النص المفهرس

صفحات 401-420

٣٩ - كتاب الوصية
(١٠) باب
(١٤٨٨) حديث
وقال أيضاً في حديث عمر - رضي الله عنه -: ((ما بال رجال ينحلون
أبناءهم))، الحديث، قال: يقتضي أن إخراج العطية من يد الأب الناحل، هو
الواجب أو الأفضل، فإن كان الابن بالغاً مالكاً لأمر نفسه، فحكمه حكم
الأجنبي، وإن كان صغيراً فإن من العطايا ما لا يَصِحُّ إلا بإخراج الأب العطية
من يده إلى يد من يحوزها له، ومنها؛ ما يصح حيازتها مع بقائها بيد الأب،
إلا أن إخراجها عن يد الأب إلى يد غيره أفضل وأبين في صحة الحيازة، فإذا
ثبت ذلك، فإن العطايا على ضربين: منها ما لا يتعين كالدنانير والدراهم،
ومنها؛ ما يتعين كالحيوان والعرض، ثم بسط الاختلاف في كلا النوعين.
٤٠١

٤٠ - كتاب الفرائض
(١) باب
بسم الله الرحمن الرحيم
٤٠ - كتاب الفرائض
(١) باب ميراث الصلب
٤٠ - كتاب الفرائض
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا في النسخ الهندية بتقديم الكتاب على التسمية، وهكذا في أكثر
المصرية، وفي بعضها بتقديم التسمية، واقتفينا في ذكر الكتاب ههنا أيضاً
النسخ الهندية، واختلفت النسخ المصرية في ذكر كتاب الفرائض، فذكره
الزرقاني، وصاحب ((التنوير)) بعد كتاب العقيقة، والباجي بعد كتاب الشفعة.
والفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة، أي مقدَّرةٌ لما فيها من السهام
المقدرة، فغلبت على غيرها، والفرض لغةً التقدير، وشرعاً نصيب مقدّرٌ
للوارث، وهي ستة: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس،
ثم يقال للعلم بمسائل الميراث: علم الفرائض، وللعالم به فرضيٍّ، وفي
الحديث: ((أفرضكم زيد)) أي أعلمكم بهذا النوع.
قال الدردير(١): يسمى بعلم الفرائض وعلم المواريث، وهو علم يُعْرف
به من يرث، ومن لا يرث، ومقدار ما لكل وارث، وموضوعه التركات، وغايته
إيصال كل ذي حق حقه من التركة، انتهى.
(١) ميراث الصلب
قال المبرد: أصل الميراث واوية، ومعناه الانتقال من واحد إلى آخر،
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٢٦/٤).
٤٠٢

٤٠ - كتاب الفرائض
(١) باب
حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَالَّذِي
أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْم بِبَلَدِنَا، فِي فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ: أَنَّ مِيرَاثَ
الْوَلَدِ مِنْ وَالِدِهِمْ، أَوْ وَالِدَتِهِمْ، أَنَّهُ إِذَا تُوُفِّيَ الْأَبُ أَوِ الْأُمُّ. وَتَرَكًا
وَلَداً رِجَالاً وَنِسَاءً. فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الْأَنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ
اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النَّصْفُ.
كذا في ((المحلى))، والصلب الظهر، والمراد ميراث الأولاد.
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) أي لا خلاف فيه بين علماء
المدينة (والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا) المدينة المنوّرة - زادها الله شرفاً
وكرامةً - (في فرائض المواريث أن ميراث الولد) جنس يعم الذكور والإناث يعني
ميراث الأولاد (من والدهم) أبيهم (أو والدتهم) أي أمهم (أنه إذا توفي الأب أو
الأم وتركا ولداً) أولاداً، وفسرها بقوله: (رجالاً ونساءً) للتعميم يعني تركا
النوعين معاً (فللذكر مثل حظ الأنثيين) تثنية الأنثى يعني للابن ضعف ما للبنت،
وذلك لفضل الذكر واختصاصه بأمور لا تلزم الأنثى من النفقات والمصاريف.
(فإن كن) أي البنات (نساء) فقط ليس معهن ابن (فوق اثنتين) خبر ثانٍ
لقوله: كن، أو صفة لنساء (فلهن ثلثا ما ترك) الميت، وهكذا إذا كانتا اثنتين،
وذكر فوقهما اتباعاً للتنزيل (وإن كانت) البنت (واحدة) ليس معها ولد (فلها
النصف) وعلم منه أن المال كله للذكر إذا انفرد؛ لأنه جعل له مثل حظهما.
وقد جعل للأنثى الواحدة النصف إذا انفردت، فللذكر المنفرد ضعف النصف،
وهو الكل.
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن ميراث الولد من الأبوين على
ضربين: أحدهما؛ أن يرثوا بالتعصيب، وهو أن يكون الولد رجالاً ونساءً،
والثاني؛ أن يرثوا بالفرض، وهو أن يكن نساء، فإن ورثوا بالتعصيب، وكانوا
(١) ((المنتقى)) (٢٢٤/٦).
٤٠٣

