النص المفهرس

صفحات 221-240

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حدیث
ذلك لينفرد بحفظه، وفي ((النوادر)) لابن نافع عن مالك أنه قال: ينبغي للذي
يُعَرِّفُ اللقطة، أن لا يريها أحداً، ولا يسميها بعينها، ولا يقول: من يعرف،
دنانير أو دراهم أو حلياً أو عرضاً، لكن يُعْمِي ذلك لئلا يأتي مستحِلٌّ، فيصفها
بصفة المعرف، فيأخذها، ويبين ذلك قوله وَّلفيه: ((اعرف عفاصها، ووكاءها، ثم
عَرِّفْهَا))، ولم يقل: ثم عَرِّف بذلك ولا أبرزها، وأظهرها، ولو جاز له أن يذكر
صفتها لما احتاج إلى حفظ العفاص والوكاء، ولأغنى عن ذلك إظهارها، اهـ.
قال الزرقاني(١): وفي جوب هذه المعرفة وندبها قولان، أظهرهما
الوجوب لظاهر الأمر، وقيل: يجب عند الالتقاط، ويستحب بعده، فعلى
الوجوب إذا عرف بعض الصفات دون بعض، قال ابن القاسم: لا بد من ذكر
جميعها، وكذا قال أصبغ، لكن قال: لا يشترط معرفة العدد، وقيل: قول
ابن القاسم أقوى؛ لثبوت ذكر العدد في الرواية الأخرى، اهـ.
قال الموفق(٢): الأصل فيه حديث زيد بن خالد، وقال في حديث أُبيّ بن
كعب: ((اعرف عفاصها ووكاءها وعددها، ثُمَّ عَرِّفْها سَنَةً))، وفي لفظ عن أبي
قال: وجدت مائة دينار، فأتيت بها النبي وَلّه، فقال: ((عَرِّفْها حولاً))، فعَرَّقْتُها،
فلم تعرف، فرجعت إليه، فقال: ((اعرف عددها ووعاءها ووكاءها، واخْلِطْها
بمالك، فإن جاء ربها فأَدِّها إليه))، ففي هذا الحديث أنه أمره بمعرفة صفاتها
بعد التعريف، وفي غيره أمر بمعرفتها حين التقاطها قبل التعريف، وهو الأولى
ليحصل عنده علم ذلك، وإن أخّرَ معرفةَ ذلك إلى حين مجيء باغيها جاز؛ لأن
المقصود يحصل بمعرفتها حينئذٍ، وإن لم يجىء طالبها، فأراد التصرف فيها
بعد الحول لم يجز له حتى يعرف صفاتها؛ لأن عينها تنعدم بالتصرف، فلا
يبقى له سبيل إلى معرفة صفاتها إذا جاء صاحبها، وكذلك إن خلطها بماله، فيكون
(١) ((شرح الزرقاني)) (٥١/٤).
(٢) («المغني)) (٣٠٧/٨).
٢٢١

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً.
أمره وَلَه لأَبَيِّ بمعرفة صفاتها عند خلطها بماله أمرَ إيجاب مُضَيَّقٍ، وأمره لزيد بن
خالد بمعرفة ذلك حين الالتقاط واجباً مُوَسَّعاً، اهـ.
(ثم عرفها) بكسر الراء الثقيلة، أي اذكرها للناس، هكذا في رواية
((الموطأ)) وغيره. ولفظ البخاري برواية سفيان عن ربيعة ((عرفها سنة، ثم اعرف
عفاصها)). الحديث بتقديم التعريف على المعرفة، قال النووي(١): ويجمع
بينهما بأن يكون مأموراً بالمعرفة في حالتين، فيعرف العلامات أول ما يلتقط
حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها، ثم بعد تعريفها سنة إذا أراد أن يتملكها،
فيُعَرِّفُها مرة أخرى تعرفاً وافياً محققاً ليعلم قدرها وصفاتها، فيردّها إلى
صاحبها .
قال الحافظ(٢): ويحتمل أن تكون ((ثم)) في الروايتين بمعنى الواو، فلا
تقتضي ترتيباً، ولا تقتضي تخالفاً يحتاج إلى الجمع، ويقويه كون المخرج
واحداً والقصة واحدة، وإنما يحسن ما تقدم أن لو كان المخرج مختلفاً فيحمل
على تعدد القصة، وليس الغرض إلا أن يقع التعرف والتعريف مع قطع النظر عن
أيهما أسبق، واختلف في هذه المعرفة على قولين للعلماء، أظهرهما الوجوب
لظاهر الأمر، وقيل: يستحب، وقال بعضهم: يجب عند الالتقاط، ويستحب
بعده، اهـ.
(سنة) لم تختلف الروايات في حديث زيد أن التعريف سنة واحدة، وفي
حديث أبيّ بن كعب في ((الصحيحين)): وجدت صرة فيها مائة دينار، الحديث،
وفيه التعريف ثلاثة أعوام، وفي رواية له عند أبي داود وغيره، قال: ((عَرِّفها
حولاً))، فلا أدري قال له ذلك في سنة أو في ثلاث سنين.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٣/١٢/٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٨١/٥).
٢٢٢

