النص المفهرس
صفحات 81-100
٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٦) حدیث أَنَّ امْرَأَةً هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَاعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرَاً. ثُمَّ تَزَوَّجَتْ حِينَ حَلَّتْ. فَمَكَثَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَنِصْفَ شَهْرٍ. ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَداً تَامًّا. فَجَاءَ زَوْجُهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَذَكَرَ ذُلِكَ لَهُ. عبد الله بن أبي أمية، ثم ترجم له، ورقم له لـ ((مسند أحمد))، فقال: عبد الله بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي. روى عن النبي ◌َّ﴿ وعن عمته أم سلمة، وعنه عروة، قال ابن أبي حاتم: له صحبة، وقال الطبري: أسلم مع أبيه، وقال الواقدي: حفظ عن النبي وَ ل# ومات وله ثمان سنين، ذكره ابن حبان في ((ثقات التابعين))، انتهى. وعلم منه أن ما حكى العلامة الزرقاني من قول الواقدي، ذكره الحافظ في ابنه، ففي هذه الثلاثة لا ريب في أنه ليس هو عبد الله بن أبي أمية المتوفى في الطائف، فإما هو عبد الله الأصغر، كما ذهب إليه الزرقاني، أو هو عبد الله بن عبد الله الذي ذكره صاحب ((التعجيل))، واختاره صاحب ((المحلى))، وهو المرجح عندي لما في رواية البيهقي برواية الليث عن ابن الهاد بهذا السند بلفظ عبد الله بن أبي أمية. (أن امرأة) لم أقف على اسمها (هلك) أي مات (عنها زوجها فاعتدت أربعة أشهر وعشراً) عدة الوفاة كاملة (ثم تزوجت) برجل آخر (حين حلّت) من عدة زوجها الأول المتوفى (فمكثت عند زوجها) الثاني (أربعة أشهر ونصف شهر) فصار من وفاة الزوج الأول قريباً من تسعة أشهر (ثم ولدت ولداً تاماً) كاملاً (فجاء زوجها) الثاني (إلى عمر بن الخطاب) أمير المؤمنين (فذكر له ذلك) يعني أنكر الحمل، فإن أقل مدة الحمل ستة أشهر عند الجمهور. قال الموفق(١): أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو قول مالك والشافعي (١) ((المغني)) (٢٣١/١١). ٨١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٦) حديث فَدَعَا عُمَرُ نِسْوَةً مِنْ نِسَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، قُدَمَاءَ. فَسَأَلَهُنَّ عَنْ ذُلِكَ. فَقَالَتِ امْرَأةٌ مِنْهُنَّ: أَنَا أُخْبِرُكَ عَنْ هُذِهِ الْمَرْأَةِ. هَلَكَ عَنْهَا زَوْجُهَا حِينَ حَمَلَتْ مِنْهُ. فَأَهْرِيقَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ. فَحَشَّ وأصحاب الرأي وغيرهم، انتهى. وسيأتي الكلام على مدة الحمل في أبواب الحدود، فكأن الزوج أراد أنه لو كان منه لكان سقطا ناقص الخلقة، فلما ولدت كاملاً، فقد كان من قبل النكاح، ولفظ البيهقي (١): فبلغ شأنها عمر بن الخطاب، فأرسل إلى المرأة، فسألها، فقالت: هو والله ولده، فسأل عمر - رضي الله عنه - عن المرأة، لم يخبر عنها إلا خيراً، ثم إنه أرسل إلى نساء الجاهلية فجمعهن. (فدعا عمر) - رضي الله عنه - (نسوة) بكسر النون (من نساء الجاهلية قدماء) بضم قاف وفتح دال وبالمد جمع قديمة أي نساء مسنات لما اعتقد من معرفتهن بمثل هذا، لما قد عهدن من الولادات، وتكرر عليهن من ذلك في طول العمر من المعتادة وغيرها (فسألهن) عمر - رضي الله عنه - (عن ذلك) الأمر ليعلم هل يصح خفاء الحمل على المرأة؟. (فقالت امرأة منهن: أنا أخبرك) يا أمير المؤمنين (عن) حال (هذه المرأة) ولفظ البيهقي: ((فقالت امرأة منهن لها: هل كنت تحيضين؟ قالت: نعم، قالت: متى عهدك بزوجك، قالت: قبل أن يموت، قالت: أنا أخبرك خبر هذه المرأة))، الحديث، وإطلاق الحيض عليه مجاز، والمراد الاستحاضة. (هلك عنها زوجها) الأول (حين حملت) منه، فإنه أصابها قبل أن يموت، كما أخبرت به في رواية البيهقي المذكورة (فأهريقت) أي صُبَّتْ بكثرة (عليه) أي على الحمل (الدماء) بالرفع نائب الفاعل (فَحَشَّ) بفتح الفاء وضم (١) ((السنن الكبرى)) (٤٤٤/٧). ٨٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٦) حديث وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا. فَلَمَّا أَصَابَهَا زَوْجُهَا الَّذِي نَكَحَهَا، وَأَصَابَ الْوَلَدَ الْمَاءُ، تَحَرَّكَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا. وَكَبِرَ. فَصَدَّقَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْكُمَا إِلَّا خَيْرٌ. الحاء المهملة وفتحها وشد الشين المعجمة، يبس، قال عيسى: معناه ضعف ورقٌ، وقال ابن كنانة من رواية ابن عيسى: أنحش، قال: وذلك مثل البضعة تلقى على الجمرة، فتنقبض، وذلك الانقباض هو الانحياش، كذا في (المنتقى))(١)، ولفظ محمد في ((موطئه)) (٢): فحشف ولدها في بطنها. (ولدها في بطنها) لعدم تغذيه بالدماء لخروجها (فلما أصابها) أي وطئها (زوجها) الثاني (الذي