النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٠ - كتاب الفرائض (١٠) باب (١٤٩٦) حديث وَلَوْ أَنَّ الْجَدَّ لَمْ يَأْخُذْ ذُلِكَ الثُّلُثَ، أَخَذَهُ بَنُو الْأُمِّ. فَإِنَّمَا أَخَذَ مَا لَمْ يَكُنْ يَرْجِعُ إِلَى الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ. وَكَانَ الْإِخْوَةُ لِلْأُمَّ هُمْ أَوْلَى بِذْلِكَ الثُّلُثِ مِنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ. وَكَانَ الْجَدُّ هُوَ أَوْلَى بِذْلِكَ مِنَ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ. (١٠) باب ما جاء في العمة ٨/١٤٩٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ، أن ولد الأم ذكرهم وأنثاهم يسقطون بأربعة، بالولد، وولد الابن، والأب، والجد أب الأب، وإن علا، ولم يخالف في ذلك أحد إلا رواية شَذَّت عن ابن عباس. (ولو أن الجد لم يأخذ ذلك الثلث) المذكور قبل (أخذه بنو الأم) لا محالة، وعلى هذا (فإنما أخذ) الجد (ما) موصولة (لم يكن يرجع إلى الإخوة للأب) لو لم يكن جده (وكان الإخوة للأم) حينئذٍ (هم أولى) وأحق (بذلك الثلث من الإخوة للأب) لكون الثلث فريضة لهم في قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ﴾(١) (فكان الجد هو أولى به من الإخوة للأم) لسقوطهم بالجد، فإن الجد يحجب الإخوة للأم الذين يحجبون الإخوة للأب والأم عن ذلك الثلث. قال الزرقاني(٢): ولفظ أولى في هذه الألفاظ ليست للتفصيل؛ لأنه حق لهم لا يشاركون فيه، ولكنه عَبَّرَ بذلك؛ لأنه أورده في مقام الاستدلال، انتهى. (١٠) ما جاء في ميراث العمة كذا في النسخ الهندية وفي المصرية: ((ما جاء في العمة)) ٨/١٤٩٦ - (مالك عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) (١) سورة النساء: الآية ١٢. (٢) ((شرح الزرقاني)) (١١٥/٤). ٤٨١ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٠) باب (١٤٩٦) حديث عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيِّ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، عَنْ مَوْلَى لِقُرَيْشِ كَانَ قَدِيماً يُقَالُ لَهُ: ابْنُ مِرْسَى، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَلَمَّا صَلَّى الْظُهْرَ، قَالَ: يَا يَرْفَا. هَلُمَّ بالمهملة والزاي الأنصاري المدني، قاضيها (عن عبد الرحمن بن حنظلة الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف، بطن من الأنصار، سيأتي ما قال ابن التركماني: لا يعرف حاله، قلت: أخرجه محمد في ((موطئه)): عن عبد الرحمن بن حنظلة بن عجلان، وفي ((هامشه)) (١): قال ابن الأثير في ((جامع الأصول)): عبد الرحمن بن حنظلة روى عن مولى لقريش، انتهى. (أنه) أي عبد الرحمن (أخبره) أي محمداً (عن مولى لقريش كان قديماً) أي كبير السن (يقال له: ابن مرسى) بكسر الميم وإسكان الراء وسين مهملة، قال صاحب ((المحلى)): مقصوراً مُنَوَّناً، وممدوداً، قال ابن التركماني(٢): كشفت عن ابن حنظلة وابن مرساء، فلم أعرف لهما حالاً، وقال الطحاوي: ابن مرساء غير معروف، (أنه) أي ابن مرساء (قال: كنت جالساً عند) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب فلما صلى) عمر - رضي الله عنه - (الظهر، قال) لمولاه وحاجبه: (يا يرفا)(٣) بفتح التحتية وإسكان الراء وبالفاء آخره ألف (هلّم) اسم فعل بمعنى أحضِرْ، أصله عند البصريين هالُمَّ من لُمَّ إذا قصد، حذفت الألف بتقدير السكون في اللام، فإنه الأصل، وعند الكوفيين هل أم، فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام، واستبعد بأن هل لا تدخل على الأمر، كذا في ((المحلی)). (١) ((التعليق الممجد)) (١٣٢/٣). (٢) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٢١٣/٦). (٣) قال النووي: يرفأ حاجب عمر بن الخطاب، وهو بفتح الياء وإسكان الراء، ومنهم من همزه، والصحيح المشهور أنه غير مهموز، ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٦٠/٢/١). ٤٨٢ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٠) باب (١٤٩٦) حديث ذُلِكَ الْكِتَابَ. لِكِتَابِ كَتَبَهُ فِي شَأْنِ الْعَمَّةِ. فَنَسْأَلَ عَنْهَا وَنَسْتَخْبِرَ فِيهَا. فَأَتَاهُ بِهِ يَرْفَا. فَدَعَا بِتَوْرِ أَوْ قَدَح فِيهِ مَاءٌ. فَمَحَا ذُلِكَ الْكِتَابَ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَكِ اللَّهُ وَارِثَةً، أَقُّرَّكِ. (ذلك الكتاب) وأشار بذلك (لكتاب كتبه) أي كان قد كتبه عمر - رضي الله عنه - قبل ذلك (في شأن العمة) أي في حكم ميراثها (فنسأل) بالنصب في جواب الأمر، قاله الزرقاني، وكلا الفعلين نسأل ونستخبر بصيغة جمع المتكلم في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح، وفي الهندية بصيغة الغائب (عنها) الناس (ونستخبر) بموحدة من الاستخبار (فيها) أي في ميراثها، ولفظ محمد في ((موطئه)): يسأل عنه ويستخير الله هل لها من شيء؟ (فأتى به يرفا) وكأنه بعد ما أتاه تغير ما كان رآه من سؤال الناس، فصَمَّم على محوه (فدعا بتورٍ) بفتح الفوقية: إناء من صفر أو حجارة يُشْبِهُ الطستَ (أو قدح) بالشك، أو المراد طلب ما تيسر منهما (فيه ماء) فأتى به يرفا (فمحا) عمر - رضي الله عنه - (ذلك الكتاب) الذي كان كتبه قبل ذلك (فيه) أي في القدح. وقد أخرج الدارقطني(١) بسنده إلى زياد بن أبي سفيان أنه قال لجليس له: هل تدري كيف قضى عمر - رضي الله عنه - في العمة والخالة؟ قال: لا، قال: فإني لأعلم خلق الله كيف كان قضى عمر - رضي الله عنه - فيهما، جعل الخالة بمنزلة الأم والعمة بمنزلة الأب، وأخرج البيهقي(٢) بسنده إلى زياد، قال: إني لأعلم الناس بقضاء عمر - رضي الله عنه - فيهما، جعل العمة بمنزلة الأخ والخالة بمنزلة الأخت، فأعطى العمة الثلثين والخالة الثلث. (ثم قال) عمر - رضي الله عنه - بعد محوه: (لو رضيك الله) بكسر الكاف أي لو رضي بكونكِ (وارثة) هكذا في النسخ المصرية، وليس هذا اللفظ في النسخ الهندية (أقرّكِ) بكسر الكاف أي في كتابه، يعني جعل لكِ فيها فريضة (١) ((سنن الدار قطني)) (١٠٠/٤). (٢) ((السنن الكبرى)) (٢١٦/٦). ٤٨٣ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٠) باب (١٤٩٦) حديث لَوْ رَضِيَكِ اللَّهُ أَقَرَّكِ. (لو رضيكِ الله أقرّكِ) هكذا في جميع النسخ المصرية، فكرره تأكيداً، وقال الزرقاني: أعاده للتأكيد، وقيل: أقرك حتى أسأل وأستخير، انتهى. وظاهره أن المراد في الثاني إبقاء عمر - رضي الله عنه - إياه في هذه الصحيفة التي محاها، وليس التكرار في النسخ الهندية . وقال الباجي(١): قوله ليرفا: هلُمَّ ذلك، ليسأل عنها، يحتمل أنه خص ذلك الوقت بهذا المعنى، لحضور فقهاء الصحابة الصلوة. ولعله قد تَبَيَّن إليه حينئذٍ من حكمها ما خفي عليه قبل ذلك، فأراد أن يشاورهم فيما ظهر إليه من ذلك، ومحو ذلك في القدح، وقوله: لو رضيك الله أقرّكِ، يحتمل أن يريد به إسقاط العمة من المواريث. وأن الله تعالى لو رضي الوراثة لأقَرَّها بعد الاستخارة والمشاورة، بأن يقوى في نفس عمر - رضي الله عنه - وسائر الصحابة وجوبُ الميراث لها، ويريهم وجهَ الصواب في ذلك، فلما لم يُرَهم ذلك مع ما أمرهم به من إجهاد الرأي، بطل أن يكون جعل لها من الميراث حقاً . ويحتمل أيضاً أن يكون أراد بذلك الرقعة التي محاها، سواء كان فيها إثبات الميراث للعمة أو نفيه عنها، وأن الله لم يرضَ تلك البطاقة لما لم يقرهم عليها، ولم يَرَهم صوابَها، إلا أن المعروف من مذهب عمر منع العمة الميراث، وسيأتي في ميراث ذوي الأرحام من المسائل التي اختلف فيها الصحابة، فالمشهور عن عمر - رضي الله عنه - منع ذلك، وبه قال زيد بن ثابت، وإليه ذهب مالك والشافعي، وروي عن ابن مسعود توريثهم، وبه قال أبو حنيفة، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٢٤٣/٦). ٤٨٤ ٤٠ - كتاب الفرائض (١١) باب (١٤٩٧) حدیث ٩/١٤٩٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْم؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ كَثِيراً يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَقُولُ: عَجَباً لِلْعَمَّةِ تُورَثُ وَلَا تَرِثُ. (١١) باب ميراث ولاية العصبة ٩/١٤٩٧ - (مالك عن محمد بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو (بن حزم) بنسبة أبيه إلى جده (أنه سمع أباه) أبا بكر بن محمد (كثيراً) أي مرات كان (يقول) أبو بكر: (كان عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (يقول: عجباً للعمة تُؤْرَث) ببناء المجهول أي يرثها أبناء أخيها (ولا ترث) هي منهم شيئاً. قال البيهقي(١): وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - بخلافه، ورواية المدنيين أولى. وتعقبه ابن التركماني بأن الذي روى عنه بخلاف ذلك، إسناده صحيح، متصل، ورواية المدنيين من طريقين: أحدهما: فيه مجهول، والآخر: منقطع، فكيف تكون أولى بالصحة، انتهى. وقال محمد (٢) بعد أثر الباب: إنما يعني عمر - رضي الله عنه - هذا فيما نرى أنها تورث؛ لأن ابن الأخ ذو سهم، ولا ترث؛ لأنها ليست بذات سهم، ونحن نروي عن عمر وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم - أنهم قالوا في العمة والخالة إذا لم يكن ذو سهم ولا عصبة: فللخالة الثلث، وللعمة الثلثان، وحديث يرويه أهل المدينة لا يستطيعون رده أن ثابت بن الدحداح مات، ولا وارث له، فأعطى رسول الله وَالآ أبا لبابة بن عبد المنذر - وكان ابن أخته - ميراثه، وكان ابن شهاب يورث العمة، والخالة، وذوي القربات بقرابتهم، وكان من أفقه أهل المدينة وأعلمهم بالرواية، انتهى. (١١) ميراث ولاية العصبة مقصود الباب كما يظهر من الأقوال الواردة بيان ترتيب بعض العصبات (١) ((السنن الكبرى)) (٢٣٦/٦). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (١٣٠/٣). ٤٨٥ ٤٠ - كتاب الفرائض (١١) باب قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ. وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا، فِي وَلَايَةِ الْعَصَبَةِ؛ أَنَّ الْأَخَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنَ الْأَخِ لِلْأَبِ. وَالْأَخُ لِلْأَبِ، أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ. وَبَنَّوِ الْأَخَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، أَوْلَى مِنْ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ. وَبَنُو الْأَخِ لِلْأَبِ، أَوْلَى مِّنْ بَنِيِ ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ. وَبَنُو ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ،َ أَوْلَىَ مِنَ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِّلْأَبِ وَالْأُمِّ. وَالْعَمُّ أَخُو الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، أَوْلَى مِنَ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ. وَالْعَمّ أَخُو الْأَبِ لِلْأَبِ، أَوْلَّى مِنْ بَنِي الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمّ. (قال مالك: الأمر المجتع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه) تأكيد لقوله: المجتمع عليه (والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا في ولاية العصبة) أي باعتبار درجات العصبات وتقديمهم في الميراث (أن الأخ للأب والأم أولى) وأقرب (بالميراث من الأخ للأب) لأن الأول يدلي بجهتين فهو أقرب إلى الميت منه (والأخ للأب) فكيف بالأخ للأبوين (أولى بالميراث من بني الأخ للأب والأم) لأن الأخ ولو كان من أخي العلات أقرب إلى الميت من بني الأخ، ولو كان من أبناء الشقيق (وبنو الأخ للأب والأم) أي بنو الأشقاء (أولى) إلى الميت (من بني الأخ لأب) فقط لإدلاء الأولين بجهتين مع استواء الدرجة (وبنو الأخ للأب) أي بنو الأخ العلاتي (أولى من بني ابن الأخ للأب والأم) أي من أولاد ابن الأخ الشقيق؛ لأن الأولين أقرب إلى الميت بدرجة (وبنو ابن الأخ لأب) أي بنو ابن الأخ العلاتي (أولى من العم) يعني (أخي الأب للأب والأم) أي العم الذي هو شقيق الأب، فكيف بالعم الذي هو أخ لأب فقط (والعَمُّ أخو الأب) تفسير للعم، والمراد بالأخ الأخ (للأب والأم) يعني العم الذي هو شقيق للأب (أولى من العم أخي الأب للأب) فقط، يعني أقرب إلى الميت من العم الذي هو أخ علاتي للأب الإدلاء الأول بجهتين، وهذه الجزئية ليست في النسخ الهندية . (والعم أخو الأب للأب) يعني العم الذي هو أخ علاتي للأب (أولى) وأقرب (من بني العم أخي الأب للأب والأم) تفسير للعم، يعني العم العلاتي أقرب من بني ٤٨٦ ٤٠ - كتاب الفرائض (١١) باب وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ عَمِّ الْأَبِ أَخِي أَبِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ. قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ شَيْءٍ سُئِلْتَ عَنْهُ مِنْ مِيْرَاتِ الْعَصَبَةِ، فَإِنَّهُ عَلَى نَحْوٍ هُذَا: أنْسُبِ الْمُتَوَفَّى وَمَنْ يُنَازِعُ فِي وِلَايَتِهِ مِنْ عَصَبَتِهِ. فإِنْ وَجَدْتَ أَحَداً مِنْهُمْ يَلْقَى الْمُتَوَفَى إِلَى أَبِ لَا يَلْقَاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى أَبِ دُونَهُ. فَاجْعَلْ مِيرَاثَهُ لِلَّذِي يَلْقَاهُ إِلَى الْأَبِ الْأَدْنَى، دُونَ مِنْ يَلْقَّاهُ إِلَى فَوْقِ ذُلِكَ. فَإِنْ وَجَدْتَهُمْ العم الشقيق لقرب الأول من الميت بدرجة (وابن العم للأب أولى) يعني ابن العم العلاتي أقرب (من عم الأب أخي أبي الأب للأب والأم) يعني عم الأب الشقيق لقرب الأول من الميت، فإن ترجيح الشقيق إنما يكون عند التساوي في الدرجة، وأما عند اختلاف الدرجة فالأقرب إلى الميت، ولو كان من أهل العلات مقدمٌ على الشقيق الذي هو بعيد الدرجة، وإليه أشار الإمام - رحمه الله - بقوله : (قال مالك: وكل شيء سئلت) ببناء المجهول وتاء الخطاب (عنه من ميراث العصبة) والترتيب بينها (فإنه على نحو هذا) الذي ذكر من الأمثلة والضابطة فيه أن (أُنْسُب المتوفى) بصيغة الأمر، أي انظر إلى نسب المتوفى، يقال: نسب الرجل: ذكر نسبه، وسأله أن ينتسب (ومن تنازع) وفي نسخة(١) ينازع (في ولايته) أي في كونه أولى (من عصبته) بيان لمن (فإن وجدت) بصيغة الخطاب (أحداً منهم) من العصبات (يلقى المتوفى إلى أب) موصوف صفته (لا يلقاه) أي المتوفى (أحد منهم) من العصبات (إلى أب) يكون (دونه) أي أقرب منه (فاجعل ميراثه للذي يلقاه) أي الميت (إلى الأب الأدنى) أي الأقرب (دون من يلقاه إلى فوق ذلك) أي يلقى الميت إلى الأب الأبعد، (فإن وجدتهم) أي (١) وفي ((الاستذكار)) أيضاً (٤٧٥/١٥) يُنازِعُ. ٤٨٧ ٤٠ - كتاب الفرائض (١١) باب كُلَّهُمْ يَلْقَوْنَهُ إِلَى أَبِ وَاحِدٍ يَجْمَعَهُمْ جَمِيعاً، فَانْظُرْ أَقْعَدَهُمْ فِي النَّسَبِ. فَإِنْ كَانَ ابْنَ أَبِ فَقَظْ، فَاجْعَلِ الْمِيرَاثَ لَّهُ دُونَ الْأَطْرَفِ. وَإِنْ كَانَ ابْنَ أَبٍ وَأُمِّ. وَإِنْ وَجَدْتَهُمْ مُسْتَوِينَ، يَنْتَسِبُونَ مِنْ عَدَدِ الآبَاءِ إِلَى عَدَدٍ وَاحِدٍ. حَتَّى يَلْقَوْا نَسَبَ الْمُتَوَفَّى جَمِيعاً. وَكَانُوا كُلَّهُمْ جَمِيعاً بَنِي أَبٍ، أَوْ بَنِي أَبٍ وَأُمِّ. فَاجْعَلِ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمْ سَوَاءَ. وَإِنْ كَانَ وَالِدُ بَعْضِهِمْ أَخَا وَالِدِ الْمُتَوَفَّى لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، وَكَانَ مَنْ سِوَاهُ مِنْهُمْ إِنَّمَا هُوَ أَخُو أَبِي الْمُتَوَفَّى لِأَبِيهِ فَقَطْ، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ لِبَنِي أَخِي الْمُتَوَفَّى لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، دُونَ بَنِي الْأَخِ لِلْأَبِ. العصبات (كلهم يلقونه) أي الميت (إلى أب واحد يجمعهم) أي يجمع ذاك الأب إياهم كلهم (جميعاً فانظر أقعدهم) أي أقربهم (في النسب) إلى الميت. (فإن كان) الأقرب (ابن أب فقط) أي يكون أخاً واحداً لا غير معه في هذه الدرجة (فاجعل الميراث) كله (له دون الأطرف) أي دون الأبعد منه (وإن كان) الأبعد، والواو وصلية مبالغة (ابن أب وأم) يعني لا شيء للأبعد الشقيق مع الأقرب الذي لأب فقط (وإن وجدتهم مستوين) في الدرجة (ينتسبون) إلى الميت (من عدد الآباء إلى عدد واحد، حتى يلقوا نسب المتوفى جميعاً) ومثله بقوله: (وكانوا كلهم جميعاً بني أب، أو بني أب وأم) معاً (فاجعل الميراث بينهم بالسواء) أي على السوية (وإن كان والد بعضهم) بإضافة الوالد إلى بعضهم (أخا والد المتوفى) بالإضافة أيضاً (للأب والأم) بيان لأخ (وكان من سواه) أي سوى الأخ المذكور الشقيق (منهم إنما هو أخو أبي المتوفى لأبيه فقط) أي أخ علّاتي (فإن الميراث) حينئذٍ (لبني أخي المتوفي لأبيه وأمه) أي لبني الشقيق (دون بني الأخ للأب) لإدلائه بجهة واحدة، وإدلاء الأول بجهتين. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن الأخ للأب والأم أولى من الأخ (١) ((المنتقى)) (٢٤٤/٦). ٤٨٨ ٤٠ - كتاب الفرائض (١١) باب للأب، لأن الأم يدلي بها إلى الميراث إذا انفردت، كما يدلي بالأب إذا انفرد، فإذا اجتمعا، كان أقوى من انفراد أحدهما، وكذلك الميراث في العمومة، وهذا مع التساوي في الدرجة من الميت، مثل أن يكون جميعهم إخوة أو أعماماً في درجة، أو بني عم في درجة واحدة، فإن اختلفت درجاتهم . فذلك على وجهين: أحدهما: اختلافها مع اختلاف الأسباب، الثاني: اختلافها مع اتفاق الأسباب، فأما اختلاف الدرجات مع اختلاف الأسباب، فكالإخوة مع الأعمام وبني الأعمام، فالإخوة أقرب؛ لأنهم يدلون بالأب، والأعمام يدلون بالجد، وكذلك بنو الأعمام يدلون بالجد. فكان الإخوة أولى إخوة كانوا لأب وأم، أو لأب؛ لأنهم يدلون بالأب، وهو أقرب من الجد. وإن كانوا أعماماً كلهم، أو بني عم كلهم، واختلفت درجاتهم، فكالأعمام إخوة الأب مع الأعمام إخوة الجد، فإن الأعمام إخوة الأب أولى بالميراث، وهو معنى قول مالك: إن من يلقى الميت إلى أب لا يلقاه غيره إلخ، ومعنى ذلك أن الأعمام يدلون بالجد أبي الأب، والأعمام إخوة الجد يدلون بالجد أبي أبي الأب، وكلّ من أدلى بالأقرب فله الميراث، دون من أدلى بأب أبعد، انتهى. وقال الموفق(١) في ميراث العصبة: وهم الذكور من ولد الميت، وآبائه، وأولادهم، ليس ميراثهم مُقَدَّراً. بل يأخذون المال كله، إذا لم يكن معهم ذو فرض، فإن كان معهم ذو فرض لا يسقط بهم، أخذوا الفاضل عن ميراثه كله، وأولاهم بالميراث أقربهم، ويسقط به من بعد؛ لقول النبي ◌ّ: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر))، وأقربهم البنون، ثم (١) ((المغني)) (٢٢/٩). ٤٨٩ ٤٠ - كتاب الفرائض (١١) باب بنوهم، وإن سفلوا، يُسْقِطُ قريبُهم بعيدَهم، ثم الأبُ ثم آباؤه وإن عَلَوْا، الأقربُ منهم فالأقربُ، ثم بنو الأبُ وهم الإخوة للأبوين، أو للأب، ثم بنوهم وإن سفلوا، الأقرب منهم فالأقرب، ويَسْقُطُ البعيدُ بالقريب، سواء كان القريب من ولد الأبوين أو من ولد الأب وحده. فإن اجتمعوا في درجة واحدة، فولد الأبوين أولى؛ لقوة قرابته بالأم، وابن الأخ للأب والأم أولى من ابن الأخ للأب؛ لأنهما في درجة واحدة، وابن الأخ للأب أولى من ابن ابن الأخ للأب والأم؛ لأن ابن الأخ للأب أعلى درجة من ابن ابن الأخ للأب والأم، وعلى هذا أبداً، ومهما بقي من بني الأخ أحدٌ وإن سفل، فهو أولى من العم؛ لأنه من ولد الأب، والعَمُّ من ولد الجد، فإذا انقرض الإخوة وبَنُوهم، فالميراث للأعمام، ثم لبنيهم، على هذا النسق، إن استوت درجتهم قُدِّمَ من هو لأبوين. فإن اختلفت قُدِّمَ الأعلى، وإن كان لأب، ومهما بقي منهم أحد وإن سفل، فهو أولى من عم الأب؛ لأن الأعمام من ولد الجد، وأعمام الأب من ولد أب الجد، فإذا انقرضوا، فالميراث لأعمام الأب على هذا النسق، ثم الأعمام الجد، ثم لبنيهم، وعلى هذا أبداً، لا يرث بنو أب أعلى مع بني