النص المفهرس
صفحات 21-40
٣٨ - كتاب الأقضية (١٧) باب حين الرد رَدَّها، وإن كانت تختلف نظرنا، فإن كان اختلافهما لمعنى فيه من كبر وصغر وسمن وهزال وتعلم ونسيان ونحو ذلك من المعاني التي تزيد بها القيمة، وتنقص، فالواجب القيمة أكثر ما كانت؛ لأنها مغصوبة في الحال التي زادت فيها، والزيادة لمالكها، فإن كانت زائدة قبل تلفها، ثم نقصت عند تلفها، لزمه قيمتها حين كانت زائدة، وإن كان اختلافها لتغير الأسعار لم يضمن الزيادة، فتضمن بقيمتها يوم التلف، رواه الجماعة عن أحمد، وعنه بقيمتها يوم الغصب، وهو قول أبي حنيفة ومالك؛ لأنه الوقت الذي أزال يده عنه، فيلزمه القيمة حينئذٍ. ولنا: أن القيمة إنما تثبت في الذمة حين التلف؛ لأن قبل ذلك كان الواجب رَدَّ العين دون قيمتها، وإن كان المغصوب من المثليات فتلف، وجب ردُّ مِثله، فإن فقد المثل وجبت قيمته يوم انقطاع المثل، وقال القاضي: تجب قيمته يوم قبض البدل، لأن الواجب المثل إلى حين قبض البدل، وقال أبو حنيفة ومالك وأكثر أصحاب الشافعي: تجب قيمته يوم المحاكمة؛ لأن القيمة لم تنتقل إلى ذمته، إلا حين حكم بها الحاكم، انتهى. قلت: ما وجدته في فروع الشافعية هو غير ذلك، ففي ((شرح الإقناع)) (١): يضمن المغصوب بقيمته، إن لم يكن له مثل، فيلزمه قيمته إن تلف بإتلاف أو بدونه، حيواناً كان أو غيره، أكثر ما كانت من يوم الغصب إلى يوم التلف، فيضمن الزائد، انتهى. وكذا في ((الأنوار)) الأردبيلي. وفي ((الهداية))(٢) من فروع الحنفية: إن لم يقدر على مثله فعليه قيمته يوم يختصمون عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يوم الغصب، وقال محمد: يوم الانقطاع، وأما ما لا مثل له، فعليه قيمته يوم غصبه، انتهى. (١) (١٧٢/٣). (٢) (٢٩٦/٢). ٢١ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٧) باب لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْخَذَ بِمِثْلِهِ مِنَ الْحَيَوانِ. وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَهُ، فِيمَا اسْتَهْلَكَ، شَيْئاً مِنَ الْحَيَوَانِ. وَلَكِنْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ اسْتَهْلَكَهُ الْقِيمَةُ أَعْدَلُ ذُلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمَا، فِي الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ. (ليس عليه) أي على من أهلك شيئاً من الحيوان (أن يؤخذ) منه ببناء المجهول من الأخذ في جميع النسخ الهندية والمصرية إلا في نسخة الزرقاني، ففيها يوجد بالجيم والدال المهملة فيكون ببناء المعلوم من الإيجاد أي ليس عليه أن يحصل (بمثله من الحيوان) بل (ولا يكون له) جائزاً (أن يعطي صاحبه) أي مالك الحيوان (فيما استهلك شيئاً من الحيوان ولكن) الواجب (عليه قيمته يوم استهلكه) لا غير ذلك، وذلك لأن (القيمة أعدل ذلك) أي أعدل الذي يجب (فيما بينهما) أي بين المستهلك والمؤدي (في الحيوان والعروض) يعني كذلك تجب القيمة فيما إذا أهلك شيئاً من العروض لغيره. قال الباجي(١): وهذا على حسب ما قال: إن من استهلك شيئاً من الحيوان أن عليه قيمته كذلك كل ما ليس بمكيل ولا موزون ولا معدود، ومعنى قولنا: معدود أن تستوي آحاد جملته في الصفة غالباً كالبيض والجوز، انتهى. وهكذا عند الشافعية الواجب في الحيوان المستهلك القيمة كما تقدم قريباً عن (شرح الإقناع))، وقال الأردبيلي في ((الأنوار)): يضمن المثلي بالمثل، والمتقوم بالقيمة، والمثلي ما يحصره بالكيل أو الوزن، وجاز السلم فيه، قال الكمثري في ((شرحه)): احترز بالكيل أو الوزن عن المعدود كالحيوان والمذروع کالثياب، انتھی. وقال الزيلعي على ((الكنز)): وما لا مثل له فقيمته يوم غصبه، والمراد بالمثلي المكيل والموزون والعددي المتقارب كالجوز والبيض، حتى يضمن مثله عدداً خلافاً لزفر، هو يقول: إن المماثلة في المعدود لم تثبت بالنص، بل (١) ((المنتقى)) (٢٧٢/٥). ٢٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٧) باب بالاجتهاد، ولهذا لا يجري فيه الربا، فيصار إلى قيمته بخلاف المكيل والموزون؛ لأن المماثلة فيه ثبتت بالنص، وهو قوله وَله: ((الحنطة بالحنطة مثلاً بمثل)) الحديث، قلنا: إنما تعتبر المماثلة في المالية، ومالية هذه الأشياء متساوية، فإن الفلس يساوي الفلس في المالية، وكذلك الجوز والبيض، ثم قال: والمراد بما لا مثل له غير المكيل والموزون والعددي المتقارب كالثياب والحيوان، انتھی. وعُلِمَ من هذا أن الأئمة الأربعة لم يختلفوا في إيجاب القيمة في الحيوان، فما حكي في بعض الكتب من اختلاف أحدهم في ذلك، كما تقدم في كلام ابن رشد من خلاف أبي حنيفة والشافعي في الحيوان، وكذا ما حكى الزيلعي من خلاف مالك في الحيوان من أن الواجب عنده فيه المثل، ليس بصحيح، فإنهم متفقون في إيجاب القيمة في الحيوان، لروايات تقويم الشقص في العتق، إلا ما