النص المفهرس
صفحات 241-260
٣٨ - كتاب الأقضية (٣٨) باب (١٤٧١) حدیث ((المبسوط)): بأن ذلك كان إذ ذاك لغلبة أهل الصلاح والأمانة، لا تصل إليها يد خائنة، فإذا تركها وجدها، وأما في زماننا، فلا يأمن وصول يد خائنة إليها بعده، ففي أخذها إحياؤها وحفظها على صاحبها، فهو أولى، ومقتضاه أنه إن غلب على ظنه ذلك أن يجب الالتقاط، وهذا أحق، فإنا نقطع بأن مقصود الشارع وصولها إلى ربها، وأن ذلك طريق الوصول. فإذا تغيّر الزمان، وصار طريق التلف، فحكمه عنده بلا شك خلافه، وهو الالتقاط للحفظ والرد، وأقصى ما فيه أن يكون عاماً في الأوقات، خص منها بعض الأوقات بضرورة العقل من الدين، لو لم يتأيد بحديث عن عياض بن حمار أنه وَ ل﴿ل سئل عن الضالّة؟ فقال: ((عَرِّفْها، فإن جاء ربُّها وإلا فهي مال الله، يؤتيه من يشاء»(١)، فتأید به زیادة بعد تمام الوجه، انتهى. قلت: ويؤيد ما قال صاحب ((المبسوط)) ما سيأتي عن أثر عثمان - رضي الله عنه - في الباب الآتي على أن في حديث زيد ثلاثة احتمالات، كما تقدم في كلام الباجي، وقال الحافظ (٢): وحمل بعضهم النهي على من التقطها ليتملكها لا ليحفظها، فيجوز له، وهو قول الشافعية، وكذا إذا وجدت بقرية، فيجوز التملك على الأصح عندهم، والخلاف عند المالكية أيضاً، قال العلماء: الحكمة في النهي عن التقاط الإبل أن بقاءها حيث ضَلَّتْ أقربُ إلى وجدان مالكها لها، من تطلبه لها في رحال الناس، انتهى. وقال الزرقاني(٣): بعد ما حكى كلام الحافظ: وفيه جواز الالتقاط لاشتماله على مصلحة حفظها وصيانتها عن الخونة، وتعريفها لتصل إلى (١) أخرجه أبو داود (١٧٠٩)، وابن ماجه (٢٥٠٥)، وأحمد (١٧٤٨٨). (٢) «فتح الباري)) (٨٠/٥). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٥٣). ٢٤١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٨) باب (١٤٧٢) حديث ٤٧/١٤٧٢ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرِ الْجُهَنِيِّ؛ أَنَّ أَبَاهُ صاحبها، ومن ثم كان الأرجح من مذاهب العلماء أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فمتى رجح أخذها وجب أو استحب، ومتى رجح تركها حرم أو كره، وإلا فهو جائز، انتهى. ثم ما حكي عن مذهب الحنفية هو المعروف من مذهبهم في عامة الفروع والشروح، لكن في ((الدر المختار)) (١): ندب التقاط البهيمة الضالة، وتعريفها ما لم يخف ضياعها، فيجب، وكره لو معها ما تدفع به عن نفسها، كقرن لبقر وكَدْمِ أي عَضِّ لإبل ((تتار خانية))، انتهى. ٤٧/١٤٧٢ - (مالك عن أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد الأموي (عن معاوية بن عبد الله بن بدر الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء نسبة إلى جهينة قبيلة من قضاعة، قال الحافظ: في ((التعجيل))(٢): ك فع [رقم لـ ((موطأ مالك)) ومنه الشافعي] معاوية بن عبد الله بن بدر عن أبيه عن عمر في اللقطة، وعنه أيوب بن موسى المكي، فيه نظر، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: روى عنه أيوب بن موسى، ومحمد بن عمرو بن علقمة، قال: وكان يفتي بالمدينة، انتهى. قلت: ولعل وجه النظر أن ظاهر كتب الرجال أن اسم ولد عبد الله بن بدر بعجة، لا أيوب فتأمل. (أن أباه) عبد الله بن بدر الجهني المدني كان اسمه عبد العُزَّى، فسماه النبي وَليل عبد الله، يكنى بأبي بعجة، قال الحافظ في ((التعجيل)) (٣): روى عنه ابنه بعجة، ومعاذ بن عبد الله بن خبيب، وقال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)): (١) (٤/ ٤٧٠). (٢) ((تعجيل المنفعة)) (ص ٤٠٦). (٣) (ص٢١٢). ٢٤٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٨) باب (١٤٧٢) حديث أَخْبَرَهُ أَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَ قَوْم بِطَرِيقِ الشَّامِ. فَوَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَاراً. فَذَكَرَهَا لِعُمَرَ بْنِ اُلْخَطَّابِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَاب الْمَسَاجِدِ. وَاذْكُرْهَا لِكُلِّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الشَّامِ، سَنَةً. فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ، فَشَأْنَكَ بِهَا . روى عنه ابنه بعجة، لم يرو عنه غيره، مات في خلافة معاوية، وقال ابن حبان: كان حامل لواء جهينة يوم الفتح، وذكر ابن شاهين أنه شهد أحداً، وخَطَّ له النبي وَ ل﴿ خطاً بالمدينة، وهو أول من خَطَّ بها مسجداً. (أخبره أنه) أي عبد الله (نزل منزل قوم) أي موضع نزولهم (بطريق الشام) كانوا نزلوا فيه وارتحلوا (فوجد صرة) بضم