النص المفهرس
صفحات 621-640
٣٨ - كتاب الأقضية (٧) باب (١٤٣٤) حديث ٩/١٤٣٤ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَقْضِي بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ. قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، أَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ تَجُوزُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ. وَلَا تَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِمْ. وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ وَحْدَهَا. لَا تَجُوزُ فِي غَيْرِ ذُلِكَ ... ٩/١٤٣٤ - (مالك عن هشام بن عروة أن) عمه (عبد الله بن الزبير) الصحابي أمير المؤمنين (كان يقضي بشهادة الصبيان فيما) يقع (بينهم من الجراح) قال أبو عمر(١): اختلف عن ابن الزبير في ذلك، والأصح أنه كان يجيزها إذا جيء بهم في حال نزول النازلة، وروي مثله عن علي - رضي الله عنه - من طرق ضعيفة، اهـ. قال الزرقاني(٢): وبإجازتها قال معاوية وعمر بن عبد العزيز وابن المسيب وعروة والشعبي وابن أبي ليلى والزهري والنخعي بخلف عنه، ولم يجزها الجمهور، وحمل مالك قول ابن عباس بعدم إجازتها على شهادتهم على الكبار، اهـ. (قال مالك: الأمر عندنا) بالمدينة المنوّرة (المجتمع عليه) فيما بينهم (أن شهادة الصبيان تجوز) بتأنيث الصيغة في جميع المواضع من هذا الأثر في النسخ المصرية، وتذكيرها في الهندية بلفظ يجوز (فيما بينهم) فيما يقع (من الجراح) بينهم (ولا تجوز) شهادتهم (على غيرهم) من الكبار (وإنما تجوز شهادتهم فيما بينهم من الجراح وحدها) أي في الجراح خاصة، (لا تجوز في غير ذلك) أي في غير الجراح من الأموال وغيرها، كَرَّره تأكيداً ودفعاً لاحتمال شمول غير (١) انظر: ((الاستذكار)) (٧٨/٢٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٦/٣). ٦٢١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٧) باب (١٤٣٤) حديث إِذَا كَانَ ذُلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا. أَوْ يُخَبَّبُوا أَوْ يُعلَّمُوا. فَإِنِ افْتَرَقُوا فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ. إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَشْهَدُوا الْعُدُولَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ. قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا . الجراح (إذا كان ذلك) أي أخذ الشهادة (قبل أن يتفرقوا) من موضع الجراح (أو يخببوا) بخاء معجمة فموحدتين ببناء المجهول من الخب بالكسر الخداع، كذا ضبطه الزرقاني، وفي النسخ الهندية وبعض المصرية: يخيبوا، بالتحتية بعد الخاء. قال الباجي(١): معناه أن يدخل بينهم كبير أو كبار على وجه يمكنهم أن يلقنوهم الشهادة ويصرفوهم عن وجهها، أو يزينوا لهم الزيادة فيها أو النقصان منها. فإذا كان ذلك لم تقبل شهادتهم وبطلت، اهـ. (أو يعلموا) ببناء المجهول من التعليم أي علَّمَهم ولقنهم أحد (فإن افترقوا) قبل أداء الشهادة (فلا شهادة لهم) أي لا تعتبر لاحتمال التلقين (إلا أن يكونوا) أي الصبيان (قد أشهدوا) الكبار (العدول) جمع عدل (على شهادتهم قبل أن يفترقوا) فتقبل لانتفاء احتمال التلقين. وقال الباجي: في ذلك ثلاثة أبواب: الأول: في ذكر من تجوز شهادته منهم. الثاني: في تبيين الحالة التي تجوز عليها شهادتهم. الثالث: في حكم من تجوز شهادتهم . أما الأول: فاتفق أصحاب مالك على أنها تجوز شهادتهم فيما دون القتل من الجراح، واتفقوا على أنها لا تجوز في الحقوق. قال سحنون: إنما أجزتها في الجراح، ولم أجزها في الحقوق للضرورة؛ لأن الحقوق يحضرها الكبار ولا يحضرون في جراح الصغار في الأغلب، ولو حضرها كبير لم تجز شهادتهم، واختلف أصحابنا في جوازها في القتل، فروى ابن القاسم عن مالك في (كتاب ابن سحنون)) أنها تجوز بينهم في القتل، ومنع ذلك أشهب. (١) ((المنتقى)) (٢٣٠/٥). ٦٢٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٨) باب صَلىالله وَسَمّ (٨) باب ما جاء في الحنث على منبر النبي وأما من ذا الذي تجوز شهادتهم، فروي عن مالك أنها تجوز شهادة الذكور دون الإناث، وقال سحنون: اختلف قول ابن القاسم في شهادة الإناث في الجراح، فلم يجزها في كتاب الشهادات، وأجازها في كتاب الديات، وقال ابن الماجشون: أقل ما يجزىء من شهادة الصبيان غلامان أو غلام وجاريتان، ولا يجوز غلام وجارية، ولا جوار وإن كثرن؛ لأنهن وإن كثرن مقام اثنتين، واثنتان مقام غلام، ولا يحكم بشهادة غلام. قال مالك: ولا تجوز شهادة العبد منهم، زاد ابن الماجشون، ولا شهادة مَنْ على غير الإسلام، ولا ينظر في الصبيان إلى عدالة ولا عداوة، قال محمد: ولم يختلف في أنه لا ينظر إلى عدالة ولا جرحة فيهم، قال سحنون: لأن عداوتهم لا عود لها، يعني لا يثبت، وليس لهم من الحال ما يقصدون به إلى أذى من يعاديهم بمثل هذا. وقال ابن القاسم في ((كتاب ابن المواز)): إذا ثبتت العداوة لم يجز، وهل يجوز لذوي القرابة؟ قال ابن المواز: لا ينظر في شهادتهم إلى جرحة ولا قرابة، وقال عبد الملك: تسقط في قرابة. وأما الثاني: يعني تبيين الحالة، فهي أن لا يكون بينهم كبير، وتقيد شهادتهم قبل أن يفترقوا، فأما الكبير يكون معهم، فإن ذلك يمنع قبول شهادتهم، سواء كان الكبار رجالاً أو نساءً، وهل تراعى العدالة في الكبير الذي یکون معهم؟ مختلف فيه. وأما الثالث: يعني في حكم من تجوز شهادتهم، فإنهم إن شهدوا بقتل صبي لصبي، ففي ((كتاب ابن المواز)) عن ابن القاسم: تلزم العاقلة الدية بلا قسامة، وقال سحنون: عمد الصبي كالخطأ، اهـ ملخصاً. (٨) الحنث - بكسر الحاء المهملة - على منبر النبي وَثل أي الحلف الكاذب عنده، قال الراغب في قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُونَ عَلَى ٦٢٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٨) باب اَلْحِثِ الْعَظِيمِ﴾: أي الذنب المؤثم. وسمي اليمين الغموس حنثاً لذلك، وقيل: حنث في يمينه إذا لم يف بها، وقال المجد: الحنث بالكسر الإثم، والخلف في اليمين، والميل من باطل إلى حق أو عكسه، وفي ((المجمع)) في حديث ((اليمين حِنْثٌ أو مُنْدَمَةٌ)): الحنث فيها نقضها كأنه من الحنث الإثم، يعني أن الحالف إما أن يندم على ما حلف عليه أو يحنث، فيلزمه كفارة. قال ابن رشد (١): أما الأيمان فإنهم اتفقوا على أنها تبطل بها الدعوى عن المدغَّى عليه، إذا لم تكن للمدعي بينةٌ، وكلهم مجمعون على أن اليمين الذي تسقط الدعوى أو تثبتها هي اليمين بالله الذي لا إله إلا هو، وأقاويل فقهاء الأمصار في صفتها متقاربة، وهي عند مالك بالله الذي لا إله إلا هو، لا يزيد عليها، ويزيد الشافعي: الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية. وأما هل تغلظ بالمكان؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فذهب مالك إلى أنها تغلظ بالمكان، وذلك في قدر مخصوص، وكذلك الشافعي، واختلفوا في القدر، فقال مالك: إن من ادّعى عليه بثلاثة دراهم فصاعداً وجبت عليه اليمين في المسجد الجامع، فإن كان في مسجد النبي ◌ّ، فلا خلاف في المذهب أنه يحلف على المنبر، وإن كان في غيره من المساجد، ففي ذلك روايتان: إحداهما حيث اتفق من المسجد، والأخرى عند المنبر، وروى عنه ابن القاسم أنه يحلف فيما له بالٌ في الجامع، ولم يحدد. وقال الشافعي: يحلف في المدينة عند المنبر، وفي مكة بين الركن والمقام، وكذلك يحلف عنده في كل بلد عند المنبر، والنصاب عنده في ذلك عشرون ديناراً، وقال داود: يحلف على المنبر في القليل والكثير، وقال أبو حنيفة: لا تغلظ اليمين بالمكان. (١) ((بداية المجتهد)) (٤٦٦/٢). ٦٢٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٨) باب وسبب الخلاف هل التغليظ الوارد في الحديث على منبر النبي وَلا يفهم منه وجوب الحلف على المنبر أم لا؟ فمن قال: إنه يفهم منه ذلك قال: لأنه لو لم يفهم منه ذلك لم يكن للتغليظ معنى، ومن قال للتغليط معنى غير الحكم بوجوب اليمين على المنبر، قال: لا يجب الحلف على المنبر، اهـ. وما حكي من الإجماع على تغليظه بالصفات ليس بصحيح، رَدَّه البخاري في (صحيحه)) وبسط الاختلاف فيه في شروحه وغيرها ليس هذا محل بيانه. وأما اختلافهم في تغليظه بالزمان والمكان فشائع، وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف من موضع إلى غيره))، قال الحافظ(١): وهو قول الحنفية والحنابلة، وذهب الجمهور إلى وجوب التغليظ، ففي المدينة عند المنبر، وبمكة عند الركن والمقام، وبغيرهما بالمسجد الجامع، واتفقوا على أن ذلك في الدماء والمال الكثير لا في القليل، واختلفوا في حد القليل والكثير، اهـ. وفيه نسبة القول الثاني إلى الجمهور مشكل، وكذا يشكل قوله: إلى وجوب التغليظ، فإن جمهور من قال بالتغليظ ذهبوا إلى استحبابه، لا وجوبه، وكذا قوله: اتفقوا على أنه في المال الكثير مشكل إذ أكثر الظاهرية على إطلاقه. وفي ((الشرح الكبير)) (٢) لابن قدامة: إن رأى الحاكم تغليظها بلفظ أو زمن أو مكان جاز، وظاهر كلام الخرقي أن اليمين لا تغلظ إلا في حق أهل الذمة، ولا تغلظ في حق المسلم، وبه قال أبو بكر، وممن قال لا يشرع