حكى الزرقاني (١) رواية عن مالك في ذلك، إذ قال تحت قوله: القيمة أعدل إلخ: هذا هو الصحيح المشهور عن مالك، وعنه لا يقضى بالقيمة في شيء إلا عند عدم المثل، انتهى. وأجاب الزيلعي عن قول علي - رضي الله عنه - في ولد المغرور: يفك الغلام بالغلام، والجارية بالجارية، بأن المراد بقيمة الغلام بحذف المضاف، لما قد صح عنه، وعن عمر - رضي الله عنه - أنهما قضيا في ولد المغرور بالقيمة، وعن قصة كسر عائشة الإناء بأنه كان على طريق المروءة، ومكارم الأخلاق، لا على طريق أداء الواجب، إذ كانت القصعتان للنبي بَّر، انتهى. وفي ((المحلى)): أجاب عنه البيهقي (٢) بأن القصعتين كانتا له وَّر، فعاقب (١) ((شرح الزرقاني)) (١٣/٤). (٢) انظر: ((السنن الكبرى)) (٩٦/٦). ٢٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٧) باب قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ شَيْئاً مِنَ الطَّعَامِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ: فَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ مِثْلَ طَعَامِهِ. بِمَكِيلَتِهِ مِنَ صِنْفِهِ. وَإِنَّمَا الطَّعَامُ بِمَنْزِلَةِ الذّهَبِ وَالْفِضَّةِ. إِنَّمَا يَرُدُّ مِنَ الذَّهَب الذَّهَبَ وَمِنَ الْفِضَّةِ الْفِضَّةَ. الكاسرة بجعل المكسورة في بيتها، ولم يكن هناك تضمين، ويحتمل على تقدير أن يكون القصعتان لهما أنه رأى ذلك سداداً بينهما، فرضيتا بذلك، ويحتمل أن يكون ذلك في زمان كانت العقوبة فيه بالمال، فعاقب الكاسرة بإعطاء قصعتها الأخرى. قال الحافظ (١): ويبعد هذا التصريح بقوله: ((إناء كإناء)) وأما الأول فيُعَكِّرُ عليه رواية ابن أبي حاتم والدارقطني: من كسره، فهو له وعليه مثله، انتهى . (قال مالك: ومن استهلك أي أهلك شيئاً من الطعام) أي المكيل والموزون (بغير إذن صاحبه) أي تعديا (فإنما يرد على صاحبه) أي مالك الطعام (مثل طعامه) لأنه مثلي (بمكيلته) أي بمقدار كيله (من صنفه) أي من نوعه. قال الزرقاني(٢) تبعاً للباجي: أي إن علمت مكيلته وإلا فالقيمة، وفي ((المنتقى)): هذا على حسب ما قال: إن من استهلك شيئاً من الطعام تعدّيا، فإن عليه مثله في الكيل والصفة، وهذا إذا كان معلوم الكيل، وكذلك ما يُؤْزَن ويُعَدُّ على ما قدمناه، فإن كان غير معلوم القدر. فإن عليه قيمته لحوز صبرته، ويكون عليه القيمة؛ لأنه لو دفع إليه مثل ما حوز فيها، لم يأمن أن يدفع إليه عن صبرته حنطة أكثر منها، أو أقل فيؤدي إلى التفاضل في الطعام، انتهى. (وإنما الطعام) في وجوب المثل إذا استهلك (بمنزلة الذهب والفضة) وفيهما المثل إجماعاً بلا خلاف بين أهل العلم (إنما يرد) ببناء المجهول (من الذهب) إذا استهلك (الذهب) نائب الفاعل (و) كذلك يرد (من الفضة الفضة) (١) ((فتح الباري)) (١٢٦/٥). (٢) (شرح الزرقاني)) (١٣/٤). ٢٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٧) باب وَلَيْسَ الْحَيَوَانُ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ فِي ذُلِكَ. فَرَقَ بَيْنَ ذُلِكَ السُّنَّةُ، وَالْعَمَلُ الْمَعْمُولُ بِهِ. قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: إِذَا اسْتُودِعَ الرَّجُلُ مَالَّا فَابْتَاعَ بِهِ لِنَفْسِهِ وَرَبِحَ فِيهِ. فَإِنَّ ذُلِكَ الرِّبْحَ لَهُ. لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْمَالِ. حَتَى يُؤَدِّيَهُ إِلَى صَاحِبِهِ. أي يضمن كل واحد منهما بمثله (وليس الحيوان) لتفاوت أفراده (بمنزلة الذهب) والفضة (في ذلك) أي في وجوب المثل (فَرَّقَ) بصيغة الماضي (بين ذلك) أي بين الحيوان والطعام (السُّنةُ) بالرفع فاعل فَرَّقَ، والمراد بالسنة الأحاديث الدالة على الفرق بينهما، فإن الأحاديث صريحة كثيرة، في معنى قوله وَله: ((الحنطة بالحنطة مثلاً بمثل)) وفي معنى التقويم في عتق الشقص (والعمل) بالرفع عطف على السنة (المعمول به) صفة للعمل تأكيداً له، أي العمل المعروف عند أهل العلم، وتقدم أن الأئمة الأربعة متفقة على وجوب المثل في الطعام ووجوب القيمة في الحيوان .. (قال مالك: وإذا استودع الرجل) أي زيد مثلاً (مالاً) لعمرو (فابتاع به) أي اشترى زيد بهذا المال متاعاً (لنفسه) ثم باعه، (وربح فيه، فإن ذلك الربح) كله (له) أي لزيد؛ لأنه ضامن للمال (لأنه) أي زيد (ضامن للمال حتى يؤديه إلى صاحبه) أي یوفیه إلی مالكه. قال الباجي(١): هذا مذهب مالك أن ربح الوديعة للمودع، وبه قال أبو بكر بن عبد الرحمن وربيعة، وقال أبو حنيفة: يتصدق بالربح ولا شيء منه للمودع ولا للمودَّع، وقال الشافعي: إن اشترى بذلك المال بعينه فالربح لصاحبه، وإن اشترى بمال غير معين، فقضى من الوديعة، فالربح للمودع وجه قول مالك أنه اغتصب عدداً، فلم يكن عليه غيره، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٢٨١/٥). ٢٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٨) باب