٤٠ - كتاب الفرائض
(١) باب
رجالاً، فالميراث بينهم بالسواء لتساويهم في سبب استحقاقهم، وصفتهم في
أنفسهم، وإن كانوا رجالاً ونساء، فللذكر مثل حظ الأنثيين.
والأصل في ذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ
حَظِّ الْأُنْشَيَبْنِ﴾(١) الآية، وأما إن ورث البنات بالفرض لانفرادهن، فلا يخلو أن
يكن واحدة أو أكثر من ذلك، فإن كانت واحدة فلها النصف؛ لقوله تعالى:
﴿وَإِن كَانَتْ وَحِدَةٌ فَلَهَا النَّصْفُّ﴾، وإن كن اثنتين فالذي عليه جماعة الصحابة
ومن بعدهم أن فرض البنتين فما زاد الثلثان، وروى ابن عباس أنه قال:
فرضهما النصف، ولم يثبت ذلك عنه، والدليل على ضعف هذا القول الإجماع
علی خلافه، انتهى.
قال الموفق(٢): أجمع أهل العلم على أن فرض الابنتين الثلثان إلا رواية
شاذة عن ابن عباس أن فرضهما النصف؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ
اثْنَتَيْنِ﴾ الآية، فمفهومه أن ما دون الثلاث ليس لهما الثلثان، والصحيح قول
الجماعة. فإن النبي ◌ّ﴾ قال لأخي سعد بن الربيع: ((أعط ابنتي سعد الثلثين))،
ولأن كل من يرث الواحد منهم النصف، فللاثنتين منهم الثلثان، كالأخوات من
الأبوين والأخوات من الأب، وكل عدد يختلف فرض واحد منهم وجماعتهم،
فللاثنين منهم مثل فرض الجماعة كولد الأم، والأخوات من الأبوين أو من
الأب، فأما الثلث من البنات فما زاد فلا خلاف في أن فرضهن الثلثان.
واختلف فيما ثبت به فرض الابنتين، فقيل: ثبت بهذه الآية، والتقدير،
فإن كن نساء اثنتين، وفَوْقَ صلةٌ، كقوله تعالى: ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ أي
اضربوا الأعناق، وقد دل على هذا أن النبي و * حين نزلت هذه الآية أرسل
(١) سورة النساء: الآية ١١.
(٢) («المغني)) (١١/٩).
٤٠٤

٤٠ - كتاب الفرائض
(١) باب
فَإِنْ شَرِكَهُمْ أَحَدٌ بِفَرِيضَةٍ مُسَمَّةٍ، وَكَانَ فِيهِمْ ذَكَرٌ، بُدِئَ بِفَرِيضَةِ مَنْ
شَرِكَهُمْ. وَكَانَ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذُلِكَ بَيْنَهُمْ، عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ.
إلى أخي سعد بن الربيع: ((أعط ابنتي سعد الثلثين))، وهذا من النبي ◌َّ تفسير
للآية، واللفظ إذا فسِّرَ كان الحكم ثابتاً بالمُفسَّر لا بالتفسير.
ويدل على ذلك أيضاً أن سبب نزول الآية قصة بنتي سعد بن الربيع،
وقيل: بل ثبت بهذه السنة الثابتة، وقيل: بل ثبت بالتنبيه الذي ذكرنا، وقيل:
بل ثبت بالإجماع، وقيل: بالقياس، وفي الجملة فهذا حكم قد أجمع عليه
وتواردت عليه الأدلة التي ذكرناها كلها، فلا يضرنا أيها أثبته، انتهى.
(فإن شركهم) بفتح المعجمة وكسر الراء المهملة أي شرك الأولاد (أحد)
آخر (بفريضة) أي حصة (مسماة) معينة من الربع والثلث وغيرهما (وكان فيهم)
أي في الأولاد (ذكر) أيضاً (بدئ) بضم الموحدة وكسر الدال بعده همزة ببناء
المجهول من البدء (بفريضة من شركهم) أي بفريضة الشركاء أصحاب الفروض
(ثم كان ما بقي) من المال (بعد ذلك) أي بعد إعطاء أصحاب المواريث (بينهم)
بين الأولاد (على قدر مواريثهم) يعني للذكر مثل حظ الأنثيين.
قال الباجي(١): يريد أن البنات إذا كان معهن ابنٌ ذكرٌ، فإنهم يرثون
بالتعصيب، فإذا شركهم من له فرض كأحد الأبوين أو الزوجين بُدِئ بفريضة من
شركهم؛ لأن الابن قد نقلهن من الفرض إلى حكم التعصيب، فوجب تقديم
الفروض؛ لقوله وَله: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو الأولى رجل
ذكر))، ولو انفرد البنات لَكُنَّ من أصحاب الفرائض، يُبْدَأْنَ كما يبدأ غيرهن،
فإن وسع الفرائض المال، وإلا دخل الفريضة العول في قول جميع الصحابة إلا
ما روي عن ابن عباس، انتهى.
(قال مالك) كذا في أكثر النسخ المصرية، وليس في بعضها، ولا في
(١) ((المنتقى)) (٢٢٥/٦).
٤٠٥

(١) باب
٤٠ - كتاب الفرائض
وَمَنْزِلَةُ وَلَدِ الْأَبْنَاءِ الذُّكُورِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ، كَمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ. سَوَاءٌ
ذُكُورُهُمْ كَذُكُورِهِمْ. وَإِنَاثُهُمْ كَإِنَائِهِمْ. يَرِثُونَ كَمَا يَرِثُونَ. وَيَحْجُبُونَ
كَمَا يَحْجُبُونَ.
النسخ الهندية لفظ ((قال مالك))، بل ذكر الكلام الآتي في نسق الكلام السابق
(ومنزلة) أي مرتبة (ولد) أي أولاد (الأبناء الذكور) صفة للأبناء (إذا لم يكن)
للميت، زاد في النسخ الهندية بعد ذلك لفظ (دونهم) أي فوقهم، والأقرب
منهم، وليس هذا اللفظ في المصرية (ولد) وهذا كله مبتدأ، وقوله: (كمنزلة
الولد سواء) خبره، ثم فسره بقوله: (ذكورهم) أي ذكور أولاد الأبناء
(كذكورهم) أي كذكور الأبناء (وإناثهم كإناثهم) وفي النسخ الهندية: ذكرهم
كذكرهم وأنثاهم كأنثاهم (يرثون) أي أولاد الأبناء (كما يرثون) الأبناء
(ویحجبون کما يحجبون).
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن ولد الابن عند عدم الولد بمنزلة الابن
لأنثاهم النصف يعني إن كانت واحدة، وللاثنين منهما، فما زاد الثلثان،
وللذكر فما زاد جميع المال، وذكرهم يعصب أخته، فيكون لهما جميع المال،
للذكر مثل حظ الأنثيين، فهذا في الميراث، فأما في الحجب فهم أيضاً بمنزلة
الولد للصلب.
وذلك أن حجب الولد وولد الابن على ضربين: حجب هو منع من
الميراث جملة. وحجب هو رد من فرض إلى فرض، فأما منع الميراث جملة،
فإن الابن يمنع الميراث ولد الابن، والإخوة للأب، والأخوات للأب،
والإخوة للأم، ويمنع الميراث كل عصبة لا فرض له من الأعمام، وبني العم،
وبني الأخ، وأما الحجب عن بعض الفرض، فإن الولد وولد الولد يردّ الزوج
إلى الربع، والزوجة إلى الثمن، والأم إلى السدس ونحو ذلك.
(١) ((المنتقى)) (٢٢٥/٦).
٤٠٦

٤٠ - كتاب الفرائض
(١) باب
فَإِنِ اجْتَمَعَ الْوَلَدُ لِلصُّلْبِ، وَوَلَدُ الإِبْنِ، وَكَانَ فِي الْوَلَدِ لِلصُلْبِ
ذَكَرٌ. فَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ مَعَهُ لِأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ الإِبْنِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي
الْوَلَدِ لِلصُّلْبِ ذَكَرٌ، وَكَانَتَا ابْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ مِنَ الْبَنَاتِ لِلصُّلْبِ،
فَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِبَنَاتِ الإِبْنِ مَعَهُنَّ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَ بَنَاتِ الإِبْنِ
ذَكَرٌ، هُوَ مِنَ الْمُتَوَفَّى
وفي ((الشرح الكبير)) (١) لابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن بنات الابن
بمنزلة البنات عند عدمهن في إرثهن وحجبهن، لمن يحجبه البنات، وفي جعل
الأخوات معهن عصبات، إلا ما رُوي عن ابن عباس أنه كان لا يورث
الأخوات مع البنات، فإذا كان مع بنات الابن ذكر في درجتهن، فإنه يُعَصِّبُهُنَّ
فيما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين في قول جمهور الفقهاء من الصحابة ومن
بعدهم، إلا ابن مسعود ومن تابعه، فإنه خالف الصحابة فيها، فقال: لِبناتِ
الابن الأضرُّ بهنّ من المقاسمة أو السدس.
(فإن اجتمع الولد للصلب وولد الابن) معاً يعني يكون للميت أولاد صلبية
وأولاد الابن أيضاً (وكان في الولد للصلب ذكر) أيضاً (فإنه لا ميراث معه) أي
مع ولد الصلب الذكر (لأحد من ولد الابن) لقوله وَ له: ((ألحقوا الفرائض بأهلها
فما بقي فهو لأولى رجل ذكر)) رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس، وأولى
من الولي بسكون اللام بمعنى القرب، أي لأقرب ذكر من أقارب الميت، وولد
الصلب أقرب إلى الميت من ولد ولده.
(فإن لم يكن) للميت (في الولد للصلب ذكرٌ) بل كانت أنثى (وكانتا ابنتين
فأكثر من ذلك) أي من ابنتين (من البنات للصلب، فإنه لا ميراث) إذ ذاك (لبنات
الابن معهن) أي مع بنات الصلب، إذ بنات الصلب أقربُ إلى الميت من بنات
الابن (إلا أن يكون مع بنات الابن ذكر) موصوف، وصفته (هو من المتوفى
(١) انظر: ((الشرح الكبير)) (١٢/٧) و((المغني)) (١٥/٩).
٤٠٧

٤٠ - كتاب الفرائض
(١) باب
بِمَنْزِلَتِهِنَّ. أَوْ هُوَ أَظْرَفُ مِنْهُنَّ. فَإِنَّهُ يَرُدُ، عَلَى مَنْ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ وَمَنْ
هُوَ فَوْقَهُ مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ، فَضْلاً إِنْ فَضَلَ. فَيَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ. لِلذَّكَرِ
مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ.
بمنزلتهن) أي يكون الذكر المذكور في مرتبة هذه البنات في القرب من الميت
(أو) يكون (هو) الذكر (أطرف) بالطاء والراء المهملتين آخره فاء أي يكون
الذكر المذكور أبعد أي أسفل (منهن) أيضاً (فإنه يردُّ على من هو بمنزلته و) يَرُدُّ
على (من هو فوقه من بنات الأبناء فضلاً) أي بقية المال، وهو مفعول يرد (إن
فضل) أي بقي من المال شيء، ( فيقتسمونه بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين وإن
لم يفضل) أي لم يبق شيء من المال بعد أداء الفرائض (فلا شيء لهم) قال
صاحب ((المحلى)): وبه قال جميع الفقهاء، وعن ابن عباس أنهن لسن بعصبة،
ولا يرثن شيئاً مع البنات مطلقاً .
قال الموفق(١): أجمع أهل العلم على أن بنات الصلب متى استكملن
الثلثين، سقط بنات الابن، ما لم يكن بإزائهن، أو أسفل منهن ذكرٌ يُعَصِّبُهن،
وذلك لأن الله تعالى لم يفرض للأولاد، إذا كانوا نساءً إلا الثلثين، قليلات كُنَّ
أو كثيرات، وهؤلاء لم يخرجن عن كونهن نساء من الأولاد، وقد ذهب الثلثان
الولد الصلب، فلم يبق لهن شيء، ولا يمكن أن يشاركن بنات الصلب؛ لأنهن
دون درجتهن، فإن كان مع بنات الابن ابنٌّ في درجتهن، كأخيهن، أو ابن
عمهن، أو أنزل منهن كابن أخيهن، أو ابن ابن عمهن، أو ابنِ ابنِ ابنِ عمِّهن،
عَصَّبَهن في الباقي، فجعل بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا قول عامة
الفقهاء، يروى ذلك عن عليّ وزيد وعائشة. وبه قال مالك والثوري والشافعي
وإسحق وأصحاب الرأي، وبه قال سائر الفقهاء إلا ابن مسعود - رضي الله عنه -
ومن اتبعه، فإنه خالف الصحابة في ست مسائل من الفرائض، هذه إحداهن،
فجعل الباقي للذكر دون أخواته، وهو قول أبي ثور.
(١) ((المغني)) (١٢/٩).
٤٠٨