التغليظ بالزمان والمكان في حق مسلم أبو حنيفة وصاحباه، وقال مالك والشافعي: تغلظ، ثم اختلفا، فذكر اختلافهما في المكان والنصاب بنحو ما تقدم في كلام (١) ((فتح الباري)) (٢٨٤/٥). (٢) (١١٤/١٢). ٦٢٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٨) باب ابن رشد، إلا أنه حكى فى مذهب الشافعي عند الصخرة ببيت المقدس، وحكى عن ابن حزم: تغلظ في المال القليل والكثير. ثم قال: ولنا قول الله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِلَّهِ لَشَهَدَنْنَا أَحَقٌّ﴾ الآية، ولم يذكر مكاناً ولا زماناً ولا زيادة في اللفظ، واستحلف النبي ونَ ﴿ رُكَانَة في الطلاق، فقال: آلله ما أردتَ إلا واحدة؟ قال: الله ما أردتُ إلا واحدة، ولم يغلظ يمينه بزمن ولا مكان ولا زيادة لفظ، وحلف عمر - رضي الله عنه - لأبيّ - رضي الله عنه - حين تحاكما إلى زيد في مكانه وكانا في بيت زيد، وقال عثمان لابن عمر - رضي الله عنهما -: تحلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه، وفيما ذكروه من التغليظ تقييد لهذه النصوص، ومخالفة للإجماع، فإن ما ذكر عن الخليفتين عمر وعثمان مع من حضرهما لم ينكر، وهو في الشهرة، فكان إجماعاً . وقوله تعالى: ﴿تَحِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوةِ﴾ إنما كان في حق أهل الكتاب، والوصية في السفر، وهي قضية خولف فيها القياس في مواضع؛ منها؛ قبول شهادة أهل الكتاب على المسلمين، ومنها؛ استحلاف الشاهدين، ومنها؛ استحلاف خصومهما عند العثور على استحقاقهما الإثم، وهم لا يعلمون بها أصلاً، فكيف يحتجُّون به، ولما ذكر أيمان المسلمين أطلق اليمين، ولم يقيدها، والاحتجاج بهذا أولى من المصير إلى ما خولف فيه القياسُ، وتُرِك العمل به. وأما حديثهم فليس فيه دليلٌ على مشروعية اليمين على المنبر، إنما فيه دليل على تغليظ الإثم على الحالف، وأما قضية مروان، فمن العجب احتجاجهم بهذا، وذهابهم إلى قول مروان في قضية خالفه فيها زيد، كما سيأتي. وقال ابن المنذر: لا أعلم حجة توجب أن يستحلف في مكان بعينه، ولا يميناً يستحلف بها غير اليمين التي يستحلف بها المسلمون. ٦٢٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٨) باب (١٤٣٥) حديث ١٠/١٤٣٥ - قَالَ يَحْيَى: حدّثنا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وفي الجملة، لا خلاف بين المسلمين في أن التغليظ بالمكانِ والزمانِ والألفاظِ غير واجب، إلا أن ابن الصَّبَّاغ ذكر في وجوب التغليظ بالمكان قولين للشافعي، وخالفه ابنُ القاصِّ، قال: لا خلاف بين أهل العلم أن القاضي حيث استحلَف المدَّعى عليه في عمله وبلد قضائه جاز، وإنما التغليظ بالمكان اختيار منه، فيكون التغليظ عند من رآه اختياراً واستحباباً، انتهى مختصراً. وكذا قال الموفق(١)، إذ قال: وعلى كل حال فلا خلاف بين أهل العلم في أن التغليظ بالزمانِ والمكانِ والألفاظِ غير واجب، ثم ذكر قول ابن الصباغ وابن القاص بلفظ ما تقدم من ((الشرح الكبير)) إلى قوله: اختياراً واستحباباً، انتهى . ١٠/١٤٣٥ - (مالك عن هاشم) بن هاشم، ويقال فيه: هشام بن هشام، هكذا في نسخة الزرقاني، وذكره في النسخ المصرية بلفظ عن هشام بن هشام بن عتبة، وفي النسخ الهندية بلفظ عن هاشم بن عتبة، فنسبه إلى جده الأعلى (ابن عتبة) بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية فموحدة (ابن أبي وقاص) مالك الزهري المدني ثقة من رجال الستة، قال الزرقاني(٢): عُمِّر طويلاً، ومات سنة بضع وأربعين ومائة، وقال الحافظ في ((تهذيبه))(٣): هاشم بن هاشم بن عتبة، ويقال: هاشم بن هاشم بن هاشم بن عتبة، وهو أصح، لأن هاشم بن عتبة قتل بصِفَّيْن سنة سبع وثلاثين، فيبعد أن يكون صاحب الترجمة ابنه لبعد ما بين وفاتيهما، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). (١) ((المغني)) (٢٢٧/١٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢/٤). (٣) ((تهذيب التهذيب)) (٢٠/١١). ٦٢٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٨) باب (١٤٣٥) حديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نِسْطَاسٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي وقال: مات سنة أربع وأربعين ومائة، وقال البخاري عن مكي: سمعت منه سنة أربع، وقال أحمد بن حنبل عن مكي: سمعت منه سنة سبع وأربعين، وقال ابن سعد في الطبقة الخامسة من أهل المدينة: هاشم بن هاشم بن عتبة أمه أم ولد، فولد هاشم بن هاشم هاشماً، وأمه أم عمرو بنت سعد، فكلامه محتمل أن يكون الراوي هو هاشم بن هاشم