النص المفهرس

صفحات 501-520

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
شتى))، ينفي توارثهما، ويَخُصُّ عموم الكتاب، ولم نسمع عن أحمد تصريحاً بذكر
أقسام الملل.
وقال القاضي أبو يعلى: الكفر ثلاث ملل: اليهودية، والنصرانية، ودين
من عداهم، يجمعهم أنهم لا كتاب لهم، وهو قول شريح، وعطاء، وعمر بن
عبد العزيز، والثوري، والليث، وغيرهم، وروي ذلك عن مالك، وروي عن
النخعي، والثوري القولان معاً، ويحتمل كلام أحمد - رحمه الله - أن يكون
الكفر مللاً كثيرة، فتكون المجوسية ملة، وعبادة الأوثان ملة أخرى، وعبادة
الشمس ملة، فلا يرث بعضهم بعضاً، روي ذلك عن علي، وبه قال الزهري
وربيعة، وطائفة من أهل المدينة، وأهل البصرة، وإسحق، وهو أصح الأقوال
إن شاء الله، انتهى مختصراً، وبسط الموفق الدلائل على ما اختاره من كون
الكفر مللاً شتی.
وقال ابن رشد(١): أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم؛
لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾(٢)، ولما ثبت من
قوله ويالقر: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم))، واختلفوا في ميراث
المسلم الكافر، وفي ميراث المرتد، فذهب جمهور العلماء من الصحابة
والتابعين وفقهاء الأمصار إلى أنه لا يرث المسلم الكافر بهذا الأثر الثابت،
وذهب معاذ بن جبل ومعاوية من الصحابة، وابن المسيب ومسروق من
التابعين، وجماعة إلى أن المسلم يرث الكافر، وشَبَّهُوا ذلك بنسائهم، فقالوا:
كما يجوز لنا أن نَنْكح نساءهم، ولا يجوز لنا أن نُنْكِحَهم نساءنا كذلك الإرث.
ورووا في ذلك حديثاً مسنداً، قال أبو عمر: وليس بالقويّ عند الجمهور.
ثم قال: وأجمعوا على توريث أهل الملة الواحدة بعضهم بعضاً،
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٥٢/٢).
(٢) سورة النساء: الآية ١٤١.
٥٠١

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٤٩٨) حديث
١٠/١٤٩٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّان،
واختلفوا في توريث الملل المختلفة، فذهب مالك وجماعة إلى أن أهل الملل
المختلفة لا يتوارثون، كاليهود والنصارى، وبه قال أحمد، وجماعة، وقال
الشافعي، وأبو حنيفة، وأبو ثور، والثوري، وداود، وغيرهم: الكفار كلهم
يتوارثون، وكان شريح، وابن أبي ليلى، وجماعة يجعلون الملل التي لا
يتوارثون ثلاثاً النصارى واليهود والصائبين ملة، والمجوس ومن لا كتاب له
ملة، والإسلام ملة، ورُوي عن ابن أبي ليلى مثل قول مالك، وعمدة مالك
ومن قال بقوله حديث عمرو بن شعيب مرفوعاً: ((لا يتوراث أهل ملتين)).
وعمدة الشافعية والحنفية قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يرث المسلم
الكافر، ولا الكافر المسلم»، وذلك أن المفهوم من هذا بدليل الخطاب أن
المسلم يرث المسلم، والكافر يرث الكافر، والقول بدليل الخطاب فيه ضعف،
وخاصة ههنا، انتهى.
وقال الدردير(١): لا يرث مخالف في دين كمسلم مع مرتد أو غيره من
يهودي أو نصراني أو مجوسي، وكيهوديٌّ مع نصرانيٍّ فلا توراث بينهما، إذ كل
ملة مستقلة، وسواهما كله ملة، فيقع التوراث بين مجوسي وعابد وثنٍ، قال
الدسوقي: قوله: وما سواهما كله ملة واحدة، وقيل: إن ما سواهما ملل
أيضاً، والقولان مرجحان. الأول رواية المدنيين، وصَوَّبه ابنُ يونس، والثاني
هو ظاهر ((المدونة)) و((الأمهات))، واعتمده ابن مرزوق، انظر ((بن))، وذكر في
المج أن القول الثاني هو المشهور، انتهى.
١٠/١٤٩٨ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري محمد بن مسلم (عن علي بن
حسين بن علي) بن أبي طالب - رضي الله عنه - المعروف بزين العابدين (عن
عمر بن عثمان بن عفان) كذا في النسخ المصرية، وهو الصحيح في ((الموطأ))،
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٨٦/٤).
٥٠٢

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٤٩٨) حديث
فما في النسخ الهندية من لفظ عمرو غلطٌ من الناسخ. قال الزرقاني: كذا قال
مالك: عمر بضم العين، وجميع أصحاب ابن شهاب يقولون: عمرو بفتح
العين، ولابن القاسم عمرو بفتح العين، وليحيى بن بكير عن مالك بالشك
عمر أو عمرو.
والثابت عن مالك عمر بضمها، كما رواه يحيى والأكثر، وذكر ابن مهدي
أن مالكاً قال له: تراني لا أعرف عمر من عمرو، هذا دار عمر، وهذا دار
عمرو .
ولا خلاف أن عثمان - رضي الله عنه - له ابنان عمر، وعمرو، وإنما
الخلاف في هذا الحديث، فأصحاب الزهري يقولون: عمرو إلا مالكاً، فقال:
عمر، وراجعه الشافعي ويحيى القطان فقال: هو عمر، وأبى أن يرجع، ومالك
- رضي الله عنه - لا يكاد يقاس به غيره حفظاً وإتقاناً، لكن الغلط لا يسلم منه
أحد، والجماعة أولى أن يسلم لها، وأبى المحدثون أن يكون إلا عمرو
بالواو، قال ابن المديني: قيل لابن عيينة: مالك: يقول: عمر، فقال: لقد
سمعته من الزهري كذا. وكذا مرة، وتفقدته منه، فما قال: إلا عمرو، وقال
أحمد بن زهير: خالف مالك الناس، قاله ابن عبد البر.
وكذا حكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه، وروي عن معن بن
عيسى، قلت لمالك: الناس يقولون: إنك تخطئ في أسامي الرجال، تقول:
عبد الله الصنابحي، وإنما هو أبو عبد الله، وتقول: عمر بن عثمان، وإنما هو
عمرو، وتقول: عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية، فقال مالك: هكذا حفظنا .
وهكذا وقع في كتابي، ونحن نخطئ، ومن يسلم من الخطأ، قاله الزرقاني(١).
والحديث أخرجه محمد في ((موطئه))(٢) مثل رواية يحيى بلفظ عمر،
(١) ((شرح الزرقاني)) (١١٩/٣) وانظر ((الاستذكار)) (٤٨٩/١٥).
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (١٣٦/٣).
٥٠٣