القضاء فيمن ارتد عن الإسلام قلت: وتقدم اختلافهم في ذلك في أول القراض. (١٨) القضاء فيمن ارتد عن الإسلام والعياذ بالله عز اسمه، قال ابن حزم في ((المحلى)) (١): كل من صح عنه أنه كان مسلماً ثم ثبت عنه أنه ارتد، فإنهم اختلفوا في حكمه، فقالت طائفة: لا يستتاب، وقالت طائفة: يستتاب وفرقت طائفة بين من أسَرَّ رِدَّتَه وبين من أعلنها، وفرقت طائفة بين من وُلد في الإسلام، وبين من أسلم بعد كفره ثم ارتدَّ، فأما من قال: لا يستتاب فانقسموا قسمين؛ فقالت طائفة: يقتل المرتد تاب أو لم يتب، راجع الإسلام أو لم يراجع، وقالت طائفة: إن بادر فتاب قبلت توبته، وسقط عنه القتل، وإلا قتل. وأما من قال: يستتاب، فإنهم انقسموا أقساماً، فطائفة قالت: نستتيبه مرة، فإن تاب وإلا قتلناه، وطائفة قالت: نستتيبه ثلاث مرات، وقالت طائفة: نستتيبه شهراً، وطائفة قالت: ثلاثة أيام، وطائفة قالت: مائة مرة نستتيبه، فإن تاب وإلا قتلناه، وطائفة قالت: يستتاب أبداً، ولا يقتل، وأما من فرق بين المُسِرِّ والمعلن، فطائفة قالت: من أسرَّ رِدَّتَه قتلناه دون استتابة، ولم نقبل توبته، ومن أعلَنَها قبلنا توبتَه، وطائفة قالت: إن أَقَرَّ المُسِرُّ وصدق النية قبلنا توبته، وإن لم يُقِرَّ، ولا صدق النية قتلناه، ولم تقبل توبته، انتهى. وقال العيني في ((شرح الطحاوي)): وقالت طائفة: يفرق بين من صلى ومن لم يُصَلِّ، وهو قول عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك، فإنه قال: من أسلم من أهل الكفر إلا أنه لم يصل، فإنه يترك، والرجوع إلى دينه، ولا يمنع من ذلك إلا أن يصلي، فإن صَلَّى فحينئذٍ يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا (٢) قُتِلَ، انتهى(٢). (١) (١٠٨/١٢). (٢) انظر في هذه المسألة: ((فتح القدير)) (٣٨٥/٤) و((الشرح الكبير)) للدردير (٢٠٤/٤). ٢٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤٠) حديث ١٥/١٤٤٠ - حدّثنا يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَّهِ قَالَ: ((مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ ١٥/١٤٤٠ - (مالك عن زيد بن أسلم) قال الزرقاني(١): هو مرسل عند جميع الرواة، وهو موصول في البخاري والسنن الأربع(٢) من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، انتهى. قلت: وفي الحديث قصة أخرجها البخاري وغيره فقد روي من طريق أيوب عن عكرمة قال: أُتِيَ علي رضي الله عنه بزنادقة، فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ◌َ﴾((لا تعذبوا بعذاب الله)) ولقتلتهم لقول رسول الله وَله: ((من بَدَّلَ دينه فاقتلوه)) . قال الحافظ (٣): زاد في رواية أبي داود(٤) ((فبلغ ذلك علياً فقال: وَيْحَ أم ابن عباس))، وهو عند الدارقطني بحذف أم، وهو محتمل أنه لم يرض بما اعترض به، ورأى أن النهي للتنزيه، وهذا بناءً على تفسير ويح بأنها كلمة رحمة. فَتَوَجَّعَ له، لكونه حمل النهي على ظاهره، فاعتقد التحريم مطلقاً، فأنكر، ويحتمل أنه قالها رضاً بما قال، وأنه حفظ ما نسيه بناءً على ما قيل في تفسير ويح أنها تقال بمعنى المدح والتعجب كما حكاه في ((النهاية))، انتهى .. زاد في ((البذل)»(٥) عن («فتح الودود»: أنه مدح له وإعجاب به، كما جاء في بعض الروايات: صدق ابن عباس، انتهى. (أن رسول الله وَ ل قال: من غَيَّر دينه) من التغيير، وتقدم لفظ البخاري من (١) (شرح الزرقاني)) (١٤/٤). (٢) أخرجه البخاري (٣٠١٧)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)، والنسائي (٤٠٥٩)، وابن ماجه (٣٥٣٥)، بلفظ: ((من بدّل دينه فاقتلوه)). (٣) ((فتح الباري)) (١٢/ ٢٧٢). (٤) أخرجه أبو داود (١٢٦/٤) و(٤٣٥١). (٥) ((بذل المجهود)) (٢٨٥/١٧). ٢٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤٠) حدیث فَاضْرِبُوا عُنُقه)) . بَدَّل دينه، والمراد به عند الجمهور من انتقل من دين الإسلام إلى الكفر لا تبديل المذهب مطلقاً، كما سيأتي (فاضربوا عنقه). وفي الحديث عدة أبحاث: الأول: أنه ليس فيه ذكر الاستتابة، فأوَّله بعضُهم بأن المراد بعد الاستتابة، وقال بعضهم: إنه محمول على الزنديق، وإنه لا يستتاب، وعليه حمله الإمام مالك، كما سيأتي من تفسيره، قال الباجي(١): قال مالك: إن معناه فيمن خرج عن الإسلام إلى غيره على وجه لا يستتاب فيه كالزنادقة، وفي كتاب ابن سحنون: أنَّ معناه يعني بعد الاستتابة، انتهى. وقال الزرقاني: أي بعد الاستتابة وجوباً، كما جاء عن الصحابة. أو هو على ظاهره لكن في الزنادقة، انتهى. قال الحافظ(٢): قال ابن بطال: اختلف في استتابة المرتد، فقيل: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهو قول الجمهور، وقيل: يجب قتله في الحال جاء ذلك عن الحسن وطاووس، وبه قال أهل الظاهر، ونقله ابن المنذر عن معاذ وعبيد بن عمير، وعليه يدل تصرف