النص المفهرس
صفحات 161-180
٣٨ - كتاب الأقضية (٣١) باب (٣١) باب القضاء في الحمالة والحول قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يُحِيلُ الرَّجُلَ عَلَى الرَّجُلِ بِدَيْنِ لَهُ عَلَيْهِ، أَنَّهُ إِنْ أَفْلَسَ الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ. أَوْ مَاتَ فَلَمْ يَدَعْ وَفَاءَ. فَلَيْسَ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ شَيْءٌ. وَأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ الْأَوَّلِ. في المغصوب، والحفظ مستحق عليه تبعاً، لا مقصودا، ولهذا لا يقابله الأجر، بخلاف المودع بالأجر، لأن الحفظ مستحقٌ عليه مقصوداً، حتى يقابله الأجر، اهـ. (٣١) القضاء في الحمالة والحول الحمالة بفتح الحاء المهملة ما يَتَحَمَّله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة، ومراد المصنف به الكفالة، كما يدل عليه قوله الثاني الآتي في الباب، قال الباجي(١): الحمالة أن يلزم المتحمِّل إحضار ما تحمّل به، وهي الكفالة والزعامة والضمان، قال القاضي أبو محمد: كل ذلك بمعنى واحد، اهـ. والحِوَل بكسر الحاء وفتح الواو أي التحول للدين على غير المدين، والمراد به الحوالة للدين على غيره. (قال مالك: الأمر عندنا) بالمدينة المنوّرة (في الرجل) أي في زيد مثلاً (يُحِيل الرجل) عمراً (على الرجل) أي على بكر (بدين له عليه) أي بدين كان لعمرو على زيد (أنه إن أفلس) أي صار مفلسا (الذي أحيل عليه) وهو بكر في مثالنا (أو مات) بكر (فلم يدع) أي لم يترك (وفاءً) لدين عمرو (فليس للمحتال) أي لعمرو (على الذي أحاله) أي على زيد (شيء) وعطف عليه تفسيراً وتوضيحه قوله: (وأنه) أي عمراً (لا يرجع على صاحبه الأول) أي على زيد بشيء إذ كان أحاله على بكر، وقد قبله. (١) (٨٠/٦). ١٦١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣١) باب قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا. (قال مالك: وهذا) الذي ذكرته (الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا) بالمدينة المنوّرة، قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن عقد الحوالة عقد لازم يقتضي إبراء ذمة المحيل من دين المحال، فما طرأ بعد ذلك على ذمة المحال عليه من تلف بموته أو تشغب بفلسه، فلا رجوع للمحال بذلك على المحيل؛ لأنه عيب طرأ على ما قد صار إليه حال سلامته ورضي به، فلا انتقال له عنه بما يحدث فيه بعد العقد، ولو كان العدم(٢) موجوداً قبل الحوالة، فإن لم يعلم به المحيل، فلا رجوع عليه، وإن كان قد علم به وكتمه وَغَرَّ منه، فالرجوع عليه، وتقدم في البيوع بما يغني عن إعادته، اهـ. قلت: تقدم في ((باب جامع الدين والحول)) اختلاف الأئمة في ذلك، قال الزرقاني: وتقدم في ((جامع الدين والبيوع)) في رواية يحيى حديث («مطلُ الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع))، وهو عند جماعة من رواة ((الموطأ)) ههنا، قاله أبو عمر (٣)، اهـ. وقال صاحب ((المحلى)) بعد قول مالك: وهذا الذي لا اختلاف فيه عندنا، وبه قال الشافعي، أنه لا يرجع المحتال على المحيل، وإن توى المحتال عليه بموت أو غيره، وهو قول أحمد والليث وأبي ثور وابن المنذر، ويؤيده ما روي عن ابن المسيب أنه كان له على علي - رضي الله عنه - دين فأحاله على آخر، فمات المحتال عليه، فقال ابن المسيب: اخترت علياً فقال : - أبعدك الله - فمنع رجوعه، وعند أبي حنيفة يرجع. وذكر الشافعي أن محمد بن الحسن احتجّ لقوله بحديث عثمان أنه قال (١) ((المنتقى)) (٨٠/٦). (٢) كذا فى الأصل والصواب العيب انتهى. ((ش)). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧٣/٢٢). ١٦٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣١) باب قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الرَّجُلُ يَتَحَمَّلُ لَّهُ الرَّجُلُ بِدَيْنِ لَّهُ عَلَى رَجُلِ آخَرَ. ثُمَّ يَهْلِكُ الْمُتَحَمِّلُ. أَوْ يُفْلِسُ. فَإِنَّ الَّذِي تُحُمِّلَ لَهُ، يَرْجِعُ عَلَى غَرِيمِهِ الْأَوَّلِ . في الحوالة أو الكفالة يرجع صاحبها: لا توى على مسلم، قال: فسألته عن إسناده، فذكر عن رجل مجهول، عن آخر معروف، لكنه منقطع بينه وبين عثمان، قال البيهقي: أشار الشافعي بذلك إلى ما رواه شعبة، عن خليد بن جعفر، عن معاوية بن قرة، عن عثمان فالمجهول خليد، والانقطاع بين معاوية وعثمان، وليس الحديث مع ذلك مرفوعاً، وقد شَكَّ راويه هل هو في الحوالة أو الكفالة، انتهى بزيادة من ((فتح الباري)»(١). وبسط ابن التركماني(٢) في الجواب عن هذه الإيرادات بأن الرواية في الحوالة بدون الشك، وأن خليداً وثقه ابن معين وغيره، وكان شعبة إذا روى عنه أثنى عليه، كما أَقَرَّ به البيهقيُّ، وبأن معاوية ولد سنة سبع عشرة، فكيف لم يكن في زمان عثمان - رضي الله عنه -، اهـ. (قال