النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ. ٠٠ على هذا التأويل لكان عمله بمكة لا يبلغه درجة المهاجرين، فكيف أن يزداد به درجة ورفعة، انتهى. (ولعلك) ولعل وإن كانت للترجي، لكنها من الله تعالى للأمر الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان رسوله غالباً، كذا في ((الفتح)) (أن تخلف) والمراد بالتخلف هاهنا طول عمره، لا غيره، قال العيني: وكان كذلك عاش زيادة على أربعين سنة، وفي ((التقريب)): سعد بن أبي وقاص أحد العشرة، مات سنة خمس وخمسين على المشهور، وقال في ((الفتح)): فإنه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنة، بل قريباً من خمسين؛ لأنه مات سنة خمس وخمسين من الهجرة، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وهو المشهور، فعاش بعد حجة الوداع خمساً وأربعين أو ثمانياً وأربعين، انتهى. (حتى ينتفع بك أقوام) من المسلمين بإسلامهم على يديه، وآخرون بأخذ الغنائم من جهده (ويُضَرَّ بِكَ آخرون) المشركون الهالكون بيديه وبعونه، قال الباجي(١): التخلف هاهنا البقاء بعد من يموت من النبي وَ ل﴾ وأصحابه، وقد قيل في تأويله: إن سعداً أُمِّرَ على العراق فأتي بقوم ارتدّوا عن الإسلام، فاستتابهم، فأبى بعضُهم، فقتلهم، فَضَرَّ أولئك، وتاب بعضهم، فانتفعوا، ويحتمل عندي أن يكون إشارة إلى بقائه إلى وقتٍ وَلِيَ أمر الكوفة وغيرها، وقاد الجيوش، فانتفع به من استحق النفع واستضرّ به من استحق الضرر، وكان في ذلك تنبيهٌ له على أنه سيملك أن ينفع ويضر، انتهى. قال الحافظ(٢): أي ينتفع بك المسلمون بالغنائم مما سيفتح الله على يديك، ويَضُرُّ بك المشركون الهالكون على يديك، وزعم ابن التين: أن المراد (١) ((المنتقى)) (١٥٩/٦). (٢) ((فتح الباري)) (٣٦٧/٥). ٣٢١ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ. وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ. لُكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ . بالنفع ما وقع من الفتوح على يديه، كالقادسية وغيرها، وبالضرر ما وقع من تأمير ولده عمر بن سعد على الجيش الذي قتلوا الحسين بن علي - رضي الله عنه - ومن معه، وهو كلام مردودٌ لتكلفه لغير ضرورة، تحمل على إرادة الضرر الصادر من ولده، وقد وقع منه هو الضرر المذكور بالنسبة إلى الكفار، وأقوى من ذلك ما رواه الطحاوي من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبيه أنه سأل عامر بن سعد عن معنى قول النبي ◌َّر هذا، فقال: لما أُمِّرَ سعدٌ على العراق أتي بقوم ارتدُّوا، فذكر ما تقدم في كلام الباجي. (اللّهم أمض) بهمزة قطع من الإمضاء، وهو الإنفاذ أي أتمم (لأصحابي هجرتهم) التي هاجروها من مكة إلى المدينة (ولا تَرُدَّهم على أعقابهم) بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية، فيخيب قصدهم، ويسوء حالهم، ويقال لكل من رجع إلى حال دون ما كان عليه: رجع على عقبه، قال ابن عبد البر: فيه سَدُّ الذريعة؛ لأن قوله ذلك لئلا يتذَرَّع بالمرض أحد لأجل حب الوطن. قال الباجي(١): يحتمل أن يريد به أن البقاء مع الاختيار بمكة مما يؤثر في الهجرة، وهو من باب الرجوع على العقب، ومخالفة ما ابتدأهم الله به من الهجرة، وأن توفيقهم وعونهم على ملازمة المدينة دار الهجرة من إمضاء الهجرة لهم، وروي أن النبي وَلّ خلف رجلاً على سعد، وقال له: إن مات بمكة فلا تدفنه بها، انتهى. (لكن البائس) بموحدة وهمزة وسين مهملة، هو عند أهل اللغة الذي يتبين عليه أثر البؤس من شدة الفقر والحاجة (سعد بن خولة) بفتح المعجمة وسكون (١) ((المنتقى)) (١٥٩/٦). ٣٢٢ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ الواو، القرشي العامري. وقيل: من حلفائهم، وقيل: من مواليهم، وقيل: هو فارسي من اليمن، وقال بعضهم: اسمه خوليٍّ بكسر اللام وشد التحتية، واتفقوا على أنه بسكون الواو، وأغرب القابسي، فقال: بفتحها . وفي رواية للبخاري عن عامر بن سعد فقال: ((يرحم الله ابن عفراء))، ولأحمد والنسائي فقال ◌َّر: ((يرحم الله سعد بن عفراء، ثلاث مرات))، قال الداودي: قوله: ابن عفراء غير محفوظ، وقال الدمياطي: هو وهم، والمعروف ابن خولة، وقال: لعل الوهم من سعد بن إبراهيم الراوي له، فإن الزهري أحفظ منه، وقال: سعد بن خولة، ووافقه جماعة، وهو الذي ذكره أصحاب المغازي، وذكروا أنه شهد بدراً، ومات في حجة الوداع، وقال التيمي: يحتمل أن يكون لأمه اسمان خولة وعفراء، وقال الحافظ: يحتمل أن يكون أحدهما اسماً، والآخر لقباً، أو أحدهما اسم أمه، والآخر اسم أبيه، أو الآخر اسم جدة له، والأقرب أن عفراء اسم أمه، والآخر اسم أبيه، لاختلافهم في أنه خولة أو خوليّ. (يرثي) بفتح التحتية وسكون الراء وكسر