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
قال الحافظ: وقد رواه مسلم من طريق الأعمش والثوري وزيد بن أبي
أنيسة وحماد بن سلمة كلهم عن سلمة، قالوا في حديثهم جميعاً: ثلاثة أحوال
إلّا حماد بن سلمة، فإن في حديثه عامين أو ثلاثة أعوام، وجمع بعضهم بين
حديث أبيّ وزيد بن خالد بحمل حديث أَبيّ على مزيد الورع عن التصرف في
اللقطة، والمبالغة في التعفف عنها، وحديث زيدٍ على ما لا بد منه، أو
لاحتياج الأعرابي في حديث زيد واستغناء أبيّ، قال المنذري: لم يقل أحدٌ من
أئمة الفتوى: إن اللقطة تُعَرَّفُ ثلاثةَ أعوام إلا شيء جاء عن عمر - رضي الله
عنه -، وقد حكاه الماوردي عن شواذ من الفقهاء، وحكى ابن المنذر عن عمر
- رضي الله عنه - أربعة أقوال: يُعَرِّفُها ثلاثةَ أحوال، عاماً واحداً، ثلاثة أشهر،
ثلاثة أيام، ويحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها، وزاد ابن حزم عن عمر -
رضي الله عنه - قولاً خامساً، وهو أربعة أشهر، وجزم ابن حزم وابن الجوزي
بأن رواية الثلاثة أحوال غلط من الراوي.
وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون و 18- عرف أن تعريفها لم يقع على
الوجه الذي ينبغي، فأمر أُبَيّاً بإعادة التعريف، كما قال للمسيء صلاته: ((ارجع
فَصَلٌّ، فإنك لم تُصَلِّ))، قال الحافظ: ولا يخفى بُعْد هذا على مثل أُبيّ مع
كونه من فقهاء الصحابة وفضلائهم.
وقد حكى صاحب ((الهداية)) من الحنفية رواية عندهم: أن الأمر في
التعريفِ مُفوَّضٌ لرأي الملتقط، فعليه أن يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن
صاحبها لا يطلبها بعد ذلك، اهـ.
قال الباجي(١): ومعنى ذلك أن يكون الأصل حديث زيد بن خالد؛ لأنه
سالمٌ من الشك، وحديث أُبيّ شكَّ فيه الراوي. والثاني؛ أن يجمع بين
(١) ((المنتقى)) (١٣٦/٦).
٢٢٣

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حدیث
الحديثين، فإن السائل في حديث زيد أعرابيّ، فأمره النبي وَّر بالحق الواجب
الذي لا يستبيح اللقطة دونه، وأبيّ بن كعب من فقهاء الصحابة وفضلائهم،
ومن أهل الورع والزهد فندبه النبي ول ﴿ إلى التوقيف عنها أعواماً، وإن كانت
مباحة له بعد أول عام، لكن مثل أبي من أهل العلم والورع لا يسرع إلى أكل
ما هو مباح، بل يتوقف عنه، ويستظهر فيه، اهـ.
وقال الموفق(١): قدر التعريف سنة، روي ذلك عن عمر وعلي
وابن عباس، وبه قال ابن المسيب والشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي،
وروي عن عمر - رضي الله عنه - رواية أخرى ثلاثة أشهر، وعنه ثلاثة أعوام
الرواية أبيّ، وقال أبو أيوب الهاشمي: ما دون الخمسين درهماً، يعرفها ثلاثة
أيام إلى سبعة أيام، وقال الحسن بن صالح: ما دون عشرة دراهم، يُعَرِّفها
ثلاثة أيام، وقال الثوري في الدرهم: يُعَرِّفُها أربعة أيام، وقال إسحاق: ما دون
الدينار، يُعَرِّفها جمعة أو نحوها، وروى أبو إسحاق الجوزجاني بإسناده عن
يعلى بن أمية، قال: قال رسول الله وَله: ((من التقط درهماً أو حبلاً أو شبه
ذلك فليعرفه ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرفه سبعة أيام)).
ولنا، حديث زيد بن خالد الصحيح، ولأن السنة لا تتأخر عنها القوافلُ،
ويمضي فيها الزمان الذي تُقْصَدُ فيه البلادُ من الحر والبرد والاعتدال، فصلُحَتْ
قدراً كمدة أجل العِنِّيْن. وأما حديث أُبيّ، فقد شكّ فيه الراوي، وحديث يعلى
لم يقل به قائلٌ على وجهه، وحديث زيد وأبيّ أصح منه وأولى، اهـ.
وفي ((المحلى)): اختلفت الرواية في التعريف، فقال محمد: يُعَرِّفُها
حولاً، ولم يفصل بين القليل والكثير، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وعن
أبي حنيفة في رواية إن كانت مائتي درهم يُعَرِّفُها حولاً، وإن أقلّ منها إلى
(١) ((المغني)) (٨/ ٣٩٣).
٢٢٤

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
عشرة، يُعَرِّف شهراً، وإن أقل من عشرة، ثلاثة أيام، وفي الدانق يوماً، وفيما
دونه ينظر يمنة ويسرة، ويتصدق، وقيل غير ذلك، وقال أبو بكر بن محمد
السرخسي: الصحيح أن يفوض إلى رأي الملتقط، يُعَرِّفُ إلى أن يغلب على
رأيه أن صاحبه لا يطلبه بعد ذلك.
وقال محمد في ((موطئه)) (١): من التقط لقطة تساوي عشرة دارهم
فصاعداً، عَرَّفَها حولاً، فإن عرفت وإلا تصدق بها، فإن كان محتاجاً أكلها،
فإن جاء صاحبها، خَيَّره بين الأجر وبين أن يغرمها له، وإن كان أقل من عشرة
دراهم، عرفها على قدر ما يرى أياماً، ثم صنع بها كما صنع بالأولى، وكان
الحكم فيها إذا جاء صاحبها كالحكم في الأولى، وإن رد اللقطة في الموضع
الذي وجدها فيه برئ منه، ولم يكن عليه في ذلك ضمان، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٢): عَرَّفَها إلى أن علم أن صاحبها لا يطلبها، قال
ابن عابدين: لم يجعل للتعريف مدة اتباعاً للسرخسي، فإنه بنى الحكم على
غالب الرأي، فيُعَرَّفُ القليل والكثير إلى أن يغلب على رأيه أن صاحبه لا
يطلبه، وصَحَّحَ في ((الهداية)) وفي ((المضمرات)) و (الجوهرة))، وعليه الفتوى،
وهو خلاف ((ظاهر الرواية)) من التقدير بالحول في القليل والكثير، اهـ.
وفي ((العناية))(٣): وفي الحديث الذي رواه أُبيّ بن كعب دليلٌ لما قلنا:
إن التقدير بالحول ليس بلازم، لكنه يعرفها بحسب ما يطلب صاحبها، ألا يرى
أن المائة دينار لما كان مالاً عظيماً كيف أمره و ل# أن يعرفها ثلاث سنين،
فعلم منه أن اللاقط يعرفها أكثر من حول عند شمس الأئمة السرخسي بحسب
(١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٤٩/٣).
(٢) (٤ / ٤٦٧).
(٣) ((العناية مع فتح القدير)) (٣٥٢/٥).
٢٢٥

