النص المفهرس
صفحات 261-280
٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب وهو من عمل غيره، وأنه يسقط الحج المفروض عن الميت بحج وليّه عنه بنص السنة، وكذا تبرئة ذمة الإنسان من ديون الخلق إذا قضاها عنه قاضٍ، وذلك انتفاع بعمل الغير، وكذلك الصلاة والدعاء له ينتفع بهما الميت، وهي من عمل الغير، ونظائر ذلك كثيرة لا تحصى، كذا في ((البذل))(١). قلت: وقال عزّ اسمه: في سورة الأحزاب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَّهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِىّ﴾ الآية، فما فائدة صلاته تعالى وملائكته، إذ لم ينتفع أحد بعمل غيره، وقال عزّ اسمه في سورة الحشر، [آية: ١٠]: ﴿وَلَّذِينَ جَءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِلْإِيمَانِ﴾ الآية، وقال عزّ اسمه: في سورة التوبة، [آية: ١٠٣]: ﴿وَصَلّ عَلَيَّهِمَّ إِنَّ صَلَوَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، وقال عز اسمه في سورة آل عمران، [آية: ١٥٩]: ﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمِْ﴾ الآية، وقال عز اسمه في سورة الأعراف، [آية: ١٥١]: ﴿قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكٌّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَِّمِينَ ﴾﴾، وقال عَزّ اسمُه في سورة يوسف، [آية: ٩٨] حكايةً عن يعقوب - عليه السلام -: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِيِّ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقال عزّ اسمه في سورة إبراهيم، [آية: ٤١]: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ®﴾، وقال عز اسمه في سورة النور: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اَللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال عز اسمه في سورة الشورى، [آية: ٥]: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِ الْأَرْضِّ﴾، وقال تعالى في سورة محمد، [آية: ١٩]: ﴿وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾، وقال تعالى في سورة الممتحنة: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهُ﴾، وقال تعالى في سورة نوح: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾، وقال تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبََّنِ صَغِيرًا﴾ وغير ذلك من الآيات المصرحة بأن الرجل ينتفع بعمل غيره ودعائه، ولذا أجمع أهل السنّة على ذلك، ولم يخالف منهم أحد. (١) انظر: ((بذل المجهود)) (١٤٤/١٣، ١٤٥). ٢٦١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب وقال الطحطاوي: قالت المعتزلة: ليس للإنسان أن يجعل ثواب عمله [سورة الحج، آية ٣٩]. ٣٩ والجواب عنه من ثمانية أوجه. لغيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى الأول: أنها منسوخة الحكم لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَبَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّفُهُم بِإِمَنٍ﴾ الآية، فإنها تثبت دخول الأبناء الجنة بصلاح الآباء، قاله ابن عباس. الثاني: أنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلهم سعيهم، وما سعي لهم، قاله عكرمة. الثالث: المراد بالإنسان ههنا الكافر، فله ما سعى فقط، ويخفف عنه بسببه عذاب غير الكفر، أو يثاب عليه في الدنيا، فلا يبقى له في الآخرة شيء، قاله الربيع بن أنس والثعلبي. الرابع: ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، فأما من طريق الفضل، فجائز أن يزيده الله تعالى ما شاء، قاله الحسين بن الفضل. الخامس: أن معنى ما سعى ما نوى، قاله أبو بكر الوراق. السادس: أن اللام بمعنى على، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ . السابع: أنه ليس له إلا سعيه غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل الخير بنفسه، وتارة يكون في تحصيل سببه، مثل سعيه في تحصيل قرابة وولد، يترحم عليه، وصديق يستغفر له، وقد يسعى في خدمة الدين، فيكتسب محبة أهله، فيكون ذلك سبباً حصل بسعيه، حكاه أبو الفرج عن شيخه الزعفراني . الثامن: أن الحصر قد يكون في معظم المقصود بالحصر، لا في كله، كما في ((العيني(١) على البخاري)). قلت: هكذا ذكره الطحطاوي، ولم يذكر (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٩٩/٢). ٢٦٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب العيني هذا الثامن، بل ذكر بدله أنه ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا، فيثاب عليه في الدنيا، حتى لا يبقى له في الآخرة شيء، ذكره الثعلبي، انتهى. قلت: ويؤيد الجمهور أيضاً حديث الجريدة في الرجلين يعذبان في القبر، كان أحدهما لا يستنزه من البول، والآخر كان يمشي بالنميمة، الحديث. أخرجه الستة كما في ((العيني))، وهو انتفاع بعمل الغير، وقال النبي وَلّ لا مرأة أخذت عضد صبيّ، وقالت: ألهذا حج؟ قال: ((نعم، ولكِ أجر))، وأخرج أبو داود(١) عن علي - رضي الله عنه -، أنه قال: ((إن رسول الله وَ ل أوصاني أن أُضَحِّي عنه، فأنا أضحي عنه))، وأخرج أيضاً ((أن رسول الله وَ ◌ّ ضَخَّى بكبش أقرن، وقال: اللَّهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد))، وغير ذلك من النصوص التي بلغت مبلغ التواتر معنّى. والمسألة الثانية؛ مختلفة بين الأئمة، وهي أن الانتفاع بعمل الغير يَعُمُّ كل طاعة، بدنيّة كانت أو ماليّة، أو يختص بنوع منها، قال النووي في ((شرح الأذكار)): أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم، ويصلهم ثوابه، واحتجَّوا بقول الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ﴾(٢)، وغير ذلك من الآيات المشهورة بمعناها، وبالأحاديث المشهورة كقوله وَلفر: ((اللَّهم اغفر لأهل البقيع الغرقد))، كقوله وَل: ((اللَّهم اغفر لحيّنا وميّتنا وغير ذلك)). واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن، والمشهور من مذهب الشافعي وجماعة أنه لا يصل، وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل، فالاختيار أن يقول القارئ بعد قراءته: اللَّهم أوصِل ثوابَ ما قرأته إلى فلان، انتهى. (١) ((سنن أبي داود)) (٢٧٩٠). (٢) سورة الحشر: الآية ١٠. ٢٦٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب وقال الدردير(١): وفضلُ تطوُّع وَلِيّه أو قريبه، عن الميت وكذا عن الحيّ بغير الحج كصدقة ودُعاء وهدي وعتق؛ لأنها تقبل النيابة، ولوصولها للميت بلا خلاف، فالمراد بالغير غير مخصوص، وهو ما يقبل النيابة، لا كصوم وصلاةٍ، ويكره تطوُّعُه عنه بالحج، وأما بالقرآن فأجازه بعضهم، وكرهه بعضهم، قال الدسوقي: قوله: لوصولها للميت أي لوصول ثوابها للميت، وكذا الحيّ، وقوله: فأجازه بعضُهم، وهو الذي جرى به العمل، وهو ما عليه المتأخرون، وقوله: كرهه بعضهم، وهو أصل المذهب. قال ابن رشد: محل الخلاف ما لم تخرج القراءة مخرج الدعاء بأن يقول قبل قراءته: اللَّهم اجعل ثواب ما أقرأه لِفلان، وإلا كان الثواب لفلان قولاً واحداً، وجاز بلا خلاف، انتهى. وقال الموفق(٢): لا بأس بالقراءة عند القبر، وقد رُوي عن أحمد أنه قال: إذا دخلتم المقابر اقرؤا آيةَ الكرسي وثلاث مرات ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾﴾، ثم قل: اللَّهم إن فضلَه لأهل المقابر. ورُوِي عنه أنه قال: القراءةُ عند القبر بدعة. قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعةٌ، ثم رجع رجوعاً، أبان به عن نفسه، فروى جماعةٌ أن أحمد نهى ضريراً أن يقرأ عند القبر، وقال له: إن القراءةَ عند القبر بدعةٌ، فقال له محمد بن قدامة الجوهريُّ: يا أبا عبد الله ما تقول في مُبَشِّر الحلبي؟ قال: ثقة، قال: فأخبرني مُبَشِّرُ(٣) عن أبيه (١) ((الشرح الكبير)) (١٠/٢) و(٤٢٣/١). (٢) ((المغني)) (٥١٨/٣). (٣) هكذا في الأصل، وكذا في ((الشرح الكبير)) والظاهر أنه سقط ها هنا بعد مبشر: عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، فقوله: عن أبيه: يعني أبا عبد الرحمن، وهو ((العلاء)) كذا في هامش الأصل، اهـ. ((ش)). وانظر ترجمة مبشر بن إسماعيل الحلبي في ((تهذيب التهذيب)) (٣١/١٠). وترجمة العلاء بن اللجلاج هو الذي يروى عن ابن عمر، ((التهذيب)) (١٩١/٨). ٢٦٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب أنّه أوصى إذا دُفِن يُقْرَأُ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعتُ ابن عمر يُوصي بذلك، قال أحمد بن حنبل: فارْجِعْ، وقُلْ للرجل (الضرير): يقرأ. وقد رُوِي عن النبيِ وَلَّ أنه قال: ((من دخل المقابر، فقَرأَ سورةَ يَس خُفِّفَ عنهم يومئذٍ، وكان له بعَدَدِ من فيها حسناتٌ))، ورُوي عنه عليه السلام: ((من زار قبر والديه أو أحدهما، فقرأ عنده أو عندهما يَس غُفِرَ له)). وأيُّ قُربةٍ فعلها، وجعل ثوابها للميت المسلم، نفعه ذلك إن شاء الله، أما الدعاءُ، والاستغفارُ، والصدقةُ، وأداءُ الواجبات، فلا أعلم فيه خلافاً، إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابةُ، لقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَئِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ودعا النبي ◌ََّ لأبي سلمة حين مات، ولكل ميت صَلّى عليه، وسأل رجل النبيِ وَلَّ، فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت، فينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: ((نعم)). وجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله: إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، الحديث(١) وقال: للذي سأل إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: ((نعم))(٢). وهذه أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب؛ لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها، مع ما ذكرنا من الحديث في ثواب من قرأ يَس، وتخفيف الله تعالى عن أهل المقابر بقراءته. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله وَ ل قال لعمرو بن العاص: ((لو كان أبوك مسلماً، فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه، بلغه ذلك))(٣)، وهذا عامٌّ في حج التطوع وغيره، ولأنه عمل بر وطاعة، (١) أخرجه أبو داود في ((الوصايا)) (١٠٦/٢). (٢) أخرجه البخاري من ((كتاب الصوم)) (٤٦/٣). (٣) أخرجه أبو داود (١٠٧/٢). ٢٦٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب فوصل ثوابه ونفعه، كالصدقة والصيام والحج الواجب. وقال الشافعيّ: ما عدا الواجب والصدقة والدعاء والاستغفار، لا يُفْعَلُ عن الميت، ولا يصل ثوابه إليه، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾(١). وقول النبي وَله: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولدٍ صالح يدعو له))(٢)، وقال بعضهم: إذا قُرِئ القرأَن عند الميت، أو أُهْدِيَ ثوابه إليه، كان الثواب لقارئه، ويكون الميت كأنه حاضرُها، وتُرجَى له الرحمةُ. ولنا؛ ما ذكرناه، وأنه إجماعُ المسلمين، فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرؤون القرآن، ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير، ولأن الحديث صحّ عن النبي ◌ّ ((إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه))، والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه، ويحجب عنه المثوبة، ولأن الموصل لثواب ما سلموه، قادِرٌ على إيصال ثواب ما منعوه، والآية مخصوصة بما سلّموه، وما اختلفنا فيه في معناه، فنقيسه عليه، ولا حجة لهم في الخبر الذي احتجّوا به، فإنما دل على انقطاع عمله، فلا دلالة فیه علیه، انتهى. وفي ((الهداية))(٣) في ((باب الحج عن الغير)): الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقة أو غيرها عند أهل السنّة والجماعة، لما روي عن النبي وَ ﴿ أنه ضحّى بكبشين أملحين؛ أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمته. قال ابن الهمام(٤) بعد ما بسط طرق هذا الحديث وتخريجه عن صحابة (١) سورة النجم: الآية ٣٩. (٢) أخرجه مسلم من ((كتاب الوصية)) (١٢٥٥/٣) وأبو داود من ((كتاب الوصايا)) (٢٠٦/٢). (٣) (١٧٨/١). (٤) (فتح القدير)) (٦٦/٣). ٢٦٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب عديدة: فقد روي هذا عن عدة من الصحابة وانتشرت مخرجوه، فلا يبعد أن يكون القدر المشترك أنه * ضحى عن أمته مشهوراً، يجوز تقييد الكتاب به بما لم يجعله صاحبه، أو ننظر إليه. وإلى ما رواه الدارقطني أن رجلاً سأل رسول الله وسط# فقال: كان لي أبوان، أبرهما حال حياتهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال له وَله: ((إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك))، وإلى ما رواه أيضاً عن علي عنه وَ لّ أنه قال: ((من مر على المقابر، وقرأ قل هو الله أحد إحدى عشر مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات))، وإلى ما عن أنس أنه سأله وي ليه فقال: يا رسول الله إنا نتصدق عن موتانا، ونحج عنهم، وندعو لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ قال: ((نعم، إنه ليصل إليهم، وإنهم ليفرحون به، كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه)) رواه أبو حفص الكبير العكبري، وعنه وَّر ((اقرأوا على موتاكم يَس)) رواه أبو داود(١). فهذه الآثار وما قبلها وما في السنّة أيضاً من نحوها عن كثير قد تركناه الحال الطول يبلغ القدر المشترك بين الكل، وهو أن من جعل شيئاً من الصالحات لغيره نفعه الله به مبلغ التواتر، انتهى. وفي (المشكاة))(٢): عن ابن عمر قال: سمعتُ النبي ◌َّه يقول: ((إذا مات أحدكم، فلا تحبسوه، وأَسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه فاتحةَ البقرة(٣)، وعند رجليه بخاتمة البقرة))(٤)، رواه البيهقي في ((شعب الإيمان))، وقال: الصحیح أنه موقوف علیه. (١) ((سنن أبي داود)) (٣١٢١). (٢) رقم الحديث (١٧١٧). (٣) إلى المفلحون. (٤) من آمن الرسول إلخ. ٢٦٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب قال القاري: وأخرج الخلَالُ في ((الجامع))، عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره، يقرأون القرآن، وأخرج أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني في ((فوائده)) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َ﴾: ((من دخل المقابر، ثم قرأ فاتحة الكتاب. و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ ﴾﴾ و﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾﴾ ثم قال: إني جعلت ثواب ما قرأت من كلامك لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات، كانوا شفعاء له إلى الله تعالى)). وأخرج القاضي أبو بكر بن عبد الباقي الأنصاري في ((مشيخته)) عن سلمة بن عبيد قال: قال حماد المكي: خرجت ليلة إلى مقابر مكة، فوضعتُ رأسي على قبر، فنمت، فرأيت أهل المقابر حلقةً حلقةً، فقلت: قامت القيامة؟ قالوا: لا، ولكن رجل من إخواننا قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ وجعل ثوابها لنا، فنحن نقتسمه منذ سنة إلى آخر ما بسطه القاري(١). وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: من يضمن لي منكم أن يصلي لي في مسجد العشاء ركعتين أو أربعاً؟ ويقول: هذه لأبي هريرة. وأخرج البخاري في ((صحيحه)) عن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً، ((من مات وعليه صيام صام عنه وليه))، قال الحافظ(٢): خبر بمعنى الأمر، تقديره فليصم عنه، وليس الأمر للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه، فادَّعُوا الإجماع على ذلك، وفيه نظر؛ لأن بعض أهل الظاهر أوجبه، فلعله لم يُعْتدّ بخلافهم على قاعدته. وقد اختلف السلف في هذه المسألة، فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وعلّق الشافعي في القديم القول به على صحة الحديث، كما نقله (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٨١/٤). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٤/ ١٩٢). ٢٦٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب (١٤٧٧) حديث ٥٢/١٤٧٧ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ . البيهقي في ((المعرفة))، وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية، وقال البيهقي في ((الخلافيات)): هذه المسألة ثابتة، لا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في صحتها، فوجب العمل بها . ثم ساق بسنده إلى الشافعي قال: كل ما قلت، وصحّ عن النبي خلافه، فخذوا بالحديث، ولا تقلدوني. وقال الشافعي في الجديد، ومالك، وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت، وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد: لا يصام عنه إلا النذر حملاً للعموم الذي في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس، وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة مستقلة، سأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة - رضي الله عنها -، فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قيل في آخره: ((فدين الله أحق أن يقضى))، انتهى. وأنت خبير بأن إجزاء الواجب عن رجل أشدُّ في إيصال النفع من إيصال الثواب إليه، فإذا قالوا بإجزائه في الطاعة البدنية، فإيصال ثوابها إليه أخفُّ من ذلك يثبت بالطريق الأولى. ١٤٧٧/ ٥٢ - (مالك عن سعيد) بفتح السين وكسر العين بعدهما تحتية. قال ابن عبد البر: هكذا قال يحيى وابن وهب وابن القاسم وابن بكير والأكثر، وقال القعنبي: سعد أي بسكون العين بلا ياء، فقال: والصواب الأول (ابن عمرو) بفتح العين كما ضبطه الزرقاني، وبالواو كتبه في النسخ المصرية، وكتب الرجال، فما في النسخ الهندية بلفظ عمر بدون الواو تحريف من الناسخ (ابن شرحبيل) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون المهملة وكسر الموحدة وإسكان التحتية آخره لام. ٢٦٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب (١٤٧٧) حديث ابْنِ سَعِيدٍ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، (عن سعيد) هكذا في النسخ الهندية القديمة. ونسخة ((المنتقى)) (١)، وفي غير ((المنتقى)) من جميع النسخ المصرية محله ((ابن سعيد))، وذكره بطريق النسخة في هامش النسخ الهندية، وهو الصواب في الحقيقة، لكن الصواب رواية ((الموطأ)) التي بأيدينا عن سعيد، كما جزم به الزرقاني(٢) إذ قال: قوله: ابن سعيد، هكذا رواه ابن وضّاح عن يحيى، وهو الصواب، وصَحَّفه ابنه عبد الله، فقال: عن سعید، انتهى. فَعُلِمَ منه أن لفظ ((عن سعيد))، وإن كان تصحيفاً في الحقيقة، لكنه هي رواية عبد الله، فلا بد من إثباتها في النسخة بعد التنبيه على أنه غلط من الراوي، والصواب ابن سعيد، فإنه صفة شرحبيل، لا الراوي في السند، وهكذا أخرجه النسائي برواية ابن القاسم عن مالك عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه عن جده نحو رواية مالك. (ابن سعد بن عبادة) الأنصاري المدني، ثقة عدل، من شيوخ الإمام، له عنه في مرفوع ((الموطأ)) هذا الحديث الواحد، قاله الزرقاني. قال الحافظ في ((تهذيبه))(٣)، ورقم عليه للنسائي فقط: سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي المدني، روى عن أبيه عن جده، وعن جده وجادةً، وقال ابن عبد البر في ((التجريد))(٤): سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري حديث واحد، منهم من يجعله مسنداً، ومنهم من يجعله مرسلاً، وقد بينا ذلك في ((التمهيد))، انتهى. (١) (٦ /١٤٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٥٤/٤). (٣) (٦٩/٤). (٤) (ص٥٩). ٢٧٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب (١٤٧٧) حديث عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، (عن أبيه) عمرو بن شرحبيل بن سعيد الخزرجي المدني، قال الحافظ في ((تهذيبه)) (١)، ورقم عليه للنسائي: روى عن أبيه، وعنه ابنه سعيد وعبد الرحمن، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). (عن جده) شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي، قال الحافظ في ((تهذيبه)) (٢)، ورقم عليه للنسائي فقط: شرحبيل بن سعيد، روى عن أبيه، وجده، وعنه ابنه عمرو، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال في ((التقريب))(٣): مقبول من الخامسة. وقال الزرقاني(٤): أو أراد جده الأعلى سعيد بن سعد بن عبادة، أو ضمير جده لعمرو بن شرحبيل، فيكون متصلاً، ولذا قال ابن عبد البر: هذا الحديث مسندٌ؛ لأن سعيد بن سعد بن عبادة له صحبة، روى عنه أبو أمامة بن سهل بن حنيف وغيره، وشرحبيل ابنه غير نكير أن يلقى جده سعد بن عبادة، وقد رواه عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة عن مالك عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل عن أبيه عن جده عن سعد بن عبادة أنه خرج، الحديث، وهذا يدل على الاتصال، وهو الأغلب منه. وكذا رواه الدراوردي عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل عن سعيد بن سعد بن عبادة عن أبيه أن أمه توفيت، الحديث، أخرج الطريقين في ((التمهيد))، وإنما يتم له أن ما في ((الموطأ)) موصول بجعل ضمير جده عائداً على عمرو بن شرحبيل، فيكون جده سعيد بن سعد بن عبادة، وهو صحابي ابن صحابي. أما إذا عاد الضمير على سعيد بن عمرو شيخ مالك، فمرسل؛ لأن جده (١) ((تهذيب التهذيب)) (٤٦/٨). (٢) (٣٢٢/٤). (٣) (٣٤٨/١). (٤) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٥٥/٤). ٢٧١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب (١٤٧٧) حديث أَنَّهُ قَالَ خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَ رَسُول اللَّهِ وَ لَهَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ. فَحَضَرَتْ أُمَّهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ. فَقِيلَ لَهَا: أَوْصِي. فَقَالَتْ: فِيمَ أَوْصِي؟ إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ. فَتُوُفِيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ. شرحبيل تابعيٍّ إلا أن يريد جده الأعلى، فيكون موصولاً، ولَوَّحَ لهذا في ((فتح الباري)»(١) بقوله: إن الذي رواه في ((الموطأ)) هو سعيد بن سعد بن عبادة، أو ولده شرحبيل مرسلاً، انتهى كلام الزرقاني. (أنه قال: خرج سعد بن عبادة) سيد الخزرج الصحابي الشهير (مع رسول الله ◌ٍَّ﴾ في بعض مغازيه) هي غزوة دومة الجندل، وكانت في ربيع الأول سنة خمس، كما في ((طبقات ابن سعد))، وحكى عنه الحافظ في ((الفتح)) (فحضرت أمه) بالنصب مفعول وفاعله (الوفاة بالمدينة) وهي عمرة بنت مسعود، ماتت في شهر ربيع الأول سنة خمس، فلما رجع النبي وَلّ من غزوته صلى على قبرها . وتقدم في ((باب ما يجب من النذور في المشي)) أنهن خمس أخوات، اسم كل واحد منهن عمرة، والحديث أخرجه البخاري بسنده إلى ابن عباس أن سعد بن عبادة توفيت أمه، وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله! إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: ((نعم))، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها، قال الحافظ(٢): هذا مرسل صحابيّ؛ لأن ابن عباس كان حينئذٍ مع أبويه بمكة. (فقيل لها) أي لعمرةَ عند الوفاة (أوصي) بشيء بصيغة الأمر (فقالت: فيما) أي في أيّ شيء (أَوْصِي) بصيغة المضارع المتكلم (إنما المال) الذي عندي (مال سعد) ابني، فكيف أوصي في ماله (فتوفيت قبل أن يقدم سعد) من (١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٨٦/٥). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٨٩/٥). ٢٧٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب (١٤٧٧) حدیث فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، ذُكِرَ ذُلِكَ لَهُ. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّ: ((نعم)) الغزو (فلما قدم سعد بن عبادة) - رضي الله عنه - من الغزو. (ذكر) ببناء المجهول (ذلك) الذي جرى لأم سعد من القول لها، وجوابها له أي لسعد (فقال سعد: يا رسول الله هل ينفعها أن أتصدق عنها) بشيء؟ (فقال رسول الله (َّلو: نعم) ينفعها ذلك. قال الباجي(١): قول سعد: هل ينفعها إلخ يقتضي - والله أعلم - منفعة الأجر في الآخرة من زيادة الحسنات وتكفير السيئات، فقال ◌َّيّ: ((نعم))، بمعنى أن ذلك ينفعها، وهذه الصدقة وإن لم يقترن بها نيةٌ منها، فقد قضى وَل أن ذلك ينفعها، وقد أجمع العلماء على أن صدقة الحيّ على الميت جائزةٌ، مشروعةٌ مندوبٌ إليها، ولعل اتفاقهم كان من أجل هذا الحديث. ويحتمل أن يكون انتفاع الميت بهذا على معنى أن المتصدق عنه يهب له أجر تلك الصدقة بعد أن وقعت الصدقة عن المتصدق، ويحتمل أن يكون أوقع الصدقة على الميت، وقد يكون من الأجر ما يثبت للإنسان بعد موته وفي حياته من غير نيةٍ ولا معرفةٍ، كما يدخل عليه أجر من يغتابه، وأجر من يأخذ ماله، وإن لم يعلم هو بشيء من ذلك، وقد روي عن عائشة قالت: قال رسول الله ◌َر: ((إذا تصدقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها بما كسب))(٢)، انتهى. وقال الزرقاني(٣): وذلك فضلٌ منه تعالى على المؤمنين أن يدركهم بعد (١) ((المنتقى)) (١٤٤/٦). (٢) أخرجه البخاري (٢٠٦٥)، ومسلم (١٢٠٣)، وأبو داود (١٦٨٥)، والترمذي (٦٧٢)، والنسائي (٢٥٣٩)، وابن ماجه (٢٢٩٤). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٥٦/٤). ٢٧٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب (١٤٧٧) حديث فَقَالَ سَعْدٌ: حَائِطُ كَذَا وَكَذَا صَدَقَةٌ عَنْهَا لِحَائِطِ سَمَّاهُ. أخرجه النسائيّ في: ٣٠ - كتاب الوصايا، ٧ - باب إذا مات الفجأة هل يستحب لأهله أن يتصدقوا عنه؟ موتهم عملُ البر والخير بغير سبب منهم، ولا يلحقهم وزر بعمل غيرهم، ولا شرٌّ إن لم يكن لهم فيه سبب يَسُنُّونه أو يبتدعونه، فيعمل به بعدهم، وقد قام الإجماع على انتفاع الميت بصدقة الحيّ عنه، وكفى به حجةً، قاله في ((التمهيد))، زاد في ((الفتح)): ويلتحق بالصدقة العتق عنه عند الجمهور خلافاً المشهور عند المالكية، واختلف في غير الصدقة من أعمال البر هل يصل إلى الميت كالحج والصوم، انتهى. لكن ما قال: إنه المشهور ليس بمعروف، فنص ((المدونة)) وغيرها أنه يتطوع عنه بالعتق، انتهى. (فقال سعد: حائط) أي بستان (كذا وكذا) بيان للحائط المذكور (صدقة عنها) أي عن أمي ويشير بقوله: كذا وكذا (لحائطِ سَمَّاه) سعد، وهكذا بالإبهام في رواية ابن القاسم عن مالك عند النسائي، وفي رواية ابن عباس عند البخاري المذكورة قال سعد: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها، قال الزرقاني: هو اسم للحائط، أو وصف له بالثمر، سمي بذلك لما يخترف منه، أي يجتنى من الثمر. وقال الحافظ(١): المخراف بكسر أوله وسكون المعجمة آخره فاء أي المكان المثمر، سُميَّ بذلك لما يخرف منه أي يجتنى من الثمر، تقول: شجرة مخراف ومثمار قاله الخطابي، ووقع في رواية عبد الرزاق ((المخرف)) بغير ألف، وهو اسم الحائط المذكور، انتهى. وقال العيني(٢): المخراف اسم للحائط، فلذلك انتصب على أنه عطف (١) ((فتح الباري)) (٣٨٦/٥). (٢) ((عمدة القاري)) (٣٨/١٠). ٢٧٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب (١٤٧٧) حديث • بيان، وقال القزَّاز: المخترف بفتح الميم جماعة النخل، وبكسر الميم الزنبيل الذي يخترف فيه الثمار، وقال ابن الأثير: المخراف بفتح الميم، يقع على النخل، وعلى الرطب، والحاصل أن المخراف ههنا اسم حائط سعد، انتهى. وتقدم في رواية البخاري (١) عن ابن عباس: أن سعداً توفيت أمه، وهو غائب، فأتى النبي وَلّ، فقال: يا رسول الله! إن أمي توفيت، وأنا غائب، فهل ينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: ((نعم))، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها . وأخرج النسائي(٢) من طريق سعيد بن المسيب عن سعد بن عبادة قلت: يا رسول الله إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: ((نعم))، قلت: فأيّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: سقي الماء، وأخرج برواية الحسن عن سعد مثله، زاد ((فتلك سقاية سعد بالمدينة))، وأسند ابن عبد البر عن أنس قال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، إن أم سعد كانت تُحِبُّ الصدقةَ، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: ((نعم، وعليك بالماء))، وأخرج النسائي وأحمد عن ابن عباس عن سعد بن عبادة أنه أتى النبي وَلّر، فقال: إن أمي ماتت، وعليها نذر، فيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: ((أعتق عن أمك)). قال الزرقاني(٣): وطريق الجمع بين هذه الروايات أنه تصدق عنها بالحائط من تلقاء نفسه، والماء والعتق بأمره . وسيلم قلت: والظاهر عندي بملاحظة الروايات أن ههنا قصتين، إحداهما في نذرها، واختلفت الروايات في ذلك من أن نذرها كان مبهماً، أو نذر صيام، أو (١) (٢٧٥٦). (٢) ((سنن النسائي)) (٣٦٦٥). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٥٦/٤). ٢٧٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب (١٤٧٨) حدیث ٥٣/١٤٧٨ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهَ؛ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ له: إِنَّ أُمّي اقْتُلِتَتْ عتقٍ، أو مالٍ، كما تقدم بسطه في أول ((كتاب النذر)) في حديث ابن عباس: أن سعداً استفتى رسول الله و ﴿ فقال: إن أمي ماتت، وعليها نذر، لم تقضهِ، فقال رسول الله وَسر: ((اقضه عنها))، والعتق وقع في قصة النذر، والقصة الأخرى الصدقة عليها، فلعله تصدق أولاً بحائطه، لما سمع أنها أرادت أن توصي، ثم قالت: المال مال سعد، وبعد ذلك أراد الصدقة عليها مرة أخرى، لما كانت تحب الصدقة، فاستشار رسول الله وَالر، فأشار إليه بالماء، لاحتياج أهل المدينة إلى الماء. ٥٣/١٤٧٨ - (مالك عن هشام بن عروة) بن الزبير (عن أبيه) عروة (عن عائشة زوج النبي # أن رجلاً) قال الزرقاني: هو سعد بن عبادة، كما في الحديث قبله، وبه جزم غير واحد، انتهى. وذكر البخاري في ((صحيحه)) حديث عائشة هذا، ثم ذكر بعده حديث ابن عباس عن سعد المتقدم، قال الحافظ : كأنه رمز إلى أن المبهم في حديث عائشة هو سعد بن عبادة، وتعقبه العيني، ومال إلى أن المبهم في حديث عائشة رجل آخر غير سعد بن عبادة. (قال لرسول الله وَالقول: إن أمي افتلتت) بفاء ساكنة ففوقية مضمومة فلام مكسورة ففوقيتين، أولاهما مفتوحة مبنيٌّ للمفعول أي أخذت فلتة، قال الباجي(١): أي ماتت فجاءةً، وتقول العرب: رأيت الهلال فلتة، إذا رأيته من غير قصد إليه، قال الحافظ: ذكره ابن قتيبة بالقاف وتقديم المثناة، وقال: هي كلمة تقال لمن قتله الحب، ولمن مات فجاءة، والمشهور في الرواية الفاء، والفلتة والافتلات ما وقع بغتةً من غير رؤية، انتهى. (١) ((المنتقى)) (١٤٥/٦). ٢٧٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب (١٤٧٨) حديث نَفْسُهَا . (نفسها) بالرفع على المشهور كما قاله الحافظ نائب الفاعل، وروي بالنصب مفعولٌ ثانٍ، أي أفلتها الله نفسها أي روحها، قال الحافظ: أو على التمييز، وقال العيني: نصب على التمييز أو مفعول ثانٍ بمعنى سلبت، ويروى برفع النفس، وهو ظاهر. وترجم عليه البخاري(١) ((باب موت الفجأة)) قال ابن رشيد: مقصود المصنف - والله أعلم - الإشارة إلى أنه ليس بمكروه، ولأنه وَ لّ لم يظهر منه كراهيته لما أخبره الرجل بأن أمه افتلتت، وأشار إلى ما رواه أبو داود(٢)، وبلفظ ((موت الفجاءة أخذة أسف)) وفي إسناده مقالٌ، فجرى على عادته في الترجمة بما لم يوافق شرطه، وحديث أبي داود رجاله ثقات، إلا أن راويه رفعه مرة، ووقفه أخرى، ولأحمد من طريق أبي هريرة ((أن النبي ◌َِّ مَرّ بجدار مائل، فأسرع، وقال: أكره موت الفوات))، قال ابن بطال: وكان ذلك - والله أعلم - لما في موت الفجاءة من خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة. وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)) عن عائشة وابن مسعود ((موت الفجاءة راحة للمؤمن، وأسف على الفاجر))، وقال ابن المنير: لعل البخاري أراد بهذه الترجمة أن من مات فجاءة، فليستدرك ولدُه من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة، كما وقع في الحديث، وقد نقل عن أحمد وبعض الشافعية كراهة موت الفجاءة، ونقل النووي عن بعض القدماء أن جماعة من الأنبياء الصالحين ماتوا كذلك، قال النووي: هو محبوب للمراقبين، قال الحافظ: وبذلك يجتمع القولان، كذا في ((الفتح)(٣). (١) انظر ((فتح الباري)) (٢٥٤/٣). (٢) ((سنن أبي داود)) (٣١١٠). (٣) (٣٥٥/٣). ٢٧٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب (١٤٧٨) حديث وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ، تَصَدَّقَتْ. أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ (وأراها) بضم الهمزة أي أظنها، ووقع في رواية للبخاري في الجنائز، وخمسة روايات عند مسلم عن هشام بلفظ ((أظنها)) قال الحافظ: وهو يشعر بأن رواية ابن القاسم عن مالك عند النسائي بلفظ: ((وأنها لو تكلمت)) تصحيف، انتهى، كذا أفاده الحافظ، وتبعه