النص المفهرس
صفحات 641-660
٣٨ - كتاب الأقضية (١٠) باب (١٤٣٨) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ ذُلِكَ، فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ عِنْدَ الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ. وَفِي الرَّهْنِ فَضْلٌ عَمَّا رُهِنَ بِهِ. فَيَقُولُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ، إِلَى أَجَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ. وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ بِمَا رُهِنَ فِيهِ. قَالَ: فَهَذَا لَا يَضْلُحُ وَلَا يَحِلُّ. وَهَذَا الَّذِيِ نُهِيَ عَنْهُ، وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ بِالَّذِي رَهَنَ بِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ، فَهُوَ لَهُ. وَأُرَى هُذَا الشَّرْطَ مُنْفَسِخاً. (قال مالك: وتفسير) أي توضيح (ذلك) الذي ذكر من قوله بَل (فيما نرى) بضم النون أي نظن (والله أعلم) بمراد نبيه وَلقر (أن يرهن الرجل) الراهن (الرهن) بمعنى المرهون، وهو الذي يرتهن به (عند الرجل) المرتهن (بالشيء) أي بعوض شيء كالدين مثلاً (وفي الرهن) بمعنى المفعول (فضل) أي زيادة (عما رهن به) أي عن الذي رهن بعوضه مثلاً أخذ الراهن مائة دينار ديناً ورهن فرساً قيمته مائتا دينار، وأجل لأداء الدين شهرين (فيقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك) أي أديت إليك مائة دينار (إلى أجل يسميه له) أي إلى الشهرين في مثالنا فأخذت فرسي عنك (وإلا) أي إن لم أقض مائة دينار إلى شهرين (فالرهن) أي المرهون، وهو الفرس المذكور (لك) تملكه (بما رهن فیه) أي بعوض مائة دينار. (قال) مالك: (فهذا) الشرط (لا يصلح ولا يَحِلُّ) عطف تفسير (وهذا الذي نُهِيَ عنه) ببناء المفعول ضبطه الزرقاني، ويحتمل ببناء الفاعل أي رسول الله وليه في الحديث المذكور سابقاً (وإن جاء صاحبه) أي الراهن (بالذي رهن به) أي بعوضه وهو مائة دينار (بعد الأجل) أي بعد الشهرين في مثالنا (فهو له) أي الفرس المذكور للراهن يستوفيه من المرتهن (وأرى هذا الشرط) المذكور (منفسخاً) أي لا عبرة به. قال الزرقاني(١): وبنحوه فسره طاووس والنخعي وشريح القاضي والثوري (١) ((شرح الزرقاني)) (٥/٤). ٦٤١ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٠) باب (١٤٣٨) حدیث والزهري وأبو عبيد، انتهى. وبه فسره محمد في ((موطئه)) (١) إذ قال: وبهذا نأخذ، وتفسير قوله: ((لا يغلق الرهن)) أن الرجل كان يرهن الرهن عند الرجل فيقول له: إن جئتك بمالك إلى كذا وكذا وإلا فالرهن لك بمالك، قال رسول الله 18: ((لا يغلق الرهن))، ولا يكون للمرتهن بماله، وكذلك نقول: وهو قول أبي حنيفة، وكذلك فسره مالك بن أنس، انتهى. وذكر الطحاوي ((في الآثار)) عمن قال بهذا التفسير، وبهذا فسره الإمام أحمد. قال الموفق(٢): إن شرط أنه متى حل الحقُّ ولم يُوَفِّنِي، فالرهن لي بالدين، أو هو مبيعٌ لي بالدين الذي عليك، فهو شرطٌ فاسدٌ، روي ذلك عن ابن عمر وشريح والنخعي ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، ولا تعلم أحداً خالفهم، والأصل فيه ما روي عنه وَ لّ ((لا يغلق الرهن)) رواه الأثرم، وقال: قلت لأحمد: ما معنى قوله: ((لا يغلق الرهن))؟ قال: لا يدفع رهناً إلى رجل، ويقول: إن جئتُك بالدراهم إلى كذا وكذا، وإلّا فالرهنُ لك. قال ابن المنذر: هذا معنى قوله: ((لا يغلق الرهن)) عند مالك والثوري وأحمد، انتھی. وفي ((التعليق الممجد))(٣): استدل بهذا الحديث جمعٌ من العلماء على أن الرهن إذا هلك في يد المرتهن لا يضيع بالدين، بل يجب على الراهن أداء دينه، ورده الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) بأنه قال أهل العلم في تأويله غير ما ذكرت، ثم أخرج عن إبراهيم بنحو تفسير مالك المذكور، وأخرج عن طاووس وابن المسيب ومالك مثل ذلك، فعُلِمَ أن الغلق المذكور في الحديث هو الغلق بالبيع، لا بالضياع، انتهى مختصراً. (١) («موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٤٣/٣). (٢) («المغني)» (٥٠٧/٦). (٣) (٣٤٣/٣). ٦٤٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٠) باب (١٤٣٨) حديث وتوضيح ذلك ما قال الموفق(١)، من أنه إذا تعدّى المرتهنُ في الرهن، أو فَرَّطَ في الحفظ حتى تلف، فإنه يضمن لا نعلم في وجوب الضمان عليه خلافاً؛ لأنه أمانة عنده، فلزمه ضمانه إذا تلف بتعدّيه أو تفريطه، وأما إن تلف بغير تعدٍّ منه، ولا تفريط، فلا ضمان عليه، وهو من مال الراهن، يروى ذلك عن علي، وبه قال عطاء والزهري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن المنذر، ويروى عن شريح والنخعي والحسن أن الرهن يضمن بجميع الدين، وإن كان أكثر من قيمته؛ لأنه روي عن النبي ◌َّ (الرهن بما فيه)). وقال