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ،
ظنه، وفي ((المحيط البرهاني)) والفقيه أبي جعفر كان يقول: إذا بلغ مالاً عظيماً
بأن كان كيسٌ فيه ألف درهم، أو مائة دينار، يعرف ثلاثة أحوال، اهـ.
قال الشيخ في ((البذل))(١): فما قال المنذري: لم يقل أحد من أئمة الفتوى
إن اللقطة تُعَرَّف ثلاثَ سنين، لعله لم يتنبه لهذه الرواية الثالثة للحنيفة، اهـ
(فإن جاء صاحبها) فأَدِّها إليه، فجواب الشرط محذوف، وقد ثبت في
البخاري من رواية إسماعيل بن جعفر عن ربيعة بلفظ «فإن جاء ربُّها فأَدِّها
إليه))، وله من رواية سفيان، عن ربيعة ((فإن جاء أحد يخبرك بعفاصها
ووكائها))، وبهذا أخذ مالك وأحمد أنها تدفع لمن عرف العفاص والوكاء،
وقال أبو حنيفة والشافعي: إن وقع في نفسه صدقه، جاز أن تدفع إليه، ولا
يجبر على ذلك إلا ببينة.
قال الحافظ(٢): في رواية حماد والثوري وزيد بن أبي أنيسة عند مسلم،
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طريق الثوري، وأحمد وأبو داود من
طريق حماد كلهم عن سلمة بن كهيل في حديث أبيّ ((فإن جاء أحد يخبرك
بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه)) .
وأما قول أبي داود: إن هذه الزيادة زادها حماد بن سلمة غير محفوظة.
فتمسك بها من حاول تضعيفها، فلم يصب، بل هي صحيحة، وقد عرفت من
وافق حماداً، وليست بشاذة.
وقال الخطابي: إن صحت هذه اللفظة لم يجز مخالفتها، وهي فائدة
قوله: ((اعرف عفاصها)) إلخ، وإلا فالاحتياط مع من لم ير الرد إلا ببينة،
قال: ويتأوّل قوله: ((اعرف عفاصها)) على أنه أمره بذلك لئلا تختلط بماله، أو
(١) ((بذل المجهود)) (٢٥٨/٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٧٨/٥).
٢٢٦

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
لتكون الدعوى فيها معلومة، وذكر غيره من فوائد ذلك أيضاً أن يعرف صدق
المدعي من كذبه، وأن فيه تنبيهاً على حفظ الوعاء وغيره؛ لأن العادة جرت
بإلقائه إذا أخذت النفقة، وأنه إذا نَبَّهَ على حفظ الوعاء، كان فيه تنبيهٌ على حفظ
المال من باب الأولى، اهـ.
قال الموفق(١): فإن جاء ربُّها، فوصفها له، دفعت إليه بلا بينة، يعني إذا
وصفها بصفاتها المذكورة، وهي وكاؤها وعفاصها وعددها وصفتها، دفعها إليه
سواء غلب على ظنه صدقه أو لم يغلب، وبهذا قال مالك، وأبو عبيد، وداود،
وابن المنذر، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجبر على ذلك إلا بِيِّةٍ. ويجوز له
دفعها إليه إذا غلب على ظنه صدقهُ، اهـ.
وقال الدردير (٢): ردّ المال الملتقط بمعرفة مشدود فيه، وهو العفاص،
أي الخرقةُ أو الكيس ونحوه المربوط فيه المال، والمشدود به، وهو الوكاء أي
الخيط، وبمعرفة عدده بلا يمين، أي يقضي لمن عرف ذلك بأخذه من غير
يمين، وكذا بمعرفة الأولَيْن، فالأولى حذف العدد ليكون جارياً على المشهور،
قال الدسوقي: قوله: بمعرفة الأولين فقط كما هو ظاهر ((المدونة)) خلافاً لمن
قال: لا بد من اليمين إذا عرف العفاص والوكاء فقط، وهو قول أشهب، اهـ.
وقال الباجي(٣): المراعى فيما يصف من ذلك صفة العفاص والوكاء
والعدد، إن كانت دراهم ودنانير قاله ابن القاسم، وأشهب، وعند أصبغ
العفاص، والوكاء، وأصل ذلك قول النبي وَير في حديث أبيّ بن كعب: ((اعرف
عِدّتها ووكاءها، ووعاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها))، فأمر باعتبار
(١) («المغني)) (٣٠٩/٨).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١١٨/٤).
(٣) ((المنتقى)) (١٣٦/٦).
٢٢٧