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٤٩٨) حديث
معدولاً، وأخرجه البخاري في ((الصحيح)) برواية ابن جريج عن الزهري بلفظ
عمرو.
قال الحافظ (١) اتفق الرواة عن الزهري أن عمرو بن عثمان بفتح أوله
وسكون الميم، إلا أن مالكاً وحده قال: عمر بضم أوله وفتح الميم، وشَذَّتْ
روايات عن غير مالك على وفقه، وروايات عن مالك على وفق الجمهور، وقد
بين ذلك ابن عبد البر وغيره، ولم يخرج البخاري رواية مالك، وقد عَدَّ ذلك
ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) له في أمثلة المنكر، وفيه نظر. أوضحه شيخنا
في ((النكت))، وزدتُ عليه في ((الإفصاح))، انتهى.
وذكر الحافظ في ((تهذيبه))(٢): عمر بن عثمان، ورقم عليه للنسائي،
وقال: عمر بن عثمان بن عفان المدني، عن أسامة بن زيد بحديث ((لا يرث
المسلم الكافر))، قاله مالك عن الزهري، عن علي بن الحسين عنه، وقال عامة
الرواة: عن علي عن عمرو بن عثمان، وهو المحفوظ، وقد قيل: عن مالك
عمرو بن عثمان، وقال النسائي: الصواب من حديث مالك عمر، ولا نعلم
أحداً تابع مالكاً على قوله: عمر، وقال البخاري: قال إبراهيم بن عمر بن
أبان بن عثمان بن عفان عن أبيه عن عمر بن عثمان بن عفان عن أبيه في فضل
عثمان، قال البخاري: في إسناده شيء، وكذا ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وحاصله: أن لعمر بن عثمان وجوداً في الجملة، كما قال ابن عبد البر:
إن أهل النسب لا يختلفون أن لعثمان ابناً يسمى عمر، وآخر يسمى عمراً، وقد
ذكر ابن سعد عمر بن عثمان، وقال: كان قليل الحديث، وذكر عمرو بن
عثمان، وقال: كان ثقة، وله أحاديث، وذكر الزبير بن بكّار أن عثمان لما مات،
(١) ((فتح الباري)) (٥١/١٢).
(٢) (٤٨١/٨).
٥٠٤

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٤٩٨) حديث
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ قَالَ: ((لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ
الْكَافِرَ)).
أخرجه مسلم في: ٣ - كتاب الفرائض، حديث ١.
ورثه بنوه عمرو، وأبان، وعمر، وخالد، والوليد، وسعيد، وبناته، وزوجتاه، لكن
لا يدل ذلك على أنه روى هذا الحديث عن أسامة، انتهى.
وذكره في ((تقريبه)) ولم يرقم عليه بشيء، ولا ذكر حاله، بل قال: عمر بن
عثمان بن عفان في حديث أسامة صوابه عمرو، وتفرد مالك بقوله: عمر، انتهى.
ثم ذكر عمراً، ورقم عليه للستة وقال: عمرو بن عثمان بن عفان أبو
عثمان ثقة من الثالثة، وكذا رقم عليه للستة في (تهذيبه)) (١) وقال: ذكره ابن سعد
في الطبقة الأولى، وقال: كان ثقة، وله أحاديث، وقال العجلي: مدني ثقة من
كبار التابعين. وقال الزبير بن بكّار: كان أكبر ولد عثمان الذين أعقبوا، وذكر
الزبير أن معاوية زوجه لما ولي الخلافة ابنته رملة.
(عن أسامة بن زيد) حِبِّ رسول الله وَّه وابن حبه - رضي الله عنه - (أن
رسول الله ( * قال: لا يرث المسلم الكافر) ولا الكافر المسلم، هكذا بقية
الحديث عند جميع أصحاب ابن شهاب، فاختصره مالك، كأنه قصد إلى النكتة
التي للقول فيها مدخل، فقطع ذلك بما رواه من صحيح الأثر فيه، وذلك أن
معاذاً وغيره ذهبوا إلى أن المسلم يرث الكافر لا عكسه. كما ننكح نساءهم،
ولا ينكحون نساءنا، وأما أن الكافر لا يرث المسلم فلا دخل للقول فيه
للإجماع عليه، قاله ابن عبد البر، ومعلوم أن القياس مع وجود النص فاسد
الاعتبار، قاله الزرقاني(٢).
قلت: والأوجه عندي أن المصنف - رضي الله عنه - اختصر الحديث،
(١) (٧٨/٨).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١١٩/٣).
٥٠٥