أب أقرب منه، وإن نزلت درجتهم؛ لما مر في الحديث، وهذا كله مجمع عليه، بحمد الله ومنه، انتھی بتغیر یسیرٍ . وهكذا حكى إجماع العلماء على هذا التفصيل ابن رشد في ((البداية))(١) فقال: أجمع العلماء على أن الأخ الشقيق يحجب الأخ للأب. وهو يحجب بني الأخ الشقيق، وهم يحجبون أبناء الأخ للأب، وهم أولى من بني ابن الأخ للأب والأم، وبنو الأخ للأب أولى من العم أخي الأب، وابن العم أخو الأب (١) ((بداية المجتهد)) (٣٥١/٢). ٤٩٠ ٤٠ - كتاب الفرائض (١١) باب وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِىِ كِتَبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ . قَالَ مَالِكٌ: وَالْجَدُّ أَبُو الْأَب، أَوْلَى مِنْ بَنِي الْأَخْ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، الشقيق أولى من ابن العم أخي الأب للأب، وكل واحد من هؤلاء يحجبون بينهم، ومن حجب منهم صنفاً، فهو يحجب من يحجبه ذلك الصنف، انتهى مختصراً إلى آخر ما بسطه. (وذلك) أي دليل مابسطه الإمام من ترجيح الأقرب، فالأقرب في الميراث (أن الله تبارك وتعالى قال) في القرآن المجيد: (﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ﴾) أي ذو القرابات (﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّْ﴾) أي في اللوح المحفوظ، قاله الزرقاني تبعاً لصاحب ((الجلالين))، وقال صاحب ((الجمل)): أي في حكم اللّهِ، أو في القرآن، أو في اللوح المحفوظ، وفي ((الخازن)): في كتاب الله، أي في حكم الله، وقيل: أراد به القرآن، وهو أن قسمة المواريث مذكورة في سورة النساء من كتاب الله. (﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾) ومنه حكمة الميراث. قال الزرقاني(١): والآية وإن كان سياقها في أنهم أولى في الإرث من التوارث بالإيمان والهجرة المذكورة في الآية التي قبلها، لكن الإمام استدل بعموم لفظها على ما ذكره أيضاً، وقال صاحب ((الجمل)): تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام، وأجاب عنه الشافعي بأنه لما قال: في كتاب الله، كان معناه في حكم الله، انتهى. (قال مالك: والجد) أي (أبو الأب أولى) في الإرث (من بني الأخ للأب والأم) أي من بني الأخ الأشقاء، وهذا مما أجمع عليه، كما تقدم قريباً في (١) ((شرح الزرقاني)) (١١٧/٣). ٤٩١ ٤٠ - كتاب الفرائض (١١) باب وَأَوْلَى مِنَ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ بِالْمِيرَاثِ. وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، أَوْلَى مِنَ الْجَدِّ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي. كلام الموفق: أن الأب، ثم آباءه، الأقرب فالأقرب منهم مقدمون على الإخوة، وأولادهم (وأولى) يعني أن الجد أولى (من العم) أي (أخي الأب للأب والأم) أي من العم الشقيق (بالميراث) أي الجد أحق بالميراث من الأخ، والأعمام، فيقدم عليهم (وابن الأخ للأب والأم) أي ابن الأخ الشقيق (أولى من الجد) ويقدم عليه (بولاء الموالي) فيكون ولاؤهم لابن الأخ لا للجد. قال الباجي(١): ووجه ذلك أن الولاء لا يورث إلا بمحض التعصيب، وليس فيه فروض، والأخ وابن الأخ أمحض تعصيباً من الجد؛ لأنهم لا يرثون إلا بالتعصيب، فكان سببهم أقوى في الولاء، ولا يقوى تعصيب الجد بالفرض بالولاء؛ لأنه لا مدخل للفروض فيه، وأما الأب فإنه أحق بالولاء من الإخوة، وإن كان يرث تارة بالفرض، وتارة بالتعصيب، وتارة بهما؛ لأن الإخوة يدلون به، فكان أحق بذلك منهم، وليس كذلك الجد، فإنهم لا يدلون به، وحكم الإخوة مع الأب كحكم الأعمام مع الجد، انتهى. والمسألة خلافية بين الأئمة كما بسط فروعه في محله. وقال الموفق (٢): إِن خَلَّفَ أخا معتقه، وجَدَّ معتقه، فالولاء بينهما نصفين، وبهذا قال عطاء والليث، ومال إليه الأوزاعي، وهو قول للشافعي، وقول الثوري وأبي يوسف ومحمد. والذين نَزَّلُوا الجدَّ أباً جعلوا الجدَّ أولى، ووَرَّتُوْه وحدَه، ورُوي عن زيد أن المال للأخ، وهو قول مالك، والشافعي. وإن ترك جدَّ مولاه، وابنَ أخي مولاه، فالمال لجدِّه في قولهم جميعاً، إلّا مالكاً جعل الميراثَ لابن الأخ، وإن سفل، وقاله الشافعي أيضاً، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٢٤٥/٦). (٢) ((المغني)) (٢٤٧/٩). ٤٩٢ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٢) باب (١٢) باب من لا ميراث له قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمِعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا: أَنَّ ابْنَ الْأَخِ لِلْأُمِّ، وَالْجَدَّ أَبَا الْأُمِّ، وَالْعَمَّ أَخَا الْأَبِ لِلْأُمِّ،َ وَالْخَالَ، وَالْجَدَّةَ أُمَّ أَبِي الْأُمِّ، وَابْنَةَ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، وَالْعَمَّةَ، وَالْخَالَةَ؛ لَا يَرِثُونَ بِأَرْحَامِهِمْ شَيْئاً. (١٢) من لا ميراث له وما يظهر من ملاحظة الأقوال الواردة فيه بيان ميراث ذوي الأرحام، وهو مختلف فيه بين الأئمة، كما سيأتي بيانه مفصلاً. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا، الذي لا اختلاف فيه) تأكيد السابقه، قاله - رحمه الله - على علمه (والذي أدركتُ عليه أهل العلم ببلدنا) المدينة المنوّرة - زادها الله شرفاً وكرامةً -، وهذا كله على تحقيق الإمام الهمام - رضي الله عنه وأرضاه -، وإلا فالمسألة خلافية عند أهل المدينة أيضاً، كما سترى (أن ابن الأخ للأم) أي: ابن الأخ الأخيافي (والجد) هذا وما بعده كلهم عطف على ابن الأخ، والمراد أن هؤلاء كلهم ليسوا بوارثين، وفسر الجد بقوله: (أبا الأم) احترازاً عن الجد أبي الأب، فإنه يكون وارثاً إجماعاً كما تقدم، (و)أيضاً (العم) الذي يكون (أخا الأب للأم) يعني أخاً أخيافياً للأب (والخال و) كذا (الجدة) التي هي (أم أبي الأم و) كذلك (ابنة الأخ للأب والأم) أي ابنة الأخ الشقيق فضلاً عن ابنة غير الشقيق (والعمة والخالة لا يرثون) هؤلاء كلهم (بأرحامهم شيئاً) فإن لم يكن للميت وارث غير المذكورين من أصحاب الفروض والعصبات، فيكون المال لبيت المال عند الإمام مالك ومن وافقه. وقال الموفق(١): ذووا الأرحام هم الأقارب الذين لا فرض لهم، ولا تعصيب، وهم أحد عشر حَيِّزاً؛ ولد البنات، وولد الأخوات، وبنات الإخوة، (١) «المغني)) (٨٢/٩). ٤٩٣ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٢) باب وولد الإخوة من الأم، والعمات من جميع الجهات، والعم من الأم، والأخوال، والخالات، وبنات الأعمام، والجد أبو الأم، وكل جدة أدلت بأب بين أَمَّيْن، أو بأبِ أعلى من الجد، فهؤلاء ومن أَدْلى بهم يُسَمَّون ذوي الأرحام، وكان [الإمام أحمد] أبو عبد الله يُوَرِّثُهم إذا لم يكن ذو فرض، ولا عَصَبَةٌ، ولا أحد من الوُرَّاث إلا الزوج، والزوجة، رُوي هذا القولُ عن عمر، وعلي، وعبد الله، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء - رضي الله عنهم أجمعين -، وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز وعطاء وطاووس وعلقمة ومسروق وأهل الكوفة، وكان زيد لا يورثهم، ويجعل الباقي لبيت المال، وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وداود وابن جرير؛ لأن عطاء بن يسار روى ((أن رسول الله وَل ركب إلى قباء، يستخير الله تعالى في العمة والخالة، فأُنْزِلَ عليه أن لا ميراث لهما))، رواه سعد في ((سننه)) (١). ولأن العمة وابنة الأخ لا ترثان مع أخويهما، فلا ترثان منفردتين، كالأجنبيات، ولأن المواريث إنما تَثْبُتُ نصاً، ولا نص هاهنا. ولنا، قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِنَبِ اَللَّهِ﴾(٢) أي أحقّ بالتوارث في حكم الله تعالى، قال أهل العلم: كان التوارث في ابتداء الإسلام بالحِلْف، وكان الرجل يقول للرجل: دَمِي دَمُكَ، ومالِي مالُك، تنصرني وأنصرك، وتَرِثُنِي وأَرِثُك، فيتعاقدان الحلف بينهما على ذلك، فيتوارثان به دون القرابة، وذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَانُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾(٣)، ثم نسخ ذلك، وصار التوارث بالإسلام والهجرة. فإذا كان له ولد، ولم يهاجر ورثه المهاجرون دونه، وذلك قوله عز وجلّ : (١) في: باب العمة والخالة. ((السنن)) (٧٠/١). (٢) سورة الأنفال: الآية ٧٥. (٣) سورة النساء: الآية ٣٣. ٤٩٤ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٢) باب ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ﴾ ثم نسخ ذلك ج بقول الله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اَللَّهِ﴾(١). وروى الإمام أحمد(٢) بسنده عن سهل بن حنيف أن رجلاً رمى رجلاً بسهم، فقتله ولم يترك إلا خالاً، فكتب فيه أبو عبيدة إلى عمر، فكتب إليه عمر - رضي الله عنه -: إني سمعتُ رسولَ الله وَل يقول: ((الخال وارث من لا وارث له))، قال الترمذي(٣): هذا حديث حسن، وروى المقداد عن النبي صَلى اللّهِ وَسَم أنه قال: ((الخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه، ويرئه))(٤). وروى سعيد(٥) بسنده إلى واسع بن حبان، قال: توفي ثابت بن الدحداحة، ولم يدع وارثاً، ولا عصبة، فرفع شأنه إلى رسول الله وَ ◌ّر، فدفع رسول الله ◌َي ماله إلى ابن أخته أبي لبابة بن عبد المنذر. ورواه أبو عبيد في ((الأموال))، إلا أنه قال: ولم يخلف إلا ابنة أخ له، فقضى النبي ◌َّ بميراثه لابنة أخيه، وحديثُهم مرسل، ثم يحتمل أنه لا ميراث لهما مع ذوي الفروض، والعصبات، ولذلك سمى الخال «وارث من لا وارث له))، أي لا يرث إلا عند عدم الوارث، وقولُهم: لا يرثان مع إخوتهما، قلنا: لأنهما أقوى منهما، وقولُهم: إن الميراث إنما ثبت نصاً، قلنا: ذكرنا نصوصاً. انتهى مختصراً. (١) سورة الأنفال: الآية ٧٥. (٢) مسند أحمد (٣٨/١ - ٤٦). (٣) ((سنن الترمذي)) (٢١٠٣)، وأخرجه ابن ماجه (٢٧٣٧)، والدارقطني (٨٤/٤)، والبيهقي (٢١٤/٦). (٤) أخرجه أبو داود (٢٨٩٩ - ٢٩٠٠)، وابن