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا))
هذه الثلاثة، فمن وصفها استحق اللقطة، وظاهر قول أصبغ مبنيٌّ على التعلق
بحديث زيد بن خالد، وليس فيه ذكر العدد، اهـ.
(وإلا) أي إن لم يجىء صاحبها (فشأنك بها) بالنصب، أي الزم شأنك،
أي حالك بها، يعني تصرف فيها، ويجوز الرفع بالابتداء والخبر، أي شأنك
متعلق بها، قال الباجي: أباحه التصرف فيها لما رآه من إنفاق أو صدقة أو
التمادي على الحفظ، ولمسلم من طريق سفيان وغيره عن ربيعة ((فإن لم يأت
لها طالب، فاستنفقها)).
وقال الموفق(١): إذا عرَّف اللقطة حولاً، فلم تُعرَفْ، ملكها ملتقطها،
وصارت من ماله، كسائر أمواله غنياً كان الملتقط أو فقيراً، وروي نحو ذلك
عن عمر، وابن مسعود، وعائشة - رضي الله عنهم -، وبه قال عطاء،
والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، ورُوي ذلك عن علي وابن عباس والشعبي
والنخعيّ وطاووس وعكرمة.
وقال مالك والحسن بن صالح والثوري وأصحاب الرأي: يتصدق بها،
فإذا جاء صاحبها خَيَّره بين الأجر والغُرْم، لما روى أبو هريرة عن النبي وَلـ
((أنه سئل عن اللقطة)) فقال: ((عَرِّفْها حولاً فإن جاء صاحبها وإلا تصدَّق بها،
فإذا جاء ربها فرضي بالأجر وإلا غَرِمَها))(٢)، ولأنها مالٌ لمعصوم لم يرض
بزوال ملكه عنها، ولا وُجِدَ منه سببٌ يقتضي ذلك، فلم يَزُلْ مِلْكُه عنه كغيرها،
قالوا: وليس له أن يَتَمَلّكها إلا أن أبا حنيفة قال: له ذلك، إن كان فقيراً من غير
ذوي القُرْبى. لما روى عياضُ بنُ حمار المُجَاشعي، أن النبيَّ وَّه قال: ((من وجد
لقطة فليشهد عليها))، الحديث، وفيه ((فإن وجد صاحبها فليرددها عليه. وإلا فهي
(١) ((المغني)) (٢٩٩/٨).
(٢) أخرجه الدارقطني (١٨٢/٤). وانظر ((مصنف عبد الرزاق)) (١٣٨/١٠، ١٣٩).
٢٢٨

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
مال الله يُؤتيه من يشاء))، رواه النسائي، قالوا: وما يضاف إلى الله تعالى إنما
يتملّكه من يستحق الصدقة، ونقل حنبل عن أحمد مثل هذا القول، وأنكره
الخلال، وقال: ليس هذا مذهب أحمد.
ولنا قول النبي ◌َّ في حديث زيدٍ: ((فإن لم تُعرف، فاستنفِقْها)»، وفي لفظ:
((وإلا فهي كسبيل مالِكَ))، وفي لفظ: ((ثُمَّ كُلّها))، وفي لفظ: ((فانتفع بها))، وفي
لفظ: («فشأنك بها))، وفي حديث أُبيّ: ((فاستنفقها)»، وفي لفظ: ((فاستمتع بها»،
وحديثهم عن أبي هريرة لم يثبت، ولا نقل في كتاب يوثق به، ودعواهم في
حديث عياض أن ما يضاف إلى الله لا يتملّكه إلا من يستحق الصدقة، لا برهان
لها، ولا دليل عليها، وبطلانها ظاهرٌ، فإن الأشياء كلها تُضَاف إلى الله تعالى
خَلْقاً وملكاً، قال الله تعالى: ﴿وَءَاتُهُم مِّن مَالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾(١).
ثم تدخل اللقطة في ملكه عند تمام التعريف حكماً كالميراث، هذا ظاهر
كلام الخرقي لقوله: ((وإلا كانت كسائر ماله))، وكذلك قال أحمدُ، في رواية
الجماعة، واختار أبو الخطاب أنها لا تدخل في ملكه حتى يختار. واختلف
أصحاب الشافعيِّ؛ فمنهم من قال كقولنا، ومنهم من قال: يملكها بالنية،
ومنهم من قال: يملكها بقوله: اخترتُ تملُّكها، ومنهم من قال: لا يملكها إلا
بقوله، والتصرف فيها .
ثم قال: وتُملك اللقطة ملكاً مُرَاعًى، يزول بمجيء صاحبها، ويضمن له
بدلَها إن تعذر ردُّها، والظاهر أنه يملِكُها بغير عوض، يثبت في ذمته، وإنما
يتجَدَّدُ وجوبُ العوض بمجيء صاحبها، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي،
وقال أكثرهم: لا يملكها إلا بعوض يثبت في ذمته لصاحبها، وهذا قول
القاضي وأصحابه، بدليل أنه يملك المطالبة فأشبه القرض، اهـ.
(١) سورة النور: الآية ٣٣.
٢٢٩

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
وقال الدردير(١): له حبسها بعد تعريفها السنة، أو التصدّق بها عن ربها،
أو عن نفسه، أو التملك بأن ينوي تملكها، فللملتقط هذه الأمور الثلاثة ضامناً
لها إذا جاء ربها فيهما، أي في التصدق بوجهيه أو التملك، اهـ.
قال الباجي(٢): قوله وَليل: ((استنفق بها وإن جاء ربها فأدِّها إليه))، وروى
سويد بن غفلة في حديث أبي أنه ي ليه أمره بتعريفها حولاً بعد حول، فدل ذلك على
جواز الاستنفاق على معنى الاستسلاف لها، وأنه متى أتى صاحبها كان له أخذها،
ورأى مالك وابن القاسم أن أفضل ذلك أن يتصدّق بها؛ لأن ذلك أنزه وأبرأُ من
التسرع إليها، وترك الاجتهاد في تعريفها، ومن استنفقها بعد الاجتهاد في تعريفها
على ما أمر به النبي ◌َّر، فلا إثم عليه، ومتى أتى صاحبها أدَّاها إليه، اهـ.
وفي ((الهداية))(٣): إن جاء صاحبُها وإلا تصدّق بها إيصالاً للحق إلى
المستحق، وهو واجب بقدر الإمكان، وذلك بإيصال عينها عند الظفر
بصاحبها، وإيصال العوض، وهو الثواب على اعتبار إجازة التصدق بها، وإن
شاء أمسكها رجاء الظفر بصاحبها، فإن جاء صاحبها بعدما تصدق بها فهو
بالخيار، إن شاء أمضى الصدقة وله ثوابها، وإن شاء ضمن الملتقط؛ لأنه سلّم
ماله إلى غيره بغير إذنه، إلا أنه بإباحة من جهة الشرع، وهذا لا ينافي الضمان
حقاً للعبد، كما في تناول مال الغير حال المخمصة، وإن شاء ضمن المسكين
إذا هلك في يده؛ لأنه قبض ماله بغير إذنه، وإن كان قائماً أخذه؛ لأنه وجد
عين ماله، ولا يتصدق بها على غني؛ لأن المأمور به هو التصدق، لقوله عليه
الصلاة والسلام: ((فإن لم يأت)) يعني صاحبها ((فليتصدّق به))، والصدقة لا
تكون على غني، وإن كان الملتقط غنياً، لم يجز له أن ينتفع بها .
(١) ((الشرح الكبير)) (١٢١/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٣٦/٦).
(٣) (٤١٨/١) ..
٢٣٠

