النص المفهرس
صفحات 101-120
٣٨ - كتاب الأقضية (٢٢) باب قضاء الدين، قال أبو عمر: بل أصحابه كلهم على ما قال مالك، وأنكر المتأخرون قول ابن حبيب، وبقول مالك قال أحمد، اهـ. قال الباجي(١): وهذا على ما قاله: إن مسألة الإقرار تجري مجرى ما ذكره من المرأة تُقِرُّ بدين على موروثها، وينكر ذلك سائر الورثة، فإن كانت زوجة ترث الثمن؛ لأن للميت ولداً أو ولد ابن إنما عليها من الدين ثمنه، ولو لم يكن له ولد فورثت الربع لكان عليها من الدين ربعه، وكذلك الوارث إذا كانت أنثى ترث مع المقر له الثلث، فإنما عليه أن يدفع إليه ما صار إليه زائداً على الثلث. ولو كانت زوجة لها الثمن، فأقَرَّتْ بابن للميت لم يكن عليها أن تعطيه شيئاً؛ لأن موروثها دونه ومعه لا يزيد ولا ينقص، فلا يؤثر إقرارها فيما بيدها، وقال ابن حبيب: أصحاب مالك كلهم يرون هذا القول من مالك وهماً؛ لأنه لا ميراث لوارث إلا بعد قضاء دين، فيجب له أن يأخذ من المقر بالدین دینه. وأما الوارث فإنه وارث مع المقر، وليس بوارث قبله، فلذلك أخذ منه ما ينوبه، وهذا الذي قاله ابن حبيب ليس بصحيح، بل أصحاب مالك على ما قال مالك وهو الصحيح، وما اختاره ابن حبيب هو قول أبي حنيفة، اهـ. قال الموفق(٢): إن أقَرَّ أحدُ الورثة لزمه من الدين بقدر ميراثه، فإذا كانا اثنين لزمه النصف، وإن كانوا ثلاثة فعليه الثلث، وبهذا قال النخعي والحكم والحسن وإسحاق وأبو ثور والشافعي في أحد قوليه، وقال أصحاب الرأي: يلزمه جميع الدين أو جميع ميراثه، وهذا آخر قولي الشافعي بعد قوله كقولنا، لأن الدين يتعلق بتركته، فلا يستحق الوارث منها إلا ما فضل من الدين، لقوله (١) ((المنتقى)) (١/٦). (٢) («المغني)) (٣٢٨/٧). ١٠١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٢) باب قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى مِثْلِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى أَبِيهِ دَيْناً. أُخْلِفَ صَاحِبُ الَّذَّيْنِ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ. وَأُعْطِيَ الْغَرِيمُ حَقَّهُ كُلَّهُ. وَلَيْسَ هُذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ. لِأَنَّ الرَّجُلَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ. وَيَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ، مَعَ شَهَادَةٍ شَاهِدِهِ، أَنْ يَخْلِفَ. وَيَأْخُذَ حَقَّهُ كُلَّهُ. فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ أَخَذَ مِنْ مِيرَاثِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ، قَدْرَ مَا يُصِيبُهُ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾(١) ولأن ما أخذه المنكر أخذه بغير استحقاق، فكان غاصباً، فتعلق الدين بما بقي من التركة، كما لو غصبه أجنبيٌّ، اهـ. (قال مالك: فإن شهد رجل على مثل ما شهدت به المرأة) يعني إن كان المقر بالدين في الصورة المذكورة رجلاً فقال: (أن لفلان على أبيه) الميت (ديناً أُخْلِفَ) ببناء المجهول (صاحبُ الدين) أي المقر له (مع شهادة شاهدِه) وهو الابن المذكور؛ لأن المسألة صارت من باب القضاء بالشاهد الواحد مع اليمين بخلاف المرأة، فإن القضاء باليمين مع الشاهدة الواحدة لا يجوز، كما تقدم في بابه. وإذا حلف الدائن مع الشاهد الواحد (أعطي الغريم) المذكور (حقه كله) أي الدين بتمامه (وليس هذا) هو بيان للفرق بين هذه المسألة والتي قبلها (بمنزلة المرأة) المقِرَّةِ في القول السابق (لأن الرجل) المقر ههنا (تجوز شهادته) بخلاف المرأة (ويكون) أي يلزم (على صاحب الدين) أي على الذي له دين على الميت (مع شهادة شاهده أن يحلف) لحقه، فيقضى له باليمين مع الشاهد (ويأخذ حقه كله) لثبوته بالشهادة الشرعية عند القائلين بالقضاء باليمين مع الشاهد الواحد. (فإن لم يحلف) المدعي الدائن (أخذ من ميراث الذي أقرّ له قدرَ ما يصيبه (١) سورة النساء: الآية ١٢. ١٠٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٣) باب (١٤٤٩) حدیث مِنْ ذُلِكَ الدَّيْنِ. لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقِّهِ. وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ. وَجَازَ عَلَيْهِ إِقْرَارُهُ. (٢٣) باب القضاء في أمهات الأولاد ٢٤/١٤٤٩ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَؤُونَ وَلَائِدَهُمْ. ثُمَّ يَعْزِلُوهُنَّ. من ذلك الدين) لأنه إذا نكل عن الحلف لم يتم الشهادة، فلم يبق إلا أقَرَّ الدين المذكور وحده (لأنه) أي الابن المذكور (أَقَرَّ بحقه) أي بحق الدائن (وأنكر) باقي (الورثةُ) الدينَ (وجاز عليه) أي لزم على المُقِرّ على نفسه (إقراره) لا على غيره من بقية الورثة وصارت المسألة من باب القضاء باليمين مع الشاهد الواحد، وتقدم الخلاف فيه في بابه. (٢٣) القضاء في أمهات الأولاد جمع أم الولد يعني بيان بعض الأقضية الواردة في أم الولد. ٢٤/١٤٤٩ - (مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه) عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - (أن عمر بن الخطاب قال) في زمان خلافته: (ما بال) أي حال (رجال يطؤون ولائدهم) أي إماءهم جمع وليدة (ثم يعزلونهنّ) قال الباجي(١): هذا يحتمل معنيين: أحدهما: العزل عنهن أي صبّ الماء خارج الفرج، وهو وإن كان غير محرم في الإماء، فإن غيره أفضل منه، لا سيما لمن يريد بذلك أن ينفي عن نفسه ما أتت به من ولد، وقد روى موسى بن معاوية عن ابن القاسم في من أَقَرَّ أنه يطأ جاريته ويعزل، فإن الولد يلزمه إن لم يدع استبراء. ووجه ذلك أنه لا يتيقن حقيقة العزل، وقد يغلبه أول الماء أو اليسير منه، (١) ((المنتقى)) (١٩/٦). ١٠٣ . ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٣) باب (١٤٤٩) حدیث لَا تَأْتِيْنِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا، إِلَّا أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا. فَاعْزِلُوا بَعْدُ، أَوِ اثْرُكُوا . والمعنى الثاني: أن يريد باعتزالهن الإزالة لهن عن حكم التسري على وجه الانتفاء من ولد الأمة دون استبراء، قلت: والأثر الآتي يؤيد المعنى الثاني. (لا تأتيني وليدة) أي جارية (يعترف سيدها أن قد أَلَمَّ بها) بفتح الهمزة واللام وتشديد الميم من الإلمام بمعنى النزول والقرب، والمراد وطؤها (إلا ألحقت به ولدها) لقوله: الولد للفراش (فاعزلوا بعدُ) بضم الدال على البناء أي بعد ذلك (أو اتركوا) العزل. قال الزرقاني(١): أي لا ينفعكم العزل، لأن الماء سباق قد ينزل ولا يشعر به، وبهذا أخذ الأئمة الثلاثة ما لم يدّع الاستبراء بعد العزل، وقال بعض أصحاب الشافعي: لا ينفعه الاستبراء؛ لأن الحامل تحيض، وقال ابن عباس وزيد بن ثابت والكوفيون: لا يلحق به إلا أن يدّعيه، سواء أقرّ بوطئها أم لا، كانت ممن تخرج أم لا ، اهـ. وفي ((المحلى)): به أخذ مالك والشافعي وأحمد، يثبت نسب ولد الأمة إذا أقرّ بوطئها، وإن عزل عنها، وقال أبو حنيفة ومالك: فيما حكى عنه الربيع: لا يثبت إلا بدعوة، وبه قال الثوري والشعبي والحسن. له ما روى الطحاوي(٢) عن ابن عباس أنه كان يأتي جارية، فحملت، فقال: ليس مني إني أتيتها إتياناً لا أريد به الولد، وعن زيد بن ثابت أنه كان يطأ جارية فارسية، ويعزل عنها، فجاءت بولد، فأعتق الولد وجلدها، وعنه أنه قال لها: ممن حملت؟ قالت: منك، قال: كذبت، ما أجعل إليك ما يكون منه الولد، ولم يلزمه مع اعتراف بوطئها، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨/٤). (٢) ((شرح معاني الآثار)) (٦٨/٢). ١٠٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٣) باب (١٤٥٠) حديث ١٤٥٠/ ٢٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَؤُونَ وَلَائِدَهُمْ. ثُمَّ يَدَعُوهُنَّ يَخْرُجْنَ. لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنْ قَدْ أَلَمَّ بِهَا، إِلَّا قَدْ أَلْحَقْتُ بِهِ وَلَدَهَا. فَأَرْسِلُوهُنَّ بَعْدُ، أَوِ أَمْسِكُوهُنَّ. وقال ابن الهمام(١): إذا ولدت الأمة من مولاها، فلا يثبت نسبه إلا أن يعترف به، وإن اعترف بوطئها، وهو قول الثوري والبصري والشعبي، ومرويٌّ عن عمر وزيد بن ثابت مع العزل، وقال الشافعي ومالك وأحمد: يثبت إذا أَقَرَّ بوطئها، وإن عزل عنها إلا أن يدَّعي أنه استبرأها بعد الوطء بحيضة، وهو ضعيف، فإنهم زعموا أنها بالوطء صارت فراشاً، كالنكاح، وفيه يلزم الولد وإن استبرأها، مع أن الحامل تحيض عند مالك والشافعي، فلا يفيد الاستبراء وهم ينفصلون عن هذا، بأن الغالب أن لا تحيض، والأمر بالاستبراء اعتباراً للغالب، فيحكم عند وجوده بعدم الحمل حكماً للغالب. ١٤٥٠/ ٢٥ - (مالك عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد) مصغراً زوجُ ابن عمر - رضي الله عنه - (أنها أخبرته) أي نافعاً (أن عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (قال: ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يدعونهن؟) بفتح الدال الخفيفة أي يتركونهن، وهذا يؤيد أن المراد بالعزل في الأثر السابق أيضاً الترك (يخرجن) في الأسواق وغيرها للحوائج، أي لا يمنعوهن من الخروج تحفظاً لهن، فيتوقفون فيما ولدن لاحتمال الفساد في الخروج (لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد أَلَمَّ بها) أي جامعها (إلا أَلْحَقْتُ به ولدها) لاعترافه بالوطء (فأرسلوهن بعدُ) بضم الدال، أي بعد سماعكم هذا القول مني (أو أمسكوهن) وهذا أيضاً مبنيٌّ على ثبوت النسب بإقرار الوطء، كما تقدم. وفي ((الجوهر النقي)) عن ((الاستذكار))(٢): عند الكوفيين ولد الأمة لا (١) ((فتح القدير)) (٣٣٠/٤). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٠٢/٢٢). ١٠٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٤) باب (١٤٥٠) حديث قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا جَنَتْ جِنَايَةً. ضَمِنَ سَيِّدُهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِيمَتِهَا. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا. وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ جِنايَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيْمَتِهَا . (٢٤) باب القضاء في عمارة الموات يلحق إلا بدعوى السيد سواء أقرّ بوطئها أم لا، وسلفهم في ذلك ابنُ عباس وزيد بن ثابت، فقد رُوي عن ابن عباس أنه كان يأتي جارية له، فحملت، فقال: ليس مني، إني أتيتها إتياناً لا أريد الولد يعني العزل، وعن ابن المسيب قال: ولدت جارية لزيد بن ثابت، فقال: إنه ليس مني، وإني كنت أعزل عنها. (قال مالك: الأمر عندنا في أم الولد إذا جنت جناية) توجب الضمان (ضمن سيدها ما بينها) أي بين الجناية (وبين قيمتها) أي قيمة أم الولد، أي يلزمه فداؤها بالأقل من أرش الجناية والقيمة (وليس له أن يسلمها) أي أم الولد في الجناية إلى الجاني، قال الباجي(١): لأنه ليس له أن يخرجها عن ملكه، بتسليم في جناية، ولا بيع، ولا غيرها، إلا بالعتق الذي يسقط ما بقي له فيها من الاستمتاع. قال الزرقاني (٢): وذلك لإجماع الصحابة على منع بيعهن في غير الدين، وعليه جماعة الفقهاء من التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي، اهـ. (وليس عليه) أي على السيد (أن يحمل) ويتحمل (من جنايتها أكثر من قيمتها) قلت: وتقدم البسط في ذلك في أول ((جراح أم الولد)). (٢٤) القضاء في عمارة الموات قال الجوهري: المُوات بالضم الموت، وبالفتح ما لا روح فيه، (١) ((المنتقى)) (٢١/٦). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨/٤). ١٠٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٤) باب (١٤٥١) حديث ٢٦/١٤٥١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ والأرض التي لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها أحد، والموتان بالتحريك خلاف الحيوان، يقال: اشترِ الموتان، ولا تشتر الحيوان، أي اشتر الأرضين والدور، ولا تشتر الرقيق والدواب، وقال الفراء: الموتان من الأرض التي لم تحي بعد، وفي الحديث: مَوَتان الأرض لله ورسوله، فمن أحيا منها شيئاً فهو له، قاله الزرقاني(١). وقال الموفق(٢): الموات هو الأرض الخراب الدَّارِسَةُ، تسمى ميتة ومواتاً وموتاناً، بفتح الميم والواو، والموتان - بضم الميم وسكون الواو - الموت الذريع، ورجل موتان القلب - بفتح الميم وسكون الواو - أعمى القلب لا يفهم، وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يُمْلَكُ بالإحياء وإن اختلفوا في شروطه، اهـ. وفي ((الهداية)(٣): الموات ما لا ينتفع به من الأراضي لانقطاع الماء عنه، أو لغلبة الماء عليه، أو ما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة، سمي به لبطلان الانتفاع به، اهـ. ٢٦/١٤٥١ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) قال الزرقاني(٤): مرسل باتفاق رواة ((الموطأ))، واختلف فيه على هشام، فروته طائفة مرسلاً كما رواه مالك، وهو أصحُ، وطائفة عنه عن أبيه، عن سعيد بن زيد، وطائفة عن هشام عن وهب بن كيسان عن جابر، وطائفة عنه عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن جابر، وبعضهم عنه عن عبد الله بن أبي رافع عن جابر. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨/٤). (٢) («المغني)) (١٤٥/٨). (٣) (٣٨٣/٢). (٤) ((شرح الزرقاني)) (٢٨/٤). ٤ ١٠٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٤) باب (١٤٥١) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيَِّةً فَهِيَ لَهُ. واختلف فيه أيضاً على عروة فرواه ابنه يحيى عنه، عن صحابي لم يسم، ورواه جرير عنه، فقال: وأكثر ظني أنه أبو سعيد الخدري، ورواه الزهري عنه، عن عائشة، فهذا الاختلاف على عروة يدل على أن الأصح الإرسال، وهو أيضاً صحيح مسند، وهو حديث تلقاه بالقبول فقهاء المدينة وغيرهم، قاله ابن عبد البر فصححه من الوجهين. وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن غريب، والنسائي، وصححه الضياء في ((الأحاديث المختارة)) من طريق أيوب، عن هشام، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، اهـ. قلت: وإلى هذا الاختلاف أشار الحافظ في ((الفتح)) (١) وقال: لعل هذا هو السر في ترك جزم البخاري به يعني إذ قال: ويروى فيه عن جابر عن النبي ◌َّ، اهـ. (أن رسول الله وَّل قال: من أحيا أرضاً ميتة) بالتشديد، قال العراقي: ولا يقال بالتخفيف، لأنه إذا خفف تحذف منه تاء التأنيث (فهي له) قال مالك: معنى الحديث في فيافي الأرض وما بعد من العمران، فإن قرب فلا يجوز إحياؤه، إلا بإذن الإمام، وقال أشهب وكثير من أصحابنا وغيرهم: يحييها من شاء بغير إذنه، قاله سحنون، وهو قول أحمد وداود وإسحاق والشافعي قائلاً: عطية رسول الله * لكل من أحيا مواتاً، أثبت من عطية من بعده من سلطان وغيره، واستحب أشهب إذنه لئلا يكون فيه ضرر على أحد، وقال أبو حنيفة: لا يحييها إلا بإذن السلطان قربت أو بعدت، وصار الخلاف هل الحديث حكم أو فتوى؟ فمن قال بالأول، قال: لا بد من الإذن، ومن قال بالثاني، قال: لا يحتاج إليه، قاله الزرقاني(٢). (١) ((فتح الباري)) (١٨/٥). (٢) (شرح الزرقاني)) (٢٩/٤). ١٠٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٤) باب (١٤٥١) حدیث وقال الباجي(١): إحياء الأرض في هذا الحديث عمارتها، وموتها تبورها، وعدم الانتفاع بها على وجه الزراعة والحرث والبنيان، وقد قال أبو حنيفة: وكل ما قرب من العمران فليس بموات، وما بعد منه، ولم يملك قبل ذلك فهو موات، وروى ابن سحنون عن ابن القاسم أن ما قرب من العمران لا يدخل في الحديث، فيحتمل أن يريد أن اللفظ عامٌّ فيمن أحيا ما بعد وقرب، فخص منه من أحيا ما قرب بدليل ظهر إليه، فثبت به أن المراد به ما بعد. ويحتمل أن يريد أن لفظ الأرض لما ورد منكراً لم يقتض العموم، وإنما أريد به ما بعد دون ما قرب، ويحتمل قول أبي حنيفة الوجهين، وأنكر سحنون قول ابن القاسم هذا، وقال: المعروف أنه لا يجوز إحياؤه، إلا بإذن الإمام، وقد روى ابن سحنون عن أبيه، قال مالك: معنى الحديث في فيافي الأرض وما بعد من العمران، وهذا القول يحتمل من التأويل ما يحتمله قول سحنون. فثبت بذلك أن الذي أنكره سحنون حمل قول ابن القاسم على أنه لا يجوز الإحياء فيما قرب من العمران، وإن أذن فيه الإمام على وجه التمليك بالإحياء، وإن جاز أن يملكه الإمام على وجه الإقطاع، وقد روى سحنون عن مالك وابن القاسم: ما قرب من العمران لا يحييه إلا بقطيعة ونحوها، اهـ. ثم بسط الباجي في فروع الباب، فقال: في ذلك خمسة أبواب. الأول: في صفة الأرض التي تملك بالإحياء. والثاني: في صفة المحي لها وحكمه. والثالث: في صفة الإحياء. والرابع: في حكم ما أحيا من الأرض ثم مات. والخامس: في حكم الأرض الموات والإبراز في البيع والقسمة وغير ذلك. وفي (الهداية))(٢): من أحياه بإذن الإمام ملكه، وإن أحياه بغير إذنه لم (١) ((المنتقى)) (٢٦/٦). (٢) (٨/٤/ ٢٤٧). ١٠٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٤) باب (١٤٥١) حديث وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِم يملكه عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقالا: يملكه لحديث الباب، وله قوله عليه السلام: ((ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه))(١)، وما روياه(٢) يحتمل أنه إذن لقوم لا نصب لشرع، اهـ. وفي ((التعليق الممجد))(٣): استدل له بحديث: ((الأرض لله ولرسوله، ثم لكم من بعدي، فمن أحيا شيئاً من موتان الأرض، فله رقبتها))، أخرجه أبو يوسف في ((كتاب الخراج))، فإنه أضافه إلى الله ورسوله وكل ما أضيف إلى الله ورسوله، لا يجوز أن يختص به إلا بإذن الإمام، وذكر الطحاوي أن رجلاً بالبصرة قال لأبي موسى: أقطعني أرضاً لا تضر بأحد من المسلمين، ولا أرض خراج، فكتب أبو موسى إلى عمر - رضي الله عنه -، فكتب عمر إليه: أقطعه له، فإن رقاب الأرض لنا، اهـ. (وليس لعرق) بكسر العين وسكون الراء والتنوين (ظالم) صفة للعرق على الاتساع، كأن العرق بغرسه صار ظالماً حتى كان الفعل له، وقال ابن الأثير: هو على حذف مضاف، فجعل العرق نفسه ظالماً، والحق لصاحبه، أو يكون الظالم من صفة العرق، اهـ. أي لذي عرق ظالم، وروي بالإضافة، فالظالم هو صاحب العرق، وهو الغارس، لأنه تصرف في ملك الغير. وقال النووي في (تهذيب اللغات)) (٤): اختار مالك والشافعي تنوين عرق، وبه جزم الأزهري وابن فارس