النص المفهرس
صفحات 121-140
٣٨ - كتاب الأقضية (٢٥) باب (١٤٥٥) حديث ١٤٥٥/ ٣٠ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْن عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهَا أَخَبْرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ اَلّ قَالَ: ((لَا يُمْنَعُ نَقْعُ بِتْرٍ)). ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا تمكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر، لئلا يتضرّروا بالعطش بعد الرعي، فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي، وإلى هذا التفسير ذهب الجمهور، وعلى هذا يختص البذل بمن له ماشية، ويلتحق به الرعاة إذا احتاجوا إلى الشرب، لأنهم إذا منعوا من الشرب امتنعوا من الرعي هناك، ويحتمل أن يقال: يمكنهم حمل الماء لأنفسهم لقلة ما يحتاجون إليه منه بخلاف البهائم، والصحيح الأول، ويلتحق بذلك الزرع عند مالك، والصحيح عند الشافعية، وبه قال الحنفية الاختصاص بالماشية، اهـ. ٣٠/١٤٥٥ - (مالك عن أبي الرجال) براء مكسورة وجيم (محمد بن عبد الرحمن) بن حارثة الأنصاري (عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة (أنها أخبرته) مرسلاً في ((الموطأ))، وقد وصله أبو قرة موسى بن طارق، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي كلاهما عن مالك، فزاد فيه عن عائشة، وكذا وصله عن أبي الرجال محمد بن إسحق وغيره، كذا في ((التنوير))(١). (أن رسول الله (وَلّ قال: لا يمنع) ببناء المجهول (نقع بئر) بفتح النون وسكون القاف آخره عين مهملة، زاد بعض الرواة عن مالك يعني فضل مائها، قال الهروي: قيل له: نقع ماء لأنه ينقع به أي يروى، وبه يقال: نقع بالري وشرب حتى نقع. قال الباجي(٢): قال مالك في ((المجموعة)): معناه لا يمنع رهو بئر، قال القاضي بمعنى ذلك عندي منع فضل الماء، وقال ذلك جماعة من العلماء، قال (١) (تنوير الحوالك)) (ص ٥٥٦). (٢) ((المنتقى)) (٣٨/٦). ١٢١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٥) باب (١٤٥٥) حديث أبو الرجال: النقع والرهو الماء الواقف الذي لا يسقى عليه أو يسقى عليه، وفيه فضل، قال مطرف عن مالك في تفسير نقع البئر أو رهوها: البئر يكون بين الشريكين يسقي هذا يوماً، وهذا يوماً، ويستغني أحدهما يومه أو بعضه عن السقي، فيريد صاحبه السقي به، فليس له منعه مما لا ينفعه حبسه، ولا يضره تركه، فإن احتاج من لا شرك له إلى فضل مائها، فلا إلا أن تنهار بئره، فيدخل في الحديث، ويسقي بفضل ماء جاره إن زرع أو غرس على أصل ماء، فانهار وخيف على زرعه أو غرسه، وشرع في إصلاح ما انهار وفضل عن حاجة صاحبه الماء، فإما أن يغرس أو يزرع على غير أصل ماء، فليس له أن يسقي بفضل جاره إلى أن يصلح بئره. اهـ. وفي ((المجمع)): نقع البئر فضل مائها؛ لأنه ينقع به العطش أي يروى، وقيل: النقع الماء الناقع، وهو المجتمع، ومنه حديث ((لا يباع نقع البئر، ولا رهو الماء))، وفي الحديث أن عمر - رضي الله عنه - حمى غرز النقيع، موضعٌ قريبٌ من المدينة، كان يستنقع فيه الماء أن يجتمع، اهـ. وفي ((المحلى)): تفصيل مذهب الشافعية في الماء أن ماء البئر المحفورة في الملك أو في الموات بقصد التملك يملك الحافر ماءها على الصحيح عندهم، ونص عليه الشافعي في القديم، وأما المحفورة في موات لقصد الارتفاق لا يملك الحافر ماءها، نعم هو أولى به إلى أن يرتحل، فإذا ارتحل صار كغيره ولو عاد، وفي الحالتين يجب عليه بذل ما يفضل عن حاجته، اهـ. وفي ((البدائع)) (١): المياه أربعة أنواع: الأول: الماء الذي يكون في الأواني والظروف. والثاني: الذي يكون في الآبار والحياض والعيون. الثالث: ماء الأنهار الصغار التي تكون لأقوام مخصوصين. الرابع: ماء الأنهار العظام كدجلة والفرات. (١) ((بدائع الصنائع)) (٢٧٤/٥). ١٢٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٥) باب (١٤٥٥) حديث أما الأول: فهو مملوك لصاحبه لا حق لأحد فيه، لأن الماء وإن كان مباح الأصل لكن المباح يملك بالاستيلاء، كما إذا استولى على الحطب والحشيش والصيد، فيجوز بيعه كما يجوز بيع هذه الأشياء. وأما الثاني: فليس بمملوك لصاحبه، بل هو مباح في نفسه، سواء كان في أرض مباحة أو مملوكة لكن له حق خاص فيه؛ لأن الماء في الأصل خلق مباحاً، لقول النبي (وَلجر ((الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار)) والشركة العامة تقتضي الإباحة، فلا يجوز بيعه، وليس له أن يمنع الناس من الشفه، وسقي دوابهم، فأما لزروعهم وأشجارهم فله أن يمنع ذلك لما في الإطلاق من إبطال حقه أصلاً إلا إذا كان ذلك في أرض مملوكة، فلصاحبها أن يمنعهم عن الدخول في أرضه إذا لم يضطروا إليه، بأن