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
وقال الشافعي - رحمه الله -: يجوز لقوله ◌َّل في حديث أبيٍّ - رضي الله عنه -:
((وإلا فانتفع بها))، وكان من المياسر، ولنا أنه مال الغير، فلا يباح الانتفاع بها إلا
برضاه لإطلاق النصوص، وانتفاع أبيّ كان بإذن الإمام، وهو جائز.
وقال العيني في ((شرح البخاري)) (١): قوله وَلر لأبي: ((فاستمتع بها))،
قال: فاستمتعت بها، حكاية حال، فلا تعُمُّ، ويجوز أنه وَّ علم فقره، أو
كانت عليه ديون، ولئن سلّمنا أنه كان غنياً، فقال له: ((استمتع بها))، وذلك
جائز عندنا من الإمام على سبيل القرض. ويحتمل أنه ولو عرف أنه مال حربي
كافر، اهـ.
قال ابن الهمام(٢): ثم ههنا ما يدل على فقر أبيّ - رضي الله عنه - في
زمنه رُّ، وهو ما في ((الصحيحين)) عن أبي طلحة، قلت: يا رسول الله إن الله
تعالى يقول: ﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾(٣) وإن أحبّ أموالي إليّ
بيرُحاء، فما ترى يا رسول الله؟ فقال: ((اجعلها في فقراء قرابتك))، فجعلها أبو
طلحة في أبيّ وحسان، وهذا صريح في أن أبياً كان فقيراً، لكنه يحتمل أنه
أيسر بعد ذلك إلا أن قضايا الأحوال إذا تطرق بها الاحتمال سقط بها
الاستدلال.
وأما ما في حديث زيد من قوله وله: ((وإلا فشأنك بها))، وفي رواية
((فهي لك))، فهو أيضاً من قضايا الأحوال المتطرق إليها الاحتمال، إذ يجوز
كون السائل فقيراً، وأيضاً فالمال لا يلزم كونه نصاباً وكونه خالياً عن الدين،
لو كان نصاباً، فجاز كونه أقل من نصاب، وكونه مديوناً، انتهى مختصراً.
والحديث الذي استدل به صاحب ((الهداية)) على التصدّق، والعجب من
(١) ((عمدة القاري)) (١٥٩/٩).
(٢) ((فتح القدير)) (٣٥٢/٥).
(٣) سورة آل عمران: الآية ٩٢.
٢٣١

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَم يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ،
.
الشيخ الموفق إذ قال فيه: لم ينقل في كتاب يوثق به، قال ابن الهمام: رواه
البزار في ((مسنده)) والدار قطني عن أبي هريرة أن رسول الله وسلم سئل عن اللقطة؟
فقال: ((لا تحلّ اللقطة، فمن التقط شيئاً فليعرفه سنة، فإن جاء صاحبه فليؤده
إليه، وإن لم يأت، فليتصدق به، فإن جاء، فليخيره بين الأجر وبين الذي له))
وفيه يوسف بن خالد السمتي، اهـ قال الحافظ في ((الدراية)): وهو ضعيف.
ثم قال الحافظ (١): واختلف العلماء فيما إذا تصرف في اللقطة بعد
تعريفها سنة، ثم جاء صاحبها، هل يضمنها له أم لا؟ فالجمهور على وجوب
الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت، وخالف في ذلك
الكرابيسي صاحب الشافعي، ووافقه صاحباه البخاري وداود بن علي إمام
الظاهرية، لكن وافق داود الجمهور إذا كانت العين قائمة.
ومن حجة الجمهور قوله ◌ّي في حديث مسلم: ((ولتكن وديعة عندك))،
وله أيضاً ((فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم كلها، فإن جاء صاحبها، فأدّها إليه))،
فظاهره وجوب ردِّها بعد أكلها، فيحمل على ردِّ البدل، وأصرح منه رواية أبي
داود (٢) بلفظ: («فإن جاء باغيها فأدّها إليه، وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم
كلها، فإن جاء باغيها فأدِّها إليه)) فأمر بأدائها قبل الإذن بأكلها، وبعده، وفي
أبي داود من طريق آخر «فإن جاء صاحبها دفعتها إليه، وإلا عرفت وكاءها
وعفاصها، ثم اقبضها في مالِك، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه)).
(قال) السائل: (فضَالةُ الغنم) أي: ما حكمها؟ فحذف ذلك للعلم به،
قال العلماء: الضالّة لا تقع إلا على الحيوان، وما سواه يقال له: لقطة. (با
رسول الله قال) وَله: (هي لك) إن أخذتها (أو لأخيك) أي لملتقط آخر إن لم
تأخذها، كما رجحه الزرقاني.
(١) (فتح الباري)) (٨٤/٥).
(٢) ((سنن أبي داود)) (١٧٠٦).
٢٣٢