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٤٩٩) حدیث
١١/١٤٩٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: إِنَّمَا وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ
لأن ذلك الجزء كان مختلفاً فيه بين الصحابة، فإذا بان أن المسلم لا يرث
الكافر فعكسه أولى وأوضح، والحديث أخرجه البخاري في ((صحيحه)) بكلتا
الجملتين .
قال الحافظ(١): واستدل بقوله: لا يرث الكافر المسلم، على جواز
تخصيص عموم الكتاب بالآحاد؛ لأن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِىّ
أَوْلَدِ كٌّ﴾(٢) عام في الأولاد، فخص منه الولد الكافر، فلا يرث المسلم
بالحديث المذكور، وأجيب بأن المنع حصل بالإجماع، وخبر الواحد إذا حصل
الإجماع على وفقه كان التخصيص بالإجماع، لا بالخبر فقط. قال الحافظ:
لكن يحتاج من احتجّ في الشق الثاني به إلى جواب، وقد قال بعض الحذاق:
طريق العام ههنا قعطيٍّ، ودلالته على كل فرد ظنية، وطريق الخاص ههنا ظنية،
ودلالته عليه قطعية، فيتعادلان، ثم يترجح الخاص بأن العمل به يستلزم الجمع
بین الدلیلین المذکورین، بخلاف عکسه، انتهى.
١١/١٤٩٩ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن علي) المعروف بزين
العابدين (بن حسين بن علي بن أبي طالب أنه) أي علياً (أخبره) أي الزهري
(إنما ورث) بكسر الراء المهملة (أبا طالب) مفعول ورث، وهو عم
رسول الله وَلقر، قيل: اسمه عبد مناف، وقيل: اسمه وكنيته واحد. قال
الزرقاني: شَذَّ من قال: اسمه عمران. بل هو قول باطل، انتهى.
كفل رسولَ الله وَ ل﴿ بعد موت أبيه عبد المطلب من السنة الثامنة من
ولادته * على المشهور إلى موته في السنة العاشرة من النبوة، قال صاحب
(١) ((فتح الباري)) (١٢/ ٥٢).
(٢) سورة النساء: الآية ١١.
٥٠٦

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٤٩٩) حديث
عَقِيلٌ وَطَالِبٌ. وَلَمْ يَرِثُهُ عَلِيٍّ .
((الخميس)): في السنة العاشرة من النبوة أول ذي القعدة، وقيل: للنصف من
شوال السنة الثامنة، كذا في ((الاستيعاب))، مات أبو طالب بعد ما خرج من
الحصار بالشعب بثمانية أشهر، وأحد وعشرين يوماً، كذا في ((سيرة اليعمري)).
وفي ((حياة الحيوان)): مات أبو طالب، وكان النبي وَلّ ابن تسع وأربعين
سنة وثمانية أشهر، وأحد عشر يوماً. وأبو طالب ابن بضع وثمانين سنة، وفي
((المواهب))(١): ابن سبع وثمانين سنة، ومات كافراً على الراجح، كما سيأتي.
(عقيل) بفتح العين وكسر القاف، صحابي، تأخّر إسلامه إلى الفتح،
وقيل: أسلم بعد الحديبية، وهاجر في أول سنة ثمان (وطالب) أكبر بنيه الذي
يكنى به أبو طالب، مات طالب كافراً قبل بدر. وقال الحافظ في ((الفتح)): فقد
طالب ببدر، قلت: وإنما ورث عقيل وطالب أباهما أبا طالب؛ لأنهما كافرين
حينئذٍ وإن أسلم عقيل بعد ذلك.
وقال الباجي(٢): تقدم إسلام علي وجعفر قبل موت أبي طالب، وبقي
طالب وعقيل على ملتهما، فانفردا بميراثه، وإنما أسلما بعد موته عام الفتح،
انتهى. وهذا يدل على إسلام طالب، لكن الحافظ لم يذكره في ((الإصابة)) في
القسم الرابع أيضاً، وهذا القسم يذكر فيه من عدّ صحابياً غلطاً ووهماً، قال
العيني: وطالب أسن من عقيل، وهو من جعفر، وهو من علي - رضي الله
عنه -، والتفاوت بين كل واحد والآخر عشر سنين، وهو من النوادر، انتهى.
(ولم يرثه علي) بن أبي طالب ولا أخوه جعفر الطيّار ذو الجناحين؛ لأنهما
كانا مسلمين عند موت أبي طالب، قال الزرقاني (٣): وجاء التعليل بذلك في
(١) ((المواهب اللدنية)) (٢٦٢/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٥٠/٦).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٢٠/٣).
٥٠٧

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٤٩٩) حديث
بعض طرق الحديث عند البخاري. والحديث الذي أشار إليه الزرقاني هو ما
أخرجه البخاري(١) من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان
عن أسامة بن زيد أنه قال: (يا رسول الله أين تنزل في دارك بمكة؟ فقال: وهل
ترك عقيل من رباع أو دور؟ وكان عقيل ورث أبا طالب، هو وطالب ولم يرثه
جعفر، ولا علي - رضي الله عنهما - شيئاً؛ لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل
وطالب كافرين))، الحديث.
وهذا الحديث يدل على موت أبي طالب كافراً، وأوضح منه ما في جنائز
أبي داود، وترجم عليه المصنف ((باب الرجل يموت له قرابة مشرك))(٢)، عن
علي - رضي الله عنه - قال: قلت للنبي وَّر: إن عمك الشيخ الضالّ قد مات،
الحدیث .
وأخرج البخاري عن العباس بن عبد المطلب، قال للنبي وَّر: ما أغنيت
عن عمك، فوالله كان يحوطك، ويغضب لك، قال: ((هو في ضحضاح من
نارٍ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)).
قال الحافظ(٣): وفي سؤال العباس عن حال أبي طالب ما يدل على
ضعف ما أخرجه ابن إسحاق من حديث ابن عباس بسند فيه من لم يسم: ((أن
أبا طالب لما تقارب منه الموت، بعد أن عرض عليه النبي وَ لقول أن يقول: لا إله
إلا الله، فأبى، قال: فنظر العباس إليه، وهو يُحَرِّك شفتيه، فأصغى إليه، فقال:
يا ابن أخي! والله، قال: أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها)»، وهذا الحديث لو
كان طريقه صحيحاً لعارضه هذا الحديث الذي هو أصح منه، فضلاً عن أنه لا
يصح.
(١) أخرجه البخاري في الحج، باب توريث دور مكة (الحديث ١٥٨٨).
(٢) سنن أبي داود (٢/ ١٦٤).
(٣) ((فتح الباري)) (٧/ ١٩٤).
٥٠٨