٤٠ - كتاب الفرائض
(١) باب
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَلَدُ لِلصُّلْبِ إِلَّ ابْنَةً وَاحِدَةً، فَلَهَا النَّصْفُ. وَلِابْنَةِ
ابْنِهِ، وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ، مِمَّنْ هُوَ مِنَ
الْمُتَوَفَّى بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، السُّدُسُ. فَإِنْ كَانَ مَعَ بَنَاتِ الإِبْنِ ذَكَرٌ، هُوَ
مِنَ الْمُتَوَقَّى بِمَنْزِلَتِهِنَّ. فَلَا فَرِيضَةَ وَلَا سُدُسَ لَهُنَّ. وَلْكِنْ إِنْ فَضَلَ
بَعْدَ فَرَائِضِ أَهْلِ الْفَرَائِضِ فَضْلٌ، كَانَ ذُلِكَ الْفَضْلُ لِذْلِكَ الذَّكَرِ.
وَلِمَنْ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَمَنْ فَوْقَهُ
(وإن لم يكن الولد للصلب إلا ابنة واحدة) فقط (فلها النصف) بنص القرآن،
ثم إن كانت معها بنات الابن أيضاً فيكون (لابنة ابنه واحدة كانت) بنت الابن (أو
أكثر من ذلك) أي من الواحدة (من بنات الأبناء ممن هو) أي المذكور من البنت أو
البنات (من المتوفى بمنزلة واحدة) في القرب إلى الميت (السدس) بالرفع مبتدأ
مؤخر، لقوله: ((ولابنة ابنه))، وقد أخرج البخاري والأربعة: سئل أبو موسى عن
ابنة، وابنة ابن وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وائتٍ
ابن مسعود، فاسئل ابن مسعود، وأخبر بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللتُ إذاً وما
أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ◌َل﴾، للابنة النصف ولابنة الابن
السدس، وما بقي فللأخت، فأَخْبِر أبو موسى بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني
ما دام هذا الحبر فيكم(١)، ولا خلاف بين الفقهاء فيما رواه ابن مسعود، وفي
جواب أبي موسى إشعارٌ بأنه رجع عما قاله أولاً باجتهاده، قاله الزرقاني(٢).
(فإن كان مع بنات الابن ذكر) موصوف صفته (هو من المتوفى بمنزلتهن)
في القرب إلى الميت (فلا فريضة) أي لا نصف للبنت حينئذٍ (ولا سدس لهن)
لبنت الابن (ولكن إن فضل بعد فرائض أهل الفرائض فضلٌ) بقية من المال (كان
ذلك الفضل لذلك الذكر، ولمن هو بمنزلته) في القرب إلى الميت (ولمن هو فوقه)
(١) أخرجه البخاري (١٨٨/٨، ١٨٩، ١٩٠) من ((كتاب الفرائض)) وأبو داود من ((كتاب
الفرائض)) (١٠٨/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٠١/٣).
٤٠٩

٤٠ - كتاب الفرائض
(١) باب
مِنْ بَنَاتِ الْأَبْنَاءِ. لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ. وَلَيْسَ لِمَنْ هُوَ أَظْرَفُ
مِنْهُمْ شَيْءٌ. فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَّهُمْ. وَذُلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى قَالَ فِي
أي أقرب منه أيضاً (من بنات الأبناء) كلها (للذكر مثل حظ الأنثيين) على سبيل
التعصيب.
(وليس لمن هو أطرف) أي أسفل وأبعد من الميت (منهم شيء) لأن هذا
الذكر يكون حاجباً لمن هو أسفل منه (وإن لم يفضل شيء) بعد أهل الفرائض
(فلا شيء لهم).
قال الخرقي: فإن كانت ابنة واحدة وبنات ابن، فلابنة الصلب النصف،
ولبنات الابن واحدةً كانت أو أكثر من ذلك السدس تكملةً للثلثين، إلا أن
يكون معهن ذَكَرٌ، فيعصبهن فيما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين.
قال الموفق(١): في هذه المسألة ثلاثة أحكام: أحدها: أن للبنت الواحدة
النصف، ولا خلاف في هذا بين علماء المسلمين، الثاني: أنه إذا كان مع
البنت الواحدة بنت ابن، أو بناتُ ابن، فللبنت النصف، ولبنات الابن واحدة
كانت أو أكثر من ذلك السدسُ تكملةً للثلثين، وهذا أيضاً مجمع عليه بين
العلماء، وقد روي أنه سُئِل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن، الحديث، متفق عليه.
الثالث: إذا كان مع بنات الابن ذَكرٌ في درجتهن، فإنه يُعَصِّبُهن فيما بقي
للذكر مثل حظ الأنثيين في قول جمهور الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم، إلا
ابن مسعود في من تابعه، فإنه خالف الصحابة فيها، وهذه المسألة الثانية التي
انفرد فيها عن الصحابة، فقال: لِبناتِ الابن الأضرُّ بهن من المقاسمة أو
السدس، فإن كان السدس أقل مما يحصل لهن بالمقاسمة، فرضه لهن، وأعطى
الباقي للذكر، وإن كان الحاصل لهن بالمقاسمة أقل، قاسم بهن، انتهى.
(وذلك) أي دليل ما ذكر من الأحكام (أن الله تبارك وتعالى قال في كتابه)
(١) ((المغني)) (١٤/٩).
٤١٠