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
أَوْ لِلذِّئْب)
وقال الحافظ: المراد به ما هو أعم من صاحبها أو من ملتقط آخر، وقال
العيني: قوله: لأخيك أي إن أخذتها، وعرفتها، وجاء صاحبها فهي له، وأراد
به الأخ في الدين، وهو صاحب الغنم، اهـ.
(أو للذئب) والمراد به جنس ما يأكل الشاة، ويفترسها من السباع، وفيه
حثٌّ على أخذها، كأنه قال: هي ضعيفة لعدم الاستقلال، معرضة للهلاك،
مترددة بين أن تأخذه أنت أو أخوك أو الذئب، ووقع في رواية للبخاري ((خذها
فإنما هي لك)) إلخ، وهو صريح في الأمر بالأخذ، ففيه دليل على رد إحدى
الروايتين لأحمد في قوله: يترك التقاط الشاة، كذا في ((الفتح))(١).
وقال العيني(٢): وبه تمسك مالك في أنه يأخذها، ويملكها بالأخذ، ولو
جاء صاحبها؛ لأنه صار حكمه حكم الذئب، فلا غرامة، وردّ عليه بأن اللام
ليست للتمليك؛ لأن الذئب لا يملك، وإنما يأكلها الملتقط بالضمان، وقد
أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط، فإنه يأخذها؛ لأنها
باقية على ملکه، اهـ.
قال الموفق(٣): إذا وجد الشاة بمصر أو بمهلكة فهي لقطة، يعني يباح
أخذها والتقاطها، وحكمها إذا أخذها حكم الذهب والفضة في التعريف،
والملك بعده، هذا هو الصحيح من مذهب أحمد، وقول أكثر أهل العلم، قال
ابنُ عبد البر: أجمعوا على أن ضالة الغنم في الموضع المخوفِ عليها له
أكلها، وكذلك الحكم في كل حيوان لا يمتنع بنفسه من صغار السباع، وهي
الثعلب والذئب وولد الأسد ونحوها، فما لا يمتنع منها كفصلان الإبل، وعُجُول
(١) ((فتح الباري)) (٨٢/٥).
(٢) ((عمدة القاري)) (٩/ ١٦٣).
(٣) ((المغني)) (٣٣٧/٨).
٢٣٣

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
البقر، وأَقْلَاء(١) الخيل والدجاج ونحوها، يجوز التقاطه، ويروى عن أحمد رواية
أخرى ليس لغير الإمام أخذها. وقال الليث بن سعد: لا أحِبُّ أن يَقْربَها إلا أن
يَحُوْزَها لصاحبها، لقول رسول الله وَّ: ((لا يؤوي الضالة إلا ضال))(٢).
ولنا؛ قوله ومَله: ((خذها، فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب))، متفق
عليه، ولأنه يخشى عليه التلف والضياع، فأشبه لقطة غير الحيوان، وحديثنا
أخص من حديثهم، فنخصه به، وإذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يجدها بمصر أو
بمهلكة. وقال مالك وأبو عبيد وابن المنذر في الشاة توجد في الصحراء:
اذبحها وكُلْها، وفي المصر ضُمَّها حتى يجد صاحبُها، لأنه وَّ قال: ((هي،
لك أو لأخيك أو للذئب)) والذئب لا يكون في المصر، ولنا؛ أنه وَلّ قال:
((خذها))، ولم يفرق ولم يستفصل، ولو افترق الحالُ لسأل أو استفصل، ولأنها
لقطةٌ، فاستوى فيها المصر والصحراء، كسائر اللقطات.
وقولهم: إن الذئب لا يكون إلا في الصحراء، قلنا: كونها للذئب في
الصحراء، لا يمنَعُ كونها لغيره في المصر، وإذا ثبتَ هذا، فإنه متى عرفها
حولاً كاملاً، ملكها، وذكر القاضي وأبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى أنه لا
يملكها، ولعلها الروايةُ التي منع من التقاطها فيها، ولنا قول النبي ◌َّ: ((هي
لك أو لأخيك)»، فأضافها إليه بلام التمليك، ولأنها يباح التقاطها فملكت
بالتعريف، كالأثمان، ولأن ذلك إجماع، حكاه ابن عبد البر.
ثم يتخير ملتقطها بين ثلاثة أشياء:
الأول: أكلها في الحال، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم،
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن ضَالَّةَ الغنم في المواضع المخُوفِ عليها له
(١) الفلو: ولد الفرس.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب اللقطة، (١٧٢٠)، وابن ماجه (٢٥٠٣).
٢٣٤

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
أكلها، والأصل في ذلك قوله وَلجر: ((هي لك أو لأخيك أو للذئب))، فجعلها له
في الحال، وسوَّى بينه وبين الذئب، والذئب لا يَسْتَأْنِيْ بأكلها، ولأن في أكلها
في الحال إغناء عن الإنفاق عليها، وحراسة لماليَّتها على صاحبها إذا جاء، فإنه
يأخذ قيمتها بكمالها من غير نقص، وفي إبقائها تضييعٌ للمال بالإنفاق عليها،
والغرامة في علفها، فكان أكلها أولى، ومتى أراد أكلها حفظ صفتها، فمتى
جاء صاحبها، غرمها له في قول عامة أهل العلم إلا مالكاً. فإنه قال: كُلُها ولا
غرم عليك لصاحبها، ولا تعريف لها؛ لقول النبي وَلير: ((هي لك))، ولم يوجب
فيها تعريفاً ولا غرماً، وسَوَّى بينه وبين الذئب، والذئب لا يعرف ولا يغرم.
قال ابن عبد البر: لم يوافق مالكاً أحد من العلماء على قوله. وقول
النبي ◌َ ◌ّ في حديث عبد الله بن عمرو: ((رُدَّ على أخيك ضالَّته)) دليل على أن
الشاة على ملك صاحبها، ولأنها لقطة لها قيمة، وتتبعها النفس، فتجب غرامتها
لصاحبها، إذا جاء كغيرها، ولأنها ملك لصاحبها، فلم يجز تملكها عليه بغير
عوض من غير رضاه، كما لو كانت بين البنيان، ولأنها عين يجب ردّها مع
بقائها، فوجب غرمها إذا أتلفها، كلقطة الذهب، وقول النبي ◌َّير: ((هي لك)) لا
يمنع وجوب غرامتها، فإنه قد أذن في لقطة الذهب والورق بعد تعريفها في
أكلها وإنفاقها .
ثم أجمعنا على وجوب غرامتها، كذلك الشاة، ولا فرق في إباحة أكلها
بين وجدانها في الصحراء أو في المصر، وقال مالك وأبو عبيد وأصحاب
الشافعي وابن المنذر: ليس له أكلها في المصر؛ لأنه يمكن بيعها بخلاف
الصحراء، ولنا أن ما جاز أكله في الصحراء أبيح في المصر، كسائر
المأكولات، ولأن النبي ◌َّ قال: ((هي لك)) ولم يفرق.
والثاني: أن يمسكها على صاحبها، وينفق عليها من ماله، ولا يتملكها،
وإن أحب أن ينفق عليها محتسباً بالنفقة على مالكها، وأشهد على ذلك، فهل
٢٣٥