مالك: إن كان تلفه بأمر ظاهر كالموت والحريق فمن ضمان الراهن، وإن ادّعى تلفه بأمر خفي لم يقبل قوله وضمن، وقال الثوري وأصحاب الرأي: يضمنه المرتهن بأقل الأمرين من قيمته، أو قدر الدين، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب، واحتجُوا بما روى عطاء أن رجلاً رهن فرساً فنفق عند المرتهن، فجاء إلى النبي ◌َلجر، فأخبره بذلك، فقال: ((ذهب حقك))، ولأنها عين مقبوضة للاستيفاء، فيضمنها من قبضها لذلك، ولأنه محبوس بدين، فكان مضموناً كالمبيع إذا حبس لاستيفاء ثمنه. ولنا، ما روى ابن المسيب أن رسول الله وَ ل قال: ((لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه)) رواه الأثرم، ورواه الشافعي بلفظ ((الرهن من صاحبه الذي رهنه وباقيه سواء))، انتهى. وترجم الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))(٢): ((باب الرهن يهلك في يد المرتهن كيف حكمه))، وأخرج فيه حديث ابن المسيب المذكور، ثم قال: فقال قائل: ثبت بذلك أن الرهن لا يضيع بالدين، وأن لصاحبه غنمه، وهو سلامته، (١) («المغني)) (٥٢٢/٦). (٢) (٢٥٣/٢). ٦٤٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (١١) باب (١١) باب القضاء في رهن الثمر والحيوان وعليه غرمه، وهو غرم الدين بعد ضياع الرهن، وهذا تأويل قد أنكره أهل العلم جميعاً باللغة، وزعموا أن لا وجه له عندهم، ثم بسط الكلام في الباب، وحكى التفسير الذي ذكره الإمام مالك عن إبراهيم النخعي وغيره. وقال الباجي(١) في قوله: ((من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه)): معناه عند مالك وأصحابه له غلته، وخراج ظهره، وأجرة عمله، وعليه غرمه أي نفقته، وليس يريد به الهلاك والمصيبة؛ لأن الغنم إذا كان الخراج والغلة كان الغرم ما قابل ذلك من النفقة، وهو نحو ما روي عنه ولو أنه قال: ((الرهن محلوب ومركوب)) أي غلته لربه ونفقته عليه، وقد رأيت للشيخ أبي إسحاق نحو هذا التفسير، ولا يجوز ذلك للمرتهن؛ لأنه زيادة في القرض، وعوض مجهول في المبايعة . وقال الشيخ أبو بكر: معنى قوله: له غنمه، أي منفعته، ولم يُرِد مِلْكَه؛ لأن الملك لم يزل عن الراهن، وغرمه أي نفقته وتلفه إذا ثبت تلفه من الراهن. وقال بعض المالكيين: معنى قوله: ((له غنمه)) أي رجوعه إليه، ويرجع رب الحق عليه بحقه، وذلك معنى قوله: ((أن غرمه عليه)) يريد أن الغرم الذي رهن من أجله عليه كما كان رجوع الرهن إليه، والله أعلم، انتهى. وسيأتي شيء من ذلك في ((باب القضاء في الرهن من الحيوان)). (١١) القضاء في رهن الثمر والحيوان يعني إذا رهن أحد شجراً أو حائطاً هل يكون ثمره أيضاً داخلاً في الرهن أم لا؟ وكذا إذا رهن حيواناً فلمن يكون فوائده للراهن أو المرتهن؟ . (١) ((المنتقى)) (٢٤٠/٥). ٦٤٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (١١) باب قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِيمَنْ رَهَنَ حَائِطاً لَهُ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى، فَيَكُونُ ثَمَرُ ذُلِكَ الْحَائِطِ قَبْلَ ذُلِكَ الْأَجَلِ: إِنَّ الثَّمَرَ لَيْسَ بِرَهْنٍ مَعَ الْأَصْلِ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ ذَلِكَ، الْمُرْتَهِنُ فِي رَهْنِهِ. وَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا ارْتَهَنَ جَارِيَةً وَهِيَ حَامِلٌ. أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ ارْتِهَانِهِ إِيَّاهَا: إِنَّ وَلَدَهَا مَعَهَا . قَالَ مَالِكٌ: وَفُرِقَ بَيْنَ الثَّمَرِ وَبَيْنَ وَلَدِ الْجَارِيَةِ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَّ قَالَ: ((مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ (قال مالك في من رهن حائطاً) أي بستاناً (له إلى أجل مسمى) أي إلى سنة مثلاً (فيكون) أي يوجد ويظهر (ثمر ذلك الحائط قبل ذلك الأجل) أي قبل تمام السنة، فقال مالك في ذلك: (إن الثمر ليس برهن) أي لا يكون رهيناً (مع الأصل) قال الزرقاني(١): سواء حدثت أو كانت موجودة عند الرهن، مزهية أو غير مزهية (إلا أن يكون) المرتهن. (اشترط ذلك) أي كون الثمر أيضاً رهيناً (المرتهن) اسم يكون (في رهنه) متعلق باشترط أي فيكون داخلاً باشتراط المرتهن (وإن الرجل إذا ارتهن الجارية) مثلاً (وهي حامل) وفي حكمها الحيوان كله (أو حملت) الجارية (بعد ارتهانه إياها) أي حملت بعد ما صارت مرهونة ثم ولدت الجارية (إنّ ولدها) أيضاً يكون رهناً (معها) أي مع الجارية اشترطه المرتهن أو لا . (قال: وفُرِقَ) ببناء المجهول على ما ضبط بالقلم في النسخ المصرية، والأوجه عندي ببناء الفاعل وفاعله قوله: أن رسول الله وَّير قال إلخ (بين الثمر) إذ لم يلحق مع الأصل (وبين ولد الجارية) إذ لحق بها في الرهن يعني وجه الفرق بينهما (أن رسول الله وَالخير