وجدوا غيره، لأن الدخول إضرارٌ به من غير ضرورة، فإن اضطروا يقال له: إما أن تأذن بالدخول، وإما أن تعطي بنفسك. وأما الثالث: فيتعلق به أحكام بعضها يرجع إلى نفس الماء، وبعضها يرجع إلى الشرب، وبعضها يرجع إلى النهر. أما الذي يرجع إلى نفس الماء، فهو أنه غير مملوك لأحد، لما ذكرنا أن الماء خلق مباح الأصل بالنص. وأما الذي يرجع إلى الشرب، فهو أنه لا يجوز بيعه منفرداً بأن باع شرب يوم أو أكثر، لأنه عبارة عن حق الشرب، والحقوق لا تحتمل الإفراد بالبيع والشراء. وأما الذي يرجع إلى النهر، فهو أنه لا يملك أحدهم التصرف فيه من غير رضا الباقين، سواء أضرّ بهم التصرف أو لا، لأن رقبة النهر مملوكة لهم. والرابع: الأنهار العظام فلا ملك لأحد فيها ولا في رقبتها، وكذا ليس لأحد حق خاص فيها ولا في الشرب، بل هو حق لعامة المسلمين، وليس للإمام ولا لأحدٍ منْعُه إذا لم يضر بالنهر، اهـ مختصراً . ١٢٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٦) باب (١٤٥٦) حديث (٢٦) باب القضاء في المرفق ٣١/١٤٥٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَه قَالَ: ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)). وصله ابن ماجه عن عبادة بن الصامت. في: ١٣ - كتاب الأحكام، ١٧ - باب من بنى في حقه ما يضر بجاره. (٢٦) القضاء في المرفق بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس، وبهما قرأ في قوله تعالى: ﴿وَيُّهَبِّئْ لَكُمـ مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾(١) وفيهما اختلاف في أهل اللغة، فقيل: هما بمعنى واحد، وهو ما يرتفق به، وليس بمصدر، وقيل: بالكسر في الميم لليد، وبالفتح للأمر، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، وقال بعضهم: هما لغتان فيما يرتفق به، فأما الجارحة فبكسر الميم فقط، كذا في ((الجمل))، والمراد القضاء في المنافع للناس. ١٤٥٦/ ٣١ - (مالك عن عمرو) بفتح العين (ابن يحيى المازني) بكسر الزاي والنون الأنصاري (عن أبيه) يحيى بن عمارة بن أبي حسن التابعي (أن رسول الله ◌َ ◌ّ قال) لا خلاف عن مالك في إرساله، وروي موصولاً بطرق عديدة يأتي ذكرها في آخر الحديث. (لا ضرر) خبر بمعنى النهي، أي لا يضر الإنسان أخاه فينقصه شيئاً من حقه (ولا ضرار) بكسر أوله أي لا يجازي من ضَرَّه بإدخال الضرر عليه بل يعفو، فالضرر فعل واحد، والضرار فعل اثنين، لكونه مصدر المفاعلة، فالأول إلحاق مفسدة بالغير، والثاني إلحاقها به على وجه المقابلة. قال ابن عبد البر(٢): قيل: هما بمعنى واحد للتأكيد، وقيل: بمعنى القتل (١) سورة الكهف: الآية ١٦. (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٢٣/٢٢)، و((التمهيد)) (١٥٨/٢٠). ١٢٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٦) باب (١٤٥٦) حديث والقتال، أي لا يضره ابتداءً، ولا يضاره إن ضَرَّه، وليصبر، فهي مفاعلة أي إن انتصر فلا يعتدي كما قال ◌َله: ((ولا تخن من خانك))، يريد بأكثر من انتصافك منه، ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُرِ﴾(١) وقال ابن حبيب: الضرر عند أهل العربية اسم، والضرار للفعل، أي لا تُدْخِلْ على أحدٍ ضراراً بحال، وقال الخشني: الضرر الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة، والضرار ما ليس لك فيه منفعة، وعلى جارك فيه مضرة، وهذا وجه حسنٌ في الحديث، قاله الزرقاني. وقال الباجي(٢): يحتمل أن يريد به التأكيد، واختاره ابن حبيب، ويحتمل أن يريد به لا ضرر على أحدٍ بمعنى أنه لا يلزمه الصبر عليه، ولا يجوز له إضراره بغيره، ويحتمل عندي أن يكون معنى الضرر أن يَضُرَّ أحدُ الجارين بجاره، والضرار أن يضر كل واحد منهما بصاحبه، لأن هذا البناء استعمل كثيراً بمعنى المفاعلة، وليس استيفاء الحقوق في القصاص وغيره من هذا الباب، لأن ذلك استيفاءٌ لحقٍ أو ردٌ عن استدامة ظلم، فما أحدثه الرجل بعرصته مما يَضُرُّ بجيرانه من بناء حمام، أو فرن للخبز، أو سبك ذهب أو فضة، أو عمل حديد أو رحى فلهم منعه، قاله مالك في ((المجموعة))، اهـ. وفي ((المحلى)): ذكر أبو الفتح الطائي في ((أربعينه)) عن أبي داود أن الفقه يدور على خمسة أحاديث هذا أحدها، اهـ. وبسط في ((الأشباه والنظائر)) في فروع هذا الباب، والحديث رواه الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري بزيادة: ((ومن ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ به، ومن شاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عليه)) أخرجه الدارقطني والبيهقي (١) سورة الشورى: الآية ٤٣. (٢) ((المنتقى)) (٤٠/٦). ١٢٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٦) باب (١٤٥٧) حديث ١٤٥٧/ ٣٢ - وحدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ وابنُ عبد البر والحاكم، ورواه أحمد برجال ثقات، وابن ماجه من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت، وأخرجه ابن أبي شيبة وغيره من وجه آخر أقوى منه، وقال النووي: حديث حسن، وله طرق يقوي بعضها بعضاً، وقال العلائي: له شواهد وطرق يرتقي بمجموعها إلى درجة الصحة. ومن شواهده («ملعون من ضَارَّ أخاه المسلم أو مَاكَره)) أخرجه ابن عبد البر(١) عن الصديق مرفوعاً، وضعف إسناده، وقال: لكنه مما يخاف عقوبة ما جاء فيه، قال: وروى عبد الرزاق من طريق جابر الجعفي، عن ابن عباس مرفوعاً: ((لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يغرز خشبة في جدار أخيه))، وجابر ضعيف يعني فلا يعتبر زيادته في هذا الحديث وللرجل إلخ، والإنكار في ورودها في هذا الحديث إذ هو حديث آخر مستقل عن أبي هريرة، قاله الزرقاني(٢) . وقال الزيلعي في ((نصب الراية))(٣): قوله وَلجر: ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)) روي من حديث عبادة بن الصامت وابن عباس وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وأبي لبابة وثعلبة بن مالك وجابر بن عبد الله وعائشة - رضي الله عنهم -، ثم بسط في تخريجها . ١٤٥٧/ ٣٢ - (مالك عن ابن شهاب)الزهري (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه - هكذا رواه البخاري برواية القعنبي، عن مالك، قال الحافظ(٤): كذا في ((الموطأ))، وقال خالد بن مخلد: عن مالك، عن (١) وأخرجه الترمذي (١٩٤١). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٢/٤). (٣) (٣٨٤/٤) (٤) ((فتح الباري)) (١١٠/٥). ١٢٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٦) باب (١٤٥٧) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ خَشَبَةً أبي الزناد بدل الزهري، وقال بشر بن عمرو: عن مالك عن الزهري، عن أبي سلمة بدل الأعرج، ووافقه هشام بن يوسف، عن مالك ومعمر، عن الزهري، ورواه الدارقطني في ((الغرائب))، وقال: المحفوظ عن مالك الأول، وقال في (العلل)): رواه هشام الدستوائي، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب بدل الأعرج، وكذا قال عقيل: عن الزهري، وقال ابن أبي حفصة: عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بدل الأعرج، والمحفوظ عن الزهري عن الأعرج، وبذلك جزم ابن عبد البر أيضاً، ثم أشار إلى أنه يحتمل أن يكون عند الزهري عن الجميع، اهـ. (أن رسول الله وَ ليّ قال: لا يمنع) بالرفع خبر بمعنى النهي، وفي رواية بالجزم على النهي، ولأحمد ((لا يمنعن)) بزيادة نون التأكيد، وهي تؤكد رواية الجزم كذا في ((الفتح))، (أحدكم جاره) وللبخاري ((لا يمنع جار جاره أن يغرز)» (خشبه) هكذا في النسخ الهندية القديمة، وفي المصرية: ((خشبة))، قال الزرقاني: بالتنوين مفردٌ، وفي رواية بالهاء بصيغة الجمع، وحكى الشافعي عن مالك خشبه بلا تنوين، وابن وهب، عن مالك خشبة بالتنوين، قال ابن عبد البر: والمعنى واحد؛ لأن المراد بالواحدة الجنس. وقال الحافظ: هذا الذي يتعين للجمع بين الروايتين، وإلا فقد يختلف المعنى، لأن أمر الخشبة الواحدة أخفُّ في مسامحة الجار، بخلاف الخشب الكثيرة، وروي عن جماعة من المشايخ أنهم رووه بالإفراد، وأنكره عبد الغني بن سعيد فقال: كل الناس يقولونه بالجمع إلا الطحاوي، فقال: خشبة بالتوحيد، ويرد عليه اختلاف الرواة في ((الصحيح))، إلا إن أراد خاصاً من الناس كاللذين روى عنهم الطحاوي فله اتجاه. وفي ((المفهم)): إنما اعتنى الأئمة بضبط هذا الحرف، لأن الواحدة تَخِفُّ على الجار أن يسمح بها، بخلاف الخشب الكثيرة لما فيه من ضرر، ورجح ١٢٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٦) باب (١٤٥٧) حديث يَغْرِزُهَا فِي جِدَارِهِ)) ابن العربي رواية الإفراد؛ لأن الواحدة مرفق، وهي التي يحتاج للسؤال عنها، وأما الخشب، فكثير يوجب استحقاق الحائط على الجار، ويشهد له وضع الخشب، يعني فلا يندبه الشرع إلى ذلك (يغرزها) أي الخشبة أو الخشب (في جداره) الضمير إلى أحدكم. قال صاحب (المحلى)): أمرُ ندبِ عند أبي حنيفة، وأمرُ إيجاب عند أحمد وإسحاق وأهل الحديث، وللشافعي وأصحاب مالك قولان: أصحهما: في المذهبين الندب، بدليل أن إعراضهم إنما كان لأنهم فهموا منه الندب، وإلا لما أطبقوا على الإعراض عنه. وقال الحافظ(١): استدل بالحديث على أن الجدار إذا كان لواحدٍ وله جار، فأراد أن يضع جذعه عليه جاز، سواء أذن المالك أم لا، فإن امتنع أجبر، وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث، وابن حبيب من المالكية، والشافعي في القديم، وعنه في الجديد قولان: أشهرهما؛ اشتراط إذن المالك، فإن امتنع لم يجبر، وهو قول الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث على الندب، والنهي على التنزيه جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه، وجزم الترمذي وابن عبد البر عن الشافعي بالقديم، وهو نصه في البويطي، وقال البيهقي في ((السنن)): لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن نخصها، وقد حمله الراوي على ظاهره، وهو أعلم بالمراد بما حدث، اهـ. وقال الباجي(٢): نهيه رو چو ذلك، روى في ((المجموعة)) ابن نافع، عن . مالك، أن ذلك على وجه المعروفِ، وإنني منه في شكٍ، وروى ابن وهب، (١) ((فتح الباري)) (١١٠/٥). (٢) ((المنتقى)) (٤٣/٦). ١٢٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٦) باب (١٤٥٧) حديث ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ. وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. أخرجه البخاريّ في: ٤٦ - كتاب المظالم والغصب، ٢٠ - باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره. ومسلم في: ٢٢ - كتابا المساقاة، ٢٩ - باب غرز الخشب في جدار الجار، حديث ١٣٦. عن مالك هو أمرٌ رَغَّب رسول الله وَلّ فيه، وقال ابن القاسم: لا ينبغي له أن يمنعه، ولا يقضى به عليه، وهذا على ما قال إلا أن ظاهر الأمر عند مالك وأكثر أصحابه الوجوب، لكنه يعدل عنه بالدليل، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: هو على الوجوب إذا لم يكن في ذلك مضرَّةٌ بَيِّنَةٌ على صاحب الجدار، وبه قال أحمد، والدليل على ما نقوله أن الجدار ملك موضوعه المشاحة، فجاز له أن يمنع منافعه بغیر ضرورة، کرکوب دابته ولباس ثوبه، اهـ. وقال الموفق(١): أما وضع الخشبة إن كان يضرُّ بالحائط لضعفه عن حمله لم يجز بغير خلاف نعلمه لقوله وَ ير: ((لا ضرر ولا ضرار))، وإن كان لا يضر به إلا أن به غُنْيَةً عنه لإمكان وضعه على غيره، فقال أكثر أصحابنا: لا يجوز أيضاً، وهو قول الشافعي وأبي ثور، لأنه انتفاع بملك الغير بغير إذنه، فلم يجز، وأشار ابن عقيل إلى الجواز لحديث الباب، فأما إن دعت الحاجة إلى وضعه بحيث لا يمكنه التسقيف بدونه، فإنه يجوز له وضعه بغير إذنه، وبهذا قال الشافعي في القديم، وقال في الجديد: ليس له وضعه، وهو قول أبي حنيفة ومالك، اهـ. (ثم يقول أبو هريرة) حضاً لهم على العمل بهذا الحديث لما رآهم توقفوا عنه، ففي الترمذي ((أنه لما حدثهم بذلك طأطؤُوا رؤوسهم))، وفي أبي داود ((فنكسوا رؤوسهم))، فقال: (مالي أراكم عنها) أي عن هذه السنة أو المقالة (مُعْرِضِين، والله لأرمِيَنَّ بها) ولفظ أبي داود (لأُلْقِيَنَّها)) أي لأُشِيْعَنَّ هذه المقالةَ فيكم (بين أكتافكم) قال ابن عبد البر: رويناه في ((الموطأ)) بالمثناة، وبالنون، (١) ((المغني)) (٣٥/٧). ١٢٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٦) باب (١٤٥٧) حديث والأكناف بالنون جمع كنف بفتحها وهو الجانب، قال الخطابي: معناه إن لم تقبلوا هذا الحكم، وتعملوا به راضين لأجعلنها أي الخشبة على رقابكم كارهين، قال: وأراد بذلك المبالغة. وبهذا التأويل جزم إمام الحرمين، وقال: إن ذلك وقع من أبي هريرة حين كان يلي إمرة المدينة، ووقع عند ابن عبد البر من وجه آخر ((لأرمين بها بين أعينكم، وإن كرهتم)) وهذا يرجح التأويل المتقدم، كذا في ((الفتح))(١). وقال الباجي(٢): ويحتمل قول أبي هريرة ذلك أنه كان يحمله على الوجوب، ويحتمل أنه كان يحمله على الندب، لكنه كان يُوَبِّخُ من كان يترك إباحة ذلك لجاره، ويشحّ بحقه، فكان يجري إلى توبيخه على ترك الأخذ بما ندب النبي ◌َّل إليه. وكذلك إعراض من كان يعرض عنه يحتمل وجهين: أحدهما؛ أن يكون جماعة من علماء الصحابة كانوا يحملونه على الندب، ويعرضون عن حمل أبي هريرة له على ظاهر اللفظ من الوجوب، ويحتمل أن يكون جماعة من التابعين علموا من أبي هريرة أنه كان يحمله على الندب والترغيب ويعيب من يتركه فيعرضون عما يدعوهم إليه، ويؤيد هذا التأويل أنه لو كان أبو هريرة يرى إلزامهم ذلك لحكم به، ووَبَّخَ الحكام على ترك الحكم به، ولم يوبخ الناس على ترك الإباحة، لما يلزمهم إباحته، لأن الحكام لهم إجبارهم، اهـ. وقال محمد في ((موطئه))(٣) بعد حديث الباب: وهذا عندنا على وجه التوسع من الناس بعضهم على بعض وحسن الخلق. فأما في الحكم فلا (١) انظر: ((فتح الباري)) (١١١/٥). (٢) («المنتقى)) (٤٣/٦). (٣) («موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٧٠/٣). ١٣٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٦) باب (١٤٥٨) حدیث ٣٣/١٤٥٨ - وحدّثني مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ الضَّخَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجاً لَهُ مِنَ الْعُرَيْضِ. ..... يجبرون على ذلك، بلغنا أن شريحاً اختصم إليه في ذلك فقال للذي وضع الخشبة: ارفع رجلك عن مطية أخيك، فهذا الحكم في ذلك والتوسع أفضل، اهـ. واستدل المهلب وتبعه عياض بقول أبي هريرة هذا أن العمل كان في ذلك العصر بخلاف ذلك؛ لأنه لو كان على الوجوب لما جهل الصحابة تأويله ولا أعرضوا عنه؛ لأنهم لا يعرضون عن واجب، وتعقبه الحافظ، فقال: ما أدري من أين له أن المعرضين الصحابة، وأنهم عدد لا يجهل مثلهم، ولِمَ لا يجوز أن الذين خاطبهم أبو هريرة لم يكونوا فقهاء، بل هو المتعين، إذ لو كانوا صحابةً أو فقهاءَ ما واجههم بذلك، اهـ. وفيه أنهم وإن لم يكونوا صحابة ولا فقهاء، لكن إعراضهم قاطبة دليل على أن المعروف في العصر الأول لم يكن ذلك. ٣٣/١٤٥٨ - (مالك عن عمرو بن يحيى المازني) الأنصاري (عن أبيه) يحيى بن عمارة بضم العين، وخفة الميم (أن الضحاك بن خليفة) بن ثعلبة الأنصاري الأشهلي، قال أبو حاتم: شهد غزوةً بني النضير، وله فيها ذكر، وليست له روايةٌ، توفي في آخر خلافة عمر - رضي الله عنه - كما في ((المحلى))، (ساق خليجاً له) الخليج: النهر يؤخذ من النهر الكبير، ويقال: جانباه خليجاه، كذا في ((الصحاح))، وفي ((النهاية)): الخليج: نَهْرٌ تقطعه من الأعظم إلى موضعٍ ينتفع به، كذا في ((المحلى)) (من العُرَيْض) بضم العين المهملة آخره ضادٌ معجمةٌ مصغراً وادٍ بالمدينة، بها أموال لأهلها، والزراعة لهم، بين ذي الحليفة والمدينة، كذا في ((المحلى))، وقال الباجي(١): عريضٌ موضعٌ أو نهر، بقرب المدينة .. (١) ((المنتقى)) (٤٥/٦). ١٣١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٦) باب (١٤٥٨) حدیث فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. فَأَبَى مُحَمَّدٌ. فَقَالَ لَهُ الضَّخَّاكُ: لِمَ تَمْنعُنِي؟ وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ. تَشْرَبُ بِهِ أَوّلًا وآخِراً. وَلَا يَضُرُّكَ. فَأَبَى مُحَمَّدٌ. فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ. فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ. فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا. فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ (وأراد) الضحاك (أن يَمُرَّ به في أرض محمد بن مسلمة) الأنصاري الصحابي الشهير (فأبى) أي امتنع (محمد) أن يأذن له بذلك (فقال له الضحاك: لم) بقصر الميم أي لأي شيء (تمنعني) منه (وهو) أي إجراؤه في أرضك (لك منفعة) وبَيَّنَ المنفعة بقوله: (تشرب به أولاً وآخراً) لقربه منك (ولا يضرك) إجراؤه بشيء. قال الباجي: يحتمل أن يريد الضحاك أن يمر به في أرضه بهذا الشرط، وهو أن يكون له أن يشرب به متى شاء، ومثل هذا على وجه المعاوضة، لا يجوز، لأن مقدار شربه أولاً وآخراً مجهول، ويحتمل أن يريد به أن ذلك حكم ما يمر في أرضك من المياه، إن كان مجرى الماء متصلاً بأرضه، فيصل في أرضه، وهو غير مملوك، وإنما كان له مجرى على غير أرض محمد، فأراد الضحاك أن يجعل مجراه على أرض محمد، ليتوصل بذلك إلى سقي أرضه، فيكون محمد أحقّ به لأنه الأعلى، اهـ. (فأبى) أي امتنع (محمد) بعد ذلك أيضاً (فَكَلَّم فيه الضحاكُ عمرَ بن الخطاب) أي شكى ذلك إلى أمير المؤمنين (فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة فأمره) عمر - رضي الله عنه - (أن يُخَلِّي سبيلَه) أي أمره أن يأذن للضحاك في إجراء النهر (فقال محمد: لا) أفعل ذلك، زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (والله) وليس الحلف هاهنا في النسخ المصرية(١). (فقال عمر: لِمَ) بكسر (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٢٨/٢٢). ١٣٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٦) باب (١٤٥٨) حديث تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ؟ وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ. تَسْقِي بِهِ أَوَّلَا وَآخِراً. وَهُوَ لَا يَضُرُّكَ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا. وَاللَّهِ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ، لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ. فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ. فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ. اللام وفتح الميم (تمنع أخاك) بالأخوة الإسلامية (ما ينفعه) بل (وهو لك) أيضاً (نَافِعٌ) لأنك (تسقي به أولاً وآخراً، وهو لا يضرك) بشيء (فقال محمد: لا) أفعل ذلك (والله) كذا في جميع النسخ، أكّد إنكارَه بالحلف. (فقال عمر) رضي الله عنه: (والله ليَمُرَّنَّ به) أي بالنهر (ولو على بطنك) مبالغة في التأكيد، وإلا فظاهر أنه لا يمكن أن يَمُرَّ به على بطنه (فأمره) أي الضحاك (عمر) - رضي الله عنه - (أن يمر به) أي بالخليج في أرض محمد بن مسلمة (ففعل الضحاك). قال الباجي(١): وقد قال مالك فيمن له ماء وراء أرض، وله أرض دون أرض، فأراد أن يجري ماءه في أرض: إنه ليس له ذلك، ولم يأخذ بما رُوي عن عمر - رضي الله عنه - في ذلك، ورواه عنه ابْنُ القاسم في ((المجموعة)) وقال عنه أشهب: كان يقال: يحدث للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور، قال مالك: وأخذ بها من يوثق به، فلو كان معتدلاً في زماننا هذا كاعتداله في زمان عمر - رضي الله عنه - رأيت أن يقضى له بإجراء مائه في أرضك؛ لأنك تشرب به أولاً وآخرا، ولا يضرك، ولكن فسد الناس، واستحقوا التهم، فأخاف أن يطول الزمان، وينسى ما كان عليه جري هذا الماء، وقد يدّعي جارك عليه به دعوى في أرضك، وقال ابن كنانة نحوه، وروى زياد بن عبد الرحمن، أنه إن لم يضر به فليقض عليه بمروره في أرضه، وإن أَضَرَّ به منع ذلك. وقال أشهب: إن كانت أرضك أحييت بعد إحياء عينه وأرضه، كان له (١) ((المنتقى)) (٤٦/٦). ١٣٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٦) باب (١٤٥٨) حديث الممر في أرضك، وأن يجري ماؤه فيها إلى أرضه بالقضاء، وإن كانت أرضك قبل عينه، وقبل أرضه، فليس في أرضك ممر إلى عينه، ولا لعينه ممرٌّ في أرضك، فعلى هذا يحتمل فعل عمر - رضي الله عنه - وجهين: أحدهما: أنه على ظاهره. ولمالك فيه ثلاثة أقوال أحدها: المخالفة له على الإطلاق وهي رواية ابن القاسم، واختارها عيسى بن دينار، وبه قال أبو حنيفة. والثاني: الموافقة له على وجهٍ، وذلك على وجهين: أحدهما؛ أن مخالفة أهل زمان مالك لأهل زمان عمر - رضي الله عنه - في هذا الحكم إنما كان لاختلاف أحوال الناس، وأن أهل زمنه قويت فيهم التهمة باستحلال ما لم يكن يستحلّه أهل زمن عمر بن الخطاب، وهذه رواية أشهب، واختارها ابن كنانة، ووجه آخر؛ وهو يحتمل أن تكون أرض محمد بن مسلمة إنما صارت إليه، بأن أحياها بعد أن أحيا الضحاك أرضه، وملك ماءه. والقول الثالث: الأخذ بقول عمر - رضي الله عنه - وحمله على إطلاق لفظه، وهي رواية زياد بن عبد الرحمن الأندلسي، وأنكر الشافعي على مالك أنه روى حديث عمر بن الخطاب، ولم يرو عن أحد من الصحابة خلافه، ولم يأخذ به، وليس كما قال، فإن محمد بن مسلمة ممن خالفه في ذلك، وخالف على منعه ذلك، ولو اعتقد أنه من حقوق الضحاك لما أقسم على منعه بحضرة عمر - رضي الله عنه - وغيره، ويحتمل أن يكون عمر - رضي الله عنه - لم يقضِ بذلك على محمد بن مسلمة، وإنما أقسم عليه لما أقسم تحكماً عليه في الرجوع إلى الأفضل، فقد يقسم الرجل على الرجل في ماله تحكماً عليه، وثقةً بأنه لا يحنثه فيبرّ بقسمه، اهـ مختصراً. وقال الموفق(١): إذا أراد أن يُجْرِيَ الماءَ في أرض غيره لغير ضرورةٍ لم (١) ((المغني)) (٣٨/٧). ١٣٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٦) باب (١٤٥٩) حدیث ٣٤/١٤٥٩ - وحدّثني مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ، فِي حَائِطِ جَدِّهِ، رَبِيعٌ لِعَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ. فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْخَائِطِ، هِيَ أَقْرَبُ إِلَى أَرْضِهِ. يجز إلا بإذنه، وإن كان لضرورة مثل أن يكون له أرضٌ للزراعة لها ماء، لا طريق له إلا أرض جاره، فهل له ذلك؟ على روايتين، إحداهما: لا يجوز، لأنه تصرف في أرض غيره بغير إذنه، فلم يجز، لأن مثل هذه الحاجة لا يبيح مال غيره، بدليل أنه لا يباح له الزرع في أرض غيره، ولا البناء فيها، ولا الانتفاع بشيء من منافعها المحرمة عليه قبل هذه الحاجة، والأخرى: يجوز لقول عمر - رضي الله عنه - في قصة الضحاك ومحمد بن مسلمة، رواه مالك في ((موطئه)) وسعيد في ((سننه)) والأول أقيسُ، وقول عمر - رضي الله عنه - يُخالفه قولُ محمد بن مسلمة، وهو موافق للأصول فكان أولى، اهـ مختصراً. وهكذا قال البيهقي(١): إن قول عمر - رضي الله عنه - خالفه محمد بن مسلمة، وبسط في الروايات الموافقة لذلك، والمخالفة له، فارجع إليه لو شئت التفصيل . ٣٤/١٤٥٩ - (مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه) يحيى بن عمارة بن أبي حسن (أنه قال: كان في حائط جده) أبي حسن المازني اسمه تميم بن عبد عمرو الأنصاري. وقيل: تميم بن عمرو، وقيل: ابن عبد قيس، مشهور بكنيته، صحابيٌّ بدريٌّ، بقي إلى زمن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - (ربيع) بفتح الراء وكسر الموحدة أي جدول، وهو النهر الصغير (لعبد