المثلثة، أي يتوجع ويحزن، والرثاء يطلق على التوجع، والتحزن، وهذا هو المباح الذي فعله وَالر، ويطلق على ذكر أوصاف الميت الباعثة على تهييج الحزن. وهو لا يجوز، وهو المراد بما ورد في الروايات من النهي عن المراثي، ورثاء الجاهلية، (له) أي لأجله (رسول الله ◌َّ*) قال ابن عبد البر: زعم أهل الحديث أن قوله: يرثي إلخ من كلام الزهري، وقال ابن الجوزي وغيره: هو مدرج من كلام الزهري، قال الحافظ: وكأنهم استندوا إلى ما رواه الطيالسي عن إبراهيم بن سعد عن الزهري، فإنه فصل ذلك، لكن رواه البخاري في الدعوات بلفظ قال سعد: ((رثى له)) فهذا صريح في وصله. (أن) بفتح الهمزة للتعليل، ولا يصحُّ كسرها؛ لأنها تكون شرطية، ٣٢٣ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث مَاتَ بِمَكَّةَ)). أخرجه البخاريّ في: ٢٣ - كتاب الجنائز، ٣٧ - باب رئي النبيُّ وَّ سعد بن خولة. ومسلم في: ٢٥ - كتاب الوصية، ١ - باب الوصية بالثلث، حديث ٥. والشرط لما يستقبل، وهو قد كان مات، كذا في ((الفتح))(١) (مات بمكة) في حجة الوداع، كما في ((الصحيحين))، وبه جزم الليث بن سعد في ((تاريخه))، خلافاً لمن قال: مات في مدة الهدنة مع قريش في سنة سبع، فتوجَّعَ رَِّ لموته في أرض هاجر منها، كما جزم به البخاري وغيره، وأنه شهد بدراً خلافاً لمن قال: لم يهاجر، فسبب بؤسه عدم هجرته، فإنما بؤسه؛ لأنهم كانوا يكرهون الإقامة في أرض هاجروا منها، وتركوها مع حبهم فيها لله تعالى. فلذا خَشِيَ سعدٌ أن يموت بها، وتوجَّعَ بََّ لابن خولة أن مات بها، قاله الزرقاني(٢). وقال الباجي(٣): ذكر ابن مزين أن سعد بن خولة كان قد أسلم، فأقام بمكة، ولم يهاجر حتى مات، فكره له النبي ◌َ ◌ّ ذلك، ورثى له، وذكر البخاري أن سعد بن خولة شهد بدراً، ثم انصرف إلى مكة، ومات بها، وروي عن الليث أنه توفي بمكة في عام حجة الوداع (٤). وقال الطبري: توفي بمكة سنة سبع، والأول عندي أظهر، وهذا ظاهر لفظ النبي ◌َّ أنه رثى له أن مات بمكة، وهذا يقتضي أن لموت المهاجر بمكة تأثيراً في هجرته وثلماً لها، إما أن يكون ذلك لمن اختار المقام بمكة، وإما أن يكون لمن مات بها على أيِّ وجهٍ كان، وتعلق ذلك بالاختيار أظهر على أنه قلّ من مات بمكة من المهاجرين، ولعله قد أجيبت فيهم دعوة النبي وَلّ: ((اللَّهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تَرُدَّهم على أعقابهم))، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (١٦٥/٣). (٢) (شرح الزرقاني)) (٦٥/٤). (٣) ((المنتقى)) (١٥٩/٦). (٤) انظر: ((الاستذكار)) (٤٤/٢٣). ٣٢٤ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ. وَيَقُولُ: غُلَامِي يَخْدُمُ فُلَاناً مَا عَاشَ. ثُمَّ هُوَ حُرٍّ. فَيُنْظَرُ فِي ذُلِكَ، فَيُوجَدُ الْعَبْدُ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ. قَالَ: فَإِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ تُقَوَّمُ، قلت: وقد تقدم في ((باب عدة المتوفى عنها زوجها)) في حديث سبيعة أن ابن عبد البر نقل الاتفاق على أنه توفي في حجة الوداع، ولعله عَدَّ الخلاف فيه شاذاً . (قال مالك في الرجل يوصي بثلث ماله لرجل) أي لزيد مثلاً (ويقول) أي يوصي أيضاً بأن (غلامي) بكراً (يخدم فلاناً) أي عمراً (ما عاش) عمرو (ثم هو) أي بكر (حر) بعد موت عمرو (فينظر في ذلك) الذي ذكره من الوصيتين (فيوجد) بالجيم والدال المهملة في جميع النسخ المصرية من الوجدان، وهو أوجه لما سيأتي من أقوال المالكية في الشرح، بخلاف الهندية، ففيها بالخاء والذال المعجمتين من الأخذ، وهو ببناء المجهول في كلتا النسختين (العبد ثلث مال الميت) مفعول ثانٍ للفعل المجهول، يعني إذا نظرنا فوجدنا العبد هو ثلث مال الميت. (قال) مالك في ذلك: (فإن خدمة العبد تُقَوَّمُ) ببناء المجهول، وقد قال مالك في الذي يوصي بثلث ماله لزيد وبخدمة عبده لعمرو ما عاش، ثم هو حر، والعبد ثلث مال الميت: فإن خدمة العبد تُقَوَّمُ، قال أشهب: تُقَوَّمُ خدمتُه أقلَّ العمرين على غررهما غير مضمونة، إن مات أحدهما قبل ما جعل له من التعمير، فما صار له حاص به الذي أوصى له بالثلث بمنتهى الثلث، فيأخذ كل واحد منهما من خدمة العبد، أو إجارته بقدر حصته، فإذا مات الموصى له بالخدمة عتق العبد. قال الباجي(١): فإن قدم التعمير المذكور في الوصية بالخدمة عمره، أو (١) ((المنتقى)) (١٦٦/٦). ٣٢٥ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث ثُمَّ يَتَحَاصَّانِ. يُحَاصُّ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِالثُّلُثِ بِثُلُثِهِ. وَيُحَاصُّ الَّذِي أُوْصِيَ لَهُ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ بِمَا قُوَّمَ لَهُ مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ. فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِدْمَةِ الْعَبْدِ، أَوْ مِنْ إِجَارَتِهِ، إِنْ كَانَتْ لَهُ إِجَارَةٌ، بِقَدْرِ حِصَّتِهِ. فَإِذَا مَاتَ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ خِدْمَةُ الْعَبْدِ مَا عَاشَ، عَتَقَ الْعَبْدُ. بالنفقة عمره، روى أشهب عن مالك يعمرون سبعين سنة، وروى ابن كنانة عن مالك ثمانين سنة، وروى [القاضي أبو محمد] عن ابن الماجشون تسعين سنة، وروى علي بن زياد عن مالك يعمر أعمار أهل زمانه، ووجه كل قائل قوله، بأنه غاية العمر المعتاد غالباً، وإنما يزيد على ذلك النادر، ولا يحكم بذلك، وروي العبرة بالمائة؛ لأنه لا يقضى عليه بالموت إلا باليقين، أو ما يقوم مقامه من الأمر الذي لا يبلغه أحد في زماننا، وهي المائة، وإن أدّى بلوغه لأحد، فإنه يَشُذُّ شذوذاً لا يرجى لأحد. وحكم التعمير أن يُنْظَرَكَمْ مضى من عمره إلى يوم يستحق الأخذ من الوصية، ويُنْظَرُكَم بقي له من ذلك الوقت من التعمير، فيُحَاصُ بما يجب له من النفقة والكسوة والسكنى أهل الوصايا، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لا يدري كم يعطيه، ولا كَمْ يوقف له من الوصية إلا بهذ الوجه، انتهى مختصراً بالتغير. (ثم يَتَحَاصّان) أي يأخذ كل واحد من زيد وعمرو حصته من الوصية، ثم أوضح قوله: يتخَاصَّان بقوله: (يخاص) أي يأخذ حصته (الذي أوصي) ببناء المجهول (له بالثلث) وهو زيد، والجار متعلق بقوله: أوصي (بثلثه) أي بقدر ما يأتي حصته من الثلث، والجار يتعلق بقوله يحاصّ (ويحاص الذي أُوْصِي) ببناء المجهول (له بخدمة العبد بما قُوَّمَ) ببناء المجهول (له من خدمة العبد) ومن بيان لما قوم (فيأخذ كل واحد منهما) أي من زيد وعمرو (من خدمة العبد) إن كانت الوصية بالخدمة (أو من إجارته إن كانت له) أي للعبد (إجارة) أي إن حصل من إجارته عين (بقدر حصته) التي تأتي له في المحاصة. (فإذا مات) عمرو (الذي جعلت له خدمة العبد ما عاش) أي جعلت له خدمته مدة حياته، وهي وصيته التي تقدمت في أول القول (عتق العبد) عملاً ٣٢٦ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث بالوصية، قال الباجي: هذه المسألة مبنية على جواز الوصية بخدمة العبد، وسكنى الدار، وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري والليث، وقال ابن أبي ليلى: لا يصح ذلك، قال الطحاوي: وهو القياس، ودليلنا من جهة القياس أن هذا تمليك منافع، فصح ذلك من غير بدل، كالعرية. وإذا ثبت ذلك، فمن أوصي له بخدمة عبد أو سكنى دار، جاز له أن يكري ذلك، إلا أن يعلم أن الموصي أراد أن يسكنها بنفسه، خلافاً لأبي حنيفة، والدليل على ما نقوله أن هذه منافع، فصح بدلها، فجاز لمن ملكها أخذ عوض عنها، كالمستأجر، وإذا ثبت هذا فمن أوصى بثلث ماله لرجل، ويخدم غلامه فلاناً ما عاش، ثم هو حر، ففيه أربعة أبواب. أحدها: أن الوصايا إذا ضاق عنها الثلث، وتساوت في التأكيد، وقعت المحاصة فيها، سواء كانت في لفظ واحد، ووقت واحد، أو أوقات مختلفة، ومجالس شتى. الثاني: في أخذ الموصى له ما يوجب الوصية له عند ضيق الثلث، في عين ما أوصي له. الثالث: في المحاصة بالتعمير ومدة التعمير. والرابع: في تبدئة بعض الوصايا على بعض، ثم بسط الباجي(١) الكلام على هذه الأبواب الأربعة، فارجع إليه لو شئت التفصيل. وقال ابن رشد(٢): أما جنس الموصى به، فإنهم اتفقوا على جواز الوصية في الرقاب، واختلفوا في المنافع، فقال جمهور فقهاء الأمصار: ذلك جائز، وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأهل الظاهر: الوصية بالمنافع باطلة، وعمدة (١) ((المنتقى)) (١٦٠/٦). (٢) ((بداية المجتهد)) (٣٣٤/٢). ٣٢٧ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حدیث الجمهور أن المنافع في معنى الأموال، وعمدة الطائفة الثانية أن المنافع منتقلة إلى ملك الوارث؛ لأن الميت لا ملك له، فلا تصحّ له وصيته بما يوجد في ملك غيره، وإلى هذا القول ذهب ابن عبد البر، انتهى. وقال الموفق(١): إن أوصى بثمرة شجرة، أو غلة دار، أو خدمة عبد، صحَّ سواء وصّى بذلك في مدة معلومةٍ، أو بجميع الثمرة والمنفعة في الزمان كله، هذا قول الجمهور، منهم مالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقال ابن أبي ليلى: لا تصح الوصية بالمنفعة؛ لأنها معدومة، ولنا؛ أنه يصح تمليكها بعقد المعاوضة، فتصح الوصية بها، كالأعيان، ويعتبر خروج ذلك من ثلث المال، نصَّ عليه أحمد في سكنى الدار، وهو قول كل من قال بصحة الوصية بها، فإن لم تخرج من الثلث أجيز منها بقدر الثلث، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: إذا أوصى بخدمة عبده سنة، فلم يخرج من الثلث، فالورثة بالخيار بين تسليم خدمته سنة، وبين تسليم ثلث المال، وقال أصحاب الرأي وأبو ثور: إذا أوصى بخدمة عبده سنة، فإن العبد يخدم الموصى له يوماً. والورثة يومين، حتى يستكمل الموصى له سنة، فإن أراد الورثة بيع العبد بيع على هذا. ولنا، أنها وصية صحيحة، فوجب تنفيذها على صفتها، إن خرجت من الثلث، أو بقدر ما يخرج من الثلث منها، كسائر الوصايا، إذا ثبت هذا، فمتى أريد تقويمها، فإن كانت الوصية مقيدة بمدة، قُوِّمَ الموصَى بمنفعته مسلوبَ المنفعةِ تلك المدة، ثم تُقَوَّمُ المنفعةُ في تلك المدة، فَينظرُكم قيمتُها؟ وإن كانت الوصية مطلقة في الزمان كله، فقد قيل: تقوم الرقبة بمنفعتها جميعاً، ويعتبر خروجها من الثلث؛ لأن عبداً لا منفعة له، وشجراً لا ثمر له، لا قيمة له غالباً، وقيل: تُقَوَّمُ الرقبة على الورثة، والمنفعة على الموصى له، وصفة ذلك أن يقوم (١) ((المغني)) (٤٥٩/٨). ٣٢٨ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حديث قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِي الَّذِي يُوصِي فِي ثُلُثِهِ، فَيَقُولُ: لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا. وَلِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا. يُسَمِّي مَالاً مِنْ مَالِهِ. فَيَقُولُ وَرَثْتُهُ: قَدْ زَادَ عَلَى ثُلُثِهِ: فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يُخَيَّرُونَ، بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا أَهْلَ الْوَصَايَا وَصَايَاهُمْ، وَيَأْخُذُوا جَمِيعَ مَالِ الْمَيِّتِ . العبد بمنفعته، فإذا قيل: قيمته مائة، قيل: كم قيمتهُ لا منفعة فيه، فإذا قيل: عشرة، علمنا أن قيمة المنفعة تسعون. وإن أراد الموصى له إجارة العبد أو الدار في المدة التي أوصى له بنفعها جاز، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إجارةُ المنفعة المستحقَّة بالوصية؛ لأنه إنما أوصى له باستيفائه، ولنا، أنها منفعة يملكها ملكاً تاماً، فملك أخذ العوض عنها بالأعيان، كما لو ملكها بالإجارة، انتهى. (قال مالك في الذي يوصي في ثلثه) أي يوصي في ثلث ماله وصايا عديدة، وهي المراد بقوله: (فيقول لفلان) أي لزيد مثلاً (كذا وكذا) أي خمسمائة وألف مثلاً (ولفلان كذا وكذا) أي لعمرو مثلاً خمسمائة وألف (يسمي مالاً) معيناً (من ماله فيقول ورثتهُ) بعد موته: (قد زاد) ما أوصى به (على ثلثه) يعني جميع ماله ليس بقدر تسعة آلاف حتى يخرج منه ثلاثة آلاف (فإن الورثة) حينئذٍ (يخيرون بين أن يعطوا أهل الوصايا) مفعوله الأول (وصاياهم) مفعوله الثاني أي يعطوا زيداً وعمرا في مثالنا ثلاثة آلاف (ويأخذوا) وينقسموا فيما بينهم (جميع مال الميت) قال الزرقاني تبعاً للباجي: الباقي بعد إعطائهم، انتهى. والظاهر عندي في المراد أن الورثة يعطون أهل الوصايا ثلاثة آلاف من عند أنفسهم، ويأخذون كل مال الميت، وذلك لأن قولهم: الوصايا تزيد على الثلث لا يكون على الظاهر، إلا بأن تكون الوصايا غير جنس المتروكات، وعلى هذا فيمكن لهم أن يقولوا: إن الموصى به زاد على الثلث، أما إن كانت الوصايا عيناً، والمتروك أيضاً عين، فلا يبقى فيه إشكال؛ لأنه يرتفع بعدد المتروك اللَّهم إلا أن يقال: إن الموصى به عرضٌ أيضاً، وقالت الورثة: تزيد ٣٢٩ ٣٩ - كتاب الوصية (٣) باب (١٤٨٣) حدیث وَبَيْنَ أَنْ يَقْسِمُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ. فَيُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ ثُلُثَهُ. فَتَكُونُ حُقُوقُهُمْ فِيهِ إِنْ أَرادُوا، بَالِغَاً مَا بَلَغَ. قيمته على ثلث ما بقي، فحينئذٍ يعطون الموصى لهم عين ما وصَّى به، ويأخذون بقية المال كما قاله الشارحان. (وبين) أي يُخَيَّرُوا بين الذي تقدم، وبين (أن يقسموا لأهل الوصايا) أي زيد وعمرو (ثلث مال الميت) أي الثلث من كل شيء تركه الموصي من المال والثياب والعروض (فيسلموا إليهم ثلثه) أي الثلث من كل شيء (فيكون حقوقهم) أي حقوق الموصى إليهم (فيه) أي في ذلك الثلث يقسمونه فيما بينهم على حسب الوصايا (إن أرادوا) أي الورثة ذلك (بالغاً ما بلغ) أي يبلغ مقدار الثلث الذي أعطاهم قليلاً عما أوصى لهم أو كثيراً منه. قال الباجي(١): قوله: فيقول ورثته إلخ أضاف القول إليهم؛ لأن القول في ذلك قولهم، إذا لم يثبت له من المال، إلا ما أظهروه، قال: فيخير الورثة بين أن يعطوا أهل الوصايا وصاياهم على ما ذكرت، ويكون لهم بقية التركة، فإن أبوا ذلك قسموا لأهل الوصايا ثلث مال الميت، وسلّموه إليهم، فتعين حقوقهم فيه، سواء كان ذلك الثلث قليلاً أو كثيراً، انتهى. وقال ابن رشد(٢): اختلفوا في حكم من أوصى بثلث ماله لرجل، وعين ما أوصى له به في ماله، فقال الورثة: ذلك الذي عين أكثر من الثلث، فقال مالك: الورثة مخيرون بين أن يعطوه ذلك الذي عينه الموصي، أو يعطوه الثلث من جميع مال الميت، وخالفه في ذلك أبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وداود، وعمدتهم؛ أن الوصية قد وجبت للموصى له بموت الموصي، وقبوله إياها باتفاق، فكيف ينقل عن ملكه ما وجب له بغير طيب نفس منه، (١) ((المنتقى)) (١٧٤/٦). (٢) ((بداية المجتهد)) (٣٣٧/٢). ٣٣٠ ٣٩ - كتاب الوصية (٤) باب (٤) باب أمر الحامل والمريض والذي يحضر القتال في أموالهم وتغير الوصية. وعمدة مالك؛ إمكان صدق الورثة فيما ادّعوه. وما أحسن ما رأى ابن عبد البر في ذلك إذ قال: إذا ادّعى الورثةُ ذلك كُلِّفُوا بيان ما ادعوه أخذ الوصي قدر الثلث من ذلك الشيء الموصى به، وكان شريكاً للورثة، وإن كان الثلث فأقل، جبروا على إخراجه، وإذا لم يختلفوا في أن ذلك الشيء الموصى به فوق الثلث. فعند مالك أن الورثة مُخَيَّرون بين أن يدفعوا إليه ما وصى له به، أو يفرجوا له عن جميع ثلث مال الميت. إما في ذلك الشيء بعينه، وإما في جميع المال على اختلاف الرواية عنه، وقال أبو حنيفة والشافعي: له ثلث تلك العين، ويكون بباقيه شريكاً للورثة في جميع ما ترك الميت حتى يستوفي الثلث، انتهى. قلت: ومعنى قوله على اختلاف الرواية عنه أن عن مالك في ذلك روايتين، قال الدردير(١): إذا أوصى له بنفس المعين كدار معينة، ولم يحملها الثلث، فقد قال مالك مرة: خُيِّر الوارثُ بين أن يجيز وصية مورثه، أو يخلع ثلث جميع التركة من الحاضر والغائب عرضاً أو عيناً، أي يعطي من كل شيء للميت ثلثه، وقال مالك مرة أخرى: يخير الوارث بين الإجازة وبين خلع ثلث جميع التركة من ذلك المعين خاصة، وهذا هو الذي رجع إليه مالك، قال ابن القاسم: وهو أحبُّ إليّ، انتهى بزيادة للتوضيح. قال الدسوقي: قوله: من ذلك المعين أي لا يدفع له ثلث جميع التركة من جميع التركة، كما هو القول الأول، بل يدفع له ثلث جميع التركة من ذلك المعين فقط، انتهى. (٤) أمر الحامل، والمريض، والذي يحضر القتال في أموالهم يعني كيف حكم تصرفاتهم في أموالهم، فإن هؤلاء الثلاثة يخاف عليهم (١) ((الشرح الكبير)) (٤٤٦/٤). ٣٣١ ٣٩ - كتاب الوصية (٤) باب قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي وَصِيَّةِ الْحَامِلِ وَفِي قَضَايَاهَا فِي مَالِهَا وَمَا يَجُوزُ لَهَا. أَنَّ الْحَامِلَ كَالْمَرِيضِ. فَإِذَا كَانَ الْمَرَضُ الْخَفِيفُ، غَيْرُ الْمَخُوفِ عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَصْنَعُ فِي مَالِهِ مَا يَشَاءُ. وَإِذَا كَانَ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ لِصَاحِبِهِ شَيْءٌ. إِلَّا فِي ثَلُثِهِ. الموت، فإنهم في منزلة المريض المخوف على نفسه، وحكم مثل هذا المريض أنه لا يجوز له الهبة والصدقة وغيرهما في ماله إلا من الثلث. (قال مالك: أحسن ما سمعت في) حكم (وصية الحامل) أي المرأة الحاملة (وفي قضائها) هكذا في النسخ الهندية، وهو أوجه مما في المصرية من لفظ ((قضاياها)) (في مالها و) في (ما يجوز لها) من القضاء والتصرف في ماله (أن الحامل كالمريض) فأول الزمان من الحمل إلى ستة أشهر، كالمرض الغير المخوف، وأما بعد الستة فكالمرض المخوف كما سيأتي، (فإذا كان المرض الخفيف)، وهو المرض الذي يكون (غير المخوف) يعني لا يخاف منه الموت (على صاحبه، فإن صاحبه) أي صاحب هذا المرض (يصنع) ويتصرف (في ماله ما يشاء) أي كيف يشاء كالصحيح، (وإذا كان المرض المخوف عليه) الموت منه (لم يجز لصاحبه) أي لصاحب هذا المرض (شيءٌ) من التصرفات المتبرع بها (إلا في ثلثه) لأن تصرفات المريض المخوف إنما تكون في الثلث. قال الباجي(١): إذا كان المرض الخفيف غير المخوف، فقد روى ابن وهب عن مالك في الأجزم، والمفلوج، وأهل البلاء أنهم كالصحيح، إلا فيما يخاف عليهم منه، وقال عثمان بن كنانة في الأمراض الطويلة: كالفالج، والجذام، والبرص، والجنون، وحمى الربع، وشبهه: إن هذا كالصحيح في أفعاله من عتق وصدقة وبيع وطلاق ونكاح، وكذلك كل ما كان خفيفاً لا يضجعه حتى لا (١) ((المنتقى)) (١٧٥/٦). ٣٣٢ ٣٩ - كتاب الوصية (٤) باب يخرج، وروى ابن المواز عن مالك في الشيخ الكبير به البهر الشديد، والبلغم لا يقوم إلا بين اثنين، وقد احتبس في المنزل، فقال: فعله جائز إلا أن يأتي من ذلك ما يخاف عليه، فیکون کالمریض، انتهى. وقال الموفق(١): إن التبرُّعات المنجزة كالعتق، والمحاباة، والهبة المقبوضة، والصدقة، والوقف، والإبراء عن الدين، والعفو عن الجناية الموجبة للمال، إذا كانت في الصحة فهي من رأس المال، لا نعلم فيه خلافاً، وإن كانت في مرض مخوف اتّصل به الموت، فهي من ثلث المال