قال) كما تقدم مسنداً في البيوع (من باع نخلاً قد (١) ((شرح الزرقاني)) (٦/٤). ٦٤٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (١١) باب أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ. إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ)). قَالَ: وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا: أَنَّ مَنْ بَاعَ وَلِيدَةً، أَوْ شَيْئاً مِنَ الْحَيَوانِ، وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ. أَنَّ ذُلِكَ الْجَنِينَ لِلْمُشْتَرِي. اشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَشْتَرِظْهُ. فَلَيْسَتِ النَّخْلُ مِثْلَ الْحَيَوَانِ. وَلَيْسَ الثَّمَرُ مِثْلَ الْجِنِينِ فِي بَظْنِ أُمِّهِ. أبرت) ببناء المجهول من التأبير (فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) فجعله النبي مَلي للبائع، وجعله للمشتري بالشرط. (قال مالك) هكذا في النسخ الهندية وأكثر المصرية وليس في بعضهما هذا اللفظ، وهو الأوجه؛ لأن الكلام الآتي جزء لما سبق داخل في وجه الفرق (والأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن من باع وليدة) أي أمة (أو شيئاً من الحيوان) كالإبل والغنم (وفي بطنها) أي في بطن الأمة وفي حكمها سائر الحيوان (جنينٌ) عند البيع (أن ذلك الجنين) يدخل في البيع تبعاً، ويكون (المشتري) سواء (اشترطه المشتري أو لم يشترطه) يعني يدخل في البيع بدون الاشتراط أيضاً (فليست النخل مثل الحيوان) لافتراق حكميهما في أن الثمر لا يدخل في البيع بدون الشرط، والجنين يدخل فيه بدون الشرط أيضاً (وليس الثمر مثل الجنين) الذي (في بطن أمه) لما عرفت من وجه الفرق بينهما، زاد في ((الموازية)): ولو شرط أن الأمة رهن دون ما تلده لم يجز. قال الباجي(١): وذلك أن النماء من الرهن على ضربين: أحدهما: أن يكون من غير جنس الأول، كثمرة النخل وعسل النحل وغلة الزرع والرباع وغلة العبيد وسائر الحيوان، فهذا كله لا يكون رهناً مع الأصل ما حدث منه بعد عقد الرهن، فأما الثمرة فسواء حدثت بعد العقد أو كانت موجودة حين الرهن مزهية أو غير مزهية، قاله ابن القاسم وأشهب. وقال أبو حنيفة (١) ((المنتقى)) (٢٤٠/٥). ٦٤٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (١١) باب والثوري: إن اللبن والصوف وثمر النخل والشجر وما حدثت من ذلك بعد الرهن فهو في الرهن، وكذلك الغلة والخراج، والدليل على ما نقوله أنه نماء حادث من غير جنس الأصل، فلم يتبعه في عقد الرهن أصل ذلك مال العبد. والنوع الثاني: وهو ما كان من النماء من جنس الأصل كالولد، زاد الشيخ أبو القاسم: وفراخ النخل، والشجر، فإن جميع ما تلده الأمة بعد عقد الرهن يكون رهناً معها دون الشرط، خلافاً للشافعي، ولو شرط في الأمة أنها رهن دون ما تلده لم يجز ذلك، قاله مالك في ((المدونة))، وقال في ((المجموعة)): لا يرتهن الجنين دون الأم، وليس الولد كالثمرة، وقال أحمد بن ميسر: يجوز أن يرتهن ما تلده هذه الجارية أو هذه البقرة أو هذه الغنم، كما يرتهن العبد الآبق، فإذا ولدت الغنم كان الولد رهناً، وقاله الشيخ أبو القاسم في ((تفریعه))، انتھی. وقال الموفق(١): غلة الدار وخدمة العبد وحمل الشاة وغيرها من الرهن، وجملة ذلك أن نماء الرهن جميعه، وغلاته تكون رهناً، كالأصل، وإذا احتيج إلى بيعه في وفاء الدين بِيْع مع الأصل سواء في ذلك المتصل كالسمن، والمنفصل كالكسب والأجرة والولد والثمر واللبن والصوف والشعر، وبنحو هذا قال النخعي والشعبي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: في النماء يتبع؛ لأن الكسب في حكم الكتابة والاستيلاد والتدبير، فلا يتبع في الرهن، كأعيان مال الراهن. وقال مالك: يتبع الولد في الرهن خاصة دون سائر النماء؛ لأن الولد يتبع الأصل في الحقوق الثابتة، كولد أم الولد، وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر: لا يدخل في الرهن شيء من النماء المنفصل ولا من الكسب؛ لأنه حق تعلق بالأصل يستوفى من ثمنه، فلا يسري إلى غيره كحق الجناية. (١) ((المغني)) (٥١٣/٦). ٦٤٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٢) باب قَالَ مَالِكٌ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذُلِكَ أَيْضاً: أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخْلِ. وَلَا يَرْهَنُ النَّخْلَ. وَلَيْسَ يَرْهَنُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ جَنِيناً فِي بَطْنِ أُمِّهِ. مِنَ الرَّقِيقِ. وَلَا مِنَ الدَّوَابِّ. (١٢) باب القضاء في الرهن من الحيوان قال الشافعي: ولو رهنه ماشية مخاضاً فنتجت، فالنتاج خارج من الرهن وخالفه أبو ثور وابن المنذر، ومن حجتهم أيضاً قول النبي وّلة: ((الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه))(١)، والنماء