الصاد وشدِّ الراء أي كيساً (فيها ثمانون ديناراً) قال الباجي: فيه دليل على أنه فتحها، ونظر إليها، ولم ينكر عليه عمر - رضي الله عنه -؛ لأنه بذلك يصل إلى معرفة ما فيها (فذكرها لعمر بن الخطاب) أمير المؤمنين (فقال له عمر) - رضي الله عنه -: (عَرِّفها) بكسر الراء المشددة (على أبواب المساجد) لأن المساجد مراجع المؤمنين، قال الباجي في سماع أشهب: ما أحبّ رفع الصوت في المسجد، وإنما أمر عمر - رضي الله عنه - أن يعرف على أبوابها . (واذكرها لكل من يأتي من الشام). قال الباجي(١): فإنه وجدها بمنزل نزله بطريق الشام، فكان الغالب على الظن أنها لهم، أو لمن مَرَّ بطريقهم، فإذا ذكر لمن يأتي من الشام، كان أقرب إلى معرفة صاحبها، وكذلك ملتقط اللقطة يجب أن يتوَّى بتعريفها المواضع التي يغلب على ظنه أنه ينتشر منها خبرها، ويصل سببه إلى صاحبها، فيذكر ذلك على أبواب المساجد، وبجامع الأسواق، فإن كان بطريق خصّ بالسؤال أهل تلك الجهات، ومن يمر عليها، ولا يترك إعلام غيرهم بها (سنة) أي حولاً كاملاً (فإذا مضت السنة فشأنك بها) على ما تقدم في حديث زيد بن خالد الجهني. (١) ((المنتقى)) (١٤٠/٦). ٢٤٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٨) باب (١٤٧٢) حديث وقال ابن حزم في ((المحلى)) (١): روينا من طريق حماد بن سلمة أنا يحيى بن سعيد، هو الأنصاري عن معاوية بن عبد الله بن بدر قال: وجد أبي في مبرك بعير مائة دينار، فسأل عمر بن الخطاب عن ذلك؟ فقال له: عَرِّفْها عاماً، فَعَرَّفها عاماً، فلم يجد لها عارفاً، فقال له عمر: عَرِّفْها ثلاثة أعوام، فلم يجد لها عارفاً، فقال له عمر: هي لك، وهذا يخالف أثر ((الموطأ)) في مدة التعريف، ومقدار اللقطة، وسيأتي في كلام الموفق بلفظ آخر. قال الزرقاني (٢): فائدة ذكره بعد المرفوع الإشارة إلى استمرار العمل، بأن التعريف سنة لا أزيد، وأنه على أبواب المساجد، قال الباجي: وصفة التعريف: قال ابن نافع عن مالك يُعَرِّفُها كل يومين أو ثلاثة، وكلما يتفرغ، ولا يجب عليه أن يدع التصرف في حوائجه ويعرفها، انتهى. وقال الموفق(٣): في التعريف ستة فصول في وجوبه، وقدره، وزمانه، ومكانه، وکیفیته، ومن يتولّاه. أما وجوبه، فإنه واجبٌ على كل ملتقط، سواء أراد تملَّكها أو حفظها لصاحبها، وقال الشافعي: لا تجب على من أراد حفظها لصاحبها، ولنا أن النبي ◌َ﴿ أمر به زيد بن خالد وأبيّ بن كعب، ولم يُفَرِّقْ، ولأن إمساكها من غير تعريف تضييع لها عن صاحبها . وأما قدر التعريف، فقد تقدم الكلام فيه قريباً، والخلاف فيه، والجمهور على أنّه سَنَةٌ. وأما زمانه، فهو النهار، دون الليل؛ لأن النهار مجمع الناس وملتقاهم (١) (١٣٨/٩). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٥٣/٤). (٣) («المغني)) (٢٩٢/٨). ٢٤٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٨) باب (١٤٧٢) حديث دون الليل، ويكون ذلك في اليوم الذي وجدها، والأسبوع أكثر؛ لأن الطلب فيه أكثر، ولا يجب فيما بعد ذلك متوالياً، وقد روى الجوزجاني بإسناده عن معاوية بن عبد الله عن (١) زيد الجهني: قال: نزلنا مناخَ ركبٍ، فوجدت خرقة فيها قريب من مائة دينار، فجئت بها إلى عمر - رضي الله عنه -، فقال: عَرِّفها ثلاثة أيام على باب المسجد، ثم أَمسكها حتى قرن السنة، ولا يَفِدُ من رَكْبٍ إلا نَشَدْتَها، وقلتَ: الذَهَبُ بطريق الشام، ثم شأنَك بها(٢). أما مكانُه، وهو الأسواق وأبواب المساجد والجوامع في الوقت الذي يجتمعون فيه كأدبار الصلوات في المساجد، وكذلك في مجامع الناس؛ لأن المقصود إشاعة ذكرها وإظهارها ليظهر عليها صاحبها، فيجب تحري مجامع الناس؛ ولا ينشدها في المسجد؛ لأن المسجد لم يُبْنَ لهذا، وقد أمر عمر - رضي الله عنه - بتعريفها على باب المسجد. وأما من يتولاه فللملتقط أن يتولى ذلك بنفسه، وله أن يستنيب فيه، فإن وجد متبرِّعاً بذلك وإلا إن احتاج إلى أجر، فهو على الملتقط، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، واختار أبو الخطاب أنه إن قصد الحِفْظَ لصاحبها دون تملكها رجع بالأجر على مالكها، وكذلك قال ابن عقيل فيما لا يملك بالتعريف؛ لأنه من مؤنة إيصالها إلى صاحبها، فكان على مالكها، ولنا أن هذا أجر واجب على المعرف، فكان عليه، ولأنه لو وليه بنفسه لم يكن له أجر على صاحبها، فكذلك إذا استأجر عليه، وقال مالك: إن أعطى منها شيئاً لمن عرفها، فلا غرم علیه، انتهى. (١) كذا في الأصل، وفيه تحريف من الناسخ، وذكر صاحب ((الشرح الكبير)) روى الجوزجاني بإسناده عن معاوية بن عبد الله بن بدر الجهني قال: نزلنا مناخ ركب، الحدیث. اهـ. ((ش)). (٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٧٥٧/٢، ٧٥٨) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٩٣/٦). ٢٤٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٨) باب (١٤٧٢) حديث وقال الدردير(١): وجب تعريفه سنة كاملة من يوم الالتقاط، بمظان طلبها، بكباب مسجدٍ لا داخله في كل يومين أو ثلاثة مرةً بنفسه، أو بمن يثق به، أو بأجرة من اللقطة، إن لم يعرف مثله بأن كان الملتقط من ذوي الهيئات، قال الدسوقي: قوله: في كل يومين أو ثلاثة هذا في غير أول زمان التعريف، أما في أوله، فينبغي أن يكون أكثر من ذلك، ففي كل يوم مرتين، ثم في كل يوم مرة، ثم في كل يومين مرة، ثم في كل ثلاثة أيام مرة، ثم في كل أسبوع مرة، كما ذكره شارح ((الموطأ))، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (٢): وعَرَّفَ أي نادى عليها حيث وجدها، وفي المجامع، قال ابن عابدين: أي محلات الاجتماع كالأسواق وأبواب المساجد وكبيوت القهوات في زماننا . وفي ((الهداية)) (٣): اللقطة أمانةٌ إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها . ويردّها على صاحبها، ويكفيه في الإشهاد أن يقول: من سمعتموه يَنْشُدُ لقطةً فدُلُّوه عليّ، قال ابن الهمام(٤): قال الحلواني: أدنى ما يكون من التعريف أن يشهد عند الأخذ، ويقول: أخذتها لأَرُدَّها، فإن فعل ذلك، ولم يُعَرِّفْها بعد كفى، فجعل التعريف إشهاداً . وقول المصنف: يكفيه من الإشهاد إلخ، يفيد مثله، فاقتضى هذا الكلام أن يكون الإشهاد الذي أمر به في الحديث، هو التعريف، وقوله عليه السلام: ((من أصاب ضالة فليشهد)). معناه فليعرفها. ويكون قوله: ذا عدل ليفيد عند جحد المالك التعريف أي الإشهاد، انتهى. (١) ((الشرح الكبير)) (١٢٠/٤). (٢) (٤ / ٤٦٧). (٣) (٤١٧/١). (٤) ((فتح القدير)) (٣٥٠/٥). ٢٤٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٨) باب (١٤٧٣). حديث ٤٨/١٤٧٣ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِع؛ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ لُقَطَّةً. فَجَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. فَقَالَ لَهُ: إِنِّي وَجَدْتُ لُقَطَّةً. فَمَاذَا تَرَى فِيهَا؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: عَرِّفْهَا. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: زِدْ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا آمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَهَا . ثم قال صاحب ((الهداية))(١): وينبغي أن يعرفه في الموضع الذي أصابها، وفي الجامع، فإن ذلك أقرب إلى الوصول إلى صاحبها، قال ابن الهمام(٢): قوله: في الجامع أي الأسواق وأبواب المساجد، وظاهر الأمر بتعريفها سنة يقتضي تكرار التعريف عرفاً وعادة. وإن كان ظرفية السنة للتعريف يصدق بوقوعه مرة، ولكن يجب حمله على المعتاد من أنه يفعله وقتاً بعد وقت، ويكرر ذلك كلما وجد مَظِنة، وما قدمنا مما يفيد الاكتفاء بالمرة الواحدة، هو في دفع الضمان عنه، أما الواجب، فأن يذكرها مرة بعد أخرى، انتهى. ٤٨/١٤٧٣ - (مالك عن نافع أن رجلاً) لم يسم (وجد لقطة فجاء) اللاقط (بها إلى عبد الله بن عمر) الفقيه المعروف (فقال له: إني وجدت لقطة. فماذا ترى فيها؟) سأله حسب ما يفعله العامة من السؤال عن علمائهم (فقال له) أي للرجل اللاقط (عبد الله بن عمر: عرفها) قال الباجي: لم يَحُدَّ له مدةَ سنة إن كانت مما يعرف سنة لئلا يتضمن التحديد إباحة التصرف فيها بعد انقضاء السنة . (فقال) اللاقط: (فد فعلت) أي عرفتها (قال) ابن عمر: (زد) في التعريف (قال) اللاقط: (قد فعلتُ) أي أكثرت التعريف (فقال له عبد الله بن عمر: لا آمرك) أي لا آذن لك (أن تأكلها) ولعله كان غنياً. وإلا فسيأتي عن ابن عمر (١) (١/ ٤١٧). (٢) ((فتح القدير)) (٣٥٢/٥). ٢٤٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٨) باب (١٤٧٣) حديث وَلَوْ شِئْتَ، لَمْ تَأْخُذْهَا . - رضي الله عنه - إباحة التصرف فيها عن رواية الحر بن الصباح (ولو شئت لم تأخذها). قال الزرقاني(١): وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يرى كراهة الالتقاط مطلقاً، قلت: وتقدم في أول حديث زيد بن خالد أن ابن عمر - رضي الله عنه - كان ممن لا يرى الالتقاط. قال الباجي(٢): كان ابن عمر - رضي الله عنه - يكره لأهل الورع ومن يختص به التصرف فيها بالأكل له، وقد قال مالك: لا أرى لصاحب اللقطة أن يأكلها، ولكن يتصدق بها أحبُّ إليّ، ويخبر