البخاري، فإنه استظهر بالآيات التي لا ذكر فيها للاستتابة، وبعموم قوله: ((من بَدَّل دينه فاقتلوه))، قال الطحاوي: ذهب هؤلاء إلى أن حكم من ارتدَّ عن الإسلام حكم الحربي الذي بلغته الدعوة، فإنه يقاتل من قبل أن يدعى، ثم ذكر عن أبي يوسف موافقتهم، لكن قال: إن جاء مبادراً بالتوبة خليت سبيله، ووكلت أمره إلى الله، وعن ابن عباس وعطاء إن كان أصله مسلماً لم يستتب وإلا استتيب، انتهى. وفي ((المحلى)): قال النووي: أجمعوا على قتله، واختلفوا في استتابته، فقال الأئمة الأربعة والجمهور: إنه يستتاب، ونقل ابن القصار إجماع الصحابة (١) ((المنتقى)) (٢٨١/٥). (٢) ((فتح الباري)) (٢٦٩/١٢). ٢٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤٠) حديث عليه، وقال طاووس والحسن وابن الماجشون وأبو يوسف: لا يستتاب، ولو تاب نفعته توبته عند الله، ولا يسقط قتله، انتهى. قلت: المعروف من مذهب المالكية وجوب الاستتابة كما صرح به الزرقاني والباجي، ومذهب الحنفية استحباب ذلك كما سيأتي في آخر الباب. قال الموفق(١): إنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً أي ثلاثة أيام، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم عمر وعلي وعطاء والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي، وهو أحد قولي الشافعي. وروي عن أحمد رواية أخرى أنه لا تجب استتابته، لكن تستحب، وهذا القول الثاني للشافعي، وهو قول عبيد بن عمير وطاووس ويروى ذلك عن الحسن لحديث الباب، ولم يذكر فيه الاستتابة، وروي أن معاذاً قدم على أبي موسى، فوجد عنده رجلاً موثقاً، فقال: ما هذا؟ قال: رجل كان يهودياً، فأسلم ثم راجع دينه فَتَهوَّدَ، وقال: لا أجلس حتى يُقْتَلَ، قضاءُ اللّهِ ورسوله، الحديث، متفق عليه(٢)، ولم يذكر استتابته، ولأنه يقتل لكفره، فلم تجب استتابته كالأصليّ، قال عطاء: إن كان مسلماً أصلياً لم يستتب، وإن كان أسلم ثم ارتدّ استتيب. ولنا، حديث أم مروان أن النبي # أمر أن يستتاب، سيأتي في البحث الرابع، وحديث عمر الآتي في ((الموطأ)) إذ قدم عليه رجل من قِبَل أبي موسى فقال: هل من مُغَرِّبَةٍ خَبَرٌ؟ الحديث، قال فيه عمر رضي الله عنه: اللَّهم إني لم أحضُرْ ولم آمُرْ ولم أَرْضَ إذ بلغني، ولو لم تجب استتابتُه لما برئ من فعلهم، ولأنه أمكن استصلاحه، فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه، كالثوب النجس، وأما الأَمْرُ بقتله، فالمراد به بعد الاستتابة بدليل ما ذكرنا، وأما حديث معاذ، فإنه (١) («المغني)) (٢٦٦/١٢). (٢) أخرجه البخاري (٦٩٢٣)، ومسلم (١٤٥٧/٣). ٢٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤٠) حديث جاء فيه: وكان قد استُثِيْب، ويروى أن أبا موسى استتابه شهرين قبل قدوم معاذ عليه، وفي رواية: فدعاه عشرين ليلة، رواهن أبو داود(١). البحث الثاني: أنه إذا ثبت وجوب الاستتابة فمدتها ثلاثة أيام، روي ذلك عن عمر - رضي الله عنه - وبه قال مالك وإسحاق وأصحاب الرأي، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: إن تاب في الحال، وإلا قُتِلَ مكانه، وهذا أصحُ قوليه، وهو قول ابن المنذر لحديث أم مروان، وقال الزهري: يُدْعَى ثلاث مرات. فإن أبى ضربت عنقه، وهذا يُشْبِهُ قول الشافعي، وقال النخعي: يستتاب أبداً، وهذا يفضي إلى أن لا يقتل أبداً، وهو مخالف للسنّة والإجماع، وعن عليّ - رضي الله عنه - أنه استتاب رجلاً شهراً، ولنا حديث عمر - رضي الله عنه - الآتي، ولأن الردة إنما تكون لشُبْهة، ولا تزول في الحال، فوجب أن ينتظر مدة يَرْتَئِي فيها. وأولى ذلك ثلاثة أيام، للأثر فيها، وأنها مدّة قريبةٌ كذا في ((المغني))(٢). وقال الحافظ(٣): اختلف القائلون بالاستتابة هل يكتفي بالمرة أو لا بد من ثلاث، وهل الثلاث في مجلس، أو في يوم أو في ثلاثة أيام؟ وعن علي - رضي الله عنه - يستتاب شهراً، وعن النخعي يستتاب أبداً، كذا نقل عنه مطلقاً، والتحقيق أنه فيمن تكررت منه الردة، انتهى. وقال الباجي: يستتاب ثلاثة أيام وهو أحد قولي الشافعي، وله قول ثانٍ: يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قتل، ورواه القاضي أبو الحسن عن مالك، انتهى . (١) سنن أبي داود، (٤٤١/٢) باب الحكم في من ارتد من كتاب الحدود. (٢) ((المغني)) (٢٦٨/١٢). (٣) (فتح الباري)) (٢٦٩/١٢). ٣٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤٠) حديث البحث الثالث: أنه إذا تاب قبلت توبته عند الجمهور مع الاختلاف بينهم في قبول توبة الزنديق، كما سيأتي بيانه قريباً، وأما غيره فتقبل توبته، قال الباجي(١): وقول مالك: إن من خرج من الإسلام إلى غيره فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وبه قال عمر بن الخطاب وعلي وعثمان، وروى سحنون عن عبد العزيز بن سلمة أنه قال: لا بد أن يقتل وإن