أو ابنه، وهو الأقرب، انتهى. قال ابن عبد البر: وزعم بعضهم أنه مجهول ليس بشيء، فقد روى عنه مالك وشجاع بن الوليد وأنس بن عياض ومكي بن إبراهيم وغيرهم، ومن روى عنه رجلان ارتفعت عنه الجهالة لمالك عنه مرفوعاً هذا الحديث الواحد، انتھی . (عن عبد الله بن نسطاس) بكسر النون وسين مهملة ساكنة، المدني مولى كندة، وفي ((الاستذكار)) (١): أنه ذهلي(٢) تابعي ثقة، قال مصعب: أبوه نسطاس مولى أبي بن خلف أدرك الجاهلية، قال الزرقاني: وعليه فيكون مولى قريش، وقال الحافظ في ((تهذيبه))(٣): عبد الله بن نسطاس المدني مولنى كندة، روى عن جابر حديث الحلف على المنبر، وقال مسلم: هو مولى آل كثير بن الصلت، وقال غيره: هو أخو عبد الله بن بسطام شيخ الزهري، وقال ابن الحذّاء: كان نسطاس جاهلياً، وهو مولى أبي بن خلف، كذا قال في رجال ((الموطأ)»، والذي يظهر أن نسطاساً والد عبد الله غير مولى أبي بن خلف، انتهى. (عن جابر بن عبد الله الأنصاري) الصحابي ابن الصحابي (أن رسول الله وَلهم قال: من حلف على منبري)، قال مالك: يريد عند منبري، وهو الآن في موضعه (١) (٨٣/٢٢). (٢) هكذا في الأصل ولكن في ((الاستذكار)) هذليٍّ. (٣) ((تهذيب التهذيب)) (٥٦/٦). ٦٢٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٨) باب (١٤٣٥) حدیث الذي كان في زمن النبي 18ّ في وسط المسجد، وهو بعيد من القبلة والمحراب، لأنه زيد في المسجد فكانت اليمين عند منبره وَل﴾ أولى، لأنه موضع مصلاه ◌َّيّة، وأما القبلة والمحراب فشيء بني بعده، قاله الزرقاني(١). وقال الباجي(٢): إنما يريد - والله أعلم - من حلف حانثاً على وجه يأثم به، وإنما ذكر منبره في هذا الحديث على سبيل التعظيم له، والإعلام بتغليظه على من حلف عليه آثماً، وإنما لم يذكر المنبر في الحديث الثاني، فعلم منه أن ذكر المنبر في الحديث الأول على معنى التغليظ، انتهى. وقال التوربشتي: وجه ذكر المنبر عند من لا يرى التغليظ بشيء من الأزمنة والأمكنة أنهم كانوا يتحاكمون ويتحالفون يومئذٍ في المسجد، فاتخذوا جانب الأيمن منه، وهناك المنبر محلاً للأقضية، فذكر في الحديث على ما كان دأبهم، وقال الطيبي: إن لناصر القول الأول أن يقول: وصف المنبر باسم الإشارة بعد إضافته إلى نفسه ليس إلا للتعظيم، فإن للمكان مدخلاً في التعظيم، كذا في ((المحلی)). قلت: وذكر الإشارة وقع في بعض طرق حديث الباب، قال الحافظ(٣): ورد التغليظ في اليمين على المنبر في حديثين: أحدهما: حديث جابر مرفوعاً: ((لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواكٍ أخضر إلا تبَوَّأ مقعده من النار))، أخرجه مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان وابن خزيمة والحاكم وغيرهم، واللفظ الذي ذكرته لأبي بكر بن أبي شيبة . (١) ((شرح الزرقاني)) (٢/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٢/٥). (٣) ((فتح الباري)) (٢٨٥/٥). ٦٢٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٨) باب (١٤٣٥) حديث آئِماً تَبَوَّأَ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). أخرجه أبو داود: ٢١ - كتاب الأيمان والنذور، ٢ - باب ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر النبيّ بَ لـ وابن ماجه في: ١٣ - كتاب الأحكام، ٩ - باب اليمين عند مقاطع الحقوق. ثانيهما: حديث أبي أمامة بن ثعلبة مرفوعاً: ((من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يَسْتَحِلُّ بها مالَ امرىء مسلم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً))، أخرجه النسائي، ورجاله ثقات، انتھی . وفيه أن الوارد في الحديث ((ولو على سواك أخضر)) والقائلون بالتغليظ لم يقولوا بالحلف على المنبر إلا في النصاب، كما تقدم، فهم أيضاً لا يأخذون بهذا الحديث. (آئماً) بالمد وكسر المثلثة، قال ابن عبد البر: كذا رواه يحيى، ورواه القعنبي وابن القاسم وابن بكير والأكثر عن مالك بسنده بلفظ ((من حلف على منبري هذا بيمين آئمة)) والمعنى واحد، وفيه اشتراط الإثم، فلا يقع الوعيد إلا مع تعمد الإثم في اليمين، واقتطاع حق المسلم بها، زاد ابن أبي شيبة في هذا الوجه، ((ولو على سواك أخضر)) (تبوأ) بصيغة المضارع في النسخ الهندية، والماضي في المصرية، أي اتّخذ، وأصل البواء مساواة الأجزاء في المكان، يقال: مكان بواء إذا لم يكن نابياً بنازله، وبوأت له مكاناً سوّيته فَتَبَوَّأ، قاله الراغب(١) (مقعده من النار) وعيدٌ شديدٌ، يفيد أنه من الكبائر العظيمة. قال أبو عمر (٢): مذهبنا أي أهل السنّة في الوعيد أنه لا يتحتم، بل إن شاء الله عزّ وجلّ غفر، وإن شاء عذب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ (١) ((مفردات القرآن)) (ص١٥٨). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٨٤/٢٢). ٦٣٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (٨) باب (١٤٣٦) حديث ١١/١٤٣٦ - وحدّثني مَالِكٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ السَّلَمِيِّ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي أُمامةً؛ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾(١) انتهى. ١١/١٤٣٦ - (مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب) الجهني (عن معبد بن كعب السلمي) بفتحتين نسبة إلى بني سلمة من الأنصار، قال ابن عبد البر: وقول بعض الرواة: عن محمد بن كعب القرظي خطأ، إنما هو معبد بن كعب بن مالك الأنصاري، انتهى. قلت: لا شك أن محمد بن كعب القرظي خطأ، والظاهر عندي أنه اشتبه بمحمد بن كعب السلمي، فإن مسلماً أخرج حديث الباب برواية إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن معبد بهذا السند، ثم أخرجه برواية الوليد بن كثير عن محمد بن كعب أنه سمع أخاه عبد الله بن كعب يحدث أن أبا أمامة الحارثي حدثه أنه سمع رسول الله واله بمثله، قال الحافظ في ((تهذيبه)) (٢): محمد بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي روى له مسلم حديث ((لا يقتطع رجل مسلم)) الحديث، فالحديث للأخوين معاً. (عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري) قائد أبيه إذا عَمِي (عن أبي أمامة) قال النووي(٣): ليس هو أبا أمامة الباهلي صدي بن عجلان المشهور، بل هذا غيره، واسم هذا إياس بن ثعلبة الأنصاري الحارثي من بني الحارث بن الخزرج، وقيل: إنه بلوي، وهو حليف بني حارثة، وهو ابن أخت أبي بردة بن نيار، هذا هو المشهور في اسمه، وقيل: اسمه عبد الله بن ثعلبة، ويقال: ثعلبة بن عبد الله، انتهى. (١) سورة النساء: الآية ٤٨. (٢) (٤٢٢/٩). (٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢/١/ ١٦٠). ٦٣١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٨) باب (١٤٣٦) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ هِ قَالَ: ((مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِم رَدَّه النبي ◌َّ من بدر من أجل أمه، فلما رجع وجدها ماتت، فصلى عليها، وتعقب النووي قول أهل السير إنه مات عند انصراف النبي وَ﴾ من أحد، فصلى عليه . (أن رسول الله وَّ ر قال: من اقتطع) افتعل من القطع (حق امرىء) قال النووي: يدخل فيه من حلف على غير مال، كجلد الميتة والسرجين وغير ذلك من النجاسات التي ينتفع بها، وكذا سائر الحقوق، كحدِّ القذف ونصيب الزوجة في القسم وغير ذلك (مسلم) قال النووي: التقييد بالمسلم لا يدل على عدم تحريم حق الذمي، بل معناه أن هذا الوعيد الشديد الذي ذكر لمن اقتطع حق المسلم، وأما الذمي، فاقتطاع حقه حرام، لكن ليس يلزم أن تكون فيه هذه العقوبة العظيمة، وهذا كله على مذهب من يقول بالمفهوم، وأما من لا يقول به، فلا يحتاج إلى تأويل، وقال القاضي عياض: تخصيص المسلم لكونهم مخاطبين وعامة المتعاملين في الشريعة، لا أن غير المسلم بخلافه بل حكمه حکمه في ذلك، انتهى. وقال الزرقاني(١): اختلف هل قوله: مسلم قيد، فلو اقتطع حق كافر لا يستحق هذا الوعيد، أو ليس بقيد، بل ورد لبيان أن رعاية حق المسلم أشد؛ لأن حرمة حق المسلم أقوى، وقيل: إنما ذكره للدلالة على أن حق الكافر أوجب رعايةً، فإن إرضاء المسلم بإدخاله الجنة يوم القيامة أمر ممكن، فيجوز أن يرضي الله خصمه، فيعفو عن ظالمه، وأما إرضاء الكافر بذلك فغير ممكن، فيكون الأمر صعباً، فإذا كان حق من يتصور الخلاص من ظلمه واجب الرعاية فحق من لا يتصور أولى، انتهى. وقال غيره: جرى على الغالب، وكذلك حكم الذمي والمعاهد. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣/٤). ٦٣٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٨) باب (١٤٣٦) حديث بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ)). قَالُوا: وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَإِنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكِ. وَإِنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكِ. وَإِنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكِ)) قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . أخرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان، ٥٩ - باب وعيد من اقتطع حق