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٤٩٩) حدیث
قَالَ: فَلِذْلِكَ تَرَكْنَا نَصِيبَنَا مِنَ الشِّعْبِ.
وروى أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن الجارود من حديث علي
- رضي الله عنه - قال: لما مات أبو طالب قلت: يا رسول الله إن عمك الشيخ
الضالّ قد مات قال: ((اذهب، فواره))، قلت: إنه مات مشركاً، فقال: ((اذهب،
فوارِه)). الحديث، ووقفت على جزء جمعه بعضُ أهل الروافض، أكثر فيه عن
الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، ولا يثبت من ذلك شيء، وبالله
التوفيق، وقد لخصت ذلك في ترجمة أبي طالب من كتاب ((الأصابة))(١)،
انتھی .
(قال) زين العابدين (علي) بن الحسين: (فلذلك) أي لأن المسلم لا يرث
الكافر (تركنا نصيبنا) أي حصة جدِّهم علي - رضي الله عنه - من أبيه أبي طالب
(من الشِعب) بكسر وإسكان، على ما ضبطه الزرقاني، قال صاحب ((المحلى)):
أي من البيوت التي في الشعب، وهو بمكة مشهور، قال الزرقاني(٢): كان
منزل بني هاشم غير مساكنهم، كان لهاشم، ثم صار لابنه عبد المطلب، فقسمه
عبد المطلب بین بنيه حين ضعف بصره، انتهى.
وفي ((معجم البلدان))(٣): قال ابن شميل: الشعب بالكسر مسيل الماء في
بطن الأرض، له جرفان مشرفان، وأرضه بطحة، وقال الجوهري: الشِعب،
والشُّعب بالكسر، والضم، الطريق في الجبل، والجمع الشعاب. وقال أبو
منصور: ما انفرج بين جبلين، فهو شعب، وشعب أبي يوسف هو الشعب الذي
أوى إليه رسول الله صل﴿ وبنو هاشم، لما تحالفت قريش على بني هاشم، وكتبوا
الصحيفة وكان لعبد المطلب، فقسم بين بنيه حين ضعف بصره، وهو كان منزل
بني هاشم ومساكنهم، انتھی.
(١) (١١٣/٧/٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٢٠/٣).
(٣) (٣٤٧/٣).
٥٠٩

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٥٠٠) حدیث
١٢/١٥٠٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ
وقال العيني(١): لما كان أبو طالب أكبر ولد عبد المطلب احتوى على
أملاكه، وحازها وحده على عادة الجاهلية من تقديم الأسن، وقال الحافظ(٢)
تحت حديث أسامة المذكور: قوله: وهل ترك عقيل من رباع أو دور؟، الرباع
جمع ربع، وهو المنزل المشتمل على أبيات، وقيل: هو الدار، فعلى هذا
قوله: ((أو دور)) إما للتأكيد أو من شك الراوي، وأخرج هذا الحديث الفاكهي،
وقال في آخره: ويقال: إن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم بن عبد مناف،
ثم صارت لعبد المطلب ابنه، فقسمها بين ولده، حين عمر، فمن ثم صار
للنبي وَّ حق أبيه عبد الله، وفيها وُلِد النبي ◌َّ.
وقوله: كان عقيل ورث أبا طالب، محصل هذا أن النبي 18َّ لما هاجر
استولى عقيل وطالب على الدار كلها، باعتبار ما ورثاه من أبيهما، لكونهما
كانا لم يسلما، وباعتبار ترك النبي ◌َو لحقه منها بالهجرة، وفقد طالب ببدر،
فباع عقيل الدار كلها، وحكى الفاكهي أن الدار لم تزل بأولاد عقيل إلى أن
باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار، وزاد في رواية، فكان
علي بن الحسين يقول: من أجل ذلك تركنا نصيبنا من الشعب، أي حصة
جدهم علي رضي الله عنه من أبيه أبي طالب، انتهى.
١٥٠٠/ ١٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بني سار أن محمد بن
الأشعث) بن قيس الكندي أبو القاسم الكوفي مقبول من الثانية، ووهم من ذكره
في الصحابة مات سنة سبع وستين، كذا في ((التقريب))، وفي ((الإصابة)): قتل
سنة سبع وستين بالكوفة أيام المختار، وذكر الزبير بن بكار لما غزا مصعب بن
(١) ((عمدة القاري)) (١٤٧/٧).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٤٥٢/٣).
٥١٠