تاب، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النََّةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ الآية ومن جهة المعنى أنها معصية لم يتعلق بها حد ولا حق لمخلوق كسائر المعاصي، انتهى. البحث الرابع: أن قوله ◌َ﴾: ((من غَيَّرَ دينه)) يعم الرجال والنساء أو لا يعم. قال الموفق(٢): لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل، ويروى ذلك عن أبي بكر وعلي - رضي الله عنهما -، وبه قال الحسن والزهري والنخعي ومكحول وحماد ومالك والليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق، وروي عن علي - رضي الله عنه - والحسن وقتادة أنها تسترق، ولا تقتل، ولأن أبا بكر - رضي الله عنه - استرق نساء بني حنيفة وذراريهم، وأعطى علياً - رضي الله عنه - منهم امرأة، فولدت له محمد بن الحنفية، وكان هذا بمحضر من الصحابة فلم ينكر، فكان إجماعاً، وقال أبو حنيفة: تجبر على الإسلام بالحبس، والضرب، ولا تقتل؛ لقوله وَ له: ((لا تقتلوا امرأة)) ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي، فلا تقتل بالطارئ كالصبي. ولنا، عموم حديث الباب، وروى الدارقطني(٣) أن امرأة يقال لها: أم مروان ارتدّت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي وَلّ، فأمر أن تستتاب، فإن (١) ((المنتقى)) (٢٧٢/٥). (٢) («المغني)) (٢٦٤/١٢). (٣) ((سنن الدار قطني)) (١١٨/٣). ٣١ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤٠) حديث تابت وإلا قتلت، وأما نهي النبي وله عن قتل المرأة، فالمراد به الأصلية، فإنه وَلّه قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة، وكانت كافرة أصلية، والصبي غير مكلف بخلاف المرأة، وأما بنو حنيفة فلم يثبت أن من استَرَقَّ منهم تقدم له إسلامٌ ولم يكن بنو حنيفة أسلموا كلهم، وإنما أسلم بعضهم، والظاهر أن الذين أسلموا كانوا رجالاً، فمنهم من ثبت على إسلامه، منهم ثمامة بن أثال، ومنهم من ارتدّ، ومنهم الدَّجَّالُ الحَنَفِيُّ، انتهى. وقال العيني في ((شرح الطحاوي)): قالت طائفة: يفرق بين الرجل والمرأة، كما روينا عن ابن عباس قال: المرتدة تحبس ولا تقتل، وعن الحسن البصري المرتدة تُباع وتُكْرَهُ، كذلك فعل أبو بكر بنساء أهل الرِدَّة، وباعهن، وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: في المرأة المرتدة تستأمى أي تجعل أمة، وعن الزهري أنها تستتاب، وإلا قتلت، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وأبو سليمان وجميع أصحابهم، وهو أحد قولي أبي يوسف، ثم رجع عنه، وهو قول ابن أبي ليلى والأوزاعي وإسحاق وغيرهم، انتهى. قال الحافظ (١): وقتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون فلم ينكر ذلك أحد، أخرجه الدارقطني من وجه حسن، وأخرج مثله مرفوعاً في قتل المرتدة لكن سنده ضعيف، وقد وقع في حديث معاذ أن النبي ◌َّلّ لما أرسله إلى اليمن، قال له: ((أيما رجل ارتدَّ عن الإسلام فادعه، فإن عاد، وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها))، وسنده حسن، وهو نص في موضع النزاع، فيجب المصیر إلیه، انتهى. وقال الشيخ في ((البذل))(٢): حديث معاذ هذا لم يعزُه الحافظ إلى (١) ((فتح الباري)) (١٢/ ٢٧٢). (٢) ((بذل المجهود)) (١٧ /٢٨٥). ٣٢ ٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤٠) حديث مخرجه، ووجدت حديث معاذ في ((نصب الراية)) للزيلعي ما يخالف ذلك، فقد قال الزيلعي: حديث آخر رواه الطبراني في ((معجمه)) بسنده عن معاذ أن رسول الله وَلّ قال حين بعثه إلى اليمن: ((أيما رجل ارتدَّ عن الإسلام فادعه، فإن تاب فاقبل منه، فإن لم يتب فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن تابت فاقبل منها، وإن أبت فاستتبها))، انتهى. قلت: وأخرج الزيلعي(١) عدة روايات في الباب مرفوعة وموقوفة فارجع إليها . البحث الخامس: ما قال الحافظ في ((الفتح))(٢): تمسك به بعض الشافعية في قتل من انتقل من دين كفر إلى دين كفر سواء كان ممن يُقَرُّ أهلُه عليه بالجزية أو لا ، وأجاب بعض الحنفية بأن العموم في الحديث في المبدل لا في التبديل فأما التبديل، فهو مطلق لا عموم فيه، وعلى تقدير التسليم، فهو متروك الظاهر اتفاقاً في الكافر، لو أسلم، فإنه يدخل في عموم الخبر، وليس مراداً، واحتجوا أيضاً بأن الكفر ملة واحدة، فلو تنصر اليهودي لم يخرج عن دين الكفر، وكذا لو تهوّد الوثني، فوضح أن المراد من بدَّل دين الإسلام بدين غيره، لأن الدين في الحقيقة هو الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ أما ما عداه فهو بزعم المدعي، ويؤيده ما جاء في بعض طرقه فقد أخرجه الطبراني من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس رفعه ((من خالف دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه)) انتهى. وقال الزرقاني(٣): روى ابن عبد الحكم أن