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
له أن يرجع بالنفقة على روايتين: إحداهما؛ يرجع به، وقضى عمر بن عبد العزيز
فيمن وجد ضالّة، فأنفق عليها، وجاء ربها بأنه يغرم له ما أنفق. والرواية
الثانية؛ لا يرجع بشيء، وهو قول الشعبي والشافعي.
والثالث: أن يبيعها، ويحفظ ثمنها لصاحبها، وله أن يتولى ذلك بنفسه،
وقال بعض أصحاب الشافعي: يبيعها بإذن الإمام، ولنا؛ أنه إذا جاز له أكلها
بغير إذن، فبيعها أولى، ثم لم يذكر أصحابنا لها تعريفاً في هذه المواضع،
وهذا قول مالك لحديث زيد بن خالد، فإنه ◌َ لّ قال: ((خذها، فإنما هي لك))
الحديث، ولم يأمر بتعريفها، كما أمر في لقطة الذهب والفضة، ولنا؛ أنها
لقطة لها خطر، فوجب تعريفها. وإنما ترك ذكر تعريفها؛ لأنه ذكرها بعد بيانه
التعريف فيما سواها، فاستغنى بذلك عن ذكره فيها، ولا يلزم من جواز
التصرف فيها في الحول سقوط التعريف، اهـ مختصراً.
وقال الدردير(١): له أكل شاة وجدها بفيفاء، ولم يتيسر حملها للعمران،
ولا ضمان، فإن حملها للعمران، ولو مذبوحة، فربُّها أحق بها إن علم، وعليه
أجرة حملها، ووجب تعريفها إن حملها حيةً، كما لو وجدها بقرب العمران،
أو اختلطت بغنمه في المرعى، اهـ.
وقال الباجي(٢): قوله وَير: ((هي لك أو لأخيك))، قال عيسى بن دينار:
إن ذلك في القفار، أو البعيد من القرى، وحيث إن تركها أكلها السبع، وهي
معنى قوله وَلير: ((هي لك أو لأخيك أو للذئب)) يريد - والله أعلم - أن صاحبها
لا يرجى رجوعه إليها إن أخذتها أنت، وإلا أخذها أخوك من المسلمين، أو
أكلها السبع، ومعنى ذلك - والله أعلم - إباحة أخذها وأكلها .
(١) ((الشرح الكبير)) (١٢٢/٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٣٨/٦).
٢٣٦

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِل؟
وإذا ثبت ذلك، فإن اللقطة على ثلاثة أضرب. ضرب: يبقى في يد من
يحفظه، ويخاف عليه الضياع مع الترك، كالثياب، والدراهم، والدنانير،
والعروض.
وضربٌ: لا يبقى في يد من يحفظه، ويخاف عليه الضياع مع الترك،
كالشاة في الفلاة، فإن كانت في خربة، أو في موضع يجد من يحفظها في
غنمه، فإن لها حكم اللقطة التي تبقى يعرفها سنة.
وضرب ثالث: لا يخاف عليه الضياع كالإبل، فهذا سيأتي ذكره، ومن
وجد شاة بفلاة، فنقلها إلى العمران، فإن كان نقلها حية كان حكمها حكم
اللقطة، يلزمه التعريف، وإن ذبحها ونقلها، فقد قال أصبغ في ((العتبية)): له
أكلها غنياً كان عنها أو فقيراً، ويصير جلدها ولحمها مالاً من ماله، فإن جاء
صاحبها بعد ذلك، فلا ضمان عليه إلا أن يجد في يده ذلك فيكون أحق
به، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(١): ندب التقاط البهيمة الضالة وتعريفها ما لم يخف
ضياعها فيجب، ولو كان الالتقاط في الصحراء إن ظن أنها ضالة، اهـ.
واستدل الجمهور بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في ضالة الشاء:
((فاجمعها حتى يأتيها باغيها))(٢)، رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وبما قال
ابن الهمام روى أبو داود عن جرير بن عبد الله أنه أمر بطرد بقرة لحقت ببقرة
حتى توارت، فقال: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((لا يأوي الضالة إلا ضال))،
وقال ◌َله: ((إن ضالة المسلم حرق النار))، رواه الجماعة، اهـ.
والضالة بعمومها تشمل الشاة أيضاً (قال) السائل: (فضالة الإبل؟) ما
(١) (٤ / ٤٧٠).
(٢) أخرجه أبو داود (١٧١٣).
٢٣٧