نكحها) بعد العدة (وأصاب الولد) بالنصب المفعول (الماء) فاعله (تحرك الولد في بطنها، وكبر) بكسر الموحدة أي كبر الولد الانتعاشه واغتذائه بمني الزوج الثاني، ولفظ البيهقي (٣): ((حتى إذا تزوجت، وأصابه الماء من زوجها انتعش وتحرك عند ذلك، فانقطع عنها الدم، فهي حين ولدت ولدته لتمام ستة أشهر، قالت النساء: صدقت هذا شأنها)). (فصدقها عمر بن الخطاب) أي قبل قول المرأة المذكورة من نساء الجاهلية (وفَرَّقَ بينهما) أي بين الزوجين؛ لأنه ثبت عنده أنه تزوجها في العدة والنكاح في العدة باطل إجماعاً (وقال عمر: أما) بتخفيف الميم وليس في النسخ الهندية لفظ ((أما)) (إنه لم يبلغني عنكما) أي عن الزوجين (إلا خيراً). قال الباجي(٤): إظهار لقبوله عذرهما، وأنه لا يظن بهما إلا الخير الذي بلغه عنهما، وأنه لو ظن بهما غير ذلك من تعد بجهل أو علم لما سلما من العقوبة. (١) ((المنتقى)) (١٠/٦). (٢) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٩٤/٢). (٣) ((السنن الكبرى)) (٤٢٢/٧). (٤) ((المنتقى)) (١١/٦). ٨٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٧) حديث وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأَوَّلِ. ٢٢/١٤٤٧ - وحدّثني مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ. (وألحق الولد) بالزوج (الأول) يعني ألحق نسبه به؛ لأنه لم يصحَّ أن يكون من الثاني، وصَحَّ أن يكون من الأول، قال محمد في ((موطئه))(١) بعد أثر الباب: وبهذا نأخذ، الولد ولد الأول؛ لأنها جاءت به عند الآخر لأقلّ من ستة أشهر، فلا تلد المرأة ولداً تاماً لأقل من ستة أشهر فهو ابن الأول، ويفرق بينها وبين الآخر، ولها المهر بما استحل من فرجها الأقل مما سمى لها ومن مهر مثلها، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا . قال الموفق(٢): إن ظهرت الريبة بعد قضاء عدتها والتزوج، فالنكاح صحيح؛ لأنه وجد بعد قضاء العدة ظاهراً، والحمل مع الريبة مشكوك فيه، ولا يزال به ما حكم بصحته، فإن وضعت الولد لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني، ووطئها، فنكاحه باطل؛ لأنه نكحها وهي حامل، وإن أتت به لأكثر من ذلك، فالولد لا حقٌ به ونکاحه صحیح، انتھی. ٢٢/١٤٤٧ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سليمان بن يسار) الهلالي المدني (أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (كان يليط) بضم الياء وكسر اللام أي يلصق ويلحق، قال الباجي(٣): الإلاطة الإلحاق، (أولاد الجاهلية) مفعول يليط (بمن ادعاهم في الإسلام) إذا لم يكن هناك فراش؛ لأن أكثر الجاهلية كانوا كذلك، وأما اليوم في الإسلام بعد أن أحكم الله شريعته فلا يلحق ولد الزنا بمدعيه عند أحد من العلماء، كان هناك فراش أم لا، قاله (١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٩٥/٢). (٢) ((المغني)) (٢٢١/١١). (٣) ((المنتقى)) (١١/٦). ٨٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٧) حديث أبو عمر، كذا في ((الزرقاني))(١). قلت: ويؤيد ما قال أكثر الجاهلية كانوا كذلك ما أخرجه البخاري وأبو داود من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، الحديث(٢)، فالثلاثة منها الزنا بواحاً، وكانوا يثبتون بها الأنساب. وقال الباجي: يريد أنه كان يلحقهم بهم، وينسبهم إليهم وإن كانوا لزنية، وروى عيسى عن ابن القاسم في جماعة يسلمون، فيستلحقون أولاداً من زنى، فإن كانوا أحراراً ولم يَدَّعِهم أحد لفراش، فهم أولادهم. وقد ألاط عمر - رضي الله عنه - من ولد في الجاهلية بمن ادّعاهم في الإسلام إلا أن يدعيه معهم سيد الأمة، أو زوج الحرة؛ لأنه ◌َّ قال: ((الولد للفراش)) ففراش الزوج والسيد أحق، قال: ومن ادّعى من النصارى الذين أسلموا أولاداً من الزنا، فليلاطوا بهم؛ لأنهم يستحِلُّون الزنا في دينهم، فجعل ذلك باستحلالهم. وروى ابن حبيب عن مالك من أسلم اليوم فاستلاط ولداً بزنا في شركه، فهو مثل حكم من أسلم في الجاهلية، وقال ابن الماجشون: لا يؤخذ بقولهم فيمن كان من ولادة الجاهلية والنصرانية انتهى. قلت: ولعل وجه ذلك أن أنكحة الكفار معتبرة عند الشرع، وإن لم تكن صحيحة ابتداء على قواعد الإسلام. قال الموفق(٣): أنكحة الكفار صحيحةٌ إذا أسلموا أو تحاكموا إلينا، إذا كانت المرأة ممن يجوز ابتداء نكاحها في الحال، ولا ينظر صفة عقدهم، ولا (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥/٤). (٢) أخرجه البخاري (٥١٢٧)، وأبو داود (٢٢٧٢). (٣) ((المغني)) (٥/١٠). ٨٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٧) حديث فَأَتَى رَجُلَانِ. كِلَاهُمَا يَدَّعِي وَلَدَ امْرَأَةٍ. يعتبر له شروط أنكحة المسلمين من الولي والشهود وصيغة الإيجاب والقبول وأشباه ذلك بلا خلاف بين المسلمين. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معاً أن لهما المقام على نكاحهما ما لم يكن بينهما نسب ولا رضاع، وقد أسلم خلق في عهد رسول الله وَ﴿، وأسلم نساؤهم، وأُقِرُّوا على أنكحتهم، ولم يسألهم رسول الله ﴿ عن شروط النكاح، وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة. ولكن ينظر في الحال، فإن كانت المرأة على صفة يجوز له ابتداء نكاحها أُقِرَّ، وإن كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحها كأحد المُحَرَّمات بالنسب أو المجوسية والوثنية وغير ذلك لم يُقَرَّ، فإن تزوجها في العدة، وأسلما بعد انقضائها أقرّ، لأنها يجوز ابتداء نكاحها، انتهى. (فأتى رجلان) عند عمر - رضي الله عنه - (كلاهما) أي كل واحد منهما (يدعي ولد امرأة) أنه ابنه، قال الباجي(١): يريد أنه أتى رجلان كل واحد منهما يَدَّعِي ولد امرأة أنه ولده، لما تقدم له مع أمه من الحال التي كان يلاط ولدها به، ولعل عمر - رضي الله عنه - قد فهم منها وجه ادّعاء كل واحد منهما له، أنه وجه أشكل به عليه الحكم في إفراد أحدهما به، وقد وجد من أحدهما وطؤها بعد الآخر قبل الاستبراء، وذلك يكون على ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون كل واحد منهما وطئ بنكاح، والثاني: أن يكون كل واحد منهما وطئ بزنا يلحق فيه النسب، انتهى. قلت: كذا في الأصل ولم يذكر الثالث، والظاهر عندي أن الذي ذكره الثاني هو الثالث، وترك الثاني، وهو ما إذا وطئ كل واحد منهما بملك يمين . (١) ((المنتقى)) (١٢/٦). ٨٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٧) حديث فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَائِفاً. فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا . (فدعا عمر) - رضي الله عنه - (قائفاً) بالقاف فالفاء، هو الذي يتبع آثار الآباء في الأبناء وغيرها، من قَافَ أثره يقوفه مقلوب قفا أثره، كذا في ((المحلى)) (فنظر) القائف (إليهما) أي إلى الوالد والولد، وقال الباجي: يريد أنه نظر إليهما وإلى الولد، ويحتمل أن يكون عمر - رضي الله عنه - اقتصر على القائف الواحد لما لم يجد غيره، ويحتمل أنه اقتصر عليه لتحقق جواز الحكم، وقد روى ابن حبيب عن مالك أنه يجزئ القائف الواحد إذا كان عدلاً، ولم يوجد غيره، وهو قول الشافعي، وعليه جماعة أصحابنا إلا ما روى أشهب عن مالك أنه لا يجزئ إلا قائفان، وبه قال عيسى بن دينار، انتهى. وفي ((المحلى)) عن النووي: يشترط العدالة في القائف عند القائلين به، ويشترط العدد أيضاً عند مالك لا عند الشافعي، وهو قول ابن القاسم، انتهى. وقال الموفق(١) في بحث اللقيط: وهل يقبل قول واحد، أو لا يقبل إلا قول اثنين؟ فظاهر كلام أحمد أنه لا يقبل إلا قول اثنين، فإن الأثرم روى عنه أنه قيل له: إذا قال أحد القافة: هو لهذا، وقال الآخر: هو لهذا، قال: لا يقبل قول واحد حتى يجتمع اثنان فيكونان شاهدين، فإذا شهد اثنان من القافة أنه لهذا، فهو لهذا؛ لأنه قول يثبت به النسب، فأشبه الشهادة، وقال القاضي: يقبل قول الواحد؛ لأنه حكم، ويقبل في الحكم قول الواحد. وحمل كلام أحمد على ما إذا تعارض قول القائفين، فقال: إذا خالف القائف غيره تعارضا، وسقطا، فإن قال اثنان قولاً، وخالفهما واحد، فقولهما أولى؛ لأنهما شاهدان، فقولهما أقوى من قول واحد، وإن عارض قول اثنين قول اثنين سقط قول الجميع، وإن عارض قول الاثنين ثلاثة أو أكثر لم يرجح، وسقط الجميع، كما لو كانت إحدى البينتين اثنين والأخرى ثلاثة فأكثر، فأما (١) ((المغني)) (٣٦٦/٨). ٨٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٧) حدیث فَقَالَ الْقَائِفُ: لَقَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ. فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطابِ بِالدِّرَّةِ. ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ فَقَالَ: أَخْبِرِينِي خَبَرَك فَقَالَتْ: كَانَ هُذَا، لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، يَأْتِيْنِي. وَهِيَ فِي إِبِلِ لِأَهْلِهَا. فَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى يَظُنَّ وَتَظُنَّ إن ألحقته القافة بواحد، ثم جاءت قافة أخرى فألحقته بآخر، كان لاحقاً بالأول؛ لأن القائف جرى مجرى حكم الحاكم، ومتى حكم الحاكم حكماً لم ينتقض بمخالفة غيره له، انتهى. (فقال القائف: لقد اشتركا) أي المدعيان (فيه) أي في الولد يريد أنه من واطئين لكل واحد منهما فيه نصيب وتأثير، ولعله كان ذلك لما رآى فيه من شبه كل واحد منهما (فضربه) أي القائف (عمر بن الخطاب بالدِرَّة) بكسر الدال وتشديد الراء المهملتين آلة الضرب معروفة. قال الباجي(١): لعل عمر - رضي الله عنه - فعل ذلك به لما رآى فيه من العجلة، واعتقد فيه من التقصير عن النظر الذي يلحقه بأحدهما، انتهى. وقال الزرقاني(٢): ضربه عمر - رضي الله عنه - لأنه كان يظن أن ماءين لا يجتمعان في ماء واحد استدلالاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَى﴾ ولم يقل من ذكرين، لا لأنه لم ير قوله شيئاً، كما زعمه بعض من لا يرى القافة، انتهى. (ثم دعا) عمر - رضي الله عنه - (المرأة فقال لها: أخبريني خبرك) على معنى الاجتهاد في طلب الحق، لعله أن يجد في قولها ما يُقَوِّي الحقَ عنده، أو ما يَتَسَبَّبُ به إلى معرفة الحق (فقالت: كان هذا) تُشِيْر (الأحد الرجلين) من المدَّعيين (يأتيني) أي يُجَامِعُني (وهي) فيه التفات، والأصل وأنا (في إبل لأهلها، فلا يفارقها) أي لم يترك الجماع (حتى يظن) الرجل (وتظن) المرأة (١) ((المنتقى)) (١٤/٦). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٥/٤). ٨٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٧) حديث أَنَّهُ قَدِ اسْتَمَرَّ بِهَا حَبَلٌ. ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا. فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاءٌ. ثُمَّ خَلَّفَ عَلَيْهَا هُذَا، تَعْنِي الآخَرَ، فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ؟ قَالَ فَكَبَّرَ الْقَائِفُ. فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ: وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ. أيضاً على ما في النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية بلفظ ((أو تظن)) فهو من شك الراوي. (أنه قد استمر بها) أي ثبت بها (حبل) بفتح الحاء المهملة والموحدة أي حمل (ثم انصرف) الرجل (عنها) بعد ما حملت به (فأهريقت) بضم الهمزة (عليه) أي على الحمل (دماء) بصيغة الجمع في أكثر النسخ، وفي بعضها دماً بالإفراد على النصب، فنائب الفاعل ضمير هي في أهريقت. (ثم خَلَّفَ) بتشديد اللام (عليها) أي على المرأة (هذا) فاعل خلف (تعني) وتشير بلفظ هذا إلى الرجل (الآخر) منهما، قالت: (فلا أدري من أيّهما هو؟) أي الولد، فإن حمل الأول قد استمرّ، لكن أهريقت دماً، فجامعها الآخر. قال الباجي(١): تريد أنه أشكل عليها أيضاً الأمر؛ لأنها لعلها لم تر الدم مدة حيضة كاملة يقع بها الاستبراء، وإنما رأته دفعة، ولذلك لم تقل: إنها حاضت، وإنما قالت: إنها رأت الدم الذي يكون به استبراء، ويحتمل أن يكون ذلك حكم بغايا الجاهلية؛ لأنه لم(٢) يستبرأ الوطء الأول ولا الثاني إلى نكاح ولا ملك يمين، وأما في الإسلام فإذا وطئ الثاني بعد حيضة كاملة، وأتت به لستة أشهر، فهو له دون الأول؛ لأن ذلك مسند إلى ملك اليمين، انتهى. (قال) سليمان الراوي: (فَكَبَّر القائف) سروراً بظهور صحة قيافته (فقال عمر للغلام: وال) بصيغة الأمر من الموالاة (أيهما) من الرجلين (شئت) قال الباجي: يقتضي أن الغلام ممن يصح منه أن يختار ويميز، ويكون له قصد، (١) ((المنتقى)) (١٤/٦). (٢) كذا في الأصل والظاهر لم يسند. اهـ. ((ش)). ٨٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٧) حديث قال ابن حبيب: وكذلك قال ابن القاسم، ورواه عن مالك في الأمة تأتي بولد من وطء الشريكين، فيقول القائف: قد اشتركا فيه فليوالِ أيّهما شاء، وروى ابن حبيب عن مطرف، بل يقال للقافة: ألحقوه بأصحهما به شبهاً، ولا يترك وموالاة من أحبّ، قال سحنون: وقال لي غير ابن القاسم: إنه ليس له موالاة أحدهما بل يبقى ابنا لهما، وجه القول الأول ما روي عن عمر - رضي الله عنه -، أنه قال: والٍ من شئت، ومثل هذه القضية مما يشيع وينتشر، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فثبت أنه إجماعٌ. ووجه قول مطرف أنه قد اشترك فيه اثنان، فيلحق بأقواهما شبهاً به في المعاني التي توجب الإلحاق، فيغلب ذلك، وأما التخيير، فإن الأنساب لا تثبت به، ولا تأثير له فيها، وجه القول الثالث أن النسب أصله وحقيقته يكون مخلوقاً من مائه، فلما ظهر لنا أنه مخلوق من مائهما وجب أن يكون ابناً لهما، فإذا قلنا: يوالي من شاء، فمتى يكون له ذلك، روى ابنُ القاسم عن مالك أن ذلك إذا بلغ، وقال أصبغ: إن ذلك له إذا عقل، وإن لم يبلغ الحلم، ثم إن بلغ، وقال: لا أوالي واحداً منهم، فقال سحنون: ذلك له، ويكون ابناً لهما، انتھی. وفي ((المحلى)): فيه دليل على اعتبار القائف في الأنساب، وأن له مدخلاً في إثباتها، وعلى أنه لو ألحقه بهما يترك، فينسب إلى من يميل منهما، أما الأول، فقال به الأئمة الثلاثة غير أبي حنيفة، وأما الثاني فأخذ به مالك، وقال الشافعي: يبطل قولهم إذا ألحقوه بهما، وقال أبو ثور وسحنون: يكون ابناً لهما، وقال ابن الماجشون ومحمد بن مسلمة المالكيان: يلحق بأكثرهما شبهاً، واتفق القائلون على أنه إنما يكون فيما أشكل من وطئين محرمين، كالمشتري والبائع يطآن الجارية المبيعة في طهر قبل الاستبراء من الأول، فتأتي بولد لستة أشهر، فصاعداً من وطء الثاني، ولِدُوْنَ أربع سنين