٤٠ - كتاب الفرائض
(٢) باب
كِتَابِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ اٌلْأَنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ
نِسَآءَ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ وَإِن كَانَتْ وَحِدَةٌ فَلَهَا النَّصْفُ﴾ .
قَالَ مَالِكٌ: الْأَظْرَفُ هُوَ الْأَبْعَدُ.
(٢) باب ميراث الرجل من امرأته والمرأة من زوجها
الكريم: (﴿يُصِيكُ اَللَّهُ﴾) أي يأمركم (﴿فِي أَوْلَدِكُمْ﴾) بالأحكام الآتية وهي
(﴿لِلذَّكَرِ﴾) منهم (﴿مِثْلُ حَظٍ﴾) أي نصیب (﴿الأُنثَیَبْنِ﴾) إذا اجتمعتا معه فله نصف
المال ولهما النصف، فإن كان معه واحدةٌ، فلها الثلث وله الثلثان، وإذا انفرد حاز
المال، كذا في ((الجلالين))، قال الزرقاني(١): وفيه دلالة، كما أشار له الإمام على
دخول أولاد الابن في لفظ أولاد، للإجماع على إرثهم دون أولاد البنت.
(﴿فَإِن كُنَّ﴾) الأولاد (﴿نِسَآءٍ﴾) فقط لا ذكر معها (﴿فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا
مَا تَرَكٌ﴾) الميت، وفي حكمها الاثنتان عند جمهور العلماء خلافاً لابن عباس،
إذ قال: لهما النصف كما تقدم قريباً (﴿وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً﴾) أي إن كانت
الأولاد بنتاً واحدة فقط (﴿فَلَهَا النَّصْفُّ﴾).
قال الباجي: ذكر الآية على سبيل الاحتجاج على صحة ما قاله، وبيان
موضع ما ذكر من أحكام المواريث.
(قال مالك: الأطرف) المذكور في الكلام السابق (هو الأبعد) باعتبار
القرابة من الميت.
(٢) ميراث الرجل من امرأته، والمرأة من زوجها
قال الموفق(٢): الزوج والزوجة ذو فرض لا يرثان بغيره، وفرض الزوج
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٠١/٣).
(٢) («المغني)) (٢١/٩).
٤١١

٤٠ - كتاب الفرائض
(٢) باب
النصف مع عدم ولد الميِّتةٍ وولد ابنها، والربع مع الولد، أو ولد الابن،
وفرضُ الزوجة والزوجات الربعُ مع عدم ولد الزوج، وولد ابنه، والثمن مع
الولد، أو ولد الابن، الواحدة، والأربع سواء بإجماع أهل العلم، والأصل فيه
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ﴾(١) الآية. قال: ولا فرق في
ميراث الزوجين بين ما قبل الدخول وبعده لعموم الآية، ولأن النبي وَلّ قضى
البروع بنت واشق بالميراث، وكان زوجها مات عنها قبل أن يدخل بها صداقاً .
قال(٢): وحكم النكاح في المرض والصحة سواء في صحة العقد،
وتوريث كل واحد منهما من صاحبه في قول الجمهور، وبه قال أبو حنيفة
والشافعي، وقال مالك: أيُّ الزوجين كان مريضاً مرضاً مخوفاً حال العقد،
فالنكاح فاسد، لا يتوارثان به إلا أن يصيبها، فيكون لها المسمى في ثلاثة
مقدماً على الوصية، وعن الزهري ويحيى بن سعيد مثله.
واختلف أصحاب مالك في نكاح من لم يرث كالأمة والذميّة، فقال
بعضهم: يصح لأنه لا يتهم بقصد توريثها، ومنهم من أبطله لجواز أن تكون
وارثة، وقال ربيعة وابن أبي ليلى: الصداق والميراث من الثلث، وقال
الأوزاعي: النكاح صحيح، ولا ميراث بينهما، وعن القاسم بن محمد والحسن
إن قصد الإضرار بورثته، فالنكاح باطل، وإلا فهو صحيح.
ولنا، أنه عقد معاوضة، يصح في المرض كالبيع، ولأنه نكاح صدر من
أهله في محله بشرطه فيصح، كحال الصحة، وقد روينا أن عبد الرحمن بن أم
الحكم تَزَوَّجَ في مرضه ثلاث نسوة، أصدق كل واحدة ألفاً ليضيق بهن على
امرأته، ويشركنها في ميراثها، فأجيز ذلك، وإذا ثبت صحة النكاح ثبت
الميراث لعموم الآية، اهـ.
(١) سورة النساء: الآية ١٢.
(٢) («المغني)) (١٩١/٩).
٤١٢

٤٠ - كتاب الفرائض
(٢) باب
قَالَ مَالِكٌ: وَمِيرَاثُ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ، إِذَا لَمْ تَتْرُكْ وَلَداً وَلَا
وَلَدَ ابْنِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، النِّصْفُ. فَإِنْ تَرَكَتْ وَلَداً، أَوْ وَلَدَ ابْنِ،
ذَكَراً كَانَ أَوْ أُنْثَى، فَلِزَوْجِهَا الرُّبُعُ، مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصِي بِهَا أَوْ
دَیْنِ.
وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا، إِذَا لَمْ يَتْرُكْ وَلَداً وَلَا وَلَدَ ابْن،
الرُّبُعُ. فَإِنْ تَرَكَ وَلَداً، أَوْ وَلَدَ ابْنٍ، ذَكَراً كَانَ أَوْ أُنْثَى، فَلِ مْرَأَتِهِ
الثُّمُنُ. مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ. وَذُلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ
(قال مالك: وميراث الرجل من امرأته) أي زوجته (إذا لم تترك) الزوجة
(ولداً) ذكراً كان أو أنثى (ولا ولد ابن) أعم من أن يكون من بطنها، أو من
صلب ولدها، سواء كان الولد (منه) أي من هذا الزوج (أو من غيره) أي من
زوج آخر، وليس في النسخ الهندية لفظ ((منه أو من غيره))، والأولى وجوده
(النصفُ) بالرفع على الخبرية (فإن تركت ولداً أو ولد ابن) وإن سفل (ذكراً
كان) الولد (أو أنثى، فلزوجها الربعُ) ودخول ولد الابن في الحكم بالإجماع، أو
لأن الولد يشمله أيضاً، ولا يدخل في ذلك ولد البنت، فإنه لا يحجب الزوج
من النصف إلى الربع (من بعد وصية توصي بها) المرأة (أو دين) يكون على
المرأة، عطف على وصية.
(وميراث المرأة) الزوجة (من زوجها) الميت (إذا لم يترك ولداً ولا ولد
ابن) وإن نزل بخلاف ولد البنت (الربع) بالرفع.
(فإن ترك) الزوج الميت (ولداً أو ولد ابن) وإن سفل (ذكراً كان) الولد (أو
أنثى فلامرأته الثمنُ) بالرفع، جعل ميراث الزوج ضعف ميراث الزوجة لدلالة قوله
تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأَنْشَيَيْنِ﴾، (من بعد وصية يُوصي بها) الزوج (أو دين)
على الزوج، وهو مقدم على وصية (وذلك) أي دليله (أن الله تبارك وتعالى يقول
في كتابه) العزيز: (﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ﴾) أي زوجاتكم (﴿إِن لَّْ يَكُنْ
٤١٣