صاحبها إذا جاء، فإن شاء أجازها، وإن شاء غرمها له، وإنما كره مالك أكلها لئلا يتسرع الناس إليها، ولئلا يظن به ذلك، ولذلك قال ابن عمر - رضي الله عنه -: لا آمرك بأكلها . ولم يأمره أن يتصدق به؛ لأنه لعله لم يعلم له مالاً يقضي منه صاحب اللقطة إذا جاء، ولم يجز الصدقة. ومن كان بهذه الصفة فلا يستحب له أن يتصدق بها، فإن فعل فلا إثم عليه، فإن تصدق بها أو أكلها، وجاء صاحبها، فطلبها، فهو أسوة للغرماء قاله ابن وهب، ووجه ذلك أنه دين ثابت في ذمته بوجه حق، انتھی . وقال الموفق(٣): روى الجوزجانيُّ بإسناده، عن الحُرِّ بن الصباح، قال: كنت عند ابن عمر - رضي الله عنه - بمكة، إذ جاءه رجل، فقال: إني وجدتُ هذا البُرْد، وقد نشدتُه، وعَرَّفْتُه، فلم يعرفه أحدٌ، وهذا يوم التروية، ويوم يتفرق الناس، فقال: إن شئت قَوَّمْتَه قيمةَ عدلٍ، ولَبِسْتَه، وكنتَ له ضامناً متى جاءك صاحبُه دفعت إليه ثمنه، وإن لم يجىء له طالبٌ، فهو لك إن شئتَ، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٥٣/٤). (٢) ((المنتقى)) (١٤١/٦). (٣) («المغني)) (٣٠٤/٨). ٢٤٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٩) باب (٣٩) باب القضاء في استهلاك العبد اللقطة قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَجِدُ اللُّقَطَّةَ فَيَسْتَهْلِكُهَا، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْأَجَلَ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللَّقَطَةِ، وَذْلِكَ سَنَةٌ: أَنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ. إِمَّا أَنْ يُعْطِيَ سَيِّدُهُ ثَمَنَ مَا اسْتَهْلَكَ غُلَامُهُ. وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ غُلَامَهُ. (٣٩) القضاء في استهلاك العبد هكذا في النسخ المصرية، وهو الصواب لما يأتي فيه من الأثر، فما في النسخ الهندية من لفظ استملاك العبد بالميم بدل الهاء تحريفٌ من الناسخ، فإن الأثر بالهاء في النسخ الهندية أيضاً . اللقطة يعني إذا التقط عبد اللقطة، ثم أتلفها، فماذا حكمها؟ (قال مالك: الأمر عندنا في العبد يجد اللقطة) فيأخذها (فيستهلكها) أي يتلفها بالتصرف فيها، أو بالتعدي والتقصير في حفظها (قبل أن يبلغ الأجل الذي أجل) ببناء المجهول من التأجيل (في اللقطة، وذلك الأجل سَنَةٌ) أي حول (أنها) أي اللقطة جناية (في رقبته) فيخير سيده في أنه (إما أن يعطي سيده ثمن ما استهلك غلامه، وإما أن يسلم إليهم) أي إلى مالكي اللقطة (غلامَه). قال الباجي(١): ومعنى ذلك أن استهلاك اللقطة قبل تمام السنة ممنوعٌ منه، لحق صاحبها، فإذا تعدّى عليها العبد، أو استهلك، ففي رقبته، قال ابن القاسم وغيره: سواء أكلها أو أكل ثمنها أو وهبها أو تصدق بها، وجه ذلك أن ما أكلها جناية على أيّ وجهٍ كان، فهي في رقبته، فإما أن يفتديه بغرم ما استهلك وإما أن يسلمه، انتهى. (١) ((المنتقى)) (١٤١/٦). ٢٤٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٩) باب وَإِنْ أَمْسَكَهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْأَجَلُ الَّذِي أُجِّلَ فِي اللُّقَطَّةِ، ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا، كَانَتْ دَيْناً عَلَيْهِ. يُتْبَعُ بِهِ. وَلَمْ تَكُنْ فِي رَقَتِهِ. وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهَا شَيْءٌ . (وإن أمسكها) الغلام (حتى يأتي) وتم (الأجل الذي أجل في اللقطة) وهو السنة (ثم استهلكها كانت) اللقطة (ديناً عليه) أي على العبد (يتبع به) ببناء المجهول، أي يتبع مالك اللقطة العبد إذا أعتق (ولم يكن في رقبته) حتى يباع فيه (ولم يكن على سيده فيها شيء). قال الباجي(١): يريد أن مجرد الإمساك مدة السنة في العبد يخرجها عن أن تكون جناية تتعلق برقبته، وإن قال: لم أعرفها لأنه لو قال: عرفتها لكان مصدقاً في ذلك، فإذا أنكر التعريف لم يصدق على سيده، كما لو أقرّ بجناية خطأ، وأما الحر فإنه لا يبيح له الانتفاع بها بعد السنة، إلا تعريفها في مدة السنة، ولو أقامت عنده أعواماً لا يعرفها، لا يستبيح بذلك إنفاقها، وكذلك العبد فيما بينه وبين الله تعالى، انتهى. وقال صاحب ((المحلى على الموطأ)): وقال أبو حنيفة والشافعي في وجه، وأحمد: أن العبد إن أتلفه طُوْلِبَ رَبُّه بقضاء الدين، أو بالبيع فيه، سواء أتلفه بعد التعريف، أو قبله؛ لأنه ضمان جناية، فيتعلق برقبته، ويظهر في حق المولى، انتهى. قلت: ما حكي من مذهب أحمد يأبى عنه ما في ((المغني))(٢): إذا وجد العبد لقطة، فله أخذها بغير إذن سيده. ويصح