غنم، فيكون للراهن، ولنا، أنه حكم ثابت في العين بعقد المالك، فيدخل فيه النماء، والمنافع، والحديث نقول به، وأن غنمه ونماءه للراهن، لكن يتعلق به حق الرهن كالأصل، فإنه للراهن، والحق متعلق به، انتهى. (قال مالك: ومما يبين ذلك أيضاً) أي مما يوضح الفرق بين الثمر والجنين (أن من أمر الناس) المعروف بينهم (أن يرهن الرجل ثمر النخل) خاصة (ولا يرهن النخل) مع الثمر (وليس يرهن أحد من الناس جنيناً) يكون (في بطن أمه من الرقيق ولا من الدواب) وذلك لأنهم قالوا: كل عين جاز بيعها جاز رهنها؛ لأن مقصود الرهن الاستيثاق بالدين للتوصل إلى استيفائه من ثمن الراهن إن تعذر استيفاؤه من ذمة الراهن، وهذا يتحقق في كل عين جاز بيعها، وقد عرفت في ما سبق في أبواب البيوع أن بيع الثمر دون الشجر جائز شائع، وبيع الجنين في بطن أمه لا يجوز لقوة الغرر في ذلك. (١٢) القضاء في الرهن من الحيوان يعني إذا رهن شيئاً من الحيوان، فمات عند المرتهن، فكيف يكون القضاء فيه؟ (١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٥١/٢)، والدارقطني في («سننه» (٣٣/٣). ٦٤٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٢) باب قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا فِي الرَّهْنِ: أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ يُعْرَفُ هَلَاكُهُ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ حَيَوانٍ. فَهَلَكَ فِ يَدِ الْمُرْتَهِنِ. وَعُلِمَ هَلَاكُهُ. فَهُوَ مِنَ الرَّاهِنِ. وَإِنَّ ذُلِكَ لَا يَنْقُصُ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ شَيْئاً. (قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا في) مسألة (الرهن أنه) أي الشأن (ما كان من أمر) أي شيء (يعرف) ببناء المجهول (هلاكه) أي يكون هلاكه معروفاً معلوماً عند الناظرين (من أرض أو دار أو حيوان) قال الباجي(١): يريد أن يكون ذلك غالب أمره أن ضياعه يعرف ويشتهر، ولا يغاب عليه كالأرض والدور والحيوان، فإن هذا لا يمكن إخفاؤه بالمغيب عليه والستر له، قال مالك: وكذلك الزرع والثمرة في رؤوس النخل (فهلك في يدي المرتهن وعلم هلاكه فهو من) ضمان (الراهن). قال الزرقاني (٢): وكذلك إذا ادّعى إباق العبد وهروب الحيوان، فلا ضمان ما لم يتبين كذبه، كدعواه ذلك بحضرة عدول، فأنكروه (وإن ذلك) أي هلاك ما تقدم ذكره (لا ينقص) ولا يضيع (من حق المرتهن شيئاً). قال الباجي(٣): يريد أن حق المرتهن على الراهن بكماله لا ينقص منه، لأجل ما ذهب من الرهن بيده وبه قال الأوزاعي، ورواه يحيى بن أبي كثير عن علي - رضي الله عنه - وقال ابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة: الرهن كله من ضمان المرتهن. وروى القاضي أبو الفرج عن ابن القاسم فيمن ارتهن نصف عبد، وقبضه كله، وتلف عنده، أنه لا يضمن إلا نصفه، وهذا موافق لما قاله أبو حنيفة في ضمان المرتهن لما لا يغاب عليه، إلا أنه عند أبي حنيفة مضمون بقدر الدین لا قیمته. (١) ((المنتقى)) (٢٤٢/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٧/٤). (٣) ((المنتقى)) (٢٤٣/٥). ٦٤٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٢) باب وَمَا كَانَ مِنْ رَهْنِ يَهْلِكُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ. فَلَا يُعْلَمُ هَلَاكُهُ إِلَّا بِقَوْلِهِ. فَهُوَ مِنَ الْمُرْتَهِنِ. وَهُوَ لِقِيمَتِهِ ضَامِنٌ وقد قال في ((كتاب ابن المواز)): قلت: في أيّ موضع يكون الرهن بما فيه إن ضاع؟ فقال: فيما يغاب عليه، ولا يعلم له قيمة ولا صفة بقول الراهن ولا المرتهن ولا غيرهما، فهذا لا طلب لأحدهما على الآخر، وقد كان القياس يحتمل أن يجعل قيمته من أدنى الرهن، وقد ذكر لي ذلك عن أشهب وما قلت لك أولاً هو قول العلماء، وأحقه، بحديث النبي ◌ّ ((الرهن بما فيه))، قال أبو الزناد: وفي الحديث ((إذا عميت قيمته))، وهذا الذي ذكره لا يثبت عن النبي ◌ّ فيه شيء، ولا له أصل، وإنما هو قول جماعة من الفقهاء: إن الرهن يضمن منه قدر الدين، وما زاد على ذلك من قيمته، فهو أمانة، وهو قول ابن أبي ليلى والثوري وأبي حنيفة، وروي عن محمد بن الحنفية عن علي. وما روي فوق هذا من قول أصحابنا في معنى قوله: ((الرهن بما فيه)) هو قول الفقهاء السبعة إنما ذلك إذا جهلت صفاته، ولم يدَّع معرفة ذلك راهنٌ، ولا مرتهنٌ، وهو قول الليث بن سعد، وبلغني عن عليّ بن أبي طالب، وقد قال مالك: الرهن بما فيه إذا ضاع عند المرتهن ما يغاب عليه، وكانت قيمته بقدر الدین، انتھی. (قال مالك) هكذا في بعض النسخ المصرية، وليس في أكثرها، ولا في النسخ الهندية، والأولى حذفه؛ لأن الكلام الآتي في نسق الكلام السابق، (وما كان من رهن يهلك في يدي المرتهن فلا يعلم هلاكه إلا بقوله) أي بقول