مسلم، بيمين فاجرة، بالنار، حديث ٢١٨. (بيمينه) أي بحلفه الكاذب (حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار) قال النووي(١): فيه الجوابان المتقدمان المتكرران في نظائره، أحدهما: أنه محمول على المستحل، فإنه يكفر ويخلد في النار، والثاني: فقد استحق النار ويجوز العفو عنه . (قالوا) أي الصحابة: (وإن كان) الحق وصلية (شيئاً يسيراً يا رسول الله) وَل﴾ (قال: وإن كان) ذلك الحق (قضيباً) فعيل بمعنى مفعول أي غصناً مقطوعاً (من أراك) شجر يستاك بقضبانه، الواحدة أراكة (وإن كان قضيباً من أراك) وفي رواية: وإن كان سواكاً من أراك (وإن كان قضيباً من أراك قالها) أي كررها (ثلاث مرات) لزيادة التنفير وشدة الاهتمام لئلا يتهاونوا بالشيء اليسير. وليس في هذا الحديث عند المصنف ذكر المنبر، ولعله - رحمه الله - أشار بذكر هذا الحديث إلى تأييد ما اختاره من أن الحلف على المنبر لا يكون في الشيء اليسير، ولذا لم يذكر في هذا الحديث، وبذلك تظهر مناسبة ذكره في باب الحلف على المنبر. (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٦١/٢/١). ٦٣٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٩) باب (١٤٣٧) حديث (٩) باب جامع ما جاء في اليمين على المنبر ١٢/١٤٣٧ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطَفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِيِّ يَقُولُ: اخْتَصَمَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُ مُطِيعٍ فِي دَارٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا. إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَم. وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ. فَقَضَى مَرْوَانُ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِالْيَمِينِ عَلَى لْمِنْبَرِ. (٩) جامع ما جاء في اليمين على المنبر أي الأحاديث المتفرقة في ذلك ١٢/١٤٣٧ - (مالك عن داود بن الحصين) بمهملتين مصغراً (أنه سمع أبا غطفان) بمعجمة فمهملة ففاء مفتوحات (ابن طريف) بفتح الطاء وكسر الراء المهملتين (المري) بضم الميم وتشديد الراء المهملة (يقول: اختصم زيد بن ثابت) الأنصاري الصحابي الشهير (وابن مطيع) هو عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي المدني له رؤية، وكان رأس قريش يوم الحرة، وأَمَّره ابن الزبير على الكوفة، ثم قتل معه سنة ٧٣هـ. قال صاحب ((المحلى)): ولد في عهد النبي وَلّر، وذهب به أبوه وكان اسم أبيه العاصي فسماه مطيعاً، انتهى. من رواة البخاري في ((الأدب المفرد)» ومسلم. (في دار كانت بينهما) قال الباجي(١): واختصامهما في دار لا ندري من الطالب، من المطلوب، ولا هل كانت للطالب بينةٌ أو كيف كان حكمها؟ (إلى مروان بن الحكم) الأموي (وهو أمير على المدينة) من جهة معاوية (فقضى) أي حكم (مروان) بن الحكم (على زيد بن ثابت باليمين) يحلف (على المنبر) أي عنده. (١) ((المنتقى)) (٢٣٦/٥). ٦٣٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٩) باب (١٤٣٧) حدیث فَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَحْلِفُ لَهُ مَكَانِي. قَالَ فَقَالَ مَرْوَانُ: لَا وَاللَّهِ إلَّا عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ. قَالَ فَجَعَلَ زَيْدُ بْنِ ثَابِتٍ يَحْلِفُ أَنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ. وَيَأْبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمِنْبَرِ. قَالَ فَجَعَلَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَم يَعْجَبُ مِنْ ذُلِكَ. (فقال زيد بن ثابت: أحلف له) أي للخصم (مكاني) هذا أي ههنا (قال) أبو غطفان: (فقال مروان: لا) تحلف (والله إلا عند مقاطع الحقوق) أي في المحل الذي تقطع فيه الحقوق، وهو المنبر (قال) أبو غطفان: (فجعل زيد يحلف) في مكانه (أن حقه لحق) ثابت على الخصم (ويأبى) زيد (أن يحلف على المنبر) قال الباجي: ولم يكن زيد يقول: إنه لا يلزمه ذلك، وإنما كان يمتنع منه إعظاماً له، وقد روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يكره ذلك، وإن كان صادقاً ويقول: أخشى أن يوافق قدراً، فيقال: إن ذلك لیمینه، انتھی. وقال مالك: كره زيد صبر اليمين، وقال الشافعي: بلغني أن عمر - رضي الله عنه - حلف على المنبر في خصومة كانت بينه وبين رجل، وأن عثمان ردّت عليه اليمين على المنبر، فافتدى منها، وقال: أخاف أن توافق قدر بلاء، فيقال بيمينه، قاله الزرقاني(١)، قلت: ما حكي عن عمر وعثمان ــ رضي الله عنهما - يخالفه ما تقدم