٤٠ - كتاب الفرائض
(٢) باب
لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَّ مِنْ بَعْدٍ
وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُن ◌َ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ
يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ اُلُّمُنُ مِمَا تَرَكْتُمْ
مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ .
لَّهُبَّ وَلَدٌ﴾) منكم أو من غيركم (﴿فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾) ذكراً كان أو أنثى
(﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَا تَرَكْنَّ﴾) أزواجكم (﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ
دَيْنٍ﴾) كان عليهن (﴿وَلَهُنَّ﴾) أي للزوجات تَعَدَّدْنَ أَوْ لَا (﴿الرُّيُعُ﴾) بالرفع
(﴿مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ﴾) ذكر ولا أنثى (﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَّدٌ﴾)
ولو أنثى منهن أو من غيرهن (﴿فَلَهُنَ الثُمُنُ﴾) بالرفع (﴿مِمَا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدٍ
وَصِيَّةٍ تُصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾﴾(١).
وتقديم الوصية على الدين، وإن كانت مؤخرة عنه في الوفاء للاهتمام
بها، كذا في ((الجلالين)).
وقال الزرقاني (٢): استدلّ بتقديمها في الذكر من قال بتقديمها على الدَّيْنِ
في التركة، وأجاب من أخّرها بأنها قدمت لئلا يتهاون بها، انتهى. يعني لكون
أدائها شاقاً على الورثة في أخذها من غير عوض يصل إلى المورث بخلاف
الدين، كذا في ((الجمل)).
قال الباجي(٣): وهذا كما قال الإمام: إن فرض الزوج النصف، ويحجبه
الولد وولد الابن إلى الربع، وأكمل فروض الزوجة الربع، ويردها الولد وولد
الابن إلى الثمن، والأصل في ذلك الآية المتقدمة، وحكم الزوجة والزوجات
في ذلك سواء، لهن الربع دون الولد، والثمن معه يقتسمن ذلك على السواء،
ولا تنقص الزوجة أو الزوجات من الثمن إلا أن ينقصهن العول، مثل أن يترك
المتوفى زوجة وأبوين وبنتين.
(١) سورة النساء: الآية ١٢.
(٣) ((المنتقى)) (٢٢٧/٦).
(٢) (شرح الزرقاني)) (١٠٢/٣).
٤١٤

٤٠ - كتاب الفرائض
(٣) باب
(٣) باب ميراث الأب والأم من ولدهما
فإن أصل هذه الفريضة من أربعة وعشرين، وتعول إلى سبع وعشرين،
وتسمى المنبرية، وذلك أن علي بن أبي طالب سُئِل عن ميراث الزوجة من هذه
المسألة، وهو يخطب على المنبر، فقال: عاد ثمنها تسعاً، ومضى في خطبته،
انتھی .
(٣) ميراث الأب والأم
وفي الهندية ((الأم والأب))، والأول(١) أوجه لوفقه قول المصنف الآتي:
(من ولدهما).
أما ميراث الأب فقال الموفق(٢): له ثلاثة أحوال: حالٌ: يرثُ فيها
بالفرض، وهي مع الابن أو ابن الابن وإن سفل، فليس له إلا السدس،
والباقي للابن ومن معه، لا نعلم في هذا خلافاً.
الحال الثانية: يرثُ فيها بالتعصيب المجرَّد، وهي مع غير الولد، فيأخذ
المال إن انفرد، وإن كان معه ذو فرض غيرالولد، كزوج، أو أم، أو جدّة،
فلذي الفرض فرضُه، وباقي المال له.
الحال الثالثة: يجتمع له الأمران: الفرض والتعصيب، وهي مع إناث
الولد أو ولد الابن، فله السدس؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا
تَرَّكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدْ﴾(٣)، ولهذا كان للأب السدس مع البنت بالإجماع، ثم
يأخذ ما بقي بالتعصيب، لما روى ابنُ عباس قال: قال رسول الله وَله:
((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأوْلَى رجلٍ ذكر))، والأب أولى رجل
بعد الابن وابنه، وأجمع أهل العلم على هذا كله، فليس فيه بحمد الله اختلاف
نعلمه، انتهى.
(١) كذا في نسخة ((الاستذكار)) (٤٠٤/١٥).
(٢) («المغني)) (١٩/٩).
(٣) سورة النساء: الآية ١١.
٤١٥