وغيرهما، وبالغ الخطابي، فغلط من رواه بالإضافة، وليس كذلك فقد ثبتت، ووجهها ظاهر، فلا يكون غلطاً، قاله (١) راجع ((نصب الراية)) (٢٩٠/٤). (٢) الصاحبان. (٣) (٣١٤/٣). (٤) (١٤/٢/٢). ١١٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٤) باب (١٤٥١) حدیث حَقٌّ)). قَالَ مَالِكٌ: وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ كُلُّ مَا احْتُفِرَ أَوْ أُخِذَ أَوْ غُرِسَ بِغَيْرِ حَقِّ . الزرقاني(١)، وقال الحافظ(٢): رواية الأكثر بالتنوين، ويروى بالإضافة، اهـ. (حق) قال الباجي(٣): يحتمل أن يريد به و لو ليس له حق البقاء، فمن غرس أو بنى ظالماً في ملك غيره ليس له أن يبقيه، وكان لصاحب الملك أن يأمره بقلعه، أو يخرجه منه بأن يدفع إليه قيمة غرسه مقلوعاً، وقيمة بنيانه منقوضاً فيما له قيمة، وما لم يكن له قيمة كان لصاحب الملك أن يبقيه على ملکه دون عوض یعوضه منه. ويحتمل أن يريد ◌َ ر ليس له حق بملك، ولا انتفاع، ويكون المراد به في العيون والآبار، وذلك أن من حفر بئراً أو أنبط عيناً في ملك غيره، فإنه ليس له أن يملكه، وينتفع به، ولصاحب الملك أن يجبره على إعادته على ما كان عليه، أو يتملكه ويعطيه قيمة ما له قيمة بعد إزالته، وإذا كان لفظ الحق يحتمل الأمرين جاز أن يحمل عليهما على ما قال عروة بن الزبير وربيعة بن أبي عبد الرحمن، اهـ. (قال) مالك: (والعرق الظالم) هذا ظاهر في أن الرواية عنده بالتنوين (كل ما احتفر) بضم التاء وكسر الفاء أي حفر (أو أخذ أو غرس) ببناء المجهول فيهما (بغير حق) قال الباجي: قال عروة وربيعة: العروق أربعة: عرقان فوق الأرض، وهما البناء والغرس، وعرقان في جوفها، المياه والمعادن، وقال عروة: الباطنان، البئر والعين، قالا: فكل من عمل شيئاً من ذلك في حق غيره، فهو من ذلك، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٩/٤). (٢) ((فتح الباري)) (١٩/٥). (٣) ((المنتقى)) (٣٢/٦). ١١١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٥) باب (١٤٥٢ - ١٤٥٣) حديث ١٤٥٢/ ٢٧ - وحدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيِّنَةً فَهِيَ لَهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذُلِكَ، الْأَمْرُ عِنْدَنَا . (٢٥) باب القضاء في المياه ٢٨/١٤٥٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو وفي ((المغني))(١): قال هشام بن عروة في تفسير قوله: ((ليس لعرق ظالم حق)): الظالم أن يأتي الرجل الأرض الميتة لغيره فيغرس فيها، ذكره سعيد بن منصور في ((سننه))، اهـ. قلت: وأصل العرق أحد عروق الشجرة. ٢٧/١٤٥٢ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله عن أبيه) عبد الله بن عمر (أن عمر بن الخطاب قال) وقضى في زمان خلافته (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) أشار بذلك إلى أن العمل بما سبق ثابت في زمن الخلفاء الراشدين، وقد أخرج البخاري (٢) من طريق عروة عن عائشة عن النبي وَلّ قال: ((من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحَق))، قال عروة: قضى به عمر في خلافته، وبسط الحافظ في التخريج عن عمر - رضي الله عنه -. (قال مالك: وعلى ذلك الأمر) المعمول به (عندنا) بالمدينة المنوّرة. (٢٥) القضاء في المياه العامة التي لا يملكها أحد. ٢٨/١٤٥٣ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو) بفتح (١) (١٤٦/٨). (٢) ((صحيح البخاري)) باب من أحيا الموات من كتاب الحرث، (١٤٠/٣). ١١٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٥) باب (١٤٥٣) حديث ابْنِ حَزْم؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّ قَالَ، فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ وَمُذِئْنِبِ : العين (ابن حزم) بالزاي الأنصاري (أنه بلغه أن رسول الله بَّر قال) وفي نسخة قضى، قال ابن عبد البر: لا أعلمه يتصل بوجه من الوجوه مع أنه حديث مدني مشهور عند أهل المدينة، مستعمل عندهم، معروف معمول به، قال: وسُئِلَ البزار عنه فقال: لست أحفظ فيه بهذا اللفظ عن النبي وَل حديثاً يثبت. قال الزرقاني(١): وهو تقصير شديد من مثلهما، فله إسناد موصول عن عائشة عند الدارقطني في ((الغرائب)) والحاكم وصححاه، وأخرجه أبو داود وابن ماجه(٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، وإسناده حسن، وأخرج ابن ماجه(٣) نحوه من حديث ثعلبة بن أبي مالك القرظي، وقال البيهقي: إنه مرسل ثعلبة من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، اهـ. (في سيل) بالإضافة إلى (مهزور) بفتح وسكون الهاء وضم الزاي وسكون