التقاطه، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: لا يصح التقاطه؛ لأن اللقطة في الحول أمانةٌ، وولايةٌ، وفي الثاني تملك، والعبد ليس من أهل الولايات، ولا التملك . (١) ((المنتقى)) (١٤١/٦). (٢) (٣٣٤/٨). ٢٥٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤٠) باب (١٤٧٤) حديث (٤٠) باب القضاء في الضوال ٤٩/١٤٧٤ - مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ ولنا عموم الخبر، ولأن الالتقاط سبب يملك به الصبيّ، ويصح منه، فصح من العبد، كالاحتطاب والاصطياد، وقولهم: إن العبد ليس من أهل الولايات والأمانات، يبطل بالصبيّ والمجنون، فإنهما أدنى حالاً منه، وإذا ثبت هذا، فإن التقط العبد لقطة كانت أمانة في يده، إن تلفت بغير تفريط في حول التعريف لم يضمن، وإن تلفت بتفريطه أو إتلاف، وجب ضمانها في رقبته، كسائر جناياته، فإذا تم الحول ملكها سيده؛ لأن الالتقاط كسب العبد و کسبه لسیده، انتهى. (٤٠) القضاء في الضوال جمع ضالّة، مثل دواب، ودابَّة، والأصل في الضلال الغيبة، ومنه قيل للحيوان الضائع: ضالّةٌ بالهاء، الذكر والأنثى فيه سواء، ويقال لغير الحيوان: ضائع، ولقطة، وفي ((المحلى)): قال الخطابي: الضالّةُ لا يقع على الدراهم والدنانير والمتاع ونحوها، وإنما الضالَّةُ اسمٌ للحيوان الذي يَضِلُّ عن أهلها، كالإبل والبقر والطير، انتهى. ٤٩/١٤٧٤ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سليمان بن يسار) بفتح التحتانية وتخفيف السين، الفقيه الشهير (أن ثابت بن الضحاك) بفتح الضاد المعجمة وتشديد الحاء المهملة ابن خليفة (الأنصاري) الأشهلي الصحابي الشهير، توفي سنة أربع وستين على الصواب، ووهم من قال: سنة خمس وأربعين، قاله الزرقاني(١). (١) (شرح الزرقاني)) (٥٤/٤). ٢٥١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤٠) باب (١٤٧٤) حديث أَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَجَدَ بَعِيراً بِالْحَرَّةِ. فَعَقَّلَهُ. ثُمَّ ذَكَرَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (أخبره أنه) أي ثابت (وجد بعيراً بالحرة) بفتح الحاء وشدة الراء المهملتين أرض ذت حجارة سود بظاهر المدينة (فعقله) أي شَدَّه بالعقال، وهو الحبل، ولفظ محمد في ((موطئه))(١) محله ((فعَرَّفه))، قال الباجي(٢): يريد أنه منعه من الذهاب بعقال شَدَّه به على حسب ما تعقل الإبلُ والدوابُ، ولعله لم يبلغه حديث النبي ﴾﴾ بذلك، انتهى. قلت: وفيه أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أيضاً لم ينكر عليه التقاط البعير، ولذا قال صاحب ((المحلى)): فيه جواز التقاط الإبل، وبه أخذ أبو حنيفة (ثم ذكره لعمر بن الخطاب) رضي الله عنه. قال الباجي(٣): يحتمل وجهين أحدهما؛ أنه استفتاه فيما يلزمه فيه، وهذا جائز، والإمام في ذلك إذا كان من أهل العلم كسائر العلماء، إن كانت مسألة اتفاق، وإن كانت مسألة اختلاف، فالحكم جارٍ على رأيه. والثاني؛ أن يكون رفع الأمر إليه لينظر فيه، وقد قال مالك: من وجد بعيراً فليأت به الإمام، فيبيعه، ويجعل ثمنه في بيت المال، حتى يأتي ربه، ولا يُؤَكِّلُ بذلك من وجده، ليكون الثمن عنده، لكن عند الإمام ليكون أمكن لربه إذا أتى، وقال أشهب: إن كان الإمام عدلاً رفعها إليه، وإن كان غير عدل، فَلْيُخَلِّها حيث وجدها، انتهى. (فأمره عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (أن يعرفه ثلاث مرات) قال الباحي: ظاهره يقتضي أنه أمره بذلك مرة، ففعل، ثم سأله، فأمر بتعريفه ثانية (١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٤٨/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٤٢/٦). (٣) ((المنتقى)) (١٤٢/٦). ٢٥٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤٠) باب (١٤٧٤) حديث فَقَالَ لَّهُ ثَابِتُ: إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ ضَيْعَتِي. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ. حتى أكمل ثلاث مرات حسب ما فعله النبي (وَل# بأبي بن كعب، فقد كان ثابت بن الضحاك من فضلاء الصحابة، وممن شهد بيعة الرضوان، ويحتمل أيضاً أن يكون كَرَّرَ اللفظ بذلك ثلاث مرات في وقت واحد اقتداءً بالنبي صَىاللّه وسم فيما روى عنه أنس ((أنه كان إذا تكلم كرر القول ثلاث مرات))، ولم يؤقت مدة التعريف؛ لأن هذا التعريف لما لم يكن واجباً، ولم يتعقبه استباحة ما تعرف بوجه، لم تكن مدته مؤقتة، انتهى. قلت: ويحتمل أنه لم يؤقته؛ لأن التوقيت كان معروفاً عندهم، أو تركه على رأي المبتلى به، أو تركه على رأي نفسه، ولذا لما رأى أن التعريف لم يكف عنده، أمره ثانياً وثالثاً (فقال له ثابت: إنه) أي تعريفه (قد شغلني عن ضيعتي) بفتح الضاد المعجمة أي عقاري، هكذا في ((موطأ يحيى)). قال الباجي: يريد أن حفظه قد شغله عما يتصرف فيه من النظر في ضيعته، ولفظ محمد في ((موطئه)»: قد شغلني عنه ضيعتي، أي شغلني عن مزيد تعريفه الاشتغال بعقاري، فإني مشغول به، لا أجد فرصة أن أعرفها مرة بعد مرة. (فقال له عمر) - رضي الله عنه -: (أرسله حيث وجدته) أي في المكان الذي وجدته فيه، قال محمد(١): وبه نأخذ، إن رَدَّها أي اللقطة في الموضع الذي وجدها فيه برئ منها، ولم یکن عليه في ذلك ضمان، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (٢) عن ((الفتح)) وغيره: لو رفعها ثم ردها لمكانها لم يضمن في ظاهر الرواية، قال ابن عابدين: هذا إذا أخذها ليعرفها، فلو ليأكلها لا يبرأ ما لم يردّها إلى ربها، انتهى. (١) ((التعليق الممجد)) (٣٤٤/٣). (٢) (٤ / ٤٦٦). ٢٥٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤٠) باب (١٤٧٤) حديث وقال الباجي(١): في ((العتبية)): قال مالك: أرسل إليّ الحسن بن زيد فسألني عن رجل أصاب ثلاث أبعرة ضالة، فقال: إنها قد آذتني، فأمره أن يرسلها حيث أصابها، ووجه ذلك أن عقله للبعير وأخذه له على حفظه لصاحبه لا يلزمه به حق الحفظ له، كما يلزم ذلك في اللقطة، وذلك أن أخذه غير مأمور به، ولا فيه منفعة لصاحب البعير، فلا يتعلق به حق صاحب البعير، ولذلك جاز له أن يرسله حیث وجده. وأيضاً فإن هذا التعريف لم يكن مؤقتاً، ولم يقل فيه: عَرِّفْه سنة، كما قال لعبد الله بن بدر حيث وجد الثمانين ديناراً: (عَرِّفها سنة))، ولم يتعقبه استباحةُ اللقطة، ولذلك قال لثابت في البعير: ((رُدّه حيث وجدتَه))، وقال لعبد الله بن بدر بعد تعريفه سنةً: ((شأنك بها))، وقد روى ابن مزين عن عيسى أنه إنما أمره بتخليتها حيث وجدها؛ لأنه أخطأ أولاً في أخذها؛ لأن الحديث قد جاء بالنهي عن ذلك. ويحتمل عندي ما تقدم أنه نهى عن أخذها لمن أراد تملكه الآن كضالة الغنم، ولمن أراد التصرف فيها بعد التعريف كاللقطة، ولذلك لم ينكر رضي الله عنه على ثابت أخذ البعير الذي وجده بالحَرَّة، فإنما منعه من تملكه أولاً، ومن التصرف فيه بعد التعريف، وهذا يقتضي أنه حمل حديث النبي وُ لّ في ضالة الإبل على ذلك، وتضمن حديث عمر - رضي الله عنه - جواز رد الإبل إلى موضعها بعد أخذها بخلاف اللقطة، والفرق بينهما من جهة المعنى أن الإبل الضالة حيث ردّت إلى مكانها لم يخف عليها ضياع؛ لأنها ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها، ولقطة الدنانير والدراهم إذا ردّت إلى مكانها، لم يشك في ضياعها، انتهى. (١) ((المنتقى)) (١٤٢/٦). ٢٥٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤٠) باب (١٤٧٤) حديث وقال الدردير(١): يضمن في ردّها لموضعها، أو في غيره بعد أخذِها للحفظ، أي التعريف إلا أن يردّها لموضعها، بقرب من أخذها، فضاعت، فتأويلان في الضمان وعدمه، فإن أخذها لغير الحفظ، أي لغير التعريف الحقيقي بأن أخذها لسؤال جماعة، هل هي لهم أم لا؟ ويقال لهذا: تعريف حكميٌّ. ورَدَّها بقرب، فلا ضمان قطعاً، وعن بُعْدٍ ضمن أخذها للحفظ أم لا؟ وإن أخذت الإبل تعديا عُرِّفَتْ سَنَة، ثم بعد السنة تركها بمحلها الذي أخذت منه، انتھی. وقال الموفق(٢): إذا أخذ اللقطة ثم ردّها إلى موضعها ضمنها، وروي ذلك عن طاووس، وبه قال الشافعي، وقال مالك: لا ضمان عليه. قلت: في مذهب مالك تفصيل كما تقدم. ثم قال(٣): فإن أخذ الحيوان الذي لا يجوز أخذه على سبيل الالتقاط ضمنه، إماماً كان أو غيره؛ لأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه، ولا إذن الشارع له فهو كالغاصب، فإن ردّه إلى موضعه لم يبرأ من الضمان، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: يبرأ؛ لأن عمر - رضي الله عنه - قال: أرسله في الموضع، وجرير طرد البقرة التي لحقت ببقره، كما روي عنه أنه أمر بطرد بقرة لحقت ببقره حتى توارت، وقال: سمعت رسول الله وَلو يقول: ((لا يؤوي الضالة إلا ضالٌّ))، رواه أبو داود بمعناه. ولنا؛ أن ما لزمه ضمانه لا يزول عنه إلا بردّه إلى صاحبه، أو نائبه، كالمسروق والمغصوب، وأما حديث جرير، فإنه لم يأخذ البقرة ولا أخذها راعيه، وإنما لحقت بالبقر، فطردها عنه، فأشبه ما لو دخلت داره فأخرجها . (١) ((الشرح الكبير)) (١٢١/٤). (٢) («المغني)) (٣١٥/٨). (٣) ((المصدر السابق)) (٣٤٥/٨). ٢٥٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤٠) باب (١٤٧٥) حديث ٥٠/١٤٧٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ، إِلَى الْكَعْبَةِ: مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ. أصله حديث مرفوع عن زيد بن خالد الجهنيّ، عن رسول الله وَله. أخرجه مسلم في: ٣١ - كتاب اللقطة، ١ - باب في لقطة الحاج، حديث ١٢. وقال صاحب ((الشرح الكبير)): أما حديث عمر - رضي الله عنه - فهو في الضالة التي لا يحل أخذها، فإذا أخذه، احتمل أن له ردّه إلى مكانه، ولا ضمان عليه، لهذه الآثار، ولأنه كان واجباً عليه تركه في مكانه ابتداء، فكان له ذلك بعد أخذه، ويحتمل أن لا يبرأ من ضمانه بردّه؛ لأنه دخل في ضمانه، فلم يبرأ برده إلى مكانه كالمسروق، وما يجوز التقاطه، فعلى هذا لا يبرأ إلا برده إلى الإمام، أو نائبه، وأما عمر - رضي الله عنه - فهو كان الإمام، فإذا أمر برده، فهو کأخذه منه، انتهى. ٥٠/١٤٧٥ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن المسيب) بكسر الياء وفتحها (أن عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (قال: وهو) أي عمر - رضي الله عنه - (مسندٌ ظهره إلى الكعبة) قال صاحب ((التعليق الممجد))(١): فيه جواز الجلوس مستنداً إلى الكعبة وبجدار القبلة في المسجد وجواز جعل الكعبة، وجهتها خلفه، وهو ثابت بآثار أخر أيضاً، انتهى. (من أخذ ضالة فهو ضالٌ) قال الزرقاني(٢): ضالٌّ عن طريق الصواب، أو آثم، أو ضامن، إن هلكت عنده، عَبَّر به عن الضمان للمشاكلة، وذلك أنه إذا التقطها فلم يعرفها فقد أضرّ بصاحبها، وصار سبباً في تضليله عنها، فكان مخطئاً ضالاً عن الحق. (١) (٣٥٠/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٥٥/٤). ٢٥٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤٠) باب (١٤٧٥) حدیث وأصل هذا حديث مرفوع أخرجه أحمد ومسلم والنسائي عن زيد بن خالد الجهني أن النبي ◌ّ﴿ قال: ((من آوى ضالة، فهو ضالٌّ ما لم يعرفها))(١)، فَقَيَّد الضلالَ بعدم التعريف، فلا حجة لمن كره اللقطة مطلقاً في أثر عمر - رضي الله عنه - هذا، ولا في قوله وَّر: ((ضالّة المسلم حرق النار))، أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن الجارود العبدي؛ لأن الجمهور حملوهما على من لم يعرفها، جمعاً بين الحديثين، وحرق، بفتح الحاء والراء، وقد تسكن أي يؤدي أخذها للتمليك إلى النار، فهو تشبيه بليغٌ بحذف الأداة للمبالغة، انتهى. قال الباجي(٢): قوله - رضي الله عنه -: من أخذ ضالة فهو ضالٌ، قال في ((كتاب ابن مزين)) من رواية أشهب عن مالك ما معناه: مخطئٌ، وهذا على ما قال: لأن النبي وَ﴿ قال لمن سأله عن أخذها: ((مالك، ولها معها سقاؤها)) الحديث، فمن خالف ذلك فقد أخطأ، وضلّ في فعله ذلك إلا أنه خطأ ليس فيه تَعَدِّ على صاحبها، إذا لم يبعدها عن موضعها، وإنما عقلها في ذلك الموضع، وعَرَّفها، ثم أرسلها حيث وجدها، ولذلك لم يلزم ضمان الضالة، إذا ردّها إلى مكانها. ويحتمل عندي أن يكون معنى قول عمر: من أخذ ضالة فهو ضال فيمن أخذها متملكاً لها، ومسرعاً إلى أكلها، على حسب ما يفعل بضالة الغنم، أو فيمن أخذها ليعرفها مدة، فإن جاء صاحبها، وإلا تصرف فيها بما شاء من الأكل وغيره، فهذا الذي يمكن أن يوصف بأنه ضالٌّ، وبأنه متعد، ويضمن ما تلف بيده، والله أعلم، انتهى. وقال محمد - رحمه الله تعالى - في ((موطئه)) بعد أثر عمر - رضي الله عنه -: (١) أخرجه مسلم (١٧٢٥)، وأحمد (١١٧/٤). (٢) ((المنتقى)) (١٤٣/٦). ٢٥٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤٠) باب (١٤٧٦) حديث ٥١/١٤٧٦ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابِ يَقُولُ: كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِيلاً مُؤَبَّلَةً. تَنَاتَجُ. لَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ. حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَمَرَ بِتَعْرِيفِهِا. ثُمَّ تُبَاعُ. وبه نأخذ، وإنما يعني بذلك من أخذها ليذهب بها، فأما من أخذها ليردّها، أو ليعرفها فلا بأس به، انتهى. ويشهد لذلك ما في مسلم عن زيد بن خالد الجهني من زيادة قوله مثل: ((ما لم يعرفها)) كما تقدم قريباً. ١٤٧٦/ ٥١ - (مالك أنه سمع ابن شهاب) الزهري (يقول: كانت ضوالّ) جمع ضالّة (الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مُؤَبَّلَةً) كمعظمة، قال الزرقاني(١): هي في الأصل المجعولة للقنية، كما قال الجوهري وغيره، فهو تشبيه بليغ بحذف الأداة، أي كالمؤبلة المقتناة في عدم تعرض أحد إليها، واجتزائها بالكلأ، انتهى. وفي ((المجمع)): إذا كانت