الرحمن بن عوف) أحد العشرة المبشرة (فأراد عبد الرحمن بن عوف أن يحوله) أي الربيع (إلى نَاحِيَةٍ) أي جهة أخرى (من الحائط هي) الناحية (أقرب إلى أرضه) أي (١) ((السنن الكبرى)) (١٥٧/٦). ١٣٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٦) باب (١٤٥٩) حديث فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ. فَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ، فَقَضَى لِعَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ بِتَحْوِيلِهِ. أرض عبد الرحمن ليكون أسهل في أخذه الماء لقربه، وتَقِلّ مؤونةُ الإصلاح عليه لقلة مسافته إذا احتاج إلى إصلاحه. (فمنعه صاحب الحائط) أي أبو الحسن (فَكلمَ عبد الرحمن بن عوف في ذلك) الأمر (عمرَ بن الخطاب) - رضي الله عنه - (فقضى عمر لعبد الرحمن بن عوف بتحويله) . قال الباجي(١): وقد روى ابنُ القاسم عن مالك ليس له ذلك، ولم يأخذ مالك بما روي في ذلك عن عمر - رضي الله عنه -، وروى عيسى في ((المدونة)) عن مالك أنه لا يرى تحويله، وإن لم يكن على صاحب الحائط في ذلك ضررٌ إلا أن يرضى به، وبه قال أبو حنيفة، وروى زياد بن عبد الرحمن عن مالك إن لم يضرّ ذلك به، فليقض به عليه، قال ابن نافع: هذا فيما يراد تحويله، وقال عيسى بن دينار: يقضى عليه بذلك، اهـ. وتقدم مثل هذه الأقوال في الأثر السابق. قال الزرقاني(٢): قضى عمر - رضي الله عنه - بذلك؛ لأنه حمل حديث ((لا يمنع أحدكم جاره خشبة يغرزها في جداره)) على ظاهره، وعَدَّاه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه، وقال الشافعي في كتاب الرد: لم يرو مالك عن الصحابة خلافَ عمر في ذلك، ولم يأخذ به ولا بشيء مما في هذا الباب، بل ردّ ذلك برأيه، قال ابن عبد البر: وليس كما زعم، لأن محمد بن مسلمة والأنصاري صاحب عبد الرحمن كان رأيهما خلاف رأى عمر وعبد الرحمن - رضي الله عنهما -. : (١) ((المنتقى)) (٤٧/٦). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥/٤). ١٣٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٧) باب (١٤٦٠) حديث (٢٧) باب القضاء في قسم الأموال ١٤٦٠/ ٣٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيّ؛ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ: وإذا اختلف الصحابة رجع إلى النظر، وهو يدل على أن دماء المسلمين وأموالهم من بعضهم على بعضٍ حرامٌ إلا بطيب نفس من المال خاصة، ومشهور مذهب مالك أن لا يقضى بشيء مما في هذا الباب لحديث ((لا يحل مالُ امرئٍ مسلم إلا عن طيب نفس منه)) وهو قول أبي حنيفة. وروى أصبغ عن ابن القاسم لا يؤخذ بقضاء عمر - رضي الله عنه - على محمد في الخليج، وأما تحويل الربيع فيؤخذ به؛ لأنَّ مجراه ثابت لابن عوف في الحائط، وإنما حوله لناحية أخرى أقرب إليه، وأرفق لصاحب الحائط، اهـ. وهذا قول الشافعي في القديم، ومشهور قوله في الجديد: أن لا يقضى بشيء من ذلك، انتهى مختصراً. (٢٧) القضاء في قسم الأموال أراد بالأموال الأراضي كما يدل عليه ما سيأتي، والمعنى كيف تكون قسمة الأراضي المشتركة العادية؟ قال الباجي(١): أشار بالأموال إلى الأرضين وما فيها من الشجر، وإن كان اسم المال واقعاً على كل ما يتمول من حيوان وعروض وعين وغير ذلك، إلا أن عُرْفَ أهل المدينة كان في ذلك الزمان إطلاقُ اسم الأموال على الأرض وما فيها من النخيل والأعناب، اهـ. ٣٥/١٤٦٠ - (مالك عن ثور) بمثلثة في أوله (ابن زيد الديلي) بكسر الدال وسكون التحتية (أنه قال: بلغني أن رسول الله وَلقر قال) وصله إبراهيم بن طهمان، عن مالك، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال ابن عبد البر: تفرد بوصله عن مالك مسنداً وهو ثقة، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٤٨/٦). ١٣٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٧) باب (١٤٦٠) حديث (أَيُّمَا دَارٍ أَوْ أَرْضِ قُسِمَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ عَلَى قَسْم الْجَاهِلِيَّةِ. وَأَيُّمَا دَارٍ أَوْ أَرْضِ أَدْرَكَهَا الْإِسْلَامُ وَلَمْ تُقْسَمْ فَهِيَ عَلَى قَسْم الْإِسْلام)). وأخرج أبو داود(١) بسنده إلى أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: قال النبي ◌َّ: ((كل قسم قسم في الجاهلية، فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام، فإنه على قسم الإسلام)). قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه(٢). (أيما) لفظ ((أي)) مبتدأ في معنى الشرط، وزيدت ((ما)) لتوكيده وزيادة التعميم، وأعم منه لفظ أبي داود المتقدم ((كل قسم)) أي كل مقسوم (دار أو أرض) أو غيرهما (قسمت) ببناء المجهول (في الجاهلية) هي ما قبل