للإمام قتل الذمي إذا غَيَّرَ دينَه على ظاهر الحديث؛ لأن الذمة إنما انعقدت له على أن يبقى على ذلك الدين، فلما خرج عنه عاد كالحربي، وروى المزني عن الشافعي أن الإمام يخرجه من بلده لدار الحرب، وعلله بما ذكرنا، انتهى. (١) ((نصب الراية)) (٤٥٧/٣). (٢) ((فتح الباري)) (١٢/ ٢٧٢). (٣) ((شرح الزرقاني)) (١٥/٤). ٣٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤٠) حدیث وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ وَلَ، فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ، مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ. أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ، مِثْلُ الْزَّنَادِقَةِ وقال ابن حزم(١): اختلفوا في الكافر يخرج من كفر إلى كفر، فقالت طائفة: يترك على ذلك، وقالت طائفة: لا يترك أصلاً، ثم افترق هؤلاء فرقتين: فقالت طائفة: إن رجع الذمي إلى دينه الذي خرج عنه ترك وإلا قتل، وقالت طائفة: لا يقبل منه شيء غير الإسلام وحده، وإلا قتل، ولا يترك على الدين الذي خرج إليه، ولا على الذي خرج عنه، انتهى. ثم قال: من ارتدّ من كفر إلى كفر، فإن أبا حنيفة ومالكاً قالا جميعاً: يُقَرُّ على ذلك، ولا يعترض عليه، وقال الشافعي وأبو سليمان وأصحابهما: لا يُقَرُّ على ذلك، ثم اختلف قول الشافعي فمرة قال: إن رجع إلى الدين الذي تذمم عليه ترك، وإلا قتل إلا أن يسلم، ومرة قال: لا يقبل منه الرجوع إلى الدين الذي خرج عنه، لا بد له من الإسلام أو السيف، وبهذا يقول أصحابنا، انتھی . (قال مالك: ومعنى قول النبي ◌ّ فيما نرى) بضم النون أي نظن (والله أعلم) بحقيقة مراد نبيه بَ ﴿ (من غيّر دينه فاضربوا عنقه) بيان لقوله وَ لِّ (أنه) أي المراد به (من خرج من الإسلام) يعني المراد بالدين في قوله عليه السلام المذكور هو دين الإسلام فإن الدين عند الله هو الإسلام (إلى غيره) أي غير الإسلام (مثل الزنادقة) بزاي ونون، جمع زنديق بكسر أوله وسكون ثانيه، قال أبو حاتم وغيره: هو فارسي معرب أصله ((زنده كرد)) أي يقول بدوام الدهر، لأن ((زنده)) الحياة ((وكرد)) العمل، ويطلق على من يكون دقيق النظر في الأمور، وقال ثعلب: ليس في كلام العرب زنديق، وإنما قالوا: زندقيُّ لمن يكون شديد التحيل، وإذا أرادوا ما تريد العامة قالوا: ملحديٌّ ودهريٌّ - بفتح الدال -، (١) ((المحلى)) (١٠٩/١٢). ٣٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤٠) حديث وَأَشْبَاهِهِمْ. وقال الجوهري: الزنديق من الثنوية، وفسره بعض الشراح بأنه الذي يدَّعي مع الله إلهاً آخر. وتُعُقِّبَ بأنه يلزم منه أن يطلق على كل شيء مشرك، والتحقيق ما ذكره من صَنَّفَ في الملل أن أصل الزنادقة أتباع دَيْصَان، بفتح الدال المهملة وسكون الياء، ثم مانّيٌ بتشديد النون وقد تخفف والياء خفيفة، ثم مزدك بزاي ساكنة ودال مهملة مفتوحة، وحاصل مقالتهم أن النور والظلمة قديمان. وأنهما امتزجا، فحدث العالم كله منهما، وكان بهرامُ جدّ كسرى تَحيَّلَ على ماني حتى حضر عنده، وأظهر أنه قبل مقالته، ثم قتله، وقتل أصحابه، وبقيت منهم بقايا اتبعوا مزدك، وقام الإسلام، وأظهر جماعةٌ منهم الإسلام خشية القتل. ومن ثم أطلق الاسم على كل من أَسَرَّ الكفرَ وأظهر الإسلام، وكذا أطلق جماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم، أن الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويُخْفي الكُفْرَ، فإن أرادوا اشتراكهم في الحكم فهو كذلك، وإلا فأصلهم ما ذكرت، وقال النووي في ((لغات الروضة)): الزنديق الذي لا ينتحل ديناً، كذا في ((الفتح)) (١) إلى آخر ما بسط. وفي ((المحلى)): الزنادقة بفتح زاي جمع زنديق بكسرها، وهو المبطن للكفر المظهر للإسلام، أو من لا ينتحل ديناً، وقد يُعَبَّرُ عنه بأنه الذي ينكر الشرع جملة، وفي ((القاموس)): الزنديق بالكسر من الثنوية أو القائل بالنور والظلمة أو من لا يؤمن بالربوبية والآخرة، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، أو هو معرب زن دين أي دين المرأة جمعه زنادقة أو زناديق، وقد تزندق، والاسم الزندقة، انتهى. (وأَشْبَاهِهِمْ) جمع شِبْه بالكسر أي أمثالهم من كل من أَسَرَّ ديناً غير (١) ((فتح الباري)) (٢٧٠/١٢، ٢٧١). ٣٥ ٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤٠) حديث فَإِنَّ أُولَئِكَ، إِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِمْ، قُتِلُوا وَلَمْ يُسْتَتَابُوا. لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُمْ. وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُسِرُّونَ الْكُفْرَ وَيُعْلِنُونَ الْإِسْلَامَ. فَلَا أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ هُؤُلَاءِ. وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ قَوْلُهُمْ. الإسلام. وأظهر الإسلام باللسان (فإن أولئك) أي الزنادقة وأشباههم (إذا ظُهِرَ) ببناء المجهول أي غلب (عليهم قُتِلُوا) ببناء المجهول (ولم يستتابوا) لأنه لا فائدة فيه (لأنه لا تعرف توبتهم). ووجه ذلك (أنهم كانوا يُسِرُّوْن الكفر ويُعْلِنُون) أي يظهرون (الإسلام فلا أرى أن يستتاب هؤلاء) بل يقتلون (ولا يقبل منهم قولهم) أي لا عبرة بتلفظهم بالإسلام، أو لا عبرة بتوبتهم إن تابوا، قال صاحب ((المحلى)): وبه قال الليث وإسحاق وأحمد: إنه لا تقبل توبته، وعند الشافعي: تقبل، قال الشُّمُنِّي: ولنا في الزنديق روايتان: في رواية: تقبل، كقول الشافعي، وفي رواية: لا تقبل كقول مالك، وقال النووي في الزنديق: خمسة أوجهٍ لأصحابنا أصحها قبولها، انتھی. وقال الحافظ(١): استدل به أي بعموم حديث الباب على قتل الزنديق من غير استتابة، وتعقب بأن في بعض طرقه أن علياً - رضي الله عنه - استتابهم، وقد نص الشافعي على القبول مطلقاً، وقال: يستتاب الزنديق كما يستتاب المرتد، وعن أحمد وأبي حنيفة روايتان: إحداهما: لا يستتاب، والأخرى، إن تكرر منه لم تقبل توبته، وهو قول الليث وإسحاق، والأول هو المشهور عند المالكية، وحكي عن مالك إن جاء تائباً يقبل منه، وإلا لا، وبه قال أبو يوسف، واختاره الأستاذان أبو إسحاق الإسفرايني وأبو منصور البغدادي، وعن بقية الشافعية أوجه كالمذاهب المذكورة. وخامسٍ: يفصل بين الداعية فلا يقبل منه وتقبل توبة غير الداعية، وأفتى (١) ((فتح الباري)) (١٢/ ٢٧٢). ٣٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤٠) حدیث ابن الصلاح بأن الزنديق إذا تاب تقبل توبته، ويُعَزَّر فإن عاد بادرناه بضرب عنقه، ولم يمهل، ومن حجة من استتابهم قوله تعالى: ﴿أَّخَذُوَأْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةٌ﴾ فدل على أن إظهار الإيمان يحصن من القتل. وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر، والله يتولى السرائر، وقد قال وَلّ لأسامة: هلّ شققت قلبه؟ قال للذي سارّه في قتل رجل: أليس يصلي؟ قال: نعم، قال: أولئك الذين نهيت عن قتلهم، وفي بعض طرق أبي سعيد أن خالد بن الوليد لما استأذن في قتل الذي أنكر القسمة. وقال: كم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ فقال ◌َله: ((إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس)) أخرجه مسلم(١)، انتهى. وقال الموفق(٢): مفهوم كلام الخرقي أنه إذا تاب قبلت توبته ولم يقتل أيّ كفر كان، وسواء كان زنديقاً يُسر الكفر أو لم يكن، وهذا مذهب الشافعي والعنبري ويروى ذلك عن علي وابن مسعود، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار الخلال وقال: إنه أولى على مذهب أبي عبد الله، والرواية الأخرى أنه لا تقبل توبته، وهو قول مالك والليث وإسحاق، وعن أبي حنيفة روايتان كهاتين، واختار أبو بكر أنه لا تقبل توبته؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾(٣) والزنديق لا تظهر منه علامة تبين رجوعه وتوبته؛ لأنه كان مظهراً للإسلام مُسِرّاً للكفر، فإذا وُقِفَ على ذلك فأظهر التوبة لم يزد على ما كان منه قبلها، وهو إظهار الإسلام، انتهى. قال الباجي(٤): من انتقل إلى غير دين الإسلام لا يخلو أن يُسِرَّ كفره أو (١) أخرجه مسلم (٢/ ٧٤٢) (١٠٦٤). (٢) ((المغني)) (٢٦٩/١٢). (٣) سورة البقرة: الآية ١٦٠. (٤) ((المنتقى)) (٣٨٣/٥). ٣٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤٠) حدیث وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَظْهَرَ ذُلِكَ، فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ. فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ. يظهره، فإن أَسَرَّه فهو زنديقٌ، قال ابن القاسم في ((العتبية)) من رواية عيسى: من أَسَرَّ من الكفر ديناً خلافَ ما بعث الله به محمداً وَّه من يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو منانية أو غيرها من صنوف الكفر أو عبادة شمس أو قمر أو نجوم، ثم اطلع عليه فليقتل، ولا تقبل توبته، قال ابن المواز: ومن أظهر كفره من زندقة أو كفر برسول الله و # أو غير ذلك، ثم تاب قبلت توبته، وروى سحنون وابن المواز عن مالك وأصحابه يقتل الزنديق ولا يستتاب إذا ظهر عليه . قال سحنون: إن تاب لم تقبل توبته، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِالَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ ﴿٨ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنًا﴾ قال جماعةٌ من أهل العلم: البأس ههنا السيف، ودليلنا من جهة السنّة حديث الباب، وأجمع العلماء على أن من جاهر بالفساد والسفه قبلت توبته، وصار إلى العدالة، ومن شهد بالزور لم تقبل شهادته، وإن أظهر الرجوع عما ثبت عليه، انتهى. (وأما من خرج من الإسلام) أي ارتدَّ جهراً (إلى غيره) أي غير