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٥٠٠) حديث
أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَمَّةً لَهُ يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَةً تُوُفِيَتْ.
الزبير المختار، بعث على مقدمته محمد بن الأشعث، وعبيد الله بن علي بن
أبي طالب، فقتلا، انتهى.
وقال الزرقاني: ثقة من كبار التابعين. قلت: وذكره الحافظ في القسم
الرابع من ((الإصابة))(١)، وقال: ذكر ابن منده أنه ولد في عهد النبي ◌َّ، وقال
أبو نعيم: لا يصح له صحبة، قلت: ولا رؤية؛ لأن أمه أم فروة أخت أبي بكر
الصديق - رضي الله عنه - تزوجها أبوه الأشعث في خلافة أبي بكر - رضي الله
عنه -، لما قدم بعد أن ارتدّ، وأُتِيَ به من اليمن إلى المدينة أسيراً، فمَنَّ عليه
أبو بكر، وزوجه أخته في قصة مشهورة، وكان شبهة ابن منده ما رواه مالك
عن يحيى بن سعيد، فذكر هذا الحديث، ثم قال: فإن قضية من يتأهل أن
يسأل عمر - رضي الله عنه - إدراكه العصر النبوي، ولكن الحفاظ حكموا على
هذه الرواية بالوهم، وقد رواها حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد، فلم يذكر
فيها أن محمد بن الأشعث سأل.
وفيها أيضاً وهمٌّ من جهة أن عمة محمد تكون أخت أبيه الأشعث،
ووارثها، لو كانت مسلمة، إنما هو أبوه الأشعث، وقد كان موجوداً إذ ذاك،
وإنما مات في خلافة معاوية، والصواب ما رواه داود بن أبي هند عن الشعبي
عن مسروق أن الأشعث بن قيس قدم المدينة وافداً على عمر، وقد ماتت
عمته، وكانت غير مسلمة، فقال له عمر - رضي الله عنه - لا يتوارث أهل
ملتين، قال ابن عساكر: حديث مالك وهم، ومحمد إنما وُلِدَ بعد أبي بكر
- رضي الله عنه -، أو في خلافته، انتهى. قلت: وحديث داود بن أبي هند
أخرجه الدارمي كما سيأتي قريباً.
(أخبره) أي أخبر محمد سليمان (أن عمةً له يهوديةً أو نصرانية توفيت)
(١) (١٨٩/٦).
٥١١

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٥٠٠) حدیث
وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ ذَكَرَ ذلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَقَالَ لَهُ: مَنْ
يَرِثُهَا؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا .
هكذا بالشك، رواه البيهقي(١) برواية ابن بكير، عن مالك، وأخرج الدارمي
برواية يزيد بن هارون عن يحيى أن سليمان بن يسار أخبره عن محمد بن
الأشعث أن عمة له توفيت يهودية باليمن، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب، فقال:
يرثها أقرب الناس إليها من أهل دينها، وأخرج البيهقي بسنده إلى طارق بن
شهاب قال: توفيت عمة للأشعث، وهي يهودية، فأتى عمر - رضي الله عنه -،
فأبى أن يورثه، وقال: يرثها أهل دينها، وهكذا أخرجه الدارمي (٢).
وأخرج أيضاً برواية يزيد بن هارون عن داود بن أبي هند عن عامر
أن المغيرة بنت الحارث توفيت باليمن، وهي يهودية، فركب الأشعث بن
قيس، وكانت عمته إلى عمر - رضي الله عنه - في ميراثها، فقال عمر
- رضي الله عنه -: ليس ذلك لك، يرثها أقرب الناس منها من أهل دينها،
لا يتوارث ملتان.
(وأن محمد بن الأشعث ذكر ذلك لعمر بن الخطاب، وقال له) أي لعمر:
(من يرثها، فقال له عمر: يرثها أهل دينها) قال الزرقاني(٣): وكذا رواه ابن جرير
عن الغرس بن قيس، عن عمر - رضي الله عنه - خلاف ما رواه الثوري عن
حماد عن إبراهيم أن عمر - رضي الله عنه - قال: أهل الشرك نرثهم، ولا
يرثونا، قاله ابن عبد البر(٤)، فلعل عمر - رضي الله عنه - رجع عن هذا إلى ما
قبله، انتهى.
(١) ((السنن الكبرى)) (٢١٨/٦).
(٢) ((سنن الدارمي)) (٢٨٥/٢).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٢٠/٣).
(٤) انظر: ((الاستذكار)) (٤٩١/١٥).
٥١٢

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٥٠٠) حديث
ثُمَّ أَتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذُلِكَ.
قلت: ما حكى الزرقاني عن ابن عبد البر عن رواية الثوري مخالف لما
عندنا من رواية الثوري، فقد أخرجها الدارمي عن محمد بن يوسف نا سفيان
عن حماد عن إبراهيم قال: قال عمر بن الخطاب: أهل الشرك لا نرثهم، ولا
يرثونا، هكذا في الدارمي(١) بزيادة ((لا)) في قوله: لا نرثهم.
وهكذا أخرجه محمد في ((كتاب الآثار))(٢): نا أبو حنيفة عن حماد عن
إبراهيم عن عمر بن الخطاب أنه قال: المشركون بعضهم أولى ببعض، لا
نرثهم، ولا يرثونا، قال محمد: وبه نأخذ، الكفر ملة واحدة، يتوارثون عليها،
ولا يرثهم المسلمون، ولا يرثونهم، وهو قول أبي حنيفة، انتهى.
وأخرج الدرامي بسنده إلى عامر عن عمر - رضي الله عنه - قال: لا
يتوارث أهل ملتين، وبسند آخر إلى الشعبي أن رسول الله وَ ل﴿ وأبا بكر وعمر
- رضي الله عنهما - قالوا: لا يتوارث أهل دينين، وبسند آخر إلى أنس بن
سيرين قال: قال عمر - رضي الله عنه -: لا يتوارث ملتان شتَّى.
قلت: وهو معروف عن عمر - رضي الله عنه - فلعله ترك ((لا)) من نسخة
ابن عبد البر في رواية الثوري، اللّهم إلا أن يقال: إن نقلة المذاهب ذكروا
عمر - رضي الله عنه - أيضاً في موافقي معاوية، وإن لم يكن معروفاً عنه، فقد
تقدم في كلام الموفق في الذين ورثوا المسلم من الكافر، ولم يورثوا الكافر
من المسلم ذكر عمر - رضي الله عنه -، وقال في آخره: وليس بموثوق به
عنهم، وعلى هذا فيحتمل أن يكون لفظ ((لا)) في رواية الدارمي زائداً من
الناسخ، والله أعلم.
(ثم أتى) محمد إلى (عثمان بن عفان) رضي الله عنه في خلافته (فسأله عن ذلك)
(١) ((سنن الدارمي)) (٢٨٥/٢).
(٢) (ص١٥٠).
٥١٣