من وطء الأول، ولم يعتبره أبو حنيفة والثوري وإسحاق. : ٩٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٧) حديث ثم اختلفوا فقال أبو حنيفة: يلحق الولد بهم جميعاً، ولو كان المتنازعان امرأتين، وقال أبو يوسف: يلحق برجلين لا بأكثر ولا بامرأتين، وقال إسحاق: يقرع بينهم، واستدل لأبي حنيفة الطحاويُّ بما رواه عن سماك عن مولى لآل مخزوم: وقع رجلان على جارية في طهر، فعلقت الجارية، فلا يدرى من أيهما هو، فأتيا علياً، فقال: هو بينكما يرثكما، وهو للباقي منكما، وروى عبد الرزاق من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن علي نحوه، وضعفه البيهقي بأن في الرواية الأولى مجهولاً، وفي الثاني قابوساً، وهو غير محتج به، قال: وقد روي عن علي - رضي الله عنه - خلافه . ثم أخرج عن زيد بن أرقم قال: أوتي علي - رضي الله عنه - وهو باليمن ثلاثةً وقعوا على امرأة في طهر واحد، فسأل اثنين أتُّقِّرَان لهذا بالولد؟ فقالا : لا، حتى سألهم جميعاً، فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي صارت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، قال: فذكر ذلك للنبي وَّ، فضحك حتى بدت نواجذه، وهو في السنن الأربعة إلا الترمذي، وهو عند الحاكم مصححاً، قال: وزاد ابن عيينة، فقال النبي ◌َّير: لا أعلم فيها إلا ما قال علي رضي الله عنه، انتهى. وحديث علي هذا أخرجه أبو داود (١)، وأجاب عنه الشيخ في ((البذل))(٢) بوجوه. وقال الموفق(٣): إذا ادّعاه اثنان فألحقته القافة بهما لحق بهما، وكان ابنهما يرثهما ميراث ابن، ويرثانه جميعاً ميراث أب واحد، وهذا يروى عن عمر وعلي وهو قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي: يلحق بهما بمجرد الدعوى، وقال الشافعي: لا يلحق بأكثر من واحد، فإذا ألحقته بهما سقط (١) أخرجه أبو داود (٢٢٧٠). (٢) ((بذل المجهود)) (٤٣٤/١٠). (٣) («المغني)) (٣٧٧/٨). ٩١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٧) حدیث قولهما، ولم يحكم لهما، واحتج برواية عمر - رضي الله عنه - أن القافة قالت: قد اشتركا فيه، فقال عمر - رضي الله عنه -: والٍ من شئت، ولأنه لا يتصور كونه من رجلين، فإذا ألحقته القافة بهما تبيّن كذبهما، فسقط قولهما . ولنا، ما روى سعيد في ((سننه)) عن عمر - رضي الله عنه - في امرأة وطئها رجلان في طهر، فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعاً، فجعله بينهما، وبإسناده عن الشعبي قال: وعلي يقول: هو ابنهما. وهما أبواه، يرثهما، ويرثانه، ورواه الزبير بن بكّار بإسناده عن عمر، وقال أحمد: حديث قتادة عن سعيد عن عمر جعله بينهما، وقابوس عن أبيه عن علي جعله بينهما، وما ذكروه عن عمر - رضي الله عنه - لا نعلم صحته، وإن صَحَّ فيحتمل أنه ترك قول القافة لأمر آخر، إما لعدم ثقتهما، وإما لأنه ظهر له من قولهما، واختلافه ما یوجب ترکه. قال أحمد: إذا ألحقته القافة بهما ورثهما، وورثاه، فإن مات أحدهما فهو للباقي منهما، ونسبه من الأول قائم، ومعنى قوله: هو للباقي منهما أنه يرثه ميراث أب كامل، كما أن الزوجة تأخذ وحدها ما يأخذه جميع الزوجات. فإن ادّعاه أكثر من اثنين، فألحقته بهم القافة، فنص أحمد في رواية مُهنّا أنه يلحق بثلاثة، ومقتضاه أنه يلحق بمن ألحقته القافة، وإن كثروا، وقال أبو عبد الله بن حامد: لا يلحق بأكثر من اثنين، وهو قول أبي يوسف؛ لأَنَّاصِرْنا إلى ذلك للأثر، فَيَقْتصر عليه، وقال القاضي: لا يلحق بأكثر من ثلاثة، وهو قول محمد بن الحسن، وروي ذلك عن أبي يوسف أيضاً، ولنا، أن المعنى الذي لأجله لحق باثنين موجود فيما زاد عليه فيقاس عليه، انتهى. وفي ((الشرح الكبير)) (١) لابن قدامة: إذا ادّعاه أكثر من واحد، وأري (١) (٤١٠/٦). ٩٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٧) حديث القافة، فنفته عنهم، أو لم يوجد قافة، أو تعارضت أقوالهم، أو لم يوجد من يوثق بقوله، ضاع نسبه في أحد الوجهين، وهو قول أبي بكر، وقال ابن حامد: نتركه حتى يبلغ فينتسب إلى من شاء، قال القاضي: وقد أومأ إليه أحمد في رجلين وقعا على امرأة في طهر واحد، إلى أن الابن يُخَيَّرُ أيهما أحبّ، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: حتى يميز لقول عمر - رضي الله عنه -: والٍ أيّهما شئت، ولأن الإنسان يميل طبعه إلى قريبه دون غيره، ولأن مجهول النسب أَقَرَّ به من هو من أهل الإقرار، فثبت نسبه كما لو انفرد. وقال أصحاب الرأي: يلحق بالمدّعيين بمجرد الدعوى؛ لأن كل واحد منهم لو انفرد سمعت دعواه، فإذا اجتمعا، وأمكن العمل بهما وجب، ولنا، أن دعواهما تعارضت، ولا حجة لواحدٍ منهما، فلم يثبت، انتهى. ومعنى قول أصحاب الرأي: يلحق بمجرد الدعوى أنه إذا لم تكن بينة لأحد، أو تعارضت البينتان، وسقطا فلا عبرة لقول القافة عندهم، فيلحق بالمُدَّعيين جميعاً؛ لأن الحكم بالقافة مبنيٍّ على مجرد الشبه، والظن، والتخمين، والشبه قد يوجد بين الأجانب، وينتفي بين الأقارب، ولذا روي عن النبي ◌َ ﴾ ((أن رجلاً أتاه، فقال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حُمْرٌ، قال: فهل فيها من أورقَ؟ قال: نعم، قال: أَنَّى أتاها ذلك؟ قال: لعل عِرقاً نزع، قال: وهذا لعل عرقاً نزع))، متفق عليه(١)، قالوا: ولو كان الشبه كافياً لاكتفى به في ولد الملاعنة، وفيما إذا أقَرَّ به أحد الورثة، وأنكره الآخرون، كذا في ((المغني))(٢). (١) أخرجه البخاري (٧٣١٤)، ومسلم (١١٣٧/٢)، (١٥٠٠). (٢) (٣٧١/٨). ٩٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٨) حدیث ٢٣/١٤٤٨ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب، أَوْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، قَضَى أَحَدُهُمَا فِي امْرَأَةٍ غَرَّتْ رَجُلًا بِنَفْسِهَا . وَذَكَرَتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَزَوَّجَهَا. فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَاداً. فَقَضَى أَنْ يُفْدَى وَلَدُهُ بِمِثْلِهِمْ. قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: وَالْقِيمَةُ أَعْدَلُ فِي هُذَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ٢٣/١٤٤٨ - (مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان) شك من الراوي، والأثر روي عنهما معاً كما سيأتي، وهكذا بالشك أخرجه البيهقي برواية الشافعي عن مالك أنه بلغه أن عمر أو عثمان - رضي الله عنهما -، الحديث (قضى أحدهما) أي من عمر وعثمان (في امرأة غرت رجلاً بنفسها) ثم فسر تغريرها بقوله: (وذكرت أنها حرة) والحال أنها كانت أمة (فتزوّجها) الرجلُ، ثقةً بقولها: إنها حرة، وليس في النسخ الهندية لفظ ((فتزوجها))، والظاهر أنه سقوط من الكاتب (فولدت له أولاداً) ثم استحقت وثبت أنها أمة. (فقضى) أحد المذكورين - رضي الله عنهما - (أن يفدى) ببناء المجهول من التفدية (ولده) أي أولاده المذكورة (بمثلهم) قال أبو عمر: قد روي ذلك عن عمر - رضي الله عنه - وعثمان جميعاً، وولد المغرور حُرٌّ عند الجمهور، وقال أبو ثور وداود: رقيق، ولا قيمة فيهم على أحد، قال الطحاوي: وهو القياس، لكنهم تركوه لاتفاق الصحابة على أنهم أحرارٌ وعلى الأب قيمتهم، كذا في ((الزرقاني))(١). (قال مالك: والقيمة) أي وجوبها (في هذا) الذي ذكر من صورة المسألة (أعدل) أي أقرب إلى العدل من وجوب المثل (إن شاء الله تعالى) قال الزرقاني: وعليه اعتمد أهل مذهبه، وقد قال مرة: عليه المثل ثم رجع، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥/٤). ٩٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٨) حديث قال الباجي(١): إذا ثبت أنه تزوجها على الحرية، فاستحقت بالرق، فلسيدها أخذها وقيمة ولدها، وهو معنى ما قضى به عمر أو عثمان إذ قال: قضى أن يفدي بمثلهم، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي، وقال أبو ثور: الولد رقيق، ولا قيمة فيهم، وقد اختلف قول مالك فيمن أتلف شيئاً من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن، فقال مرة: في ذلك المثل، ثم قال: القيمة، والقيمة أعدل، والقول الذي يعتمد عليه من مذهب مالك أن في ذلك كله القيمة، وإنما المثل فيما يكال أو يوزن، ولما كان هذا الولد من الحيوان كانت القيمة عنده أعدل، انتهى مختصراً . وقال الخرقي: وإذا تَزَوَّجَ الأمة على أنها حرة، فأصابها، وولدت منه، فالولد حر، وعليه أن يَفْدِيَهُمْ، والمهرُ المُسَمَّى، ويرجِعُ به على من غَرَّهَ، ويُفَرَّقُ بينهما إن لم يكن ممن يجوز له أن ينكح الإماءَ، وإن كان ممن يجوز له أن ينكحَ فرضِي بالمقام، فما وَلَدَتْ بعد الرضاء فهو رقيقٌ. قال الموفق(٢): وفي المسألة فصول ستة: أحدها: أن النكاح لا يفسد بالغُرُورِ، وهو قول أبي حنيفة، وقال الشافعي في أحد قوليه: إنه يفسُدُ لأنه عقد على حرةٍ ولم يُؤْجَدْ، فأشبه ما لو قال: بعتُك هذا الفرس، فإذا هو حمار، ولنا: أن المعقود عليه في النكاح الشخص دون الصفات فلا يُؤَثِّرُ عَدَمُها في صِحَّتِه، كما لو قال: زوجتك هذه البيضاءَ، فإذا هي سوداءُ. ثانيها: أن أولاده منها أحرارٌ بغير خلاف نعلمه؛ لأنه اعتقد حريتها، فكان أولاده أحراراً لاعتقاده ما يقتضي حريتهم. ثالثها: أن على الزوج فداءُ أولاده، كذلك قضى عمر - رضي الله عنه - (١) ((المنتقى)) (١٥/٦). (٢) ((المغني)) (٤٤٠/٩ - ٤٤٣). ٩٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢١) باب (١٤٤٨) حديث وعلي وابن عباس، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وعن أحمد رواية أخرى ليس عليه فداؤهم؛ لأن الوَلَدَ ينعقدُ حُرَّ الأصلِ، فلم يَضْمَنْه لسيِّدِ الأمة؛ لأنه لم يملكهُ، وعنه أنه يقال له: افتدِ أولادَك، وإلّا فهم يتبعُون أمَّهم، فظاهره أنه خَيَّرهم في فدائهم، وتركهم رقيقاً، وقال الخلال: اتفق عن أبي عبد الله أنه يفدي ولدَه، وهو الصحيح لقضاء الصحابة - رضي الله عنهم - به . وفي فِدائِهم ثلاثُ مسائل، الأولى: في وقته، وذلك حين وَضْعِ الولد، قضى بذلك عمرُ وعلي وابن عباس، وهو قول الشافعي، وقال أبو ثور والثوري وأصحاب الرأي: يضمنهم بقيمتهم يوم الخصومة. الثانية: في صفة الفداء، وفيها ثلاث روايات: إحداهن: بقيمتِهم، وهو قول أكثر الفقهاء، الثانية: يَضْمَنُهُمْ بمثلهم عبيداً، الذَّكَرُ بذكَرٍ، والأنثى بأنثى، لما روى ابنُ المسيب، قال: أَبْقَتْ جاريةٌ لرجلٍ من العرب، وانتمَتْ إلى بعض العرب فتزوجها رجلٌ من بني عُذْرةَ، ثم إنَّ سَيِّدَها دَبَّ، فاستاقَها، واستاق وَلَدَها، فاختصموا إلى عمر - رضي الله عنه -، فقضى لِلْعُذْرِيّ بفداءٍ ولدهِ بِغُرّةٍ غُرّةٍ، مكانَ كل غلامِ بِغُلَام، ومكانَ كل جارية بجاريةٍ. الثالثة: هو مُخَيَّرٌ بين فِدائِهم بمثلهم أو قيمتهم، قال أحمدُ في رواية الميموني: إما القِيمةُ أو رأْسٌ برأسٍ؛ لأنهما جميعاً يُرْويَانِ عن عمر - رضي الله عنه -، ولكن لا أدري أيّ الإسنادين أقوى، وهذا اختيارُ أبي بكر، والصحيح أنه يُضْمَنُ بالقيمةِ كسائر المضمونات المُتَقَوَّمَاتِ، وقولُ عمر - رضي الله عنه - اختلف عنه فيه، وإذا تعارضت الروايات عنه وجب الرجوع إلى القياس. الثالثة(١): في من يضمن منهم؛ وهو من وُلِد حياً، لوقتٍ يعيش لمثله، سواء عاش أو مات بعد ذلك، وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي: لا (١) المسألة الثالثة. ٩٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٢) باب (٢٢) باب القضاء في ميراث الولد المستلحق قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ وَلَّهُ بَنُونَ . ضمان على الأب لمن مات منهم قبل الخصومة، وهذا مبنيٌّ على وقت الضمان، وقد تقدم، وأما السقطُ، ومن وُلِد لوقت لا يعيشُ في مثله، وهو دون ستة أشهر فلا ضمان له، انتھی. وفي ((الهداية))(١): ولد المغرور حُرٌّ بالقيمة بإجماع الصحابة، قال الزيلعي(٢): غريب، وروى ابن أبي شيبة بسنده عن علي في رجل اشترى جارية، فولدت منه أولاداً، ثم أقام رجل البينةَ أنها له، قالَ: تُرَدُّ عليه، ويُقَوَّمُ عليه وَلَدُها، فيغرم الذي باعها ما غررها، وعن سليمان بن يسار: أن أمة أتت قوماً، فَغَرَّتْهم، وزعمت أنها حرة فتزوجها رجل، فولدت له أولاداً فوجدوها أمة، فقضى عمر - رضي الله عنه - بقيمة أولادها. في كل مغرور غرةً، وعن خلاس: أن أمة أتت طيئاً فزعمت أنها حرة، فتزوجها رجل، ثم إن سيدها ظهر عليها، فقضى عثمان أنها وأولادها لسيدها، وجعل لزوجها ما أدرك من متاعه، وجعل فيهم السنّة في كل رأس رأسين، انتهى. (٢٢) القضاء في ميراث الولد المستلحق ببناء المجهول من الاستلحاق. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا في الرجل) كذا في المصرية(٣) وفي الهندية بدله ((أن الرجل))، والأوجه الأول، (يهلك) بكسر اللام أي يموت (وله بنون) (١) (٢ / ١٧٧). (٢) ((نصب الراية)) (٤/ ١١٠). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (١٩٦/٢٢). ٩٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٢) باب فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: قَدْ أَقَرَّ أَبِي أَنَّ فُلَاناً ابْنُهُ: إِنَّ ذُلِكَ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ. وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُ الَّذِي أَقَرَّ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ مَالِ أَبِيهِ. يُعْطَى الَّذِي شَهِدَ لَهُ قَدْرَ مَا يُصِيبُهُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ ذُلِكَ، أَنْ يَهْلِكَ الرَّجُلُ وَيَتْرُكَ ابْنَيْنِ لَهُ، وَيَتْرُكَ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ. فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ. ثُمَّ يَشْهَدُ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبَاهُ الْهَالِكَ أَقَرَّ أَنَّ فُلَاناً ابْنُهُ. فَيَكُونُ عَلَى الَّذِي شَهِدَ، لِلَّذِي اسْتُلْحِقَ، مِائَةُ دِينَارٍ. وَذُلِكَ نِصْفُ مِيرَاثِ الْمُسْتَلْحَقِ. لَوْ لَحِقَ. عديدة (فيقول أحدهم) أي أحد البنين وهو زيد مثلاً (قد أقرّ) أي اعترف (أبي أن فلاناً) أي عمراً مثلاً (ابنه) فقال مالك: (إن ذلك النسب لا يثبت بشهادة إنسان واحد) بل لا بد لثبوت النسب من شهادة اثنين فأكثر، كما تقدم في أول القضاء باليمين مع الشاهد (ولا يجوز إقرار) زيد (الذي أقرّ) بأخوة عمرو (إلا على نفسه في حصته) خاصة التي حصلت له (من مال أبيه) وعلى هذا (يعطي) زيد (الذي شهد له) أي عمراً مفعول يعطي (قدر ما يصيبه) أي عمراً (من المال