الإسلام (وأظهر ذلك) أي ارتداده، ولم يفعل أن يظهر الإسلام، ويكمن الكفر (فإنه يستتاب) قال الزرقاني (١): ثلاثة أيام بلا جوع ولا عطش، قال الباجي: ليس في استتابة المرتد تخويف ولا تعطيش في قول مالك، وقال أصبغ: يخوف في الثلاثة الأيام بالقتل، انتهى (فإن تاب) قبلت توبته عند الأربعة، والجمهور، كما تقدم في البحث الثالث من الأبحاث المتقدمة (وإلا قتل) ببناء المجهول أي يضرب عنقه. (١) (شرح الزرقاني)) (١٥/٤). ٣٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤٠) حديث وَذَلِكَ، لَوْ أَنَّ قَوْماً كَانُوا عَلَى ذُلِكَ، رَأَيْتُ أَنْ يُدْعَوْا إِلَى الْإِسْلَامِ وَيُسْتَتَابُوا. فَإِنْ تَابُوا قُبِلَ ذُلِكَ مِنْهُمْ. وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا قُتِلُوا. وَلَمْ يُعْنَ بِذْلِكَ، فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ، مَنْ خَرَجَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلى النَّصْرَانِيَّةِ. وَلَا مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْيُهُودِيَّةِ. وَلَا مَنْ يُغَيِّرُ دِينَهُ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا . إِلا الْإِسْلَامَ. ! (وذلك) الحكم الذي تقدم من حكم المرتد أنه يستتاب (لو أن قوماً) أي جماعة من المرتدين (كانوا على ذلك) أي على الارتداد (رأيت) بصيغة المتكلم أي أرى فيهم أيضاً (أن يدعوا) ببناء المجهول (إلى الإسلام ويستتابوا) كالرجل الواحد (فإن تابوا قبل) بالموحدة ببناء المجهول (ذلك) أي توبتهم (منهم وإن لم يتوبوا قتلوا) بالمثناة الفوقية ببناء المجهول، والحاصل أنه لا فرق في ذلك بين الواحد والجماعة (ولم يُعْنَ) بضم الياء وفتح النون ببناء المجهول أو بفتح الياء وكسر النون ببناء المعلوم ففاعله النبي ص ◌َلّر (بذلك فيما نرى - والله أعلم -) بمراد نبيه وّلة (من خرج من اليهودية إلى النصرانية ولا) يراد من خرج (من النصرانية إلى اليهودية) يعني ليس المراد من قوله وَله: ((من غَيَّرَ دينَه)) تغيير الدين مطلقاً أيّ دين كان، بل المراد الخروج من دين الإسلام إلى دين الكفر، كما تقدم في البحث الخامس من الأبحاث المتقدمة. (ولا من يغير دينه من أهل الأديان كلها) إلى غير دينه (إلا الإسلام) هكذا في النسخ الهندية وبعض المصرية بلفظ الاستثناء، فهذا تعميم بعد تخصيص أي كما أن لا عبرة بخروجه من اليهودية إلى النصرانية أو العكس كذلك حكم الأديان كلها غير الإسلام لا عبرة بالخروج عن دين إلى دين غير الإسلام، فإن الكفر كله ملة واحدة. وفي أكثر النسخ المصرية بلفظ إلى الإسلام بحرف الجار، فيكون المعنى لا يدخل الحديث أيضاً من خرج عن دينه أيّ دين كان إلى الإسلام، فهذا وإن كان تغيير دين أيضاً، لكنه ليس بداخل في الحديث المذكور. ٣٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٨) باب (١٤٤١) حديث فَمَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَظْهَرَ ذُلِكَ، فَذَلِكَ الَّذِي عُنِيَ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمَ . ١٦/١٤٤١ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ، (فمن خرج من الإسلام إلى غيره) أي غير الإسلام إلى أي دين كان (وأظهر ذلك) أي ارتداده (فذلك الذي عني) ببناء المجهول أو المعلوم (به) أي بلفظ الدين في الحديث المذكور، والحاصل أن العبرة بالخروج عن الدين الخروج عن الإسلام إلى دين آخر، أما الخروج عن دين آخر غير الإسلام، سواء كان خروجه إلى الإسلام، أو إلى غيره من الأديان، فلا يدخل في قوله وَله: ((من غَيّر دينه فاقتلوه))، وهذا ما عليه الجمهور، كما تقدم. ١٦/١٤٤١ - (مالك عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد) بالتنوين بلا إضافة (القاريّ) بالتشديد نسبة إلى القارة بطن من خزيمة كما تقدم في التشهد، لم أجد ترجمته فيما عندي من كتب الرجال إلا ما ذكر صاحب ((كشف الأستار)) من قوله: ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العيني في ((شرح الطحاوي)): وثقه ابن حبان، وذكر البخاري له رواية في المطر في ((التاريخ الكبير)) في ترجمة إبراهيم بن عبد الله بن عبد القاري إذ قال بسنده عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري عن أبيه أو عمه إبراهيم عن أبي هريرة. والعجب أن الحافظ لم يذكره في ((التعجيل)) مع أنه من رواة ((الموطأ)). وما ذكره صاحب ((التعليق الممجد))(١) من ترجمته التبس عليه من ترجمة أخي جده، فإن عامل عمر المتوفى سنة ٨٨ هجرية هو عبد الرحمن بن عبد القاري الذي تقدم ذكره في التشهد في الصلاة، وكيف يمكن أن يكون هذا ذاك لا سيما في رواية ((موطأ محمد)) إذ فيه مالك أخبرنا عبد الرحمن، وكان ولادة الإمام مالك بعد وفاته، وهذا الذي ههنا ذكره الحافظ في ترجمة ابنه، فقال: يعقوب بن (١) (٣٧٣/٣). ٤٠