المرتهن كثياب وعروض وعين وحلي وكل ما يكال أو يوزن مما يغاب عليه، قاله الزرقاني(١) (فهو من المرتهن) قال عنه ابن القاسم، إلا أن تقوم ببينة هلاكه فلا يضمن، قاله الزرقاني (وهو) أي المرتهن (لقيمته ضامن) أي حيث لا بينة. (١) ((شرح الزرقاني)) (٧/٣). ٦٥٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٢) باب قال الباجي(١): قوله: وما كان من رهن إلخ يريد أنه مما يغاب عليه ولا يكاد أن يعلم هلاك ما كان من جنسه، إلا بقول من هو بيده كالثياب والعروض والعنبر والحلي والطعام وغير ذلك مما يكال أو يوزن، فهذا إذا ضاع بيد المرتهن، فلا يخلو أن تقوم بضياعه بينة، أو لا، فإن قامت به بينة فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أنه لا يضمن، وبها قال ابن القاسم وعبد الملك وأصبغ، واختارها ابن المواز. والثانية: يضمن في الرهن والعارية، وهو مذهب الأوزاعي في الرهن، وبه قال أشهب، ثم بسط في وجه الروايتين والفروع في ذلك. ثم قال: وأما إن تلف بغير بينة فلا خلاف في المذهب في أنه مضمون، خلافاً لسعيد بن المسيب والزهري وعمرو بن دينار في قولهم: إن الرهن كله أمانة ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه، وبه قال الشافعي، ثم أي وقت يراعى في قيمته؟ في ((العتبية)) من رواية عيسى، عن ابن القاسم: يضمن قيمته يوم الضياع، وقال في موضع آخر: يضمن قيمته يوم ارتهنه، وهذا إذا لم يقوم الرهن يوم الارتهان، وأما لو قوم الرهن بعشرة دنانير، فضاع فتلك القيمة تلزمه، إلا أن يكونا قد زادا في قيمته أو نقصا، فيرد إلى قيمته، انتهى مختصراً. وقال ابن رشد(٢): وأما تفريق مالك بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه فهو استحسان، ومعنى ذلك أن التهمة تلحق فيما يغاب عليه، ولا تلحق فيما لا يغاب عليه، وقد اختلف في الاستحسان الذي يذهب إليه مالك كثيراً، فضعفه قوم، وقالوا: إنه مثل استحسان أبي حنيفة، وحدّوا الاستحسان بأنه قول بغير دليل، ومعنى الاستحسان عند مالك، هو جمع بين الأدلة المتعارضة، وإذا کان کذلك فليس هو قول بغیر دلیل، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٢٤٤/٥). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٧٨/٢). ٦٥١ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٢) باب يُقَالُ لَهُ: صِفْهُ. فَإِذَا وَصَفَهُ، أُخْلِفَ عَلَى صِفَتِهِ. وَتَسْمِيَةِ مَالِهِ فِيهِ. ثُمَّ يُقَوِّمُهُ أَهْلُ الْبَصَرِ بِذْلِكَ. فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا سَمَّى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ، أَخَذَهُ الرَّاهِنُ. وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا سَمَّى، أُخْلِفَ الرَّاهِنُ عَلَى مَا سَمَّى الْمُرْتَهِنُ. وَبَطَل عَنْهُ الْفَضْلُ الَّذِي سَمَّى الْمُرْتَهِنُ. فَوْقَ قِيمَةِ الرَّهْنِ. وَإِنْ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَحْلِفَ، أُعْطِيَ الْمُرْتَهِنُ مَا فَضَلَ ..... بَعْدَ قِيمَةِ الرَّهْنِ. فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: لَا عِلْمَ لِي بِقِيمَةِ الرَّهْنِ. (ويقال له) أي للمرتهن (صفه) قال الزرقاني(١): فإن اتفقا على وصفه حكم بقيمة تلك الصفة، وإن اختلفا فيه يقال له: صفه (فإذا وصفه أحلف) ببناء المجهول (على صفته) أنها كانت كما وصفه (و) أحلف على (تسمية ما) أي الدين الذي (له) هكذا ضبطه الزرقاني، وعلى هذا فما موصولة و((له)) بلام الجارة المفتوحة، وضبط بالقلم في النسخ المصرية بالجر على اللام، فيكون لفظ المال مضافاً إلى الضمير، (فيه) أي في الرهن أي في مقابلته، وهذا إذا اختلفا في قدر الدين، كما سيأتي في كلام الباجي (ثم يقوّمه) بتشديد الواو من التقويم (أهلُ البصر بذلك) أي أهل الخبرة بالقيمة على الوصف الذي وصفه. (فإن كان فيه) أي المرهون يعني في قيمته (فضل) زيادة (عما سمى فيه المرتهن أخذه الراهن) أي أخذ الفضل (وإن كان) قيمة الرهن (أقل مما سمى) المرتهن من الدين (أخلف) ببناء المجهول (الراهن على ما سمى المرتهن، وبطل عنه الفضل) أي الزائد (الذي سمى المرتهن فوق) أي أكثر من (قيمة الرهن) أي ما ذكر من الدين زائداً على قيمة الرهن. (وإن أبى الراهن أن يحلف) أي نكل عن اليمين (أعطي) ببناء المجهول (المرتهن) أي لزم الراهن أن يعطي المرتهن (ما فضل) أي ما زاد من الدين (بعد قيمة الرهن) لنكوله عن اليمين (فإن قال المرتهن: لا علم لي بقيمة الرهن) (١) ((شرح الزرقاني)) (٧/٤). ٦٥٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٢) باب حُلِّفَ الرَّاهِنُ عَلَى صِفَةِ الرَّهْنِ. وَكَانَ ذُلِكَ لَهُ، إِذَا جَاءَ بِالْأَمْرِ الَّذِي لَا يُسْتَنْكَرُ. كم كانت (حُلّفَ) ببناء المجهول (الراهن على صفة الرهن) قال