الذي بيده) أي بید زید. (قال مالك: وتفسير ذلك) أي توضيح المسألة المذكورة بالمثال (أن يهلك الرجل ويترك ابنين) اثنين (له ويترك ستمائة دينار) مثلاً (فيأخذ كل واحد منهما) أي من الابنين (ثلاثمائة دينار) على السواء (ثم يشهد) أي يُقِرُّ (أحدهما) أي أحد الابنين المذكورين، وهو زيد في مثالنا المذكور قبل (بأن أباه الهالك) أي الميت قد كان (أقرّ) في حياته (أن فلاناً) أي عمراً أيضاً (ابنه) وعلى هذا (فيكون على الذي شهد) أي على زيد (للذي استلحق) ببناء المجهول أي لعمرو (مائة دينار) يعطيه زيد خاصة (وذلك) المقدار (نصف ميراث المستلحق) ببناء المجهول (لو لحق) يعني لو ثبت نسبه لكان له مائتا دينار؛ لأن البنين صاروا ٩٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٢) باب وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ الآخَرُ أَخَذَ الْمِائَةَ الْأُخْرَى. فَاسْتَكْمَلَ حَقَّهُ وَثَبَتَ نَسَبُهُ. ثلاثة إذ ذاك، والتركة كانت ستمائة دينار، فيكون نصيب كل واحد من البنين الثلاثة مائتين مائتين. (ولو أقر له) أي لعمرو الابن (الآخر) أيضاً (أخذ) عمرو (المائة الأخرى) من حصة الابن الثاني أيضاً (فاستكمل) عمرو (حقه) كاملاً وهو المائتان (وثبت نسبه) لشهادة الاثنين بشرط كونهما عدولاً . قال الزرقاني(١): ووافقه على هذا ابن حنبل، وقال ابن كنانة والكوفيون: يلزمه أن يعطيه نصف ما بيده؛ لأنه أقرّ أنه شريكه، فلا يستأثر عليه بشيء، وقال الليث والشافعي: لا يلزمه شيء؛ لأنه أَقَرَّ له بما لا يستحقه إلا من جهة النسب، وهو لا يثبت بواحد، اهـ. وقال الخرقي: وإذا مات، وخلف ابنين، فأقرّ أحدهما بأخ، فله ثلث ما في يده، وإن أقرّ بأخت فلها خمس ما في يده، قال الموفق(٢): إذا أقَرَّ بعض الورثة لمشاركٍ في الميراث، فلم يثبت نسبه، لزم المقرَّ أن يدفع إليه فضلَ ما في يده عن ميراثه، وهذا قول مالك والأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وشريكٍ ويحيى بن آدم ووكيع وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وأهل البصرة، وقال النخعي وحماد وأبو حنيفة وأصحابه: يقاسمه ما في يده؛ لأنه يقول: أنا وأنت سواء في ميراث أبينا، وكان ما أخذه المنكر تلف أو أخذته يد عادية فيستوي فيما بقي، وقال الشافعي وداود: لا يلزمه في الظاهر دفع شيء إليه، وهل يلزمه فيما بينه وبين الله؟ على قولين؛ أصحهما: لا يلزمه؛ لأنه لا يرث من لا يلزمه نسبه، وعلى القول الذي يلزمه دفع شيء إليه، ففي قدره وجهان كالمذهبين المتقدمين، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦/٤). (٢) ((المغني)) (١٩٦/٧). ٩٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٢) باب وَهُوَ أَيْضاً بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ تُقِرُّ بِالذَّيْنِ عَلَى أَبِيهَا أَوْ عَلَى زَوْجِهَا. وَيُنْكِرُ ذُلِكَ الْوَرَثَةُ. فَعَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ إِلَى الَّذِي أَقَرَّتْ لَهُ بِالدَّيْنِ قَدْرَ الَّذِي يُصِيبُهَا مِنْ ذُلِكَ الدَّيْنِ. لَوْ ثَبَتَ عَلَى الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ. إِنْ كَانَتِ امْرَأَةً وَرِثَتِ الثُّمُنَ، دَفَعَتْ إِلَى الْغَرِيمِ ثُمُنَ دَيْنِهِ. وَإِنْ كَانَتِ ابْنَةً وَرِثَتِ النِّصْفَ، دَفَعَتْ إِلَى الْغَرِيمِ نِصْفَ دَيْنِهِ، عَلَى حِسَابِ هُذَا يَدْفَعُ إِلَيْهِ مَنْ أَقَرَّ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ. (وهو أيضاً) ذكر نظير المسألة المتقدمة للإيضاح (بمنزلة المرأة) صور المسألة بالمرأة؛ لأن حكم الرجل في ذلك بخلافها، كما سيأتي في القول الآتي (تقر بالدين على أبيها) الهالك (أو على زوجها) الميت (وينكر ذلك) أي الدين (الورثة) الباقية (فعليها أن تدفع إلى) الرجل (الذي أقرت له بالدين) على الميت المورث (قدر الذي) مفعول تدفع (يصيبها من ذلك الدين لو ثبت) الدين (على الورثة كلهم). وتوضيح ذلك أن المقرة المذكورة (إن كانت امرأة) أي زوجة للميت (ورثت الثمن) صفة لامرأة، أو عطف على كانت بحذف حرف العطف (دفعت) جزاء الشرط (إلى الغريم) المقر له (ثمن دينه) لأنها أخذت ثمناً من الميراث، وكان الميراث بعد أداء الدين، فكأنها أخذت من حصة الدين ثمناً (وإن كانت)المرأة المقرة المذكورة (ابنة) للميت (ورثت النصف) لوحدتها (دفعت إلى الغريم نصف دينه) لأنها أخذت من حصة الدين نصفها، وهكذا (على حساب هذا) الذي ذكر من الضابطة (يدفع إليه) أي إلى المقر له بالدين كل (من أقرّ له من النساء) الأخر غير الزوجة والبنت. قال الزرقاني(١): وعلى هذا أصحابه بالحجاز ومصر والعراق، وحكى ابن حبيب أن أصحابه كلهم يرونه وهماً من مالك؛ لأنه لا ميراث إلا بعد (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٧/٤). ١٠٠