الواو آخره راء، قال في ((المحلى)): اسمُ وادٍ بني قريظة، كذا في ((النهاية))، سيل المهزور معرفاً باللام، قيل: هو خطأ؛ لأن الأول مضاف، والثاني علم، ووجه بأنه علم منقول من هزره إذا ضربه، فجاز إدخال اللام عليه، اهـ. وقد أخرج أبو داود بسنده إلى ثعلبة أن رجلاً من قريش كان له سهم في بني قريظة فخاصم رسول الله وَّل في سيل مهزور، يعني السيل الذي يقتسمون ماءه، الحدیث . (ومُذَينب) بضم الميم وفتح الذال المعجة وتحتية ساكنة ونون مكسورة وباء موحدة، هكذا ضبطه الزرقاني(٤)، وهو كذلك في جميع النسخ المصرية، (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠/٤). (٢) أخرجه أبو داود (٣٦٣٩)، وابن ماجه (٢٤٨٢). (٣) ((سنن ابن ماجه)) (٢٤٨١). (٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٠/٤). ١١٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٥) باب (١٤٥٣) حديث ((يُمْسَكُ حَتَّى الْكَعْبَيْنِ ووقع في النسخ الهندية مذينيب، وضبطه صاحب ((المحلى)) بالتحتيتين الساكنتين بينهما نون مكسورة، والصواب الأول، قال الحموي في ((معجم البلدان)) (١): مذينب بوزن تصغير المذنب، أصله مسيل الماء بحضيض الأرض بين تلعتين، وادٍ بالمدينة، وقيل: مذينب يسيل بماء المطر خاصة، ثم ذكر فيه حديث ((الموطأ)) هذا. قال الزرقاني: مهزور ومسيل واديان يسيلان بالمطر بالمدينة، يتنافس أهل المدينة في سيلهما، اهـ. وقال عبد الملك بن حبيب: مهزور ومذينب واديان من أودية المدينة يسيلان بالمطر، تتنافس أهل الحوائط في سيلهما، كذا في ((المغني)). (يمسك) أي سيلهما ببناء المفعول كما ضبط، ويحتمل بناء الفاعل على تنازع الفعلين أي يمسكه الأعلى والأقرب إلى الماء فيسقي زرعه (حتى الکعبین). قال الباجي(٢): اختلف أصحابنا في تأويل ذلك، فروى ابن حبيب، عن ابن وهب ومطرف وابن الماجشون يرسل صاحب الحائط الأعلى جميع الماء في حائطه، ويسقي به، حتى إذا بلغ الماء من قاعة الحائط إلى كعبي من يقوم فيه أغلق مدخل الماء، وقال ابن كنانة: بلغنا أنه إذا سقى بالسيل الزرع أمسك حتى يبلغ الماء شراك نعليه، وإذا سقى النخيل، والشجر، وماله أصلٌ حتى يبلغ الكعبين، وأحبّ إلينا أن يحبس في الزرع، والنخل، وماله أصلٌ، حتى يبلغ إلى الكعبين، لأنه أبلغ في الريّ. وفي ((المدنية)): عن عيسى عن ابن وهب أن الأول يسقي حتى يروى حائطه، ثم يمسك بعد ريّ حائطه فيما كان من الكعبين إلى أسفل، ثم يرسل، (١) (٩١/٥). (٢) ((المنتقى)) (٣٤/٦). ١١٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٥) باب (١٤٥٣) حديث ثُمَّ يُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ)». وروى محمد بن عيسى عن زياد بن عبد الرحمن، عن مالك أنه قال في تفسيره: أن يجري الأول من الماء في ساقيته إلى حائطه، قدر ما يكون الماء في الساقية إلى كعبيه، حتى يروى حائطه، أو يبقى الماء، فإذا روي حائطه أرسله كله، قال يحيى بن مزين: رواية زياد عن مالك أحسن ما فيه، اهـ. وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب شرب الأعلى إلى الكعبين))، وذكر فيه حديث قصة الزبير في شِرَاج الحَرَّةِ، وفيه: ((اسق ثم احبس حتى يرجع الماء إلى الجدر))، وفي آخره، قال الزهري: فقدرت الأنصار والناس قول النبي ◌َّ: ((حتى يرجع إلى الجدر))، وكان ذلك إلى الكعبين، الجدر هو الأصل، قال الحافظ(١): يعني أنهم لما رأوا أن الجدر يختلف بالطول والقصر قاسوا ما وقعت فيه القصة، فوجدوه يبلغ الكعبين فجعلوا ذلك معيار الاستحقاق. قال ابن التين: الجمهور على أن الحكم أن يمسك إلى الكعبين، وخَصَّه ابنُ كنانة بالنخل والشجر، قال: وأما الزرع فإلى الشراك، وقال الطبري: الأراضي مختلفة، فيمسك لكل أرض ما يكفيها لأن الذي في قصة الزبير واقعة عين، واختلف أصحاب مالك هل يرسل الأول بعد استيفائه جميع الماء، أو يرسل منه ما زاد على الكعبين، والأول أظهر، ومحله إذا لم يبق له به حاجة، اهـ. (ثم يرسل الأعلى) أي الذي هو الأقرب من مبدأ الماء (على الأسفل) الماء، قال الحافظ: المراد به من يكون مبدأ الماء من ناحيته، وقال بعض المتأخرين من الشافعية: المراد به من لم يتقدمه أحد في الغراس بطريق الإحياء، والذي يليه من أحيا بعده وهَلُمَّ جراً، قال: وظاهر الخبر أن الأول من يكون أقرب إلى مجرى الماء، وليس هو المراد، اهـ. قال العيني(٢): هذا ليس بشيء، لأنه إذا اعتبرنا هذا يضيع حق الأول، (١) (فتح الباري)) (٣٥/٥). (٢) ((عمدة القاري)) (٩/ ٧٠). ١١٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٥) باب (١٤٥٣) حديث وذلك؛ لأن الماء إذا