في قول جمهور العلماء . وحُكِي عن أهل الظاهر في الهبة المقبوضة أنها من رأس المال، وليس بصحيح، لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله تصدّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم)). رواه ابن ماجه(٢)، وهذا يدل بمفهومه على أنه ليس له أكثر من الثلث، وروى عمران بن حصين ((أن رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبدٍ له، في مرضه لا مال له غيرهم، فأقرع بينهم رسول الله وَل ◌َه، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة))، متفق عليه، وإذا لم ينفذ العتق مع سرايته فغيره أولى، ولأن هذه الحال الظاهر منها الموت، فكانت عطية فيها في حق ورثته، لا تتجاوز الثلث. ثم قال(٣): ويعتبر في المريض الذي هذه أحكامه شرطان؛ أحدهما: أن يتصل بمرضه الموت، ولو صحَّ في مرضه الذي أعطى فيه، ثم مات بعد ذلك، فحكم عطيته حكم عطية الصحيح، الثاني: أن يكون المرض مخوفاً . (١) «المغني)) (٤٧٣/٨). (٢) ((سنن ابن ماجه)) (٩٠٤/٢). (٣) ((المغني)) (٤٨٩/٨). ٣٣٣ ٣٩ - كتاب الوصية (٤) باب والأمراض أربعة أقسام: غير مخوف: مثل وجع العين، والضِّرس، وحُمَّى ساعة، فهذا حكم صاحبه حكم الصحيح؛ لأنه لا يخاف منه في العادة، الثاني: الأمراض الممتدة كالجذام وَحُمَّى الرَّبْعِ (١)، والفالج في انتهائه، والسلّ في ابتدائه، وحُمَّى الغِبِّ(٢)، فهذا الضرب إن أَضْنَى صاحِبَها على فراشه، فهي مَخُوفَةٌ. وإن لم يكن صاحب فراش بل كان يذهب ويجيء، فعطاياه من جميع المال. قال القاضي: هذا تحقيق المذهب فيه. وقد روى حرب عن أحمد في وصية المجذوم، والمفلوج من الثلث، وهو محمول على أنهما صارا صاحب فراش، وبه يقول الأوزاعي والثوري ومالك وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور، وذكر أبو بكر وجهاً في صاحب الأمراض الممتدّة أن عطيته من صلب المال، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه لا يخاف منه تعجيل الموت فيه، وإن كان لا يبرأ فهو كالهرم. ولنا؛ أنه مريض، صاحب فراش يخشى التلف. الثالث: من تحقق تعجيل موته، فينظر فيه، فإن كان عقله قد اختلّ. مثل من ذُبحَ أو أُبينت حشوتهُ، فهذا لا حكم في كلامه، ولا لعطيته، وإن كان ثابت العقل، كمن خُرِقَتْ حشوَتهُ، ولم يتغير عقله صحَّ تصرفه وتبرعه، وكان من الثلث، فإن عمر - رضي الله عنه - خرقت حشوته. فَقُبِلَتْ وصيتهُ، ولم يختلف في ذلك، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بعد ضرب ابن مُلْجِم أوصى، وأمر، ونھی، فلم يحكم ببطلان قوله. الرابع: مرض مخوف، لا يُتَعَجَّلُ موتُ صاحبه يقيناً لكنه يخاف ذلك، (١) حمّى الرَّبع: هي التي تعرض للمريض يوماً وتدعه يومين، ثم تعود إليه في اليوم الرابع. (٢) حُمَّى الغِبِّ: التي تنوب يوماً بعد يوم. ٣٣٤ ٣٩ - كتاب الوصية (٤) باب قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْحَامِلُ. أَوَّلُ حَمْلِهَا بِشْرٌ وَسُرُورٌ. وَلَيْسَ بِمَرَضٍ وَلَا خَوْفٍ. لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ - ﴿فَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ - وَقَالَ - ﴿فَلَمَّا تَغَشَّنْهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِّ، كالبِرسام(١)، والحُمَّى الصالب(٢)، والرعاف الدائم، وذات الجنب، وغير ذلك، وما أشكل أمره من الأمراض، رجع فيه إلى قول أهل المعرفة بذلك، وهم الأطباء، فهذا الضرب وعطاياه صحيحة، انتهى. يعني وتكون من الثلث كما تقدم في أول الكلام. (قال) مالك: (وكذلك) أي مثل المريض المذكور في حالتي المخوف وغير المخوف (المرأة الحامل) فإن (أول حملها بشر) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة (وسرور، وليس بمرض، ولا) فيه (خوف؛ لأن الله تعالى قال في كتابه) المجيد في سورة هود: (﴿فَشَّرْنَهَا﴾) أي امرأة إبراهيم - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - (﴿بِإِسْحَقَ﴾) - عليه السلام - تحمل به بعد الكبر، وهي ابنة تسع وتسعين سنة، ولذا قالت: ﴿يَوَيَِّّ ◌َأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا﴾ (٣) قاله الزرقاني، وفي ((الجمل)): ولد إسحاق بعد البشارة بسنة، وكانت ولادته بعد إسماعيل بأربع عشرة سنة. (﴿َوَمِنْ وَرَآءٍ﴾) أي بعد (﴿إِسْحَقَ﴾) ولده (﴿يَعْقُوبَ﴾) تعيش إلى أن تراه، وقد رأته، قال الزرقاني(٤): فجعل أول الحمل بشارة، وفرحاً، فليس بمرض (وقال) تعالى في سورة الأعراف: (﴿فَلَمَّا تَغَشَّنَهَا﴾) أي جامع آدم - عليه السلام - زوجته حواء (﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾) لأنه كان في الابتداء نطفة محضة (﴿فَمَرَّتْ بِ،﴾) أي (١) البِرْسَام: هو بخار يرقى إلى