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٥٠١) حدیث
فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَتَرَانِى نَسِيتُ مَا قَالَ لَكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب؟ يَرِثُهَا
أَهْلُ دِينِهَا .
١٥٠١/ ١٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سعِيدٍ، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيم؛ أَنَّ نَصْرَانِيًّا، أَعْتَقَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ،
هَلَكَ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَأَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنْ أَجْعَلَ مَالَهُ
فِي بَيْتِ الْمَالِ .
الأمر لاحتمال أن يكون رأي عثمان - رضي الله عنه - في ذلك خلاف رأي عمر
- رضي الله عنه ـ (فقال له عثمان بن عفان: أتَراني) قال صاحب ((المحلى)): بضم
الفوقية أي تظنني (نسيت) بضم التاء (ما قال لك عمر بن الخطاب) إذ سألته
عنه، ثم ذكر له قول عمر - رضي الله عنه -، أو أجابه عن مسألته بقوله: (يرثها
أهل دينها) قال الزرقاني: وفائدة ذكر هذا ونحوه بعد المرفوع الإشارة إلى بقاء
العمل به، فلا يطرقه احتمال نسخ، وتابع مالكاً في رواية هذا الأثر ابن جريج
وابن عينيه وغيرهما، عن يحيى بن سعيد به، كما في ((التمهيد))، انتهى.
١٣/١٥٠١ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن إسماعيل بن
أبي حكيم) ضبطه صاحب ((المحلى)) بالتصغير، وأعرب عليه في النسخ المصرية
بالتكبير من شيخ الإمام مالك، رواه عنه ههنا بواسطة، كان كاتب عمر بن
عبد العزيز وعامله، كما تقدم في ترجمته (أن نصرانياً) موصوف صفته كان
(أعتقه عمر بن عبد العزيز) اسم أنّ، (هلك) خبره، هذا على سياق النسخ
المصرية، وفي النسخ الهندية بلفظ: ثم هلك فيكون نصرانياً اسم أن، وأعتقه
خبره (قال إسماعيل) المذكور: (فأمرني عمر بن عبد العزيز أن أجعل ماله في
بيت المال) قال الزرقاني(١)؛ لأن المسلم لا يرث الكافر.
وقال الباجي(٢): يريد أن من أعتق عبداً نصرانياً، فإنه لا يرثه بالولاء؛
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٣١/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٦/ ٢٥٢).
٥١٤

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٥٠١) حديث
لأن الولاء مشبَّةٌ بالنسب، فإذا منع الكفر التوارث بالنسب منع التوارث بالولاء،
وكذلك الصهر، فأما العبد يموت، وله مال، فإن المال لسيده، وليس على
وجه الميراث، ولكن على وجه الملك؛ لأن الرق يمنع الميراث، ولذلك لا
يورث بسبب هو أقوى أسباب التوارث، فكل من فيه بقية رِقٍّ من معتق إلى
أجل أو مكاتب أو مدبر أو أم ولد، فإنه لا يورث، وإنما يكون ماله لسيده
بالملك، إلا المكاتب الذي يترك وفاء، ففيه تفصيل، ذكره الباجي، ليس هذا
محله .
وما حمل عليه الزرقاني والباجي أثر عمر بن عبد العزيز من أنه أمره
بذلك؛ لأن المسلم لا يرث الكافر ليس بوجيه عندي، فإن التعليل بذلك وإن
كان صحيحاً على مذهب المالكية والحنفية والجمهور، لكنه من باب توجيه
القول بما لا يرضى به قائله؛ لأن المعروف من مذهب عمر بن عبد العزيز في
ذلك، كما سيأتي أنه يورث السيد المسلم من مولاه النصراني، فالأوجه عندي
أنه أمر بذلك تبرعاً .
وقال الخرقي في كتاب الفرائض: لا يرث مسلم كافرا، ولا كافر مسلماً
إلا أن يكون معتقاً، فيأخذ ماله بالولاء، ثم قال في كتاب الولاء: الولاء لمن
أعتق، وإن اختلف ديناهما، قال الموفق(١): أجمع أهل العلم على أن من
أعتق عبداً أو عتق عليه، ولم يعتق سائبة، أن له عليه الولاء، وأجمعوا أيضاً
على أن السيد يرث عتيقه إذا مات جميعَ مالِه إذا اتفق دِيْنَاهما، ولم يخلف
وارثاً سواه، وإن اختلف دِيْن السيد وعتيقه، فالولاء ثابت لا نعلم فيه خلافاً؛
لعموم قوله وَلقر: ((الولاء لمن أعتق))، ولقوله معلول: ((الولاء لحمة كلحمة
النسب))، ولحمة النسب تثبت مع اختلاف الدين، فكذلك الولاء.
(١) («المغني)) (٢١٥/٩).
٥١٥