مالك: فأما الرجل) زيد مثلاً (يتحمَّلُ له الرجل) أي عمرو (بدين له) أي لزيد (على رجل آخر) بكر (ثم يهلك المتحمل) أي عمرو (أو يفلس) أي ثبت إفلاسه (فإن الذي تحمّل له) بضم التاء ببناء المجهول. وهو زيد في مثالنا (يرجع) بدينه (على غريمه الأول) أي على بكر، قال الباجي(٣): وهذا على ما قال: إن من تَحَمَّلَ لرجل بمال له على رجل آخر. فإنه لا ينتقل حقه من ذمة المتحمل عنه إلى ذمة المتحمل، وإنما الحميل وثيقة من حقه على من هو عليه، فإن أفلس المحيل أو مات لم يبطل حقه، بل هو ثابت على حسب ما كان على غريمه، وإنما الحمالة هي الكفالة. (١) انظر: ((فتح الباري)) (٤/ ٤٦٤). (٢) انظر: ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٧١/٦). (٣) ((المنتقى)) (٨٠/٦). ١٦٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣١) باب قال في ((المدونة)): إذا قال: أنا لك ضامنٌ أو كفيلٌ أو حميلٌ أو زعيم أو هو لك عندي أو عليّ أو قبلي، فهو كله ضمان لازم في الحق، والوجه، قال: والأصل في جوازها قوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ، حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمٌ﴾ وهذا إن استدل به على ثبوت هذا الاسم لها من جهة اللغة فبين، وإن استدل به على ثبوت حكمها على ما ذكره القاضي أبو محمد، فإنما هو على رأي من يقول: إن شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما خصه الدليل، وهو المشهور من مذهب مالك، اهـ. وقال الموفق(١): الضمان ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق فيثبُتُ في ذِمَّتهما جميعاً، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما، وأجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة. وإنما اختلفوا في فروعه، وإذا ثبت هذا فإنه يقال: ضمين، وكفيل، وقبيل، وحميلٌ، وزعيمٌ، وصبيرٌ بمعنى واحد، وإذا صح الضمانُ لزم الضامن أداء ما ضمنه، وكان المضمون له مطالبته، ولا نعلم في هذا خلافاً، وهو فائدة الضمان، وقد دَلَّ عليه قولُ النبي وَلّر: ((الزعيم غارم)). ولا يبرأ المضمون عنه بنفس الضمان (٢) كما يبرأ المحيل بنفس الحوالة قبل القبض، بل يثبت الحق في ذمة الضامن مع بقائه في ذمة المضمون عنه، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة وبعد الموت، وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: الكفالة والحوالة سواءٌ، وكلاهما ينقُلُ الحقُّ عن ذِمَّة المضمون عنه، والمحيل، وحُكِي ذلك عن ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود، (١) ((المغني)) (٧١/٧). (٢) (٨٤/٧). ١٦٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٢) باب (٣٢) باب القضاء فيمن ابتاع ثوباً وبه عيب قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: إِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ ثَوْباً وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ حَرْقٍ أَوْ غَيْرِهِ قَدْ عَلِمَهُ الْبَائِعُ. فَشُهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. أَوْ أَقَرَّ بِهِ. فَأَحْدَثَ فِيهِ الَّذِي ابْتَاعَهُ حَدَثاً مِنْ تَقْطِيعِ يُنَقِّصُ ثَمَنَ الثَّوْبِ. ثُمَّ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ بِالْعَيْبِ. فَهُوَ رَدٍّ عَلَى الْبَائِعِ. وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي ابْتَاعَهُ غُرْمٌ فِي تَقْطِيعِهِ إِيَّاهُ. ثم قال: ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما، وحكي عن مالك في إحدى الروايتين عنه أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه، انتهى ملتقطاً . (٣٢) القضاء فيمن ابتاع ثوباً وبه عيب يعني كيف القضاء فيمن اشترى ثوباً معيباً (١) وقد تقدمت الفروع العديدة من هذا الباب في ((باب العيب في الرقيق)). (قال مالك: إذا ابتاع الرجل ثوبه وبه) الجملة حالية (عيب من حَرْقٍ أو غيره) كالخرق مثلاً (قد علمه البائع) يعني كان العيب معلوماً للبائع فكتمه (فشهد عليه) ببناء المجهول (بذلك) أي أقام المشتري البينة على أن البائع كان عالماً بالعيب (أو أَقَرّ به) أي أقرّ البائع بكونه عالماً به (فأحدث فيه) أي في الثوب المذكور (الذي ابتاعه) أي المشتري فاعل أحدث (حدثاً) آخر (من تقطيع) للثوب (ينقص) تقطيعه (من ثمن الثوب) شيئاً آخر (ثم علم المبتاع بالعيب) الذي كان عند البائع (فهو) الثوب (رةٌ) أي مردود (على البائع) يعني يجوز للمشتري ردُّه على البائع إن شاء لأن البائع دَلَّسَ العيبَ (وليس على الذي ابتاعه غرم في تقطيعه إياه) كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية («في قطيعه إياه)»، والأوجه الأول. (١) انظر: ((المغني)) (٢٣٤/٦) و((حاشية الدسوقي)) (١٢٧/٣) و((المهذب)) (٢٧٤/١). ١٦٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٢) باب