الرأس، ويُؤثر في الدماغ فيختلُّ العقل. (٢) الحمى الصالب: الشديدة الحرارة. (٣) سورة هود: الآية ٧٢. (٤) (شرح الزرقاني)) (٤/ ٩٧). ٣٣٥ ٣٩ - كتاب الوصية (٤) باب فَلَمَّا أَثْقَلَتَ دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ ءَاتَيْتَنَا صَلِحًا لَّتَكُونَنَّ مِنَ الشَِّكِينَ﴾ -. فَالْمَرْأَةُ الْحَامِلُ إِذَا أَثْقَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا قَضَاءٌ إِلَّا فِي ثُلُثِهَا . فَأَوَّلُ الْإِتْمَامِ سِتَّةُ أَشْهُرِ. قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ - ﴿وَاُلْوَلَِّتُ يُضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ - وَقَالَ - ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾ - فَإِذَا مَضَتْ لِلْحَامِلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمَ حَمَلَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا قَضَاءٌ فِي مَالِهَا، إِلَّا فِي الثُّلُثِ. جاءت، وذهبت في أغراضها من غير مشقة لخفته (﴿فَلَمَّا أَنْقَلَت﴾) أي صارت المرأة ذات ثقل بكبر الولد (﴿َّعَوَا﴾) أي آدم وحواء (﴿اَللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ ءَاتَيْتَنَا﴾) ولداً (﴿مَنِلِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِينَ﴾) لك فسَمّى الله تعالى في ذلك أول الحمل خفيفاً، وآخره ثقيلاً . (قال) مالك: وعلى ذلك (فالمرأة الحامل إذا أثقلت) يعني تكون في آخر الحمل (لم يجز لها قضاء) في مالها (إلا في ثلثها) لأنها حينئذٍ صارت في منزلة المرض المخوفِ (فأول الإتمام) أي مبدأ الثقل (ستة أشهر) وذلك وقت، يمكن لها أن تضع الحمل في ذلك، وذلك لأنه (قال الله تبارك وتعالى في كتابه) في سورة البقرة(١): (﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾) أي عامين (﴿كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةُ﴾) فجعل عَزَّ اسمه تمام الرضاع الكامل وانتهاءه سنتين. (وقال) عز اسمه في موضع آخر في سورة الأحقاف: (﴿وَحَمَلُهُ وَفِصَلُهُ﴾) من الرضاع (﴿ثَثُونَ شَهْرًا﴾) فجعل مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهراً، فإذا أخرج منه حولان كاملان مدة الرضاع، بقي للحمل ستة أشهر، فهو أقل مدة الحمل لا محالة، فعلم أنه يمكن وضعه في ستة أشهر، (فإذا مضت للحامل) على حملها (ستة أشهر من يوم حملت، لم يجز لها قضاء) وتصرف (في مالها إلا في الثلث) إلى أن تضع حملها . (١) رقم الآية: ٢٣٣. ٣٣٦ ٣٩ - كتاب الوصية (٤) باب قال الباجي(١): فبين يعني قوله تعالى في الآيتين المذكورتين أن الحمل يكون أمده ستة أشهر، فهي ترتقب الوضع الذي يكثر فيه الخطر، ويشتد فيه الألم مع ثقل الحمل، وتتابع ألمه فهي بمنزلة المريض مرضاً مخوفاً، فأفعالها في الثلث خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قوليهما: إن أفعالها جائزة ما لم يضربها الطلق، والدليل على ما نقوله أن هذه حال تصح فيه ولادتها كحال الطلق، انتهى. وقال الموفق(٢): وكذلك الحامل إذا صار لها ستة أشهر، يعني عطيتها من الثلث، وهذا قول مالك، وقال إسحاق: إذا أثقلت لا يجوز لها إلا الثلث، ولم يَحُدَّ، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وقال سعيد بن المسيب وعطاء وقتادة: عطية الحامل من الثلث، وقال أبو الخطّاب: عطية الحامل من رأس المال، ما لم يضربها المخاض، فإذا ضربها المخاض، فعطيتها من الثلث، وبهذا قال النخعيُّ ومكحول، ويحيى الأنصاريُّ، والأوزاعيُّ، والثوري، وابن المنذر، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأنها قبل ضرب المخاض، لا تخاف الموتَ، ولأنها إنما تخاف الموت إذا ضربها الطَّلْقُ، فأشبهَتْ صاحب الأمراض الممتدّةِ قبل أن يصير صاحب فراشٍ، وقال الحسن والزهري: عطيتها كعطية الصحيح، وهو القول الثاني للشافعي؛ لأن الغالب سلامتها . ووجه قول الخرقي أن ستة الأشهر وقت يمكن الولادة فيه، وهي من أسباب التلف، والصحيح - إن شاء الله - أنّها إذا ضربها الطلقُ كان مخوفاً؛ لأنه ألم شديد يخاف منه التلف، فأشبهت سائر الأمراض المخوفة، وأما قبل ذلك فلا ألم بها، واحتمال وجوده خلاف العادة، فلا يثبت الحكم باحتماله البعيد مع عدمه كالصحيح، انتهى. وصرح ابن عابدين في ((الرد المحتار)) أن تبرع الحامل حالة الطلق من الثلث. (١) ((المنتقى)) (١٧٥/٦). (٢) («المغني)) (٤٩١/٨). ٣٣٧ ٣٩ - كتاب الوصية (٤) باب قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِي الرَّجُلِ يَحْضُرُ الْقِتَالَ: إِنَّهُ إِذَا زَحَفَ فِي الصَّفِّ لِلْقِتَالِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي مَالِهِ شَيْئاً. إِلَّا فِي (قال مالك في الرجل يحضر) في (القتال) ويدخل في المعركة (إنه إذا زحف) بزاي معجمة وحاء مهملة، كذا في جميع النسخ المصرية، والهندية القديمة، فما في الهندية الجديدة من راء مهملة وجيم تحريف من الناسخ، ومعنى قوله: زحف مشى. قال الراغب: أصل الزحف انبعاث مع جرّ الرجل، كانبعاث الصبي قبل أن يمشي، وكالبعير إذا أعيا فجرّ فرسنه، وكالعكسر إذا كثر، فيعثر انبعاثه، قال تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا﴾(١) أي مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون، كذا في ((الجلالين)). أي كالزاحفين على أدبارهم في بطء السير، وذلك لأن الجيش إذا كثر، والتحم بعضهم ببعض يتراءى أن سيره بطيء، وإن كان في نفس الأمر سريعاً، فالمقصود منه الكثرة، فقول الشارح: مجتمعين بيان للمعنى المراد، وفي ((المصباح)): زحف القوم زحفاً وزحوفاً، ويطلق على الجيش الكثير، زحف تسمية بالمصدر، انتهى. (في الصف للقتال) قال الباجي(٢): هذا يقتضي أنه إنما يصير له هذا الحكم إذا صار في الصف، يريد - والله أعلم - في صف المقاتلين، وجملتهم، وأما إذا حضر في النظارة، أو كان متوجهاً للقتال قبل أن يصل إلى الصف، فليس له هذا الحكم، لأن بحصوله في صف المقاتلة، ومباشرة القتال، ومحاولته، يثبت الخوف، وأما من كان في صف الردء، فلم أر فيه نصاً لأصحابنا، وعندي لا يثبت له هذا الحكم إلا بالكون في صف المقاتلة، انتهى. (لم يجز له أن يقضي) ويحكم (في ماله شيئاً) من التَبرُّعات (إلا في (١) سورة الأنفال: الآية ١٥. (٢) ((المنتقى)) (١٧٦/٦). ٣٣٨ ٣٩ - كتاب الوصية (٤) باب الثُّلُثِ. وَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَامِلِ وَالْمَرِيضِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ. مَا كَانَ بِتِلْكَ الْحَالِ . الثلث) لا في الزائد منه (وإنه هو بمنزلة الحامل) التي مضت عليها ستة أشهر (والمريض المخوف عليه) الموت (ما كان) أي ما دام الرجل المذكور (بتلك الحال) يعني يكون في صف القتال. قال الباجي: أما الزاحف إلى القتال في الصف، فقد قال مالك: إنه كالمريض في أفعاله، قال: وكذلك من حبس للقتل، قال القاضي: في قصاصٍ أو حدٍّ، وهو خلاف لأبي حنيفة في إجازته لهم التصرف ما لم يقرب المحبوس للقتل، ويتقدم الزاحف إلى البراز، والدليل على ما نقوله أن وجود سبب الموت من المقابلة بمنزلة وجود الموت، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوَّنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ (٣)﴾(١) وإنما رأوا القتال، وهو الذي كانوا يتمنونه، ودليلنا من جهة المعنى أن هذه أسباب للموت مقربة منه، كالمرض المخوف، والبراز في القتال، والتقريب للقتل، انتهى. قال الموفق(٢): إذا التحم الحرب، واختلطت الطائفتان للقتال، وكانت كل طائفة مكافئة للأخرى، أو مقهورة، فأما القاهرة منهما بعد ظهورها، فليست خائفة، وكذلك إذا لم يختلطوا، بل كانت كل واحدة منهما متميزة، سواء كان بينهما رميٌّ بالسهام أو لم يكن، فليست حالة خوف، وبه قال مالك والأوزاعي والثوري، وعن الشافعي قولان، أحدهما: كقول الجماعة، والثاني: ليس بمخُوف؛ لأنه ليس بمريض، ولنا؛ أن توقع التلف هاهنا كتوقع المرض أو أكثر، انتهى. (١) سورة آل عمران: الآية ١٤٣. (٢) («المغني)) (٤٩٢/٨). ٣٣٩ ٣٩ - كتاب الوصية (٥) باب (٥) باب الوصية للوارث والحيازة قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ. وقال ابن عابدين: ولو اختلطت الطائفتان للقتال، وكل منهما مكافئة للأخرى، أو مقهورة، فهو في حكم مرض الموت، وإن لم يختلطوا فلا، انتھی. (٥) الوصية للوارث والحيازة كذا في جميع النسخ المصرية(١) بحاء مهملة فمثناة تحتية، وفي النسخ الهندية، الجنازة، بجيم ونون، وهو تحريف من الناسخ عندي، ولا وجه له، والحيازة وهي القبضة دخل في الهبات وغيرها، كما بسطه الدردير في الوقف والهبة . قال الدردير(٢): أما ما حبسه في المرض، أو أوصى به للمساكين، أو جعله صدقة لهم، ولم يخرجه من يده حتى مات، فإنه ينفذ من الثلث، إن كان لغير وارث. قال الدسوقي: حاصله أن الوقف في المرض، وكذا سائر التبرعات فيه تنفذ من الثلث، ولا يشترط فيه حوز، وله إبطاله، وإنما يشترط الحوز في التبرعات الحاصلة في الصحة، فإن حصل الحوز قبل المانع أي قبل الموت، ومرض الموت وغيرهما، صح التبرع، وإلا فلا. وهذا كله إذا كان لغير وارث، وأما للوارث ففي الصحة صحيح، إذ حيز قبل المانع، وأما في المرض فهو باطلٌ، ولو حیز، انتهى. (قال مالك في هذه الآية) الآتية: (إنها منسوخة) وهي أي الآية المنسوخة (١) كذا في نسخة ((الاستذكار)) (٥٥/٢٣). (٢) ((الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي)) (٧٨/٤). ٣٤٠