الزرقاني: لأن المرتهن صار مدّعياً على الراهن (وكان ذلك له) أي كان حلف الراهن مفيداً له (إذا جاء) الراهن في حلفه (بالأمر الذي لا يستنكر) ببناء المجهول أي جاء بأمر لا يكون بعيداً جداً . قال الباجي(١): قوله: يقال له: صِفْه، ثم يحلف على صفته إلى آخر الفصل، معناه إن لم يختلف الراهن والمرتهن في صفة الرهن الذي تلف، ولزم المرتهن ضمانُهُ، إما لتعديه أو لعدم البينة على ضياعه، أو لأن ذلك حكم ما يغاب عليه من الرهون على رواية أشهب عن مالك، فإن اتفقا على صفة الرهن حكم بقيمة تلك الصفة، وإن اختلفا في صفته وقيمته، وصفه المرتهن وحلف على ذلك، وعلى ماله فيه، يريد إن اختلفا في قدر الدين، قال: ثم يقوّم بتلك الصفة، فإن كان في القيمة فضل أخذه الراهن، وإن كان نقص حلف الراهن على ما سمى، وبطل عنه ما زاد على قيمة الرهن، فإن نكل أدى ما زاد على ث قيمة الرهن. ووجه ذلك أن المرتهن غارم، فالقول قوله فيما ينكره مما يدعيه عليه الراهن من صفة الرهن، ويحلف مع ذلك على ما قابله فيه من الدين؛ لأن القول قوله في قدر الدين إلى منتهى قيمة تلك الصفة، فلذلك جمعت له يمينه ما يستحقه بيمينه في هذه الحكومة، فإن حلف فكان في القيمة فضل على الدين أدى الفضل إلى الراهن، وإن كان في الدين فضل على القيمة حلف الراهن على ما سماه المرتهن من دينه، ليسقط عن نفسه ما فضل منه على قيمة رهنه، إن كان ما أَقَرَّ به من الدين أقل من قيمة السلعة. (١) ((المنتقى)) (٢٤٦/٥). ٦٥٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٢) باب وقوله: كان ذلك إذا جاء بالأمر الذي لا يستنكر، يريد أن يأتي بما يشبه من صفة ما يرهن في مثل ذلك الدين، وما يكون له من القيمة فيما يقرب منه على ما جرت به عادة الناس في الرهون، وإنما راعى في ذلك الأمر الذي لا يستنكر؛ لأن المرتهن لم ينكل عن اليمين، ولا اذَّعَى الجهلَ بصفة الرهن على الإطلاق، وإنما ادّعى الجهل بتحقيق الصفة على وجه يحلف عليها، ويكون ذلك صفتها على حقيقتها، فإذا أتى الراهن بصفة تبعد عن مقدارها عنده كان له الرجوع إلى أن يصفها بصفة لا شك أنها أفضل من صفة الرهن، وهي دون الصفة التي وصفها بها الراهن بكثير، فيسقط عن نفسه ما يستنكره من الثمن، ولو سمع وصف الراهن، ثم نكل هو عن اليمين، ورد اليمين عليه، لكان للراهن ما حلف عليه، ولم يعتبر عليه في ذلك ما يستنكر؛ لأن المرتهن قد رضي بذلك حين ردّ عليه اليمين بعد العلم بتلك الصفة، انتهى. وقال الزرقاني(١): قال ابن عبد البر: إذا اختلف في مبلغ الدين، فلا خلاف في مذهب مالك أن القول للمرتهن فيما بينه وبين قيمة الرهن، وقال أبو حنيفة والشافعي: القول للراهن مع يمينه ولا ينظر إلى قيمة الرهن؛ لأن المرتهن مدع، قال إسماعيل القاضي: والحجة لمالك قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَلِبًا فَهَنٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ فجعل الرهن بدلاً من الشهادة؛ لأن المرتهن أخذه وثيقة بحقه فكأنه شاهد له؛ لأنه ينبىء عن مبلغ الدين، وما جاوز قيمته، فلا وثيقة فيه، فكان القول فيه قول الراهن، ووافق مالكاً على الفرق بين ما يغاب عليه، فيضمنه إلا لبينة وبين ما لا يغاب عليه فلا ضمان، إلا أن يظهر كذبُهُ، الأوزاعي وجماعةٌ، وروي عن علي - رضي الله عنه - وقال جماعة: هو مضمون مطلقاً . وقال أبو حنيفة وجماعة: الرهن مضمون بقيمة الدين، وما زاد عليه فهو (١) ((شرح الزرقاني)) (٧/٤، ٨). ٦٥٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٢) باب أمانة، وقال الشافعي وأحمد وجمهور المحدثين: الرهن كله أمانة لا يضمن إلا بما تضمن به الودائع من التعدي والتضييع، سواء كان حلياً أو حيواناً مما يغاب عليه أو لا يغاب، والدين ثابت على حاله، للحديث: ((له غنمه وعليه غرمه))، قالوا: له غلته وخراجه، وعليه غرمه أي فكاكه، ومنه مصيبته، والمرتهن ليس بمتعدٍّ في حبسه، وقال الحنفية: غنمه ما فضل من الدين، وغرمه ما نقص منه، وقال المالكية: غرمه نفقته لا فكاكه، ومصيبته، وإذا كان له الخراج والغلة وهو غنمه، كان الغرم ما قابل ذلك من النفقة، انتهى. وتقدم في ((باب ما لا يغلق من الرهن)) كلام الموفق وغيره في ذلك، وسيأتي الكلام على اختلافهما في مقدار الدين وغيره في ((باب القضاء في جامع الرهون))، وفي ((المحلى)): قال الشافعي وأحمد: الرهن كله أمانة في يد المرتهن حتى لا يسقط شيء من الدين، وقال زفر: الرهن مضمون بقيمته. وقال أبو حنيفة: يضمن بأقل من قيمته، ومن الدين، له ما رواه البيهقي(١) عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في الرجل الذي يرتهن الرهن فيضيع: إن كان أقل مما فيه ردَّ عليه تمام حقه، وإن كان أكثر فهو أمينٌ، وما روى ابن أبي شيبة (٢) عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: إذا كان الرهن أكثر مما رهن له، فهلك فهو بما فيه؛ لأنه أمين في الفضل، وإن كان أقل مما رهن به، فهلك رد الراهن الفضل. وما روي أيضاً عن عمر: ((إذا كان الرهن أكثر مما رهن به فهو أمين في الفضل، وإن كان أقل ردّ عليه))، وأخذ زفر بما رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن علي أنه قال: الراهن والمرتهن يترادّان الفضل بينهما في الرهن، وأجيب (١) ((السنن الكبرى)) (٤٣/٦). (٢) ((المصنف)) (٣٣٤/٥). ٦٥٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٢) باب عنه بأن المراد به ما زاد على حالة البيع، أي إذا باع المرتهن الرهن يرد ما زاد على الدين، فإن كان الدين زائداً يرد الراهن ما زاد من الدين. واحتجَّ الشافعي - رحمه الله - على أنه أمانة بقوله مَ له: ((لا يغلق الرهن الرهن ممن رهن، له غنمه وعليه غرمه))، وادَّعى الزهري أن معنى قوله: ((لا يغلق الرهن)) لا يصير الرهن مضموناً بالدين، لصاحبه غنمه أي زوائده، ((وعليه غرمه)) أي لو هلك هلك على الراهن، ولكن روى أبو داود في ((مراسيله)) أن قوله: ((له غنمه وعليه غرمه)) من كلام ابن المسيب. وذكر الكرخي أن أهل العلم من السلف كطاووس وإبراهيم وغيرهما اتفقوا أن المراد من قوله: ((لا يغلق الرهن)) لا يحبس الرهن عن الراهن احتباساً لا يمكنه فكاكه، بأن يصير مملوكاً للمرتهن، ولم يفهم أحد منهم نفي الضمان عن المرتهن. ومن الأخبار الدالة على وجوب الضمان ما رواه أبو داود في ((مراسيله))، وابن أبي شيبة عن عطاء: أن رجلاً رهن فرساً، فنفق في يده، فقال النبي حَالد للمرتهن: ((ذهب حقك))، وروى أبو داود في ((مراسيله)) أيضاً عن عطاء عنه وَال- قال: ((الرهن بما فيه))، قال ابن القطان: يعني هو مضمون بما رهن فيه. وفي ((آثار الطحاوي)) (١) بسند صحيح عن أبي الزناد: أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى أقوالهم، منهم ابن المسيب وعروة والقاسم وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله في مشيخة من نظرائهم، أهل فقه وصلاح، أنهم قالوا: الرهن بما فيه إذا هلك، وعميت قيمته، ويرفع ذلك منهم الثقة أن النبي ( 8 قال: ((الرهن بما فيه))، انتهى. زاد الطحاوي: فهؤلاء أئمة المدينة وفقهاؤها يقولون: إن الرهن يهلك بما فيه، ويرفعه الثقة منهم إلى النبي ◌َێ . (١) انظر: ((نصب الراية)) (٣٢٢/٤). ٦٥٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٢) باب قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ إِذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ. وَلَمْ يَضَعْهُ عَلَى يَديْ غَيْرِهِ. (قال مالك: وذلك) الذي ذكر من الحكم في القول السابق (إذا قبض المرتهن الرهن) بنفسه (ولم يضعه على يدي غيره) قال صاحب ((المحلى)): فلو وضعه عند غيره يضمن من غير تفصيل، انتهى. وبعكسه قال الزرقاني(١)، إذ قال: فإن كان بيدي غيره فلا ضمان على المرتهن، وإن لم تقم بينة، انتهى. وبذلك جزم الباجي(٢) إذ قال: يريد أن المرتهن إنما يضمن الرهن الذي يغاب عليه على الوجه المذكور إذا كان هو الحائز له، وأما إذا كان موضوعاً بيد غيره بحكم حاكم أو باتفاق الراهن والمرتهن، فلا ضمان على المرتهن في ضياعه، وإن لم تقم بذلك بينةٌ، انتهى. وهذا هو المذهب عند مالك كما جزم به الباجي في مواضع من كتابه في الفروع المختلفة، منها صرح في أول الباب الآتي. وقال الموفق(٣): إن المتراهنين إذا شرطا كون الرهن على يدي رجل، ورضيا به واتفقا عليه جاز، وكان وكيلاً للمرتهن نائباً عنه في القبض، فمتى قبضه صح قبضه، في قول جماعة الفقهاء، منهم عطاء وعمرو بن دينار والثوري وابن المبارك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال الحَكَمُ والحارثُ العُكْلِيّ وقتادةُ وابنُ أبي ليلى: لا يكون مقبوضاً بذلك؛ لأن القبض من تمام العقد، فتعلق بأحد المتعاقدين كالإيجاب والقبول، ولنا، أنه قبض في عقد، فجاز فيه التوكيل كسائر القبوض وفارق القبول؛ لأن الإيجاب إذا كان لشخص كان القبول منه؛ لأنه يخاطب به، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٧/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٧/٥). (٣) ((المغني)) (٤٧٠/٦). ٦٥٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٣) باب (١٣) باب القضاء في الرهن يكون بين الرجلين قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِي الرَّجُلَيْنِ يَكُونُ لَهُمَا رَهْنٌ وقال السرخسي في ((المبسوط)): وقبض العدل للرهن بمنزلة قبض المرتهن له في حكم صحة الرهن وذهابه بالدين إذا هلك عندنا، وهو قول إبراهيم النخعي والشافعي وعطاء والحسن، وقال ابن أبي ليلى: لا يتم الرهن بقبض العدل حتى إذا هلك في يد العدل لم يسقط الدين، قال: لأن العدل نائب عن الراهن فكذا إذا لحقه عهدة يرجع