافعي القديم، وقال في الجديد: تجب قيمة الإبل بالغة ما بلغت، اهـ. (٣) دية العمد إذا قبلت ببناء المجهول من القبول، أي إذا رضي بها ولي المقتول. وجناية المجنون وسيأتي الكلام عليه في الأثر الثاني. أما دية العمد فإن أهل العلم قالوا: إن القتل على ثلاثة أوجه: عمد، وشبه عمد، وخطأ، قال الموفق(٢): أكثر أهل العلم يرون القتل منقسماً إلى هذه الأقسام الثلاثة، روي ذلك عن عمر وعلي، وبه قال الشعبي والنخعي (١) ((المغني)) (٨/١٢). (٢) ((المغني)) (٤٤٤/١١). ٥٥٧ ٠ ٤١ - كتاب العقول (٣) باب وأهل العراق والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وأنكر مالك شبه العمد، وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ، فأما شبه العمد فلا يعمل به عندنا، وجعله من قسم العمد، وحكي عنه مثل قول الجماعة وهو الصواب، لما روى عبد الله بن عمرو أن رسول الله وَ ل قال: ((ألا إن دية الخطأ شبه العمد - ما كان بالسوط والعصا - مائةٌ من الإبل))، الحديث. رواه أبو داود(١)، وفي لفظ: ((قتيل خطأ العمد))، وهذا نص يقدم على ما ذكره. وقسمه أبو الخطاب أربعة أقسام، فزاد قسماً رابعاً، وهو ما أجري مجرى الخطأ، نحو أن ينقلب النائم على شخص فيقتله، والقتل بالسبب كحفر البئر، وهذه الصور عند الأكثرين من قسم الخطأ، وكذلك قتل غير المكلف يجري مجرى الخطأ، وإن كان عمداً؛ لأنه ليس هو من أهل القصد الصحيح، فسموه خطأ، اهـ بتغير. وخمَّسَ القتل صاحبُ ((الهداية))(٢) إذ قال: القتل على خمسة أوجه: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وما أجري مجرى الخطأ، والقتل بسبب، اهـ. وجعل عامة نقلة المذاهب الثلاثة الأخيرة قتل خطأ . أما قتل العمد، فقد قال ابن رشد (٣): إنهم اتفقوا على أن لولي الدم أحد شيئين: القصاص، أو العفو، إما على الدية، وإما على غير الدية، واختلفوا هل الانتقال من القصاص إلى العفو على أخذ الدية، هو حقٌّ واجبٌ لولي الدم دون أن يكون في ذلك خيارٌ للمقتصِّ منه، أم لا تثبت الدية إلا بتراضي الفريقين أعني الولي والقاتل؟ فقال مالك: لا يجب للولي إلا أن يقتصَّ أو (١) ((سنن أبي داود)) (٤٥٤٧). (٢) (٤٤٢/٢). (٣) ((بداية المجتهد)) (٤٠١/٢). ٥٥٨ ٤١ - كتاب العقول (٣) باب يعفو عن غير دية إلا أن يرضى المقتصُّ منه بإعطاء الدية القاتل، وهي رواية ابن القاسم عنه، وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وجماعة، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود وأكثر فقهاء المدينة من أصحاب مالك وغيره: ولي الدم بالخيار، إن شاء اقتصّ، وإن شاء أخذ الدية، رضي القاتل أو لم يرض، وروى ذلك أشهب عن مالك إلا أن المشهور عنه الرواية الأولى، اهـ. كما سيأتي في ((باب ما يوجب العقل على الرجل في خاصة ماله)). ثم قال الموفق(١): أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة، وهذا قضية الأصل، وهو أن بدل المتلفات يجب على المتلف، وإنما خولف هذا الأصل في قتل المعذور فيه، لكثرة الواجب وعجز الجاني في الغالب عن تحمله مع وجوب الكفارة عليه، وقيام عذره تخفيفاً عنه ورفقاً به، والعامد لا عذر له، فلا يستحق التخفيف، ولا يوجد فيه المعنى المقتضي للمواساة في الخطأ، إذا ثبت هذا، فإنها تجب حَالَّةً، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: تجب في ثلاث سنين؛ لأنها دية آدمي، فكانت مؤجلة كشبه العمد، ولنا، أن ما وجب بالعمد المحض كان حالًّا کالقصاص، اهـ. وفي ((الهداية))(٢): كل عمد سقط القصاص فيه بشبهة، فالدية في مال القاتل؛ وكل أرش وجب بالصلح، فهو في مال القاتل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تعقل العواقل عمداً))، الحديث، وهذا عمد غير أن الأول يجب في ثلاث سنين؛ لأنه مال وجب بالقتل ابتداء، فأشبه شبه العمد، والثاني يجب حالاً؛ لأنه مال وجب بالعقد، فأشبه الثمن في البيع، اهـ. (١) («المغني)) (١٣/١٢). (٢) (٤٧٠/٢). ٥٥٩ ٤١ - كتاب العقول (٣) باب ثم قال الموفق(١): واختلفت الرواية في مقدارها، فروى جماعةٌ عن أحمد أنها أرباع، خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهو قول الزهري وربيعة ومالك وأبي حنيفة، وروي ذلك عن ابن مسعود، وروى جماعة عن أحمد أنها ثلاثون حقة وثلاثون جذعة، وأربعون خَلِفَة في بطونها أولادها، وبهذا قال عطاء ومحمد بن الحسن والشافعي، وروي ذلك عن زيد وأبي موسى والمغيرة. ثم قال: والقول في أسنان شبه العمد، كالقول في دية العمد، سواء في اختلاف الروايتين فيها، واختلاف العلماء فيها، إلا أنها تخالف دية العمد في أنها تجب على العاقلة في ظاهر المذهب، وبه قال الشعبي والنخعي والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال ابن سيرين والزهري وابن شبرمة وأبو ثور: هي على القاتل في ماله، واختاره أبو بكر؛ لأنها موجب فعلٍ قَصَدَه، فلم تحمله العاقلة كالعمد المحض، ولأنها دية مغلظةٌ، فأشبهت دية العمد، وهكذا يجب أن يكون مذهب مالك؛ لأن شبه العمد عنده من باب العمد. ولنا، ما روى أبو هريرة: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، فقضى رسول الله وَ ﴿ل بدية المرأة على عاقلتها))، متفق عليه، ولا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافاً بين أهل العلم، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وقد حكي عن قوم من الخوارج أنهم قالوا: الدية حالَّةٌ؛ لأنها بدل متلف، ولم ينقل إلينا ذلك عمن يُعَدُّ خلافُه خلافاً، اهـ. وسيأتي شيء من ذلك في أول دية الخطأ. (١) («المغني)) (١٢ /١٤). ٥٦٠