نزل من علو فلم يسق الأول، حتى نزل إلى الأسفل وسقى به الأسفل، وبعد ذلك كيف يعود الماء إلى الأول لا سيما إذا كان الماء قليلاً، وانقطع بعد سقي الثاني، وقد صرح النووي في ((شرح مسلم)) بأن المراد بالأول الذي يلي الماء لا المحيي الأول، اهـ. وقال الموفق(١): لا يخلو الماء من حالين: إما أن يكون جارياً أو واقفاً، فإن كان جارياً فهو ضربان؛ أحدهما: أن يكون في نهر غير مملوك، وهو قسمان: أحدهما: أن يكون نهراً عظيماً، كالنيل والفرات ودجلة، وما أشبهها من الأنهار العظيمة، التي لا يستضر أحد بسقيه، فهذا لا تزاحم فيه، ولكل أحد أن يسقي منها ما شاء متى شاء كيف شاء. الثاني: أن يكون نهراً صغيراً يزدحم الناس فيه، ويتشاخُون في مائه، أو سيل يَتَشَاحُ فيه أهلُ الأرض الشاربة منه، فإنه يبدأ بمن في أول النهر، فيسقي، ويحبس الماء حتى يبلغ إلى الكعب، ثم يرسل إلى الذي يليه فيصنع كذلك، وعلى هذا إلى أن تنتهي الأراضي كلها، فإن لم يفضل عن الأول شيء أو عن الثاني أو عمن يليهم فلا شيء للباقين؛ لأنه ليس لهم إلا مافضل، فهم كالعصبة في الميراث، وهذا قول فقهاء المدينة ومالك والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفاً. والأصل فيه حديث قصة الزبير إلى آخر ما بسطه من أنواع المياه، وترجم محمد في ((موطئه)) (٢) على أثر الباب ((باب الصلح في الشرب وقسمة الماء))، وقال بعد أثر الباب: قال محمد: وبه نأخذ لأنه كان كذلك الصلح بينهم لكل قوم ما اصطلحوا وأسلموا عليه من عيونهم وسيولهم وأنهارهم وشربهم، اهـ. فتأمل. (١) («المغني)) (١٦٧/٨). سسـ (٢) (٣١٥/٣). ١١٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٥) باب (١٤٥٤) حديث ٢٩/١٤٥٤ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَج، ... عَنْ أَبِي هُرَيْرَة؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ: ((لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ ٢٩/١٤٥٤ - (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة النون، عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله وقل قال: لا يُمْنع) ببناء المجهول خبر بمعنى النهي، كما ضبطه الزرقاني، وحكى الحافظ عن عياض في البخاري برواية أبي ذر بالجزم، وفي ((المحلى)): النهي للتحريم عند مالك والشافعي والليث والأوزاعي، وقال غيرهم: هو من باب المعروف، اهـ. (فضل الماء) . قال الحافظ (١): المراد بالفضل ما زاد على الحاجة، ولأحمد لا يمنع فضل ماء بعد أن يستغنى عنه، وهو محمول عند الجمهور على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة، وكذلك في الموات إذا كان بقصد التملك، والصحيح عند الشافعية ونص عليه في القديم وحرملة أن الحافر يملك ماءها، وأما البئر المحفورة في الموات بقصد الارتفاق لا التملك، فإن الحافر لا يملك ماءها، بل يكون أحق به إلى أن يرتحل، وفي الصورتين يجب عليه بذل ما يفضل عن حاجته، والمراد حاجة نفسه وعياله وزرعه وماشيته، هذا هو الصحيح عند الشافعية. وخص المالكية هذا الحكم بالموات، وقالوا في البئر التي في الملك: لا يجب عليه بذل فضلها، وأما الماءُ المُحْرَزُ في الإناء فلا يجب بذل فضله لغير المضطر على الصحيح، اهـ. وقال الموفق(٢): إذا كان في الأرض بئر، أو عينٌ مُسْتَنْبطةٌ فنفس البئر، وأرض العين مملوكة لمالك الأرض، والماء الذي فيه غير مملوك، لأنه يجري (١) «فتح الباري)) (٣٢/٥). (٢) ((المغني)) (١٤٥/٦). ١١٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٥) باب (١٤٥٤) حديث لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلُ)). أخرجه البخاريّ في: ٤٢ - كتاب الشرب والمساقاة، ٢ - باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروي، ومسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، ٨ - باب تحريم بيع فضل الماء، حديث ٣٦. تحت الأرض إلى ملكه، فأشبه الماء الجاري في النهر إلى ملكه، وهذا أحدُ الوجهين لأصحاب الشافعي، والوجه الآخر يدخل في الملك؛ لأنه نماء الملك، وقد روي عن أحمد ما يدل على أنه يملك، واختاره أبو بكر. وفي معنى الماء المعادنُ الجاريةُ في الأملاك كالنفط والملح، وكذا الحكم في النابت في أرضه من الكلأ والشوك، ففي كل ذلك يُخَرَّجُ على الروايَتَيْن في الماء، والصحيح أن الماء لا يُمْلَكُ فكذلك هذه، قال أحمد: لا يعجبني بيع الماء ألبتة، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسْأَلُ عن قوم بينهم نهرٌ، لهذا يومٌ، ولهذا يومان، يتفقون عليه بالحصصٍ، فجاء يومي، ولا أحتاجُ إليه، أُكْريه بدراهم؟ قال: ما أدري، أمّا النبيُّ ◌َّ فنهى عن بيع الماء، قيل: إنه ليس يبيعهُ، إنما يكريه، قال: إنما احتالوا بهذا ليُحَسِّنُوه، فأيُّ شيء هذا إلا البيع، فإذا قلنا: لا يملك، فصاحب الأرض أحق به من غيره لكونه في ملكه، فإن دخل غيره بغير إذنه، فأخذه ملكه، لأنه مباح في الأصل، فأشبه ما لو عَشَّشَ في أرضه طائرٌ أو دخل في أرضه ظبيٍّ. وأما ما يحوزه من الماء في إنائه، أو يأخذه من الكلا في حبله، فإنه يملكه بذلك، وله بيعه بلا خلاف بين أهل العلم، فإن النبي وَ لّ قال: ((لأن يأخُذَ أحدكم حبلاً، فيأخذ حُزْمَةٌ من حطب، فيبيع فيكُفَّ اللّهُ به وجهَه خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطي أو منع)) (١)، قال أحمد: إنما نهى عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره، ويجوز بيع البئر نفسِها والعينٍ ومشتريها أحق بمائها، اهـ. (ليمنع) ببناء المجهول (به الكلأ) بفتح الكاف واللام بعدها همزة مقصورة (١) ((صحيح البخاري)) (٢٣٧٣)، ((وفتح الباري)) (٤٦/٥). ١١٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٥) باب (١٤٥٤) حديث اسم لجميع النبات، ثم الأخضر منه يسمى الرطب بضم الراء وسكون الطاء، واليابس منه يسمى حشيشاً، يقال: حشت يد فلان إذا يبست. قال الباجي(١): قال مالك في ((المجموعة)) و ((الواضحة)): معنى ذلك في آبار الماشية التي في الفلوات، لأنه إذا منع فضل الماء لم يرع ذلك الذي بذلك الوادي لعدم الماء، فصار منعاً للكلأ. وقال ابن القاسم وأشهب في ((كتاب ابن سحنون)): إن ذلك في الأرض ينزلها للرعي، لا للعمارة، فهم والناس في الرعي سواء، ولكن يبدءون بمائهم إذا ثبت ذلك، فإن بئر الماشية هي ما حفره الرجل في غير ملكه على ما عهده مما يحفره الرجل لماشيته في البراري وفيافي القفار. فهذه البئرُ إذا حُفِرَت، فإنما جرت العادة أن يحفر لشرب ماشيته، ويتصدق بما فضل من مائها، ويسيحه للناس، فاتفق مالك وأصحابه على أنه لا يمنع ما فضل عنه عن مائه. قال مالك في ((المدونة)): لا يباع بئر الماشية ما حفر منها في الجاهلية والإسلام، وإن حفرت في قرب. قال ابن القاسم: يريد قرب المنازل إذا كان احتفر للصدقة، وأهلها أحق بمائها، فإذا فضل عنهم فضل فالناس فيه أسوةٌ. قالوا: وأما من احتفر بئراً في أرضه ليبيع ماءها، أو لسقي ماشيته، ولم يحتفرها للصدقة، فلا بأس ببيعها، فتقرر منه أن ما احتفره في أرضه، فالظاهر أنها على الملك وإباحة البيع حتى يبين أنها للصدقة، وما احتفره في غير أرضه للماشية أو للشرب فقط، ولم يحفرها لإحياء زرع أو غرس، فالظاهر أنه احتفرها ليكون المقدم في منفعتها، وللناس فضلها، وعلى ذلك يحمل، وبهذا الحكم يحكم لها، فإذا قلنا بالمنع من بئر الماشية، فظاهر ((المدونة)) أنه على (١) ((المنتقى)) (٣٤/٦). ١١٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٥) باب (١٤٥٤) حديث الكراهية. وبه قال الشافعي، وظاهر ما في ((المجموعة)) التحريم، وهذا الذي حكاه القاضي أبو محمد، وقال ابن القاسم وأشهب وابن نافع عن مالك: أما بئر الماشية فمنع فضلها لا يجوز. وأما الكلأ فعلى ضربين: ضرب؛ في فيافي الأرض، وضرب؛ في العمارة، أما الأول، فقال مطرف: لا يجوز لأحد أن يمنعه غيره ، ولذا نهى النبي وَّل عن منع فضل الماء ليمنع به الكلأ، قال ابن القاسم في ((المجموعة)): إنما ذلك في الفيافي والقفار، فتقرر من ذلك أنه لا يحمى شيء من ذلك الكلأ، وأما ما كان منه في القرى ومواضع العمارة، فلا يخلو أن يكون لغير معين كمسارح القرى أو لمعين كأرض رجل بعينه. فأما ما كان لغير معين فمبنيٍّ على جواز قسمتها أو منع ذلك، فمن جَوّز قسمتها أجراها مجرى الملك المعين، ومن منع اقتسامها أجراها مجرى مسارح الفيافي، وقال ابن القاسم في ((المجموعة)): أما القرى والأرضون التي عرفها أهلها فلهم منع كلأها عند مالك إن احتاجوا إليها، وأما ما كان في أرض رجل معين، فلا يخلو أن يكون محظراً عليه أو لا، أما الأول؛ فقال عيسى بن دينار في ((المدنية)): له منعه وبيعه، وما لم يحظر عليه، فلا يجوز منعه إلا أن يحتاج إليه لماشيته ودابته، اهـ. وفي ((المحلى)): الكلأ بهمزة مقصورة هو النبات رطبة ويابسة، والمراد به ههنا النابت من الموات، فإن الناس فيه سواء عند الجمهور، وعند الحنفية النابت بنفسه من غير أن يزرعه أحد، ومذهب الشافعية جواز منع الكلأ النابت في أرضه المملوكة بالإحياء، وفيه خلاف عند المالكية، وصحح ابنُ العربي الجواز، اهـ وقال الحافظ(١): والمعنى أن يكون حول البئر كلا، ليس عنده ماء غيره، (١) ((فتح الباري)) (٣٢/٥). ١٢٠