على الراهن، ووجه قولنا أن يد العدل كيد المرتهن بدليل أن ملك العدل رد الرهن برضا المرتهن، ولو كانت يده كيد الراهن لتمكن الراهن من استرداده متى شاء، انتهى. وبسط الباجي(١) في فروع هذا الباب: وقال: فيها ستة أبواب، الأول: في وجوب الحيازة للرهن، وكونها شرطاً في صحته أو إتمامه، الثاني: في صفة الحيازة وتمييزها مما ليس بحيازة. الثالث: فيمن يكون وضع الرهن على يده حيازة وتمييزه من غيره. الرابع: فيمن يوضع على يديه الرهن عند اختلاف المتراهنين، الخامس: فيمن يقوم بالرهن ويلي الإنفاق عليه والاستغلال له. السادس: في حكم العدل الذي يوضع على يده الرهن، ثم بسط الكلام على الأبواب الخمسة الأُوَل أشدَّ بسطٍ . (١٣) القضاء في الرهن يكون بين الرجلين يعني إذا أخذ بكر ديناً من زيد وعمرو ألفاً ألفاً من كل واحد منهما، ورهن عندهما داراً له مثلاً، فكيف يكون القضاء في ذلك؟ (قال مالك في الرجلين) أي في زيد وعمرو، في المثال الذي ذكرناه في الترجمة (يكون لهما رهن) أي يكون عندهما دار لبكر رهناً، وقد أعطيا بكراً (١) ((المنتقى)) (٢٤٧/٥). ٦٥٨ ٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٣) باب بَيْنَهُمَا. فَيَقُومُ أَحَدُهُمَا بِبَيعِ رَهْنِهِ. وَقَدْ كَانَ الآخَرُ أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ سَنَةً. قَالَ: إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُقْسَمَ الرَّهْنُ. وَلَا يَنْقُصَ حَقُّ الَّذِي أَنْظَرَهُ بِحَقِّهِ . ألفاً ألفاً ديناً، وارتهنا داراً له مشتركاً (بينهما) بإزاء دينهما. قال الباجي(١): وهذا على حسب ما قال: إن الرجلين يصح أن يرتهنا رهناً من رجل بحق لهما، وذلك يكون على وجهين: أحدهما: أن يرتهناه في وقت واحد، والثاني: أن يرتهن أحدهما قبل الآخر، ومسألة الكتاب تقتضي أنهما ارتهناه معاً (فيقوم أحدهما) أي زيد مثلاً (يبيع رهنَه) أي يطالب زيد أن يباع حصة رهنه، ويُوَفَّى دينُه . قال الباجي: أضاف الرهن إلى المرتهن لما كان له ثمنه، وكان بيده (وقد كان الآخر) أي عمرو (أنظره) أي أمْهَلَ عمرو بكراً (بحقه) أي بدينه الذي على بكرٍ (سنة) أي يؤديه بَكْرٌ بعد تمام السنة. (قال مالك) في الصورة المذكورة: (إن كان يقدر على أن يقسم) ببناء المجهول (الرهن) أي يكون الرهن صالحاً للقسمة بأن لا ينقص قيمته بالقسمة (ولا ينقص) عطف تفسير لقوله: يقدر على أن يقسم (حق الذي أنظره بحقه) أي لا ينقص حق عمرو بهذه القسمة، قال الباجي: قال في الأصل: إن لم تنقص قسمته حق الذي أنظره بحقه بيع، وفي ((المجموعة)) من رواية ابن القاسم: إن قدر على قسم الرهن بما لا ينقص به حق القائم بحقه قسم، فبيع لهذا نصفه في حقه . قال الباجي: وإنما يراعى في ذلك إدخال القسمة النقص في قيمة الرهن، وإذا دخل النقص في أحد القسمين، فلا بد أن يدخل في الآخر، فتارة أظهر مراعاة حق القائم، وتارة أظهر مراعاة حق الآخر، والمعنى فيهما واحد، لا (١) ((المنتقى)) (٢٥٦/٥). ٦٥٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٣) باب بِيعَ لَهُ نِصْفُ الرَّهْنِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا. فَأُوفِيَ حَقَّهُ. وَإِنْ خِيفَ أَنْ ينقُصَ حَقُّهُ. بِيعَ الرَّهْنُ كُلُّهُ. فَأُعْطِيَ الَّذِي قَامَ بِبَيْعِ رَهْنِهِ، حَقَّهُ مِنْ ذُلِكَ. سيما، وقد ثبت في المسألة أن الرهن بينهما بنصفين، وقد زاد في ((المجموعة)): أن دينهما سواء، انتهى. (بيع له) أي لزيد (نصف الرهن) أي نصف الدار (الذي كان) مشتركاً (بينهما) أي بين زيد وعمرو (فَأُوْفِي) ببناء المجهول (حقُّه) أي أعْطِيَ من قيمة نصف الدار دینُ زید. قال الزرقاني(١): فإن قصر عنه طلبه ببقية حقه، ولم يكن له في بقية الرهن شيء، انتهى. وقال الباجي(٢): فإذا بيع نصف الرهن فكان ثمنه قدر الدين قبضه القائم في حقه، وإن قصر عن الدين طلبه ببقية دينه، ولم يكن له أن يباع شيء من بقية الرهن لتعلق حق صاحبه به، وبقي إلى الأجل الذي أنظره (فإن خيف) بالقسمة (أن ينقص حقه) أي حق عمرو المنظر (بيع الرهن كله) لئلا يتضرر القائم بحقه بالتأخير، ولا المنظر بحقه بالقسمة (فأعطي) ببناء المجهول (الذي قام ببيع رهنه) أي يوفي زيد (حقه من ذلك) في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية ((حصته من ذلك))، والمؤدى واحد أي يؤدي زيد من نصف القيمة . قال الباجي(٣): إن الرهن كله يباع، ويعطى من ذلك، ولم يبين قدر ما يعطى، وقد بين ذلك في ((المجموعة)) من رواية ابن القاسم عن مالك، فقال ابن القاسم: إن القائم يأخذ من نصفه حقه يريد أنه لا سبيل له إلى النصف الذي هو حصة الذي أنظره، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٨/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٥٦/٥). (٣) ((المنتقى)) (٥/ ٢٥٧). ٦٦٠