البعثة، ويطلق على ما قبل الفتح، والإطلاقان شائعان في الأحاديث، كما بسطهما الحافظ (٣) في ترجمة البخاري ((باب أيام الجاهلية)). (فهي) القسمة باقية (على قسم الجاهلية). قال الباجي(٤): يحتمل أن يريد به نفذت قسمتها في الجاهلية، وهو التأويل الظاهر من تأويل ابن نافع وغيره من أصحابنا، ويحتمل أن يريد بها استحقت سهامها في الجاهلية بأن مات ميت، فورثت ورثته قبل أن يسلموا، فصار استحقاقهم لسهامهم على أحكام الجاهلية بمنزلة القسمة بها، يريد وَله ترك الرد لما سلف من عقودهم في الجاهلية، وإمضاءها على ما وقعت عليه، ولذلك لا يرد شيء من بيوعهم ولا أنكحتهم وإن كانت فاسدة، بل يصحح الإسلام الملك الواقع بها، اهـ. (وأيما دار أو أرض) أو غيرهما (أدركها الإسلام ولم تقسم) في الجاهلية (فهي) تقسم (على قسم الإسلام) قال الباجي: هذا يحتمل من التأويل الوجهين (١) ((سنن أبي داود)) (١٢٦/٣) باب فيمن أسلم على ميراث (٢٩١٤). (٢) ((سنن ابن ماجه)) (٢٤٨٥). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (١٤٩/٧). (٤) ((المنتقى)) (٤٨/٦). ١٣٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٧) باب (١٤٦٠) حديث المتقدمين، والظاهر منه - والله أعلم - أن ما كان من مال أهل الجاهلية مشتركاً، فدخل عليهم الإسلام، ولم تقسم، فهي على حكم الإسلام دون ما كانوا يعتقدونه، ويقتسمون عليه في جاهليتهم، وروى عيسى عن ابن القاسم عن مالك أن ذلك في المجوس والفرس وكل من ليس له كتاب، فأما اليهود والنصارى، فإن أسلموا بعد أن ورثوا داراً، فإنهم يقتسمونها على مقتضى شرعهم يوم ورثوها، وروى مطرف وابن الماجشون وغيرهما عن مالك أن ذلك في الكفار كلهم أهل كتاب كانوا أو غير أهل كتاب، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وجه الرواية الأولى أن أهل كتاب قد كانت شريعتهم أحكامها ثابتة وإن كنا لا ندري ما غيّروا منها، وقد طرأ عليها النسخ، ولذلك كانت أحكام نسائهم في جواز نكاح المسلمين غير أحكام من ليس بأهل كتاب، ولذا جاز لنا أكل ذبائحهم دون ذبائح غيرهم، والمواريث إنما يراعى استحقاقها يوم التوارث، لا يوم القسمة، ونتأوّل الحديث على أن لفظه عام، والمراد به من ليس من أهل الكتاب، ولذلك ذكر الجاهلية، وإنما ينطلق ظاهرها على مشركي قریش . وجه الرواية الثانية التعلق بعموم الخبر، ولم يخص أهل كتاب من غيرهم، وهذا إذا أسلم جميعهم، فإن أسلم بعضهم، فقد اتفق مالك وجميع أصحابه على أنه إن أسلم جميعهم إلا واحدٌ منهم، فإن القسمة تكون على أصل حظوظهم، اهـ. وقال الموفق(١): اختلفت الرواية فيمن أسلم قبل قسم ميراث موروثه المسلم، فنقل الأثرم ومحمد بن الحكم أنه يرث، وروي نحوه عن عمر (١) («المغني)) (١٦٠/٩). ١٣٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٧) باب (١٤٦٠) حديث وعثمان والحسن بن علي وابن مسعود، وبه قال جابر بن زيد والحسن ومكحول وقتادة وحميد وإياس بن معاوية وإسحاق، فعلى هذا إن أسلم قبل قسم بعض المال ورث مما بقي، وبه قال الحسن. ونقل أبو طالب فيمن أسلم بعد الموت لا يرث، قد وجبت المواريث لأهلها، وهذا المشهور عن علي - رضي الله عنه - وبه قال ابن المسيب وعطاء وطاووس والزهري وسليمان بن يسار والنخعي والحكم وأبو الزناد وأبو حنيفة ومالك والشافعي وعامة الفقهاء؛ لقوله وله: ((لا يرث الكافر المسلم))، ولأن الملك قد انتقل بالموت إلى المسلمين فلم يشاركهم من أسلم كما لو اقتسموا، ولنا، قوله وَله: ((من أسلم على شيء فهو له)) رواه سعيد من طريقين عن عروة وابن أبي مليكة عن النبي وَلّ، وروى أبو داود(١) بإسناده عن ابن عباس مرفوعاً ((كل قسم قسم في الجاهلية»، الحديث، اهـ. وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، وإذا أسلم قبل أن يقسم الميراث فلا ميراث له))، قال الحافظ(٢): قوله: لا يرث المسلم إلخ هكذا ترجم بلفظ الحديث، ثم قال: وإذا أسلم إلخ فأشار إلى أن عمومه يتناول هذه الصورة أيضاً، فمن قَيَّدَ عدم التوارث بالقسمة احتاج إلى دليل، وحجة الجماعة أن الميراث يستحق بالموت، فإذا انتقل عن ملك الميت بموته لم ينتظر قسمته؛ لأنه استحق الذي انتقل عنه، ولو لم يقسم المال. قال ابن المنير: صورة المسألة إذا مات مسلم، وله ولدان كافر ومسلم، فأسلم الكافر قبل قسمة المال، قال ابن المنذر: ذهب الجمهور إلى الأخذ بما دلّ عليه عمومُ الحديث المذكور إلا ما جاء عن معاذ، قال: يرث المسلم من الكافر من غير عكس، لحديث: ((الإسلام يزيد ولا ينقص»، وبه قال مسروق وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وإسحاق. (١) ((سنن أبي داود)) (٢٩١٤)، وأخرجه ابن ماجه (٢٤٨٥). (٢) ((فتح الباري)) (٥٠/١٢). ١٤٠