عنهما في أول الباب. (قال) أبو غطفان: (فجعل مروان بن الحكم يعجب من ذلك) أي من امتناع زيد الحلف على المنبر مع حلفه في محله على صدق دعواه. قال الموفق(٢): وأما قصة مروان، فمن العجب احتجاجهم بها وذهابهم إلى قول مروان في قضية خالفه زيد فيها، وقول زيد فقيه الصحابة وقاضيهم (١) ((شرح الزرقاني)) (٤/٤). (٢) («المغني)) (١٤/ ٢٢٧). ٦٣٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٩) باب (١٤٣٧) حديث وأفرضهم أحق أن يحتج به من قول مروان، فإن قول مروان لو انفرد ما جاز الاحتجاج، فكيف يجوز الاحتجاج به على مخالفة إجماع الصحابة، وقول أئمتهم وفقهائهم، ومخالفة فعل النبي وَّ، وإطلاق كتاب الله؟ وهذا لا يجوز، انتھی . وقال الشافعي رحمه الله: واليمين على المنبر مما لا خلاف فيه عندنا في قديم ولا حديث، فعاب قولنا هذا عائبٌ، ترك فيه موضع حجتنا بسنّة رسول الله ◌َ له والآثار بعده عن الصحابة، وزعم أن زيد بن ثابت لا يرى اليمين على المنبر، وإنا روينا عنه ذلك، وخالفناه إلى قول مروان، فما منع زيد لو لم يعلم أن اليمين على المنبر حق أن يقول: مقاطع الحقوق مجلس الحكم، وقد قال له أعظم من هذا. أتحل الربا يا مروان؟ فقال: أعوذ بالله، قال: فالناس يتبايعون الصكوك قبل أن يقبضوها، فبعث مروان الحرس ينتزعونها من أيدي الناس، فإذا لم ينكر مروان على زيد هذا، فكيف ينكر عليه في نفسه، أن يقول: لا يلزمني اليمين على المنبر، لقد كان زيد من أعظم أهل المدينة عند مروان، وأرفعهم منزلة، ولكن علم زيد أن ما قضى به مروان حق، وكره أن تصبر یمینه(١)، انتهى. وفيه أن زيداً إن زعم أن ما قال مروان حق ثابت بالسنّة، فإنكاره على قبوله مع حلفه في مكانه مما لا يقبل، ولذا ترجم البخاري على هذه القصة، ((باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين. ولا يصرف من موضع إلى غيره)). قال الحافظ(٢): كأنّ البخاري احتجّ بأن امتناع زيد بن ثابت من اليمين (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٤/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٢٨٥/٥). ٦٣٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٩) باب (١٤٣٧) حديث قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يُحَلَّفَ أَحَدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، عَلَى أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ . وَذلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. على المنبر يدل على أنه لايراه واجباً، والاحتجاج بزيد بن ثابت أولى من الاحتجاج بمروان، وقد جاء عن ابن عمر - رضي الله عنهما - نحو ذلك، فروى أبو عبيد في ((كتاب القضاء)) بإسناد صحيح عن نافع أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان وصي رجل، فأتاه رجل بصك، قد درست أسماء شهوده، فقال ابن عمر: يا نافع! اذهب به إلى المنبر، فاستحلفه، فقال الرجل: يا ابن عمر! أتريد أن تسمع بي الذي يسمعني هنا، فقال ابن عمر: صدق فاستحلفه مكانه. وقد وجدت لمروان سلفاً في ذلك، فأخرج الكرابيسي في ((أدب القضاء)) بسند قوي إلى سعيد بن المسيب قال: ادَّعَى مدع على آخر أنه اغتصب له بعيراً، فخاصمه إلى عثمان، فأمره عثمان - رضي الله عنه - أن يحلف عند المنبر، فأبى، وقال: أحلف له حيث شاء غير المنبر، فأبى عليه عثمان أن لا يحلف إلا عند المنبر، فغرم له بعيراً مثل بعيره ولم يحلف، انتهى. (قال مالك: لا أرى أن يُحَلَّف) ببناء المجهول من التحليف (أحد على المنبر على أقل من ربع دينار، وذلك) أي ربع الدينار (ثلاثة دراهم) فلا يُحَلَّفُ على أقل من ثلاثة دراهم، وذلك لما تقدم في أول الباب الماضي أن الجمهور من الذين قالوا بالتغليظ اتفقوا على أنه لا يغلظ في القليل التافه، واختلفوا في مقداره، وهذا الذي ذكر مذهب الإمام مالك، وقال الشافعي رحمه الله: لا يحلف على أقل من عشرين ديناراً، وقال داود وابن حزم: يُغَلَّظُ في القليل والكثير . وقال العيني(١): روى ابن جريج عن عكرمة قال: أبصر عبد الرحمن بن (١) ((عمدة القاري)) (٥٥٤/٩). ٦٣٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٠) باب (١٠) باب ما لا يجوز من غلق الرهن عوف - رضي الله عنه - قوماً يحلفون بين المقام والبيت، فقال: أعليّ دم؟ قيل: لا، قال: أفِعْلِى عظيم من المال؟ قال: لا، قال: خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام، قال: ومنبر النبي صَلّم في التعظيم مثل ذلك؛ لما ورد فيه من الوعيد على من حلف عنده بيمين كاذبة، انتهى. (١٠) ما لا يجوز من غلق الرهن هو بتسكين الهاء توثيق الدين بالعين، وهو حبس المال توثيقاً لاستيفاء الدين، والرهن محركاً المرهون، كذا في ((المحلى))، وقال الراغب(١): الرهن ما يوضع وثيقة للدين، والرهان مثله، لكن يختص بما يوضع في الخطار، وأصلهما مصدر، يقال: رهنت الرهن وراهنته رهاناً، فهو رهين، ومرهون، ويقال في جمع الرهن: رِهَانٌ ورُهُنُ ورُهُونٌ، انتهى. وفي ((المجمع)): الرهينة الرهن، ثم استعملا في معنى المرهون. وقال الموفق(٢): الرهن في اللغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن أي راكد، وقيل: هو من الحبس، وفي الشرع: المال الذي يجعل وثيقة بالدين لیستوفی من ثمنه إن تعذر استیفاؤه ممن هو عليه، انتهى. وقال ابن عابدين: الرهن لغة: حبس الشيء بأيّ سبب كان، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةُ﴾ أي مرهونة، ويطلق الرهن على المرهون تسمية للمفعول بالمصدر، وشرعاً: حبس شيء مالي بحق مالي يمكن استيفاؤه منه، انتھی. وأما غلقه، فقد قال الجوهري وغيره: غلق الرهن بغين معجة مفتوحة (١) ((مفردات القرآن)) (ص٣٦٧). (٢) ((المغني)) (٤٤٣/٩). ٦٣٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٠) باب (١٤٣٨) حديث ١٣/١٤٣٨ - قَالَ يَحْيَى: حدّثنا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ولام مكسورة وقاف يغلق بفتح أوله واللام غلقا بفتح الغين واللام أي استحقه المرتهن إذا لم يفتك في الوقت المشروط. قال الباجي(١): غلق الرهن معناه أن لا يفك، يقال: غلق الرهن إذا لم يفك، فمعنى الترجمة أنه لا يجوز أن يعقد الرهن على وجه يؤول إلى المنع من فکه، انتھی. وقال أبو عبيد: لا يجوز لغةً غلق الرهن إذا ضاع، إنما يقال: غلق إذا استحقه المرتهن، فذهب به، وكان هذا من فعل الجاهلية أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن، فأبطله الإسلام، كذا في ((النهاية)). وفي ((المغني)): غلق الرهن استحقاق المرتهن إياه لعجز الراهن عن فکاکه، انتهى. ١٣/١٤٣٨ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب) التابعي الشهير (أن رسول الله وَ ليل قال) قال ابن عبد البر(٢): أرسله رواة ((الموطأ)) إلا معن بن عيسى، فوصله عن أبي هريرة، ومعن ثقة، لكن أخشى أن علي بن عبد الحميد روايه عن مجاهد بن موسى عن معن أخطأ في وصله، لكن تابعه أبو بكر بن جعفر عن مجاهد، والأصح إرساله، وإن وصل من جهات كثيرة، فكلها معللة، وزاد فيه بعض الرواة: له غنمه وعليه غرمه، واختلف في رفع هذه الزيادة، وأنها من كلام ابن المسيب، انتهى. قلت: وبسط الزيلعي في ((نصب الراية))(٣) في تخريج هذا الحديث، (١) ((المنتقى)) (٢٣٩/٥). (٢) انظر: ((التمهيد)) (٤٢٥/٦، ٤٢٦). (٣) (٣١٩/٤). ٦٣٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (١٠) باب (١٤٣٨) حديث ((لَا يَغْلَقُ الرَّهْرُ)). ورَجَّحَ وصله، وذكر جماعة رواةٍ ذكروه موصولاً، وذكر الاختلاف في رفع الزيادة، ووقفها على ابن المسيب، فراجعه، وقال في آخر البحث: قال صاحب ((التنقيح)): وقد صَحَّحَ اتصالَه الدارقطنيُّ وابنُ عبد البر وعبدُ الحق، وقد رواه أبو داود في ((المراسيل)) من رواية مالك وابن أبي ذئب والأوزاعي وغيرهم عن الزهري عن سعيد بن المسيب، وكذلك رواه الثوري وغيره عن ابن أبي ذئب مرسلاً، وهو المحفوظ، وزاد ابن الجوزي في ((التحقيق)) في متن هذا الحديث، قال إبراهيم النخعي: كانوا يرهنون، ويقولون: إن جئتك بالمال إلى وقت كذا وإلا فهو لك، فقال النبي ◌َّ ذلك، انتهى. (لا يغلق الرهن) بفتح الياء واللام، والرواية برفع القاف على الخبر أي لا يذهب ويتلف باطلاً، وذكر صاحب ((الدر المنضد)) أن ((لا)) نافية، أو ناهية، فعليه تكسر القاف، لكنه لم يفصح بأنه روي بالوجهين، وقد أفصح أبو عمر بأن الرواية بالرفع خبر، وهو أبلغ في النهي من صريح النهي، قاله الزرقاني(١)، وضبطه بالقلم في ((موطأ محمد))(٢) ببناء المجهول، وفي ((المحلى)): برفع القاف على الخبر، يقال: غلق الرهن غلوقاً إذا بقي في يد المرتهن لا يقدر راهنه على تخليصه، والمعنی لا يستحقه المرتهن إذا لم يستفكه، انتهى. وفي ((المجمع)) عن الطيبي: لا يغلق الرهن الرهن من صاحبه الذي رهنه هو بفتح ياء ولام، والرهن الأول مصدر، والثاني مفعول أي لا يستحقه مرتهنه إذا لم يؤد الراهن ما يرهنه به، وضمن غلق معنى منع أي لا يمنع الرهن المرهون من تصرف مالكه فيه، فله غنمه أي منافعه، وعليه غرمه أي هلاكه ونقصه، انتهى. (١) (شرح الزرقاني)) (٥/٤). (٢) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٤٢/٣). ٦٤٠