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٥٠١) حديث
وهل يرث السيد مولاه مع اختلاف الدين؟ فيه روايتان: إحداهما: يرثه،
روي ذلك عن علي وعمر بن عبد العزيز، وبه قال أهل الظاهر، واحتج أحمد بقول
عليّ: الولاء شعبة من الرق، وقال مالك: يرث المسلم مولاه النصراني؛ لأنه
يصلح له تملكه، ولا يرث النصراني مولاه المسلم؛ لأنه لا يصلح له تملكه،
وجمهور العلماء على أنه لا يرثه مع اختلاف دينهما؛ لقوله وهلير: ((لا يرث المسلم
الكافر، ولا الكافر المسلم»، ولأنه ميراث، فيمنعه اختلاف الدين، كميراث النسب
يحققه أن الميراث بالنسب أقوى، فإذا منع الأقوى، فالأضعف أولى، انتهى.
وقال الحافظان(١) ابن حجر والعيني: قد حكى ابن التين في ميراث
النصراني إذا أعتقه المسلم ثمانيةَ أقوال، فقال عمر بن عبد العزيز والليث
والشافعي: هو كالمولى المسلم، إذا كانت له ورثة، وإلا فماله لسيده، وقيل:
يرثه الولد خاصة، وقيل: الولد والوالد خاصة. وقيل: هما والإخوة، وقيل:
هم والعصبة، وقيل: ميراثه لذوي رحمه، وقيل: لبيت المال فيئاً، وقيل:
يوقف، فمن ادعاه من النصارى كان له، انتهى ملخصاً.
قال ابن حجر: وما نقله عن الشافعي لا يعرفه أصحابه، انتهى. وفي
((المحلى)) عن أحمد: أن اختلاف الدين لا يمنع الإرث بالولاء، قال
ابن الملقن: ونقله القاضي عبد الوهاب عن الشافعي، لكن رأيت في ((الأم))
خلافه، انتهى. وقال الدردير(٢) في كافر أعتق مسلماً: إنه لا ولاء له على
المسلم، بل ولاؤه للمسلمين، ولا يعود له إن أسلم على المذهب، وعكس
ذلك ما لو أعتق المسلم كافراً، كذلك أي يكون ولاء العتيق الكافر للمسلمين،
كما في ((المدونة))، ففيها: إن أعتق المسلم كافراً، فماله لبيت مال المسلمين،
إن لم يكن للمسلم قرابة على دينه، انتهى مختصراً .
(١) انظر: فتح الباري)) (٥٣/١٢)، و((عمدة القاري)) (٤٦/١٦).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤١٦/٣).
٥١٦

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٥٠٢) حدیث
١٤/١٥٠٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ الثّقَةِ عِنْدَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: أَبَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ أَنْ يُوَرِّثَ أَحَداً مِنَ
الْأَعَاجِمِ. إِلَّا أَحَداً وُلِدَ فِي الْعَرَبِ.
وفي ((الدر المختار)) (١): الولاء شرعاً عبارة عن التناصر بولاء العتاقة أو
بولاء الموالاة، ومن آثاره الإرث والعقل، وبهذا علم أن الولاء ليس نفس
الميراث، بل قرابة حكمية تصلح سبباً للإرث، قال ابن عابدين: قوله: وبهذا
علم، فيه تعريض بصدر الشريعة حيث فسره بالميراث، فإن الولاء يتحقق بدون
الإرث، كما إذا أعتق كافر مسلماً، قال في ((المبسوط)): لا يرثه لكونه مخالفاً
له في الملة، انتهى مختصراً.
١٤/١٥٠٢ - (مالك عن الثقة عنده) أي عند مالك (أنه) أي الثقة (سمع
سعيد بن المسيب يقول، أبى) أي امتنع (عمر بن الخطاب أن يُورِّث) بكسر الراء
المشددة (أحداً من الأعاجم) أي من ساكني دار الحرب بمجرد دعوى القرابة،
وإقرار بعضهم لبعض (إلا أحداً ولد في العرب) فإنه يورثه، قال محمد في
((موطئه))(٢) بعد هذا الأثر: وبه نأخذ، لا يورث الحميل الذي يُسبى، وتسبى
معه امرأة، فتقول: هو ولدي، أو تقول: هو أخي، أو يقول: هي أختي، ولا
نسب من الأنساب يورث إلا ببينة - أي لا بمجرد إقرار - إلا الوالد والولد،
فإنه إذا اذَّعَى الوالدُ أنه ابنه وصدّقه، فإنه ابنه، ولا يحتاج في هذا إلى بينة إلا
أن يكون الولد عبداً فيكذبه مولاه بذلك، فلا يكون ابن الأب ما دام عبداً حتى
يصدقه المولى، والمرأة إذا ادّعت الولد، وشهدت امرأة حرة مسلمة على أنها
ولدته، وهو يُصَدّقها، وهو حر فهو ابنها، وهو قول أبي حنيفة - رضي الله
عنه -، والعامة من فقهائنا، انتهى.
(١) (٢٠١/٩).
(٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٤٤/٣).
٥١٧

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٥٠٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ حَامِلٌ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَوَضَعَتْهُ
فِي أَرْضِ الْعَرَبِ، فَهُوَ وَلَدُهَا، يَرِثُها إِنْ مَاتَتْ. وَتَرِثُهُ إِنْ مَاتَ،
مِيرَاثَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ.
(قال مالك: وإن جاءت امرأة حامل من أرض العدو) أي من دار الحرب،
(فوضعته) أي الحمل (في أرض العرب) أي في دار الإسلام (فهو ولدها يرثها
إن ماتت، وترثه إن مات) على وفق (ميراثها) بالفرائض المفصلة (في كتاب الله)
من الثلث والسدس وغيرهما، قال الباجي(١): قوله: أبى عمر - رضي الله عنه -
أن يورث أحداً إلخ من ولد في أرض الحرب، لا يخلو أن تكون أسباب
التوراث بينهما تثبت ببيِّنة، أو لا تثبت إلا بمجرد الدعوى والإقرار، فأما أن
يسمى(٢) رجلان يذكر أنهما إخوان، فإنهما لا يمنعان من الانتساب بالأخوة،
لكن لا توارث بينهما، وكذلك لو سبيت امرأة، وهي حاملة طفلاً، تزعم أنه
ابنها، فإنه يقبل ذلك منها في أنه لا يفرق بينهما، ولكنهما لا يتوارثان بذلك،
فلو جاءت امرأة حاملاً، فولدت ببلد الإسلام توراثا، ولو ولدت توأمين توارثا
بالإخوة لأب وأم.
فإن شهدت بذلك بينة، فلا يخلو أن تكون من المسلمين أو منهم، فإن
كانت البينة من المسلمين، مثل الأسرى يكونون عندهم، فيعلمون ذلك،
ويشهدون به، فإنهم يتوارثون بذلك، وأما إن شهد به بعضُهم ممن أسلم،
وعرفت عدالته، فإنهم لا يتوارثون بذلك، لما يتعلق بذلك من التهمة أن يشهد
بعضهم لبعض بمثل هذا، فيتوصلون بذلك إلى قصر أموالهم عليهم، أما إن
أسلم أهل بلد بجملتهم فبقوا في مكانهم، أو تحملوا بجماعتهم، فيشهدون
بذلك، فإنها تقبل شهادتهم؛ لأن خبرهم يقع به العلم، ويبعد عن العدد الكبير
التواطؤ على مثله، فزالت التهمة، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢٥٢/٦).
(٢) كذا في الأصل، والصواب يسبى. اهــ (ش)).
٥١٨