٤٠ - كتاب الفرائض
(٣) باب
وأما الأم؛ فلها أيضاً ثلاثة أحوال، قال الموفق(١): حال: ترث فيها
الثلث بشرطين: أحدهما؛ عدم الولد وولد الابن من الذكور والإناث، وثانيهما؛
عدم الاثنين فصاعداً من الإخوة والأخوات من أيِّ الجهات كانوا، ذكوراً
وإناثاً، أو ذكوراً أو إناثاً، فلها في هذه الحال الثُّلُثُ، بلا خلاف نعلمه بين
أهل العلم.
الحالُ الثاني: لها السدسُ، إذا لم يجتمع الشرطان، بل كان للميت ولدٌ
وولدُ ابن، أو اثنان من الإخوة والأخوات في قول جمهور الفقهاء، وقال
ابن عباس: لا يحجُبُ الأمَّ عن الثُّلثِ إلى السُّدسِ من الإخوة والأخوات إلا
ثلاثةٌ، وحُكِي ذلك عن معاذ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ
الشُّدُسُّ﴾ (٢)، وأقل الجمع ثلاثة، ورُوي أن ابن عباس قال لعثمان: ليس
الأَخوان إخوة في لسانِ قومك، فلم تحجب بهما الأَمَّ؟ فقال: لا أستطيع أن
أردّ شيئاً كان قبلي، ومضى في البلدان، وتوارث الناسُ به.
ولنا؛ قولُ عثمان هذا، فإنه يدل على أنه إجماع، تَمَّ قبل مخالفة
ابن عباس.
الحال الثالث: إذا كان زوجٌ، وأبوان، أعطي الزوج النصف والأم ثلث ما
بقي، وما بقي فللأب، وإذا كانت زوجة وأبوان، أعطيت الزوجة الربع، والأم
ثلث ما بقي، وما بقي فللأب، وهاتان المسألتان يسميان العمريتين؛ لأن عمر
- رضي الله عنه - قضى فيهما بهذا القضاء، فاتّبعه على ذلك عثمانُ، وزيد بن
ثابت، وابن مسعود، وروي ذلك عن علي، وبه قال الحسن والثوري ومالك
والشافعي وأصحاب الرأي.
(١) ((المغني)) (١٨/٩).
(٢) سورة النساء: الآية ١٧٦.
٤١٦

٤٠ - كتاب الفرائض
(٣) باب
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ،
وَالَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَكِنَا: أَنَّ مِيرَاثَ الْأَبِ مِنِ ابْنِهِ أَوِ
ابْنَتِهِ، أَنَّهُ إِنْ تَرَكَ الْمُتَوَفَّى
وجعل ابن عباس - رضي الله عنه - ثلث المال كله للأم في المسألتين،
لأن الله تعالى فرض لها الثلث عند عدم الولد والإخوة، وليس هاهنا ولد
وإخوة، ويروى ذلك عن علي، وروي ذلك عن شريح في زوج وأبوين، وقال
ابن سيرين كقول الجماعة في زوج وأبوين، وكقول ابن عباس في امرأة
وأبوين، وبه قال أبو ثور؛ لأننا لو فرضنا للأم ثلث المال في زوج وأبوين
لفضلناها على الأب، ولا يجوز ذلك.
وفي مسألة المرأة لا يُؤَدَّى إلى ذلك، واحتجّ ابنُ عباس بعموم قوله
تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ، أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ اَلُّلُثُ﴾(١)، وبقوله اَلّ: ((ألحقوا
الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر))، والأب هاهنا عصبةٌ، فيكون
له ما فَضَل عن ذوي الفروض، كما لو كان مكانه جَدٌّ، والحجةُ معه، لولا
انعقاد الإجماع من الصحابة على مخالفته، ولأن الفريضة إذا جمعت أبوين وذا
فرض، كان للأم ثلثُ الباقي، كما لو كان معهم بنتٌ، وما ذهب إليه ابنُ سيرين
تفريقٌ في موضع أجمع الصحابة على التسوية فيه، انتهى.
وهاتان المسئلتان اللتان سماهما الموفق(٢) العمريتين، يقال لهما:
الغراوان أيضاً، كما سيأتي بيانهما في كلام المصنف أيضاً.
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه) بين أهل العلم
(و)هو (الذي أدركتُ عليه أهل العلم ببلدنا) المدينة المنوّرة (أن ميراث الأب من
ابنه أو ابنته) فيه تفصيل وأحوال مختلفة تقدم ذكرها، منها (أنه إن ترك المتوفى
(١) سورة النساء: الآية ١١.
(٢) («المغني)» (٢٣/٩).
٤١٧

٤٠ - كتاب الفرائض
(٣) باب
وَلَداً، أَوْ وَلَدَ ابْنِ ذَكَراً، فَإِنَّهُ يُفْرَضُ لِلْأَبِ السُّدُسُ فَرِيضَةً. فَإِنْ لَمْ
يَتْرُكِ الْمُتَوَّفَّى وَلَداً، وَلَا وَلَدَ ابْنِ ذَكَراً، فَإِنَّهُ يُبَدَّأُ بِمَنْ شَرَّكَ الْأَبَ
مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ. فَيُعْطَوْنَ فَرَائِضَهُمْ. فَإِنْ فَضَلَ مِنَ الْمَالِ السُّدُسُ،
فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ لِلْأَبِ.
ولداً أو ولدَ ابن) وإن سفل حال كون كل منهما (ذكراً) فإن حكم البنت بخلاف
ذلك (فإنه يُفرض) ببناء المجهول (للأب) حينئذٍ (السُّدسُ) بالرفع (فريضةٌ)
بالنصب، وهذا أول الأحوال الثلاثة المذكورة للأب، وتقدم أنه مجمع عليه
عند أهل العلم.
(فإن لم يترك المتوفى ولداً ولا ولد ابن) حال كونه (ذكراً، فإنه يبدأ) حينئذٍ
(بمن شَرَّكَ الأبَ) مفعول شَرَّك، وفاعله الضمير إلى الموصول (من أهل
الفرائض) بيان لمن (فيعطون) ببناء المجهول (فرائضهم) ثم ينظر (فإن فَضَلَ من
المال السُّدسُ فما فوقه كان) كله (للأب) وهذا هو الحال الثالث، جمع فيها
الأب الفرض والتعصيب معاً، وهذا أيضاً مجمع عليه، كما تقدم.
وقال الباجي(١): هذا كما قال: إن ميراث الأب من ابنه أو ابنته يكون
على وجهين: أحدهما؛ أن ينفرد بالفرض، والثاني؛ أن يجمع الفرض
والتعصيب، وقد قال أبو إسحاق الإسفراييني وبعض أصحاب الشافعي: إنه
ينفرد بالتعصيب، فأما موضع انفراده بالفرض، فتارة يكون مع من هو أقوى
تعصيباً منه كالابن وابن الابن، فإن هذا يحجب بعصبته، ويُرَدُّ إلى مجرد
فرضه، وهو السدس الثاني أن يعطي فرضه، وهو السدس.
ثم يستغرق أهل الفروض بقية المال، فلا يبقى منه ما يورث بتعصيب،
وذلك أن يرث المتوفى ابنتان فأكثر، وأبوان، فيكون للابنتين الثلثان،
وللأبوين لكل واحد منهما السدس، فلا يبقى من المال بعد ذلك شيء، وأما
(١) ((المنتقى)) (٢٢٧/٦).
٤١٨