ماجه (٢٧٣٨)، وأحمد (١٣١/٤ - ١٣٣). (٥) (سنن سعيد بن منصور)) (٧٠/١، ٧١)، وأخرجه أيضاً الدارمي في «سننه» (٢٩١/٢)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٨٤/١٠، ٢٨٥). ٤٩٥ : (١٢) باب ٤٠ - كتاب الفرائض قَالَ: وَإِنَّهُ لَا تَرِثُ امْرَأَةٌ، هِيَ أَبْعَدُ نَسَباً مِنَ الْمُتَوَفَّى، مِمَّنْ سُمِّيَ فِي هَذَا الْكِتَابِ، بِرَحِمِهَا شَيْئاً. وَإِنَّهُ لَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنَ النِّسَاءِ شَيْئاً. إِلَّا حَيْثُ سُمِّينَ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ: مِيرَاثَ الْأُمِّ مِنْ وَلَدِهَا، وَمِيرَاثَ الْبَنَاتِ مِنْ أَبِيهِنَّ، وَمِيرَاثَ الزَّوْجَةِ مِنْ زَوْجِهَا، وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ، وَمِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ لِلْأُمِّ (قال) مالك: (وأنه لا ترث امرأة هي أبعد نسباً من المتوفى) متعلق لأبعد (ممن سُمِّيَ) ببناء الجهول (في هذا الكتاب) أي من الأربعة المذكورة في القول السابق (برحمها) الباء للسبيية (شيئاً) مفعول لا يرث (وإنه) الضمير للشأن (لا يرث أحد من النساء شيئاً إلا حيث) أي إلا في المواضع التي (سُمِّيْنَ) ببناء المجهول، يعني لا يرثن غير اللاتي ذكرن في الكتاب أو السنّة. ثم ذكر النساء اللاتي ذكرن في الكتاب والسنّة، فقال (وإنما ذكر الله تبارك وتعالى) كذا في المصرية، وفي الهندية، وذلك أن الله تعالى ذكر (في كتابه ميراث الأم من ولدها) الثلث أو السدس (وميراث البنات من أبيهن) ويدخلن فيهن بنات الابن (وميراث الزوجة من زوجها) الربع أو الثمن (وميراث الأخوات للأب والأم وميراث الأخوات للأب) في قوله تعالى في آية الصيف ﴿قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَةِ﴾ ﴿إِنِ آَمُ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ﴾ الآية(١) والمراد بالأخت هاهنا أعم من أن تكون لأبوين أو لأب فقط، كما تقدم في محله. (وميراث الأخوات للأم) في آية الشتاء: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ، أَخُ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسَّ﴾(٢) الآية. والمراد بالأخ (١) سورة النساء: الآية ١٧٦. (٢) سورة النساء: الآية ١٢. ٤٩٦ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٢) باب وَوَرِثَتِ الْجَدَّةُ بِالَّذِي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ فِيهَا. وَالْمَرْأَةُ تَرِثُ مَنْ أَعْتَقَتْ هِيَ نَفْسُهَا. لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ﴾ والأخت هاهنا ما يكون لأم فقط، فهؤلاء الخمس نسوة الوارثات بنص الكتاب، بإدخال بنات الابن في البنات، حيث لا بنات. والذي اخترت من السياق، هكذا في جميع النسخ المصرية، وهو الأوضح والصواب، وفي النسخ القديمة الهندية بعد قوله: من زوجها وميراث الأخوات للأب وميراث الأخوات للأم، وهذا السياق أيضاً صحيح، إلا أن الأول من النوعين يشمل الأشقاء والعلات، فإن الأخوات للأب تشملهما، وفي بعض النسخ الهندية الجديدة ((وميراث الأخوات للأب والأم، وميراث الأخوات للأب))، ففيها سقوط أو تحريف، إذ لم يذكر فيها الأخوات للأم، ولا بد من ذكرها، إذ هي مذكورة في آية الشتاء، كما تقدم قريباً . (وورثت الجدة بالذي جاء عن النبي ◌َّ فيها) يعني المرأة السادسة الوارثة الجدة وتوريثها بالسنّة، كما تقدم قريباً في ((باب ميراث الجدة)) (والمرأة) أي السابعة من اللاتي ترثن هي التي (ترث من أعتقت هي) ومن أعتقت مفعول (نفسها) بالرفع تأكيد لفاعل ترث (لأن الله تبارك وتعالى) دليل لتوريث المعتقة (قال) عز اسمه (في كتابه) في سورة الأحزاب: ﴿أَدْعُوهُمْ لِّبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَهُمْ﴾ (﴿فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ﴾) الآية(١). والاستدلال بأن المرأة المعتقة أيضاً داخلة في الموالي. قال الباجي(٢): والاستدلال من هذا إنما يكون بأن يثبت الميراث بالولاء، وأن يكون لفظ الجمع المذكر يقع تحته المؤنث بمجرد اللفظ، فحينئذٍ تتناول الآية ميراث المرأة لمن كان مولى لها، انتهى. (١) سورة الأحزاب: الآية ٥. (٢) ((المنتقى)) (٢٥٠/٦). ٤٩٧ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٢) باب وأنت خبير بأن من قال بتوريث ذوي الأرحام استدل بنحو ذلك بالآية التي في سورة الأحزاب بعد الآية المذكورة: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اَللَّهِ﴾(١). قال صاحب ((الجلالين)) وغيره من المفسرين: بعضهم أولى ببعض في الإرث، وقال البغوي في ((المعالم)): أولى ببعض، يعني في الميراث، قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، قال الكلبي: آخى رسول الله وَله بين الناس، فكان يؤاخي بين رجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الآخر دون عصبته حتی نزلت هذه