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٥٠٢) حديث
قال ابن رشد (١): اختلفوا في توريث الحملاء، والحملاء هم الذين
يتحملون بأولادهم من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، أعني أنهم يولدون في
بلاد الشرك، ثم يخرجون إلى الإسلام، وهم يَدَّعُون تلك الولادة الموجبة
للنسب، وذلك على ثلاثة أقوال: قول: إنهم يتوارثون بما يدّعون من النسب،
وهو قول الجماعة من التابعين، وإليه ذهب إسحاق، وقولٌ: إنهم لا يتوارثون
إلا بيِّنة تشهد على أنسابهم، وبه قال شريح وجماعة، وقولٌ: إنهم لا يتوارثون
أصلاً، وروي عن عمر - رضي الله عنه - الثلاثة الأقوال، إلا أن الأشهر عنه
أنه كان لا يورث إلا من ولد في بلاد العرب، وهو قول عثمان، وعمر بن
عبد العزيز.
وأما مالك وأصحابه، فاختلف في ذلك قولهم، فمنهم من رأى أنهم لا
يورثون إلا ببينة، وهو قول ابن القاسم، ومنهم من رأى أنهم لا يورثون أصلاً،
ولا بالبيِّنة العادلة، وممن قال به عبد الملك بن الماجشون، وروى ابن القاسم
عن مالك في أهل حصن نزلوا على حكم الإسلام، فشهد بعضهم لبعض أنهم
يتوارثون، وهذا يتخرج منه أنهم يتوارثون بلا بينة؛ لأن مالكاً لا يُجَوِّزُ شهادة
الكفار بعضهم على بعض، قال: فأما إن سُبَوْا فلا يقبل قولهم في ذلك،
انتھی.
وقال الموفق(٢): أهل الحرب إذا دخلوا إلينا مسلمين، أو غير مسلمين،
فَأَقَرَّ بعضهُم بنسبٍ بعضهم، ثبت نسبهم، كما يثبت نسب أهل دار الإسلام من
المسلمين، وأهل الذِّمة بإقرارهم، ولأنه إقرار لا ضرر على أحدٍ فيه، فِقُبِل،
كإقرارهم بالحقوق المالية، ولا نعلم في هذا خلافاً، وإن كانوا سَبْياً فأقر
بعضُهم بنسب بعض، وقامت بذلك بينة من المسلمين، ثبت أيضاً، سواء كان
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٥٤/٢).
(٢) («المغني)) (٣٣٠/١٤).
٥١٩

٤٠ - كتاب الفرائض
(١٣) باب
(١٥٠٢) حديث
الشاهد أسيراً عندهم أو غير أسير، ويسمى الواحد من هؤلاء حميلاً؛ لأنه
حمل من دار الكفر، وقيل: سمي حميلاً؛ لأنه حمل نسبه على غيره، وإن شهد
بنسبه الكفار. لم تقبل.
وعن أحمد رواية أخرى أن شهادتهم في ذلك تقبل لتعذر شهادة المسلمين
به في الغالب، فأشبه شهادة أهل الذمة على الوصية في السفر، إذا لم يكن
غيرهم، والمذهب الأول؛ لأننا إذا لم نقبل شهادة الفاسق، فشهادة الكافر
أولى، وإنما لم يقبل إقرارهم لما في ذلك من الضرر على السيد بتفويت إرثه
بالولاء على تقدير العتق، وإن صدقهما معتقُهما، قُبِلَ؛ لأن الحق له. وإن لم
يُصَدِّقْهما، ولم تقم بيِّنَةٌ بذلك، لم يرث بعضُهم من بعض، وميراث كل واحد
منهما لمعتقه، وهذا قول الشافعي فيما إذا أقر بنسب أب أو أخ أو جدٍّ أو ابن
عم.
وإن أقر بنسب ولدٍ، ففيه ثلاثة أوجه؛ أحدهما: لا يقبل، والثاني: يقبل؛
لأنه يملك أن يستولد، فملك الإقرار به، والثالث: إن أمكن أن يستولد بعد
عتقه قُبِلَ؛ لأنه يملك الاستيلاد بعد عتقه، وإلّا لم يُقْبل؛ لأنه لا يملك قبل
عتقه، ويروى عن ابن مسعود، ومسروق، والحسن، وابن سيرين، أن إقراره
يقبل فيما يقبل فيه الإقرار من الأحرار الأصليين. وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه
مكلف أقرّ بنسب وارث مجهول النسب، يمكن صدقه فيه، ووافقه المقرّ له فيه،
فقبل.
ولنا، ما روى الشعبي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى شريح أن لا
تورث حميلاً حتى تقوم به بينة، رواه سعيد(١). وقال أيضاً: حدثنا سفيان عن
ابن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: كتب عمر بن الخطاب أن لا تورث
حمیلاً إلی ببينة، انتهى.
(١) (سنن سعيد بن منصور)) (٨٩/١ - ٩٠).
٥٢٠