الزرقاني وغيره، ولم أشعر أيّ فاقةٍ دعت إلى ادعاء التصحيف. (لو تكلمت تصدقت) قال الحافظ(١): ظاهره أنها لم تتكلم، فلم تتصدق، وفي رواية ((الموطأ)) السابقة أنها قالت: فيما أوصي، المال مال سعد، فإن أمكن تأويل هذه الرواية، بأن المراد أنها لم تتكلم بالصدقة، ولو تكلمت تصدقت أي فكيف أمضي ذلك، أو يحمل على أن سعداً ما عرف بما وقع منها، فإن الراوي في السابقة سعيد بن سعد أو ولده شرحبيل مرسلاً، فعلى التقديرين لم يتحد راوي الإثبات وراوي النفي، فيمكن الجمع بينهما بذلك، انتھی . وبسط العيني(٢) في المنافاة بين رواية سعد الماضية، وبين رواية هشام تلك، وبني عليه أن المبهم في رواية هشام غير سعد. (أفأتصدق عنها) وفي البخاري ((فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟)) قال القسطلاني(٣): بكسر همزة إن على أنها شرطية، ولا يصح قول من فتحها؛ لأنه إنما سأل عما لم يفعل، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (٣٨٩/٥). (٢) ((عمدة القاري)) (٣٨/١٠). (٣) ((إرشاد الساري)) (٥٥٦/٣). ٢٧٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب (١٤٧٩) حديث فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((نَعَمْ)) . أخرجه البخاريّ في: ٥٥ - كتاب الوصايا، ١٩ - باب ما يستحب لمن يتوفى فجأة أن يتصدقوا عنه. ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ١٥ - باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، حديث ٥١. وفي: ٢٥ - كتاب الوصية، ٢ - باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت، حديث ١٢ و١٣. ٥٤/١٤٧٩ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ (فقال رسول الله وَله: نعم) قال الباجي(١): قوله: أراها لو تكلمت يريد أنه لو علم من نيتها، وحسن معتقدها، ومسارعتها إلى الخير، ورغبتها فيه أنها لو أمهلت، وقدرت على الكلام مع الإشراف على الموت على ما يفعله أكثر الناس في مرضهم من كلامهم، ووصيتهم مع تيقن الموت لشدة المرض لتصدقت. ويحتمل أنه كان قد علم ذلك من حالها بما أخذت معه فيه، وأظهرت إليه العزيمة عليه، فاستأذن النبي * في أن يتصدق عنها، فأذن له في ذلك، فثبت أن صدقته عنها مما يتقرب به. ويحتمل أن يكون قد عرف أنه حضرها، ثم عجزت عن أدائه، وعن قضائه بعد ذلك، إلى أن توفيت، وقد كانت أرادت أن تطعم عن ذلك، فسأل النبي ◌ّ﴾ إن كان ينفعها الإطعام عنها، فأذن له في ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك زكاة كانت عليها، ولم توص بها، وفي ((الموازية)): من علم من أبويه تفريطاً في الفرائض، قال مالك: يطعم عنها في الصوم مكان كل يوم مُدًّا، إن شاء، وليؤدِّ الزكاة، وأما الصلاة فلا شيء في ذلك، انتهى. قلت: وتقدم شيء من ذلك في ((كتاب الصيام)) في ((الصيام عن الميت)). ٥٤/١٤٧٩ - (مالك أنه بلغه) قال ابن عبد البر في ((التجريد)) (٢): روي هذا الحديث عن النبي وَ﴿ من وجوهٍ، أحسنها حديث بريدة الأسلمي، انتهى. (١) ((المنتقى)) (١٤٥/٦). (٢) (ص ٣٥٦). ٢٧٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب (١٤٧٩) حدیث أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخِزْرَجِ، قلت: حديث بريدة أخرجه مسلم والأربعة وأحمد وغيرهم(١)، لكن فيه: أن امرأة أتت رسول الله وَ له. فقالت: كنت تصدقت على أمي بوليدة وإنها ماتت، وتركت تلك الوليدة، قال رسول الله وَ له: ((قد وجب أجرك، ورجعت إليك في الميراث)) الحديث، فهي قصة أخرى بمعنى حديث الباب. (أن رجلاً من الأنصار من بني الحارث بن الخزرج) بخاي وزاي معجمتين فراء وجيم. قال الزرقاني(٢): هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي الذي أري الأذان، كما في بعض طرق الحديث، وهو صحابي وأبواه صحابيان . وقال الحافظ في ((الإصابة))(٣): أطلق غير واحد أن عبد الله بن زيد ليس له غير حديث الأذان، وهو خطأ، فقد جاءت عنه عدةُ أحاديث، ستة أو سبعة جمعتُها في جزء مفرد، وحديثه عند الترمذي من رواية ابنه محمد بن عبد الله، وصحّحه، وفي ((النسائي)) له حديث أنه تصدق على أبويه ثم توضأ، انتهى. كذا في النسخة التي بأيدي من ((الإصابة)) والظاهر عندي محله: ثم توفیا (٤). وأخرج الحاكم بسنده إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري النداء أنه أتى رسول الله وَالر، فقال: يا رسول الله حائطي هذا صدقة، وهو إلى الله ورسوله، فجاء أبواه، فقالا : يا رسول الله كان قوام عيشنا، فردّه رسول الله وَ﴿ إليهما، ثم ماتا، فورثهما ابنهما بعده . (١) أخرجه مسلم (١١٤٩)، وأبو داود (١٦٥٦). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٥٧). (٣) (٧٢/٣). (٤) كما في ((المستدرك)) (٣٤٨/٤). ٢٨٠