الإبل مهملة، قيل: إبل أبّل - بضم الهمزة وتشديد الباء المفتوحة -، فإذا كانت للقنية، قيل: إبل مُؤَبَّلَةٌ، انتهى. زاد عليه صاحب ((المحلى)): أراد أنها كانت لكثرتها مجتمعة لها حيث لا يتعرض لها، انتهى. ولفظ محمد في ((موطئه)) (٢): إبلاً مرسلة، وهو أوضح (تَنَاتَجُ) بحذف إحدى التائين أي تتناتج بعضها بعضاً (لا يمسها أحد) للنهي عن التقاطها . قال الباجي: يعني أنها كانت لا يأخذها أحد، وإن أخذ منها الواحدة، مثل أخذ ثابت بن الضحاك، فمن لم يبلغه النهي أو ممن بلغه النهي، وتأوله على حسب ما قدمناه، فكان الأكثر لا يؤخذ، فتبقى مؤبلة تتناتج (حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها) بعد التقاطها خوفاً من الخونة (ثم تباع) بعد (١) ((شرح الزرقاني)) (٥٥/٤). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٣٤٦/٣). ٢٥٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤٠) باب (١٤٧٦) حديث فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا، أُعْطِيَ ثَمَنَهَا . التعريف (فإذا جاء صاحبها) أي مالكها (أعطي) ببناء المجهول (ثمنها) قال محمد في ((موطئه)): كلا الوجهين حسن، إن شاء الإمام تركها حتى يجيء أهلها، فإن خاف عليها الضيعة، ولم يجد من يرعاها فباعها، ووقف ثمنها حتى يأتي أربابها، فلا بأس بذلك. وقال الباجي(١): فلما كان زمان عثمان، أمر بتعريفها، ثم تباع لصاحبها يعطى ثمنها إذا جاء، وذلك - والله أعلم - لما كثر في الناس من لم يصحب النبي ◌ّ من كان لا يعف عن أخذها، إذا تكررت رؤيته لها، حتى يعلم أنها ضالة، فرأى أن الاحتياط عليها أن ينظر فيها الإمام، فيبيعها، ويبقى التعريف فيها، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها، وحمل حديث النبي وَّر في المنع من أخذها على وقت إمساك الناس عن أخذها . ويحتمل أيضاً أنه كان يبيعها إذا يئس من مجيء صاحبها، بأن تطول المُدَدُ على ذلك، وتتناتج، ويخاف عليها الموت، فكان في بيعها على هذا الوجه حفظ لها على صاحبها؛ لأنه كان ينقلها إلى الأثمان التي لا يخاف عليها، وقد روي عن مالك أنه قال: كان علي بن أبي طالب قد بنى للضوال مربداً، يعلفها فيه علفاً، لا يسمنها، ولا يهزلها من بيت المال، فمن أقام بَيِّنَةً على شيء منها أخذه، وإلا بقيت على حالها لا يبيعها، واستحسن ذلك ابن المسيب، وهذا أيضاً يحتمل أن يكون فيما قرب عهده منها، ورجا قرب أوبة صاحبها . ويحتمل أيضاً أن يكون علي - رضي الله عنه - فعل ذلك في الفتنة حيث كان لا يأمن عليها أهل الفتنة، ولذلك كان يكلف من طلبها البينة، لِمَا كان يرى من استحلال بعضهم مال بعض، ولعل البينة التي كلف هي أن يصفها (١) ((المنتقى)) (١٤٣/٦). ٢٥٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤١) باب (٤١) باب صدقة الحي عن الميت بصفتها، أو كلفه البينة إن أراد أن يأخذها من وقته دون تثبت ولا استيناء، انتھی . (٤١) صدقة الحي عن الميت اعلم أن ههنا مسألتين: إحداهما؛ انتفاع أحد بعمل الغير، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأمة خلافاً يعتدّ به، أو يذكر، وما أنكره بعض الجهلة بالنصوص أنكر عليه جمعٌ من السلف والخلف، قال النووي: الصدقة تصل إلى الميت، وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين، وهذا هو الصواب، وأما ما حكاه القاضي أبو الحسن الماوردي الشافعي عن بعض أهل الكلام من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثوابٌ، فهو مذهب باطل قطعاً، وخطأ بَيِّنٌ مُخَالِفٌ لنصوص الكتاب والسنّة، وإجماع الأمة، فلا التفات إليه، ولا تعريج. وقال الشيخ تقي الدين أبو العباس: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله، فقد خرق الإجماع، فإن الأمة قد أجمعوا على أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير، وأيضاً فإنه وَّلّ يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها، ثم لأهل الكبائر في الإخراج من النار، وهو انتفاع بسعي الغير. وكذا كلُّ نبيّ، وصالح، له شفاعة، وذلك انتفاع بعمل الغير. وأيضاً الملائكة يدعون، ويستغفرون لمن في الأرض كما في أول سورة المؤمن، وذلك منفعة بعمل الغير، وأيضاً أنه تعالى يخرج طائفةً من النار ممن لم يعمل خيراً قط بمحض رحمته، وهذا انتفاع من غير سعيهم، وأيضاً أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم، كما في أول سورة الطور، وذلك انتفاع بمحض عمل الغير. وكذلك الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعتق عنه بنص السنة والإجماع، ٢٦٠