قال الزرقاني: وإن شاء أبقاه، ورجع بقيمة العيب، وإذا رجع ردَّ بالثمن كله، ولا يَرُدُّ ما نقصه فعله فيه، إن كان مما جرت العادة به. ويشتري له غالباً، وإلا كثوبٍ رقيع قطعه جوارب أو رقاعاً فات ردُّه على المُدَلِّس، ورجع بقيمة العيب، قاله ابن القاسم في ((المدونة))، اهـ. وقال الباجي(١): هذا على ما قال: إن أحدث المبتاع بالثوب حدثاً من تقطيع أو غيره، ثم اطّلع على عيب كان عند البائع، فلا يخلو أن يكون دلّس البائع بالعيب أو لم يدلس به، فإن كان دلَّس به فلا يخلو أن يكون ما أحدثه فيه المبتاع مما جرت العادة به. ومما يشترى له غالباً، أو يحدث فيه ما لم تجر العادة بمثله، فأما الأول في تقطيع ما جرت به العادة في مثله من الثياب، فما أحدث المبتاع من هذا مما ينقص المبيع، فللمبتاع أن يرجع بجميع الثمن، ولا يردُّ ما نقص ذلك المبيع، ولو قطعه على غير ما جرت به العادة، مثل أن يكون ثوبٌ وشيٍّ رفيعٌ، فيقطعه جواربَ أو رقاعاً، فهذا لا يردُّه على المُدَلِّس؛ لأنه قد فات بذلك من الفعل، ويرجع بما نقصه، قاله ابن القاسم في ((المدونة)). وذلك أن البائع قد علم أن المبتاع يتصرف في المبيع التصرف المعتاد، فإذا أسلمه إليه على وجه التمليك مع ما قد دَلِّسَ له به من العيب، فقد أذن له في ذلك، فلا يرجع عليه بما ينقص ذلك الفعل، ولم يأذن له في التصرف الذي ليس بمعتاد، فلذلك يلزم من فعله، وإذا ثبت ذلك فإن أَقَّرّ المبتاع(٢) بالتدليس أو قامت البينة بأنه كان عالماً بالعيب عند البيع، فللمبتاع ردُّه، وأخذ جميع الثمن، وهل له إمساكه والرجوع بقيمة العيب؟ قال ابن القاسم: له ذلك، وقال ابن المواز: ليس له ذلك إذا كان مما نقصه غير صناعة كالقطع، فإن كان صناعة كالصبغ، كان له ذلك، لأن له أن يمتنع من تسليم صناعته، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٩٠/٦). (٢) كذا في الأصل والصواب البائع. اهـ. ((ش)). ١٦٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٢) باب قَالَ: وَإِنِ ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَوْباً وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ حَرْقٍ أَوْ عَوَارٍ. فَزَعَمَ الَّذِي بَاعَهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذْلِكَ. وَقَدْ قَطَعَ الثَّوْبَ الَّذِي ابْتَاعَهُ. أَوْ صَبَغَهُ. فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ قَدْرُ مَا نَقَصَ الْحَرْقُ أَوِ الْعَوَارُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ، وَيُمْسِكُ الثَّوْبَ، فَعَلَ. وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَغْرَمَ مَا نَقَصَ التَّقْطِيعُ أَوِ الصِّبْغُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ، وَيَرُدُّهُ، فَعَلَ. وَهُوَ فِي ذُلِكَ بِالْخِيَارِ . وتقدم في ((باب العيب في الرقيق) اختلافهم في مبيع كان معيباً. ثم حدث به عيب آخر عند المشتري فارجع إليه . (قال مالك: وإن ابتاع رجل ثوباً وبه عيب من حرقٍ بنار) هكذا في نسخة الزرقاني بزيادة لفظ النار، وليس في شيء من النسخ المصرية (١) أو الهندية هذه الزيادة، والظاهر عندي أنها زيادة كالشرح، أدخلت في المتن، ثم النسخ مختلفة في لفظ الحرق، ففي جميع النسخ المصرية بالحاء المهملة، وفي جميع النسخ الهندية بالخاء المعجمة (أو عَوَارٍ) بفتح العين، وفي لغةٍ بضمها، والواو مخففة فيهما، العيب من خرق وشَقِّ وغيرهما . (فزعم الذي باعه) أي ادعى البائع (أنه لم يعلم بذلك و) أن المشتري (قد قطع الثوب) بالنصب مفعوله (الذي ابتاعه) فاعله (أو صبغه) المشتري (فالمبتاع بالخيار) بعد ذلك (إن شاء أن يوضع عنه) أي عن المشتري (قدر ما نقص الحرق أو العوار من ثمن الثوب ويمسك الثوب) أي يبقيه عنده (فعل، وإن شاء أن يغرم) أي يدفع (ما نقص التقطيع أو الصبغ من ثمن الثوب ويَرُدُّه) أي الثوب على البائع. (فهو) أي المشتري (في ذلك بالخيار) ذكره تأكيداً، وهذا هو مذهب الإمام مالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والأخرى له وهو مذهب أبي حنيفة، (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٨٣/٢٢). ١٦٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٢) باب فَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ قَدْ صَبَغَ الثَّوْبَ صِبْغاً يَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ، فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيارِ. إِنْ شَاءَ أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ قَدْرُ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ. وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكاً لِلَّذِي بَاعَهُ الثَّوْبَ، فَعَلَ. وَيُنْظَرُكَمْ ثَمَنُ الثَّوْبِ وَفِيهِ الْحَرْقُ أَوِ الْعَوَارُ. فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَثَمَنُ مَا زَادَ فِيهِ الصِّبْغُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، والشافعي، أنه ليس له الرد إلا برضا البائع، وله أرش العيب القديم كما تقدم في البيوع. وفي ((الهداية)) (١): إذا حدث عند المشتري عيبٌ، واطّلع على عيب كان عند البائع، فله أن يرجع بالنقصان، ولا يردّ المبيع، لأن في الردِّ إضراراً بالبائع، لأنه خرج عن ملكه سالماً، ويعود معيباً، فامتنع، ولا بد من دفع الضرر عنه، فتعين الرجوع بالنقصان، إلا أن يرضى البائع أن يأخذه بعيبه، لأنه رضي بالضرر، ومن اشترى ثوباً، فقطعه، فوجد به عيباً رجع بالعيب، لأنه امتنع بالرد بالقطع، فإنه عيب حادث، فإن قال البائع: أنا أقبله كذلك كان له ذلك؛ لأن الامتناع لحقه، وقد رضي به، اهـ. (فإن كان المبتاع) أي المشتري (قد صبغ الثوبَ صبغاً يزيد في ثمنه) أي يغلى بذلك الصبغ ثمنه (فالمبتاع بالخيار إن شاء أن يوضع عنه قدر ما نقص العيب) القديم (من ثمن الثوب) يوضع عنه، ويتمسك الثوب عنده (وإن شاء) ردّ الثوب على البائع (بأن يكون) المشتري (شريكاً للذي باعه الثوب) في هذا الثوب (فعل) . ثم أوضح شركته بمثال فقال: (ويُنْظَرُ كم ثمن الثوب) المذكور (وفيه الخرق أو العَوَار) أي ينظر كم ثمنه معيباً (فإن كان ثمنُه عشرةَ دراهم) مثلاً (وثمن ما زاد فيه الصبغ خمسة دراهم) يعني صار ثمنه حينئذٍ بعد الصبغ خمسة عشر (١) (٦٩/٥/٣). ١٦٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٢) باب كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الثَّوْبِ. لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ. فَعَلَى حِسَابٍ هُذَا، يَكُونُ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِي ثَمَنِ الثَّوْبِ. درهماً (كانا) أي البائع والمشتري (شريكين في الثوب) المذكور فيكون (لكل واحد منهما بقدر حصته) من خمسة عشر فيكون لصاحب الثوب، وهو البائع ثلثاه، لأنه كان ثمن الثوب المعيب عشرة، وللمبتاع الذي ردّه بعد الصبغ ثلثه، لأن الزيادة التي كانت بسبب صبغه خمسة دراهم (فعلى حساب هذا)الذي ذكر (يكون ما زاد الصبغ في ثمن الثوب) مثلاً كان ثمن الثوب المعيب خمسةً، وزاد الصبغ في قيمته خمسة أخرى كانا شريكين فيه على النصف. قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن المبتاع إذا وجد بالثوب عيباً دَلَّس به البائع بعد أن أحدث فيه المبتاع صبغاً، زاد في ثمنه، فإن المبتاع مُخَيَّرٌ بين أن يمسكه ويرجع بقيمة العيب، كما تقدم في البيوع، أو ردّه ويُقَوِّمُه معيباً غير مصبوغ، ثم يقومه تقويماً ثانياً مصبوغاً، فيكون المبتاع شريكاً بما زاد الصبغ في قيمته، وهذا معنى ما في ((المدونة)) عن ابن القاسم، اهـ. وقال الموفق(٢): إذا اشترى ثوباً فصبغه، ثم ظهر على عيب، فله أرشه لا غير، وبهذا قال أبو حنيفة، وعن أحمد أن له ردّه، وأخذ زيادته بالثمن، والأول أولى لأن هذا معاوضة، فلا يجبر البائع على قبولها، وإن قال البائع: أنا آخذه وأعطي قيمة الصبغ، لم يلزم المشتري ذلك، وقال الشافعي: ليس للمشتري إلا ردُّه لأنه أمكنه ردّه فلم يملك أخذ الأرش، ولنا أنه لا يمكنه رده إلا بردّ شيء من ماله معه، فلم يسقط حقه من الأرش بامتناعه من رده، اهـ. وفي ((الهداية))(٣): فإن قطع الثوب وخاطه، أو صبغه أحمر، أو لتَّ السويقَ (١) ((المنتقى)) (٩١/٦). (٢) «المغني)» (٢٥٤/٦). (٣) (٧٠/٥/٣). ١٦٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٣) باب (١٤٦٤) حديث (٣٣) باب ما لا يجوز من النحل ٣٩/١٤٦٤ - حدّثنا يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ؛ بسمنٍ، ثم اطلع على عيب، رجع بنقصانه لامتناع الردّ بسبب الزيادة؛ لأنه لا وجه إلى الفسخ في الأصل أي أصل الثوب، بدونها؛ لأنها لا تنفك عنه ولا وجه إليه معها ؛ لأن الزیادة لیست بمبيعة فامتنع - الرد - أصلاً، اهـ. (٣٣) ما لا يجوز من النحل بضم النون وسكون الحاء المهملة، مصدر نحله إذا أعطاه شيئاً بلا عوض، وبكسر النون وفتح الحاء جمع نحلة، قال تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اُلِّسَاءَ صَدُقَنِنَّ ◌َِةٌ﴾(١) أي هبة من الله تعالى لهن، وفريضة عليكم، كذا في ((الزرقاني)). قال الراغب: النحل: الحيوان المخصوص. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ﴾ الآية، والنَّحلة والنِّحلة: عطية على سبيل التبرع، وهو أخص من الهبة، إذ كل هبة نحلة، وليس كل نحلة هبة، واشتقاقه فيما أرى أنه من النحل نظراً منه إلى فعله، ويصح أن يجعل النحلة أصلاً، فسمي النحل بذلك اعتباراً لفعله، اهـ. وسيأتي بعد أبواب عديدة ((باب ما يجوز من النحل))، والظاهر من ملاحظة البابين أن الإمام أراد في البابين ذكر الهبة للأولاد خاصة، وفي الباب الآتي العطية مطلقاً . ٣٩/١٤٦٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن حميد) مصغراً (ابن عبد الرحمن بن عوف) القرشي (وعن محمد بن النعمان بن بشير) الأنصاري أبو سعيد، روى له الستة سوى أبي داود، هذا الحديث مقروناً بغيره، ورواه النسائي وحده من حديث الزهري عن محمد وحده عن جده بشير، قال (١) سورة النساء: الآية ٤. ١٧٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٣) باب (١٤٦٤) حديث أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنٍ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ بَشِيراً أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. الحافظ (١): هو خطأ من الراوي، عن الزهري هكذا في ((التهذيب))، والظاهر أن فيه تحريفاً من الناسخ. والصواب ما في ((الفتح)) إذ قال: أخرجه النسائي(٢) من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب أن محمد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن حدَّثاه عن بشير بن سعد جعله من مسند بشير، فشَذَّ ذلك، والمحفوظ أنه عنهما، عن النعمان، اهـ. فإن الرواية في النسخة التي بأيدينا من النسائي هي على سياق الزرقاني، اللَّهم إلا أن يحمل على اختلاف نسخ النسائي. (أنهما) أي حميداً ومحمداً (حدّثاه) أي الزهري (عن النعمان بن بشير) صحابيٌّ صغير كان له عند موته وَل# ثمان سنين وسبعة أشهر، وهو أول مولود في الأنصار بعد الهجرة، كذا في ((المحلى)). وقد روى هذا الحديث عن النعمان عدد كثير من التابعين، منهم عروة بن الزبير عند مسلم، وأبي داود، والنسائي، وأبو الضحى عند النسائي، وابن حبان، وأحمد، والطحاوي، والمفضل بن المهلب عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، وعبد الله بن عتبة عند أبي عوانة، وعامر الشعبي في ((الصحيحين)) وغيرهم، كذا في ((الفتح)). (أنه قال: إن أباه بشيراً) بن سعد بن الجُلاس بضم الجيم وخفة اللام آخره سين مهملة، الخزرجي البدري (أتى به) ولمسلم من طريق الشعبي ((انطلق بي أبي يحملني))، وفي رواية غيره ((أخذ بيدي وأنا غلام))، ويجمع بينهما بأنه أخذ بيده فمشى معه في بعض الطرق، وحمله في بعضها لصغر سنه، أو عبَّر عن استتباعه إياه بالحمل (إلى رسول الله (وَلقة) ليشهده وَّل على نحلته ابنه أو ليستشيره . (١) ((فتح الباري)) (٢١١/٥). (٢) ((سنن النسائي) (٢٥٩/٦). ١٧١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٣) باب (١٤٦٤) حديث فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هُذَا، غُلَاماً كَانَ لِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ((أَكُلَّ وَلَدِكَ وسلم قال الباجي(١): يحتمل من جهة اللفظ أن يكون أتى به إليه و 9 ليستفتيه في جوازه، ويحتمل أن يكون ليشهده ود ليل على ذلك، وقد ورد من رواية الشعبي قالت عمرة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله 8# فأتاه، وقال: إني أعطيت ابني من عمرة عطية فأمرتني أن أشهدك، الحديث(٢)، اهـ. قلت: ويؤيد الأول ما في ((العيني)) من لفظ قال: يا رسول الله إني نحلت ابني غلاماً، فإن أذنت أن أجيزه أجزته، الحديث، قال العيني: فهذا ينادي بأعلى صوته أنه استشاره ب # في ذلك، فلم يأذن له به فتركه، اهـ. وقال ابن التركماني(٣): أخرجه مسلم من حديث جابر، وفيه أنه شاور النبي ول﴿ قبل الهبة، فدلّه على ما هو الأولى به، قال الطحاوي: حديث جابر أولى من حديث النعمان، لأن جابراً أحفظ له وأضبط لأن النعمان كان صغيراً، اهـ. (فقال) بشير: (يا رسول الله إني نحلتُ) بفتح النون على صيغة المتكلم (ابني هذا) أي النعمان (غلاماً) لم يسم (كان) ذاك الغلام (لي) وفي ((الصحيحين)) عن الشعبي عن النعمان: ((أعطاني أبي عطية، فقالت عمرةُ: لا أرضى حتى تشهد رسول الله (وَل﴾)»، ولأخرى في مسلم: ((سألَتْ أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فالتوى بها سنة أي مطلها))، ولابن حبان: ((بعد حولین))، وُجُمِعَ بأن المدة كانت سنة وشيئاً. فجبر الكسر تارة وألغى أخرى. (فقال رسول الله وَلة) زاد في رواية للشيخين: ألك ولد سواه؟ قال: نعم، قال (أكل ولدك) بهمزة الاستفهام ولمسلم («أكل بنيك))، قال الحافظ: ولا (١) ((المنتقى)) (٦/ ٩٢). (٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٧٧/٦). (٣) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (١٧٩/٦). ١٧٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٣) باب (١٤٦٤) حديث نَحَلْتَهُ مِثْلَ هُذَا؟)) فَقَالَ: لَا. قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((فَارْتَجِعْهُ)). أخرجه البخاريّ في: ٥١ - كتاب الهبة، ١٢ - باب الهبة للولد. ومسلم في: ٢٤ - كتاب الهبات، ٣ - باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة، حديث ٩. منافاة بينهما، لأن