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
قَالَ: (مَالَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا. تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ
الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا)).
أخرجه البخاريّ في: ٤٥ - كتاب اللقطة، ٤ - باب إذا لم يوجد صاحب
اللقطة بعد سنة، فهي لمن وجدها. ومسلم في: ٣١ - كتاب اللقطة، حديث ١.
حكمها يا رسول الله؟ (قال) وَالّ: (مالك ولها؟) استفهام إنكاري، وفي رواية
((فغضب حتى احمرّت وجنتاه أو وجهه))، وفي أخرى ((فتمغَّرَ وجهُ النبيِ وَّ))
بشدّ العين المهملة أي تَغَيَّر من الغضب، وفي أخرى ((فذرها حتى يلقاها ربها))،
(معها سقاؤها) بكسر السين المهملة والمد جوفها، أي حيث وردت الماء
شربت ما يكفيها حتى ترد ماء آخر.
حكى الباجي(١): عن عيسى معناه أنها تصبر عن الماء ثلاثة أيام وأكثر
حتى تجد سبيلاً إلى الورود، فجعل صبرها من الماء بمعنى السقاء، وقيل:
المراد به عنقها، فتشرب من غير ساق يسقيها لطوله.
قال الحافظ(٢): أشار بذلك إلى استغنائها عن الحفظ لها بما ركب في
طباعها من الجلادة على العطش، وتناول المأكول بغير تعب لطول عنقها، فلا
تحتاج إلى ملتقط (وحذاؤها) بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة والمد،
أخفافها، فتقوى بها على السير، وقطع البلاد البعيدة، قال ابن دقيق العيد: لما
كانت مستغنية عن الحافظ، والمتعهد، وعن النفقة، عليها بما ركب في طبعها
من الجلد على العطش والجفاء عَبَّر عن ذلك بالسقاء والحذاء مجازاً.
(ترد الماء) فتشرب منه بلا تعب (وتأكل الشجر) أي منه بسهولة لطولها
وطول عنقها (حتى يلقاها ربها) أي مالكها، وفي رواية ((فذرها حتى يلقاها
ربها)) .
(١) ((المنتقى)) (٣٩/٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٨٣/٥).
٢٣٨

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
قال الباجي(١): يحتمل أن يكون معناه المنع من أخذها، فإن اللقطة
تؤخذ على معنى الحفظ لصاحبها، وهي مما لا يسرع التلف إليها، ولذلك
قالَ وَله: ((معها سقاؤها وحذاؤها))، قال عيسى: معناه أخفافها، نَبَّهَ بذلك على
أنها تمنع من عوادي السباع في الأغلب، وأنها مع وردها الماء وأكلها من
الشجر الذي لا يعدمها ستبقى بامتناعها إلى أن يلقاها ربها، فيأخذها،
والتقاطها يمنع صاحبها من وجودها، ويَضُرُّ به في طلبها؛ لأنه قد يطلبها في
الجبال، ومواضع الماء، والشجر، فإن منعت من تلك المواضع لم يجدها
ربها، ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((مالك ولها)) المنع من التصرف، فيها بعد
تعريفها؛ لأن من التقط ثوباً أو دنانير تكلف حفظها مدة سنة، مع خوف الضياع
عليها، إن لم يأخذها من وجدها، فلذلك كان له الانتفاع بها، بعد تكلف
تعريفها .
وأما من وجد ضالة الإبل فتكلف حفظها، فقد تكلف ما يستغنى عنه به،
فلذلك لم يكن له الانتفاع بعد تعريفها، ويحتمل عندي أن يكون معنى قوله والتي
في ضالة الغنم: ((هي لك أو لأخيك أو للذئب))، فنهى عن أخذها على هذا
الوجه، وهو ممنوعٌ باتفاق، فإذا قلنا بالوجه الأول، فمعناه إذا أبيح للناس
أخذها تسرّع إلى أكلها في ذلك بالأمراض والخوف عليها، ومن أخذها احتاج
إلى الإنفاق عليها، وهي إذا كانت في موضعها لم يخف عليها التسرع إلى
أكلها، ولا احتيج إلى الإنفاق عليها والحفظ لها .
وهذا كان حكم ضوال الإبل في زمن النبي بَّ وفي زمن أبي بكر وعمر
- رضي الله عنهما - لما كان يؤمن عليها، فلما كان في زمن عثمان وعلي
- رضي الله عنهما - ولم يؤمن عليها لما كثر في المسلمين ممن لم يصحب
النبي ◌َّة، وكثر تعديهم أباحوا أخذها لمن التقطها، ولم يروا ردّها إلى
(١) ((المنتقى)) (١٣٩/٦).
٢٣٩

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٨) باب
(١٤٧١) حديث
موضعها، كما سيأتي في الباب الآتي. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز
(يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور))، اهـ مختصراً.
وقال الموفق(١): كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع،
وورود الماء لا يجوز التقاطه، ولا التعرض له سواء كان لكبر جثته، كالإبل،
والخيل، والبقر، أو لطيرانه كالطيور، أو لسرعته كالظباء والصيود، أو بنابه،
كالكلاب والفهود، وقال عمر - رضي الله عنه -: من أخذ ضالّة، فهو ضالٌّ أي
مخطئ، وبهذا قال الشافعي والأوزاعي وأبو عبيد. وقال مالك والليث في
ضالة الإبل: من وجدها في القرى عَرَّفَها، ومن وجدها في الصحراء لا
يقربها، ورواه المزني عن الشافعي، وكان الزهري يقول: من وجد بدنة،
فليُعَرِّفْها، فإن لم يجد صاحبها فلينحرها قبل أن تنقضي الأيام الثلاثة، وقال أبو
حنيفة: يُبَاح التقاطُها، اهـ.
وفي ((الهداية))(٢): يجوز الالتقاط في الشاة والبقر والبعير، وقال مالك
والشافعي: إذا وجد البعير في الصحراء، فالترك أفضل، وعلى هذا الخلاف
الفرس، لهما أن الأصل في أخذ مال الغير الحرمة، والإباحة مخافة الضياع،
وإذا كان معها ما تدفع عن نفسها يَقِلُّ الضياعُ ولكنه يتوهم، فيقضى بالكراهة،
والندب إلى الترك، ولنا أنها لقطة يتوهم ضياعها، فيستحب أخذها، وتعريفها
صيانةً، لأموال الناس، كما في الشاة.
قال ابن الهمام(٣): لكن هذا قياس معارض بما روى أصحاب الكتب
الستة عن زيد بن خالد الجهني، فذكر حديث الباب، ثم قال: وأجاب عنه في
(١) («المغني)) (٣٤٣/٨).
(٢) (٤١٨/١).
(٣) انظر: ((فتح القدير)) (٣٥٤/٥).
٢٤٠