٤٠ - كتاب الفرائض
(٣) باب
وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُمْ السُّدُسُ فَمَا فَوْقَهُ، فُرِضَ لِلْأَبِ السُّدُسُ،
فَرِيضَةً.
وَمِيرَاثُ الْأُمِّ مِنْ وَلَدِهَا، إِذَا تُؤُفِّيَ ابْنُهَا أَوِ ابْنَتُهَا، فَتَرَكَ
الْمُتَوَفَّى وَلَداً أَوْ وَلَدَ ابْنِ، ذَكَراً كَانَ أَوْ أُنْثَى، أَوْ تَرَكَ مِنَ الْإِخْوَةِ
اثْنَيْنِ فَصَاعِداً، ذُكُوراً كَانُوا أَوْ إِنَاثاً، مِنْ أَبٍ وَأُمِّ، أَوْ مِنْ أَبِ أَوْ
مِنْ أُمِّ، فَالسُّدُسُ لَهَا .
موضع يجمع فيه الميراث بالفرض والتعصيب، مثل أن يرث المتوفى أب
وزوجة، فإن للزوجة الربع، وللأب السدس بالفرض، ويبقى نصف ونصف
السدس، فيكون له بالتعصيب، انتهى مختصراً.
(وإن لم يفضل عنهم) أي عن أهل الفرائض (السدس فما فوقه) ذكر لفظ
فما فوقه استطراداً، والمعنى لم يبق السدس (فرض) ببناء المجهول (للأب
السدس) بالرفع (فريضة) بالنصب، قال الزرقاني(١): يعال له بها، وذلك في
المنبرية: زوجةٌ وأبوان وابنتان، فللزوجة الثمن، ثلاثة، وللبنتين الثلثان، ستة
عشر، وللأم السدس، أربعة، فيعال فيها بمثل ثمنها، فتصير سبعاً وعشرين،
وينقص كل واحد تسع ماله؛ لأن الأب لا ينقص عن السدس، انتهى. وتقدم
في آخر الباب السابق وجه تسميتها بالمنبرية.
(وميراث الأم من ولدها) له أيضاً أحوال مختلفة، منه أنه (إذا توفي ابنها
أو ابنتها فترك المتوفى) أي مع الأم (ولداً أو ولد ابن ذكراً كان) كل واحد منهم
(أو أنثى أو ترك) الميت (من الإخوة اثنين فصاعداً) أي أكثر من الاثنين (ذكوراً
كانوا أو إناثاً) سواء كانوا أي الإخوة (من أم وأب) أي أشقاء (أو من أب) فقط
(أو من أم) فقط أي كيفما كانت الأخوة من الأنواع الثلاثة (فالسدس لها) أي
للأم فريضة، وهذا هو الحال الثاني من الأحوال الثلاثة للأم، وتقدم أنه قول
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٠٣/٣).
٤١٩

٤٠ - كتاب الفرائض
(٣) باب
وَإِنْ لَمْ يَتْرُكِ الْمُتَوَّفَّى، وَلَداً وَلَا وَلَدَ ابْنٍ، وَلَا اثْنَيْنِ مِنَ
الْإِخْوَةِ فَصَاعِداً، فَإِنَّ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ كَامِلاً. إِلَّ فِي فَرِيضَتَيْنِ فَقَطْ.
جمهور العلماء من الصحابة وغيرهم، وفيه خلاف ابن عباس ومعاذ - رضي الله
عنهم .. ويقال: صار مجمعاً عليه من قبل ابن عباس.
(فإن لم يترك المتوفى ولداً ولا ولد ابن) من الذكور والإناث (ولا اثنين من
الإخوة فصاعداً) أي أكثر من اثنين من أي جهة كانوا (فإن للأم الثلث كاملاً)
وهذه أول الأحوال الثلاثة المتقدمة للأم، وتقدم أنه لا خلاف فيه بين أهل
العلم.
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن ميراث الأم من ابنها يتنوع بنوعين
على مذهب مالك وجمهور الفقهاء، أحدهما: بالفرض، وهو على ضربين:
الثلث مع عدم الولد وولد الابن والاثنين من الإخوة فصاعداً، وأما مع وجود
أحد ممن ذكرنا، ففرضها السدس، وروي عن ابن عباس أنه لا يحجب الأم
من الثلث إلى السدس إلا الثلاثة من الإخوة فصاعداً، والدليل على ما ذهب
إليه الجمهور قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ، إِخْوَةٌ فَلِأُقِّهِ السُّدُسُ﴾ (٢)، ولفظ الإخوة
واقع على الاثنين، فزائداً على قولنا: إن أقل الجمع اثنان، وسواء كان الولد
أو ولد الابن ذكراً أو أنثى، أو كان الأخوان لأب وأم أو لأب أو لأم، أو
مفترقين، أحدهما للأب والآخر للأم، فإن كل ذلك يرد الأم من الثلث إلى
السدس .
والأصل في ذلك قول تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَحِدٍ مِنْهُمَا الشُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ
إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِئَّهُ: أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ اُلُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ فَلِأُمَّهِ
الشُّدُسُ﴾ (إلا في فريضتين فقط) يعني أن حكم الأم في الفرض السدس، أو
(١) ((المنتقى)) (٢٢٨/٦).
(٢) سورة النساء: الآية ١١.
٤٢٠