الآية، انتهى. وفي ((المحلى)): أصل ما قاله مالك من المرفوع عند الحاكم، وصححه، أنه وَلّ سُئِل عن ميراث العمة والخالة فقال: ((لا ميراث لهما))، وذهب أبو حنيفة إلى توريثهم على ترتيب العصبات عند عدم الورثة، ويقدم عليهم الرد على أصحاب الفرائض، سوى الزوجين، وقال أحمد بتوريثهم بالتشريك، فإن ترك الميت بنت بنت وبنت أخت، فعند أبي حنيفة الميراث لبنت البنت، وعند أحمد بينهما نصفان، واحتجًا بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وبما رواه الدارمي(٢) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((الخال وارث))(٣)، وله عن إبراهيم أن عمر وعبد الله رأيا أن يورثا خالاً، وله عن واسع بن حبان: توفي ابن الدحداح ولم يترك عقبا، فقال النبي وقال: ((هل تعلمون له فيكم نسباً))؟ قالوا: ما نعرفه، يا رسول الله، فدعاابن أخيه، فأعطاه ميراثه. والحجة لأبي حنيفة على أحمد ما رواه الدارمي عن عامر كان ابن مسعود ينزل الخالة بمنزلة أمه، وينزل العمة بمنزلة أخيها، وله عن عامر عن مسروق (١) سورة الأنفال: الآية ٧٥. (٢) انظر: ((سنن الدارمي)) (٢٩١/٢). (٣) كذا في الأصل، وكذا في نسخة الدارمي. اهـ. ش. كذا قال الشارح. وأما النسخة المطبوعة بين أيدي ففيها: (الخال وارث من لا وارث له)). ٤٩٨ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٣) باب (١٣) باب ميراث أهل الملل مثله، وله عن الحسن: أن عمر - رضي الله عنه - أعطى الخالة الثلث، والعمة الثلثين، وأجيب عما رواه بأنه محمول على وروده قبل نزول الآية، أو على أن العمة والخالة لا ترثان مع عصبة، ولا مع ذي فرض، يُرَدُّ عليه، فإن الرد على ذوي الفروض مقدمٌ على تورث ذوي الأرحام، انتهى. وتقدم ما قال محمد في ((موطئه))(١): ونحن نروي عن عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، أنهم قالوا في العمة والخالة، إذا لم يكن ذو سهم ولا عصبة: فللخالة الثلث، وللعمة الثلثان، وحديث يرويه أهل المدينة لا يستطيعون رده أن ثابت بن الدحداح مات، ولا وارث له، فأعطى رسول الله ﴿ ﴿ أبا لبابة، وكان ابن أخته ميراثه، وكان ابن شهاب يُوَرِّثُ العمةَ والخالةَ، وذوي القرابات بقرابتهم، وكان من أفقه أهل المدينة وأعلمهم بالرواية، انتهى. (١٣) ميراث أهل الملل جمع ملة، يعني ميراث أهل المذاهب المختلفة، قال الموفق(٢): أجمع أهل العلم على أن الكافر لا يرث المسلم، وبه قال جمهور الصحابة والفقهاء، يروى هذا عن الخلفاء الراشدين الأربعة، وأسامة بن زيد، وجابر، وبه قال عروة والزهري وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وعامة الفقهاء، وعليه العمل، وروي عن عمر ومعاذ ومعاوية أنهم وَرَّنُوا المسلم من الكافر، ولم يُوَرِّثوا الكافر من المسلم، وحكي ذلك عن ابن المسيب ومسروق والشعبي والنخعي ويحيى بن يعمر وإسحاق، وليس بموثوق به عنهم، فإن أحمد قال: ليس بين الناس اختلاف في أن المسلم لا (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (١٣٠/٣). (٢) ((المغني)) (١٥٤/٩). ٤٩٩ ٤٠ - كتاب الفرائض (١٣) باب يرثُ الكافر، وروي أن يحيى بن يعمر احتجّ لقوله بأن رسول الله وَل قال: ((الإسلام يزيد ولا ينقص)). ولنا، ما روى أسامة بن زيد أن رسول الله و سلم قال: ((لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر))، متفق عليه(١)، وروى أبو داود (٢) بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَل : ((لا يتوارث أهل ملتين شتّى))، وأما حديثهم، فيحتمل أنه أراد أن الإسلام يزيد بمن يُسْلم وبما يُفْتَحُ من البلاد لأهل الإسلام، ولا ينقص من يرتد، لقلة من يرتدّ، وكثرة من يسلم، وعلى أن حديثهم مجمل، وحديثنا مُفَسِّرٌ، وحديثهم لم يُتَّفَقْ على صحته، وحديثنا مُتَّفَقٌ عليه، فتعين تقديمه. والصحيح عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لا نَرِث أهلَ الملل، ولا يَرِثُونَنَا(٣)، وقال في عَمّة الأشعث: يَرثُها أهلُ دينها، وأما الكفار فيتوارثون، إذا كان دينهم واحداً، لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافاً، فإن اختلفت أديانهم، فاختلف عن أحمد فروي عنه أن الكفر كله ملة واحدة، يرث بعضهم بعضاً، واختاره الخلال، وبه قال حماد وابن شبرمة وأبو حنيفة والشافعي وداود؛ لأن توريث الآباء عن الأبناء، وعكسه مذكور في كتاب الله تعالى ذكراً عاماً، فلا يُتْرك إلا فيما استثناه الشرع، وما لم يستثنه الشرع يبقى على العموم. ولأن قول الله تبارك وتعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ﴾(٤) عام في جميعهم، ورُوي عن أحمد أن الكفر ملل مختلفة، لا يرث بعضُهم بعضاً، اختاره أبو بكر، وهو قول كثير من أهل العلم؛ لأن قوله وَالر: ((لا يتوارث أهل ملتين (١) أخرجه البخاري (١٨٧/٥) من كتاب ((الفرائض)) وأخرجه مسلم في (١٢٢٣/٣). (٢) أخرجه أبو داود (١١٣/٢). (٣) أخرجه الدارمي (٢٨٥/٢). (٤) سورة الأنفال: الآية ٧٣. ٥٠٠