لفظ الولد يشمل ما لو كانوا ذكوراً أو إناثاً، وذكوراً، وأما لفظ البنين فإن كانوا ذكوراً فظاهر، وإن كانوا إناثاً وذكوراً فعلى سبيل التغليب، ولم يذكر ابن سعد لبشير ولداً غير النعمان، وذكر له بنتاً اسمها أبية بالموحدة تصغير أبي، اهـ. ونصب قوله: كل ولدك بقوله: (نحلته) أي أعطيته (مثل هذا؟) ولمسلم ((فقال: أَكلَّهم وهبت له مثل هذا؟)) (قال) بشير: (لا). وفي رواية ابن القاسم في ((الموطآت)) للدار قطني عن مالك قال: لا والله يا رسول الله (فقال رسول الله وَ ليقول: فارتجعه) بهمزة وصل مجزوم، وللبخاري: ((فارجعه))، ولمسلم: ((فاردده))، زاد في رواية للبخاري: ((فرجع فردّ عطيته))، ولمسلم: ((فردّ تلك الصدقة))(١). قال الحافظ(٢): وقد تبين من رواية الباب أن العطية كانت غلاماً، وكذا في رواية ابن حبان، وكذا لأبي داود عن الشعبي، ولمسلم في رواية عروة وحديث جابر معاً، قال الزرقاني: وهو ما في أكثر الروايات عن النعمان، قال الحافظ: ووقع في رواية أبي حریز - بمهملة وراء ثم زاي بوزن عظيم - عند ابن حبان، والطبراني عن الشعبي أن النعمان خطب بالكوفة فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبي وَّل، فقال: إن عمرة بنت رواحة نفست بغلام وإني سميته النعمان، وأنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال هو لي، وإنها قالت: أشهد على ذلك رسول الله وَ له، وفيه قوله ومَ له: ((لا أشهد على جور)). وجمع ابن حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين: إحداهما: عند (١) انظر: ((التمهيد)» (٢٢٣/٧). (٢) ((فتح الباري)) (٢١٢/٥). ١٧٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٣) باب (١٤٦٤) حديث ولادة النعمان، وكانت العطية حديقة، والأخرى بعد أن كبر النعمان، وكانت العطية عبداً، وهو جمع لا بأس به، إلا أنه يُعَكِّرُ عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبي وَ ر، فيشهده على العطية الثانية بعد أن قال في الأولى: ((لا أشهد على جور))، وجَوّز ابن حبان أن بشيراً ظن نسخ الحكم، وقال غيره: يحتمل أن يكون حمل الأمر الأول على كراهة التنزيه، أو ظن أنه لا يلزم من الامتناع في العبد، لأن ثمن الحديقة غالباً أكثر من ثمن العبد. ثم ظهر لي وجه آخر في الجمع يسلم من هذا الخدش، ولا يحتاج إلى جواب، وهو أن عمرة لما امتنعت من تربيته إلا أن يهب له شيئاً، وهبه الحديقة تطييباً لخاطرها، ثم بدا له فارتجعها، لأنه لم يقبضها منه أحد غيره، فعاودته عمرة في ذلك، فمطلها سنة أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاماً، ورضيت عمرة بذلك، إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضاً. فقالت له: أشهد على ذلك رسول الله وَله، تريد بذلك تثبيت العطية. وأن تأمن من رجوعه فيها، ويكون مجيئه إلى النبي وَّل للإشهاد مرة واحدة، وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه بعضٌ، أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة، وبعضها أخرى، فسمع كل ما رواه فاقتصر عليه، اهـ. قلت: واستخف العيني حمله على النسيان، والأوجه عندي أنه حمله على خلاف الأولى. ثم قال الزرقاني تبعاً للحافظ(١): وقع في رواية للشيخين قال: ((لا تشهدني على جور))، وفي أخرى: ((لا أشهد على جور))، ولمسلم قال: ((فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جور))، وله أيضاً (أشهد على هذا غيري))، وفي حديث جابر ((فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق))، وللنسائي ((وكره أن يشهد له)) . . (١) ((فتح الباري)) (٢١٣/٥، ٢١٤). ١٧٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٣) باب (١٤٦٤) حديث ولمسلم ((اعدلو بين أولادكم في النحل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر))، ولأحمد ((إن لبنيّك عليك من الحق أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: نعم، قال: فلا إذاً))، واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد. وقد تمسك به من أوجب التسوية في عطية الأولاد، وبه صرح البخاري، وهو قول طاووس والثوري وأحمد وإسحاق، وقال به بعض المالكية، ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة، وعن أحمد تصحّ ويجب أن يرجع، وعنه يجوز التفاضل، إن كان لسبب، كأن يحتاج الولد لزمانته ودينه ونحو ذلك دون الباقين، وقال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار، وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة، فإن فضل بعضاً صح وكره، واستحبت المبادرة إلى التسوية أو الرجوع، فحملوا الأمر على الندب والنهي على التنزيه، اهـ. وقال العيني(١): اختلف العلماء فيه، فقال طاووس وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعروة وابن جريج والنخعي والشعبي وابن شبرمة وأحمد وإسحق وسائر الظاهرية: إن الرجل إذا نحل بعض بنيه دون بعض، فهو باطل، وقال أبو عمر: اختلف في ذلك عن أحمد، وأصح شيء عنه في ذلك ما ذكره الخرقي في ((مختصره))، عنه قال: إذا فضل بعض ولده في العطية أُمِرَ بردِّه، فإن مات ولم يَرُدَّه، فقد ثبت لمن وهب له إذا كان ذلك في صحته، وقال الثوري والليث والقاسم بن عبد الرحمن ومحمد بن المنكدر وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد في رواية: يجوز أن ينحل لبعض ولده دون بعض. ثم قال: وقال الشافعي: ترك التفضيل في عطية الأبناء حسن الأدب، ويجوز له ذلك في الحكم. وكره الثوري وغيره أن يفضل بعضهم على بعض، وكان إسحاق يقول مثل هذا ثم رجع إلى قول الشافعي، اهـ. (١) ((عمدة القاري)) (٤٠٦/٩). ١٧٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٣) باب (١٤٦٤) حدیث وقال الموفق(١): يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية إذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل، فإن فاضَلَ بينهم أثم، ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين: إما رةّ ما فضل به البعض، وإما بإتمام نصيب الآخر، قال: فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة، أو زمانة، أو كثرة عالة، أو اشتغاله بالعلم، أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته أو غير ذلك، فقد روي عن أحمد ما يدل على جوازه، ويدل ظاهر لفظه المنع من التفضيل على كل حال، والأول أولى إن شاء الله لحديث أبي بكر الآتي قريباً. وقال طاووس: لا يجوز ذلك، ولا رغيفٌ محترق، وبه قال ابن المبارك، وروي معناه عن مجاهد وعروة، وكان الحسن يكرهه ويجيزه في القضاء، وقال مالك والليث والثوري والشافعي وأصحاب الرأي: ذلك جائز، وروي معنى ذلك عن شريح وجابر بن زيد والحسن بن صالح، لأن أبا بكر - رضي الله عنه - نحل عائشة - رضي الله عنها - جذاذ عشرين كما سيأتي، واحتجَّ الشافعي بقوله ◌َ﴾ في حديث النعمان: ((أشهد على هذا غيري))، فأمره بتأكيدها، دون الرجوع فيها، ولأنها عطيةٌ تلزم بموت الأب، فكانت جائزة كما لو سوّى بینھم . ولنا؛ ما في حديث النعمان من الدليل على التحريم، لأنه سماه جوراً، وأمر بردِّه، وامتنع عن الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، فمنع منه، اهـ. قال الحافظ(٢): ومن حجة من أوجبه أنه مقدمة الواجب؛ لأن قطع الرحم (١) ((المغني)) (٢٥٦/٨). (٢) ((فتح الباري)» (٢١٤/٥). ١٧٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٣) باب (١٤٦٤) حديث والعقوق محرمان، وما يؤدي إليهما يكون محرماً، ثم اختلفوا في صفة التسوية. فقال محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية والمالكية: العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث، واحتجوا بأنه حظها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى مات، وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى، وظاهر الأمر بالتسوية يشهد لهم، واستأنسوا بحديث ابن عباس رفعه ((سَوُّوا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء)»، أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي(١) من طريقه، وإسناده حسن، اهـ. وقال الموفق(٢): التسوية المستحبة أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله تعالى الميراث، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وبهذا قال عطاء وشريح وإسحاق ومحمد بن الحسن، قال عطاء: ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المبارك: تعطى الأنثى مثل ما يعطى الرجل، لأنه مَّ﴾ قال لبشير بن سعد: ((سَوِّ بينهم))، وعَلَّل ذلك بقوله: ((أيسرك أن يستووا في برك؟ قال: نعم، قال: فَسَوِّ بينهم))، والبنت كالابن في استحقاق برها، فكذلك فى عطيتها . وعن ابن عباس مرفوعاً ((سَوّوا بين أولادكم))، الحديث رواه سعيد بن منصور في ((سننه))، ولأنها عطية في الحياة، فاستوى فيها الذكر والأنثى كالنفقة والكسوة. ولنا أن الله تبارك وتعالى قسم بينهم، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وأولى ما اقتدي بقسمة الله، وحديث بشير قضية في عين، وحكاية حال لا عموم لها ثم تحمل التسوية في حديث بشير على القسمة على كتاب الله. (١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٧٧/٦). (٢) ((المغني)) (٢٥٩/٨). ١٧٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٣) باب (١٤٦٤) حديث ويحتمل أنه أراد التسوية في أصل العطاء لا في صفته، وكذلك الحديث الآخر على أن الصحيح من خبر ابن عباس أنه مرسل، اهـ مختصراً. وفي ((التعليق الممجد)) (١): قال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢): اختلف أصحابنا في السوية، فقال أبو يوسف: يسوى فيها الأنثى والذكر، وقال محمد بن الحسن: بل يجعلها بينهم على قدر المواريث للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم رجح قول أبي يوسف بأن قوله وَله: ((سووًا بينهم في العطية كما تحبون أن يسوّوا لكم في البر))، دليل على أنه أراد التسوية بين الإناث والذكور، اهـ. ثم قال الحافظ(٣): وأجاب من حمل الأمر بالتسوية على الندب عن حديث النعمان بأجوبة: أحدها: أن الموهوب كان للنعمان جميع مال والده ولذلك منعه، حكاه ابن عبد البر عن مالك، وقال القرطبي: من أبعد التأويلات أن النهي إنما يتناول من وهب جمیع ماله لبعض ولده کما ذهب إليه سحنون، ثانيها: أن العطية المذكورة لم تنتجز، وإنما جاء بشير يستشيره وَله، فأشار عليه بأن لا تفعل فترك، حكاه الطحاوي. ثالثها: أن النعمان كان كبيرا ولم يكن قبض الموهوب حكاه أيضاً الطحاوي. رابعها: أن قوله: ((ارجعه))، دليل على الصحة، ولو لم تصح الهبة لم يصح الرجوع. خامسها: أن قوله: ((أشهد على هذا غيري))، إذنٌّ بالإشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك لكونه الإمام، حكاه الطحاوي، وارتضاه ابن القصّار. سادسها: التمسك بقوله: ((ألا سَوَّيت بينهم)) على أن المراد بالأمر الاستحباب وبالنهي التنزيه، وهذا جيد لولا ورود الألفاظ الزائدة على هذا اللفظ. (١) (٢٨١/٣). (٢) (٢٤٦/٢). (٣) ((فتح الباري)) (٢١٤/٥). ١٧٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٣) باب (١٤٦٤) حديث سابعها: وقع عند مسلم، عن ابن سيرين ما يدل على أن المحفوظ في حديث النعمان: ((قاربوا بين أولادكم)) لا ((سوّوا))، ثامنها: التشبيه الواقع بينهم بالتسوية منهم في بر الوالدين قرينة تدل على أن الأمر للندب. تاسعها: عمل الخليفتين أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - بعد النبي ◌ّ على عدم التسوية قرينة ظاهرة في أن الأمر للندب، أما أبو بكر فرواه ((الموطأ)) بإسناد صحيح، عن عائشة كما يأتي قريباً من نحله إياها . وأما عمر فذكره الطحاوي وغيره أنه نحل ابنه عاصماً دون سائر ولده. عاشرها: أن الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم، ذكره ابن عبد البر، اهـ مختصراً. وما أورد الحافظ على كل واحد من هذه الأجوبة تعقب عليه العيني في ((شرحه))(١)، فارجع إليهما لو شئت تفصيل البحث. وبسط الباجي(٢) الكلام على الجواب الأول، وحكى أقاويل المالكية فيمن أعطى جميع ماله، وقال: حمل يحيى بن يحيى ذلك على الكراهة، وأهل العلم يرون ذلك جائزاً في القضاء، لأنه يَّر لم يفسخه، وإنما ندبه إلى ذلك. وإلى هذا ذهب القاضي أبو محمد أنه يكره للإنسان أن يعطي جميع ماله لحديث النعمان، وجَوَّز أن يعطيه بعض ماله لحديث أبي بكر الآتي. والفرق بينهما أنه إذا وهب البعض لم يولد ذلك عداوة لأنه قد بقي ما يعطي الباقين، وإذا أعطى الكل لم يبق ما يعطي لهم، فأدّى ذلك إلى العداوة، فإن وقع ذلك ووهب أحدهما الكل، نفذ ذلك، وإن كان مكروهاً، قال القاضي (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٠٧/٩). (٢) ((المنتقى)) (٩٣/٦). ١٧٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٣) باب (١٤٦٥) حديث ٤٠/١٤٦٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقاً أبو الوليد: وعندي أنه إذا أعطى البعض على سبيل الإيثار أنه مكروه، وإنما يعرى عن الكراهة إذا أعطى البعض لوجهٍ يختص بها أحدهم، أو غرامة تلزمه، أو خير يظهر منه، فإن قلنا: بإمضاء ذلك، فيحتمل أن يريد بالحديث أنه لم يكن انعقدت العطية بعد، وإنما أرادها فلما علم ما فيها رجع عن إمضائها . ويحتمل أن يكون أعطاها ابنه على حكم الوصية، فأمره بنقض ذلك، لأنه لا وصية لوارث، ويحتمل أن يكون أعطاها ابنه على وجه المعاوضة مما كان يلزمه من النفقة عليه لمدةٍ ما، ولم يعط سائر ولده مثل ذلك لهذا الوجه، ولا لغيره إيثاراً له، فلما أمره النبي وَله بالعدل ردّ ذلك البيع، ويحتمل أن يكون لم يبق بيده ما ينفق على نفسه، ولا على ولده، ولعله بعد كانت عليه نفقات تعلقت بذمته، فيمتنع ذلك العدل بينهم، اهـ. فهذه أربعة أجوبة أخرى، وحكى الزيلعي عن ((كتاب المعرفة)) للبيهقي أن في حديث النعمان دلالة على أن نحل الوالد بعض ولده دون بعض جائز، وإلا لكان عطاؤه وتركه سواء، اهـ. ٤٠/١٤٦٥ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري، وأخرجه البيهقي بسنده إلى ابن وهب قال: أخبرني مالك بن أنس ويونس بن يزيد وغيرهم من أهل العلم أن ابن شهاب أخبرهم (عن عروة بن الزبير عن) خالته (عائشة) أم المؤمنين (زوج النبي ◌ّ ر أنها قالت: إن أبا بكر الصديق) - رضي الله عنه - (كان نحلها) بفتحتين أي أعطاها (جاد) بفتح الجيم والدال المهملة الثقيلة (عشرين وسقاً). قال الباجي(١): قال عيسى بن دينار: معناه جداد عشرين وسقاً من ثمر نخله إذا جدّ، وقال ثابت: قوله: جاد عشرين يعني أن ذلك يُجَدّ منها، ويصرم، (١) (المنتقى)) (٩٤/٦). ١٨٠