النص المفهرس
صفحات 581-600
٣٨ - كتاب الأقضية (٣) باب قالَ مَالِكٌ: فَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الَّذِي يُجْلَدُ الْحَدَّ ثُمَّ تَابَ وأَصْلَحَ. تَجُوزُ شَهَادَتُهُ. وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذُلِكَ. معطوف على قوله: ((﴿فَأَجْلِدُوهُمْ﴾)) والعطف للاشتراك، فيكون ردُّ الشهادة من الحد، وهو لا يرتفع بالتوبة، والاستثناء تعقب جملة منقطعة، وهي جملة مستأنفة، فإنها تخالف لما قبلها بكونها إخبارية غير مخاطب بها الأئمة، اهـ. (قال مالك: فالأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا) بالمدينة المنوّرة (أن الذي يجلد) ببناء المجهول (الحد ثم تاب) عن قذفه (وأصلح) عمله أي غلب عليه صلاح العمل كما سيأتي (تجوز شهادته، وهو) أي هذا القول (أحبّ ما سمعت إليّ) متعلق بأحبّ (في ذلك) متعلق بسمعت. قال الباجي(١): وفي أيّ شيء تقبل شهادته؟ روى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك تقبل شهادته في كل شيء إلا القذف، وقال ابن كنانة في ((المجموعة)): من حُدَّ في قذف أو زنا قبلت شهادته في القذف والزنا وغيره، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وجه القول الأول ما طبع عليه الخلق أن من كانت به وصمةٌ أو تورّط في أمر حرص أن يلحق ذلك بغيره من الناس ليساووه، وينفي عنه مَعَرَّة ذلك، فيتهم أن يشهد على غيره بما وافقه ليساويه، ووجه القول الثاني أن حكمنا بعدالته ينفي مثل هذه التهمة عنه، فإذا قبلنا شهادته في غير ذلك من الحد وجب أن تقبل شهادته في القذف، اهـ. وقال الموفق(٢): إن الحاكم إذا شهد عنده فاسقٌ فرَدَّ شهادته لفسقه، ثم تاب وأصلح وأعاد تلك الشهادة لم يكن له أن يقبلها، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور والمزني وداود: تقبل، قال ابن المنذر: والنظر (١) ((المنتقى)) (٢٠٨/٥). (٢) ((المغني)) (١٩٥/١٤). ٥٨١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣) باب يدل على هذا لأنها شهادة عدل، فتقبل كما لو شهد وهو كافر، فردّت شهادته، ثم شهد بها بعد إسلامه. ولنا أنه مُتَّهَمٌ في أدائها، لأنه يُعَيَّرُ بردها، ولحقته غضاضة لكونها ردّت بسبب نقص يتغير به، وصلاح حاله بعد ذلك من فعله يزول به العار، فتلحقه تهمة في أنه قصد إظهار العدالة لتقبل، فيزول ما حصل بردها، وفارق ما إذا ما ردت شهادة كافر لكفره أو صبي لصغره أو عبد لرقه، ثم أسلم الكافر، وبلغ الصبي، وعتق العبد، وأعادوا تلك الشهادة، فإنها لا تُرَدُّ، لأن البلوغ والحرية ليسا من فعل الشاهد، فيُتّهم في أنه فعلهما لتقبل شهادته، والكافر لا يرى كفره عاراً، ولا يترك دينه من أجل شهادة ردّت عليه، وقد روي عن النخعي والزهري وقتادة وأبي الزناد ومالك أنها تردُّ أيضاً في حق من أسلم وبلغ، وعن أحمد رواية أخرى كذلك، لأنها شهادة مردودة، فلم تقبل كشهادة من كان فاسقاً، وقد ذكرنا ما يقتضي فرقاً بينهما فيفترقان، اهـ. وفي ((الدر المختار)) (١): الفاسق إذا تاب تقبل شهادته إلا المحدود بقذف، قال ابن عابدين: قال قاضيخان: الفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته ما لم يمضِ عليه زمان يظهر أثر توبته، ثم بعضهم قدّر ذلك بستة أشهر، وبعضهم قدّر بسنة، والصحيح أنه مفوض إلى رأي القاضي والمَعِّدل، وفي ((خزانة المفتين)): كل شهادة ردت لتهمة الفسق إذا أعادها لا تقبل، اهـ. ثم في قول مالك المذكور أناط الحكم على التوبة وصلاح العمل كليهما، لكن المعروف عند المالكية أن المؤثر فيه صلاح العمل فقط. قال الباجي: ليس من شرط توبته ولا مؤثراً في قبول شهادته رجوعه عن قذفه، وإنما يعتبر في ذلك بصلاح حاله، رواه ابن القاسم عن مالك في (١) (٢٢١/٨). ٥٨٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣) باب ((المجموعة)) قال: ولا يقول له الإمام: تُبْ، ولو قال: تُبْتُ لم ينفعه ذلك، ولو قال: لا أتوب لم يضره ذلك، لأن قول الإنسان: تبت لا يقبل منه، ولا ينقله عن حالة الفسق حتى يظهر من أفعاله ما يستدل به على ذلك، وقال الشافعي: توبته تكذيبه نفسه، وبلغني عن القاضي أبي الحسن نحوه. وجه قول مالك أن هذه توبة من ذنب، فكانت بالاستغفار والعمل الصالح كسائر الذنوب. وجه القول الثاني أن المعصية إذا كانت بالأقوال، فالتوبة منها بالقول، وتكذيب نفسه كالردة، لما كانت قولاً كانت التوبة منها بتكذيب قوله المتقدم، اهـ. وفي ((المحلى)): عند مالك يعتبر صلاح العمل مع التوبة لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ﴾ وهو قول للشافعي، وقيل: لا يعتبر لأن عمر - رضي الله عنه - قال لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك، وقد يجاب بأن أبا بكرة كان من العباد، فصلاح العمل كان ثابتاً، اهـ. وقال الموفق(١): ظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يعتبر في ثبوت أحكام التوبة من قبول الشهادة وصحة ولايته في النكاح إصلاح العمل، وهو أحد القولين للشافعي، وفي القول الآخر يعتبر إصلاح العمل إلا أن يكون ذنبه الشهادة بالزنا، ولم يكمل عدد الشهود، فإنه يكفي مجرد التوبة من غير اعتبار إصلاح، وما عداه فلا تكفي التوبة حتى تمضي عليه سنة تظهر فيها توبته، ويتبين فيها صلاحه، وذكر أبو الخطاب هذه رواية لأحمد، لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾(٢) وهذا نصٌّ فإنه نهى عن قبول شهادتهم، ثم استثنى التائب المصلح. (١) ((المغني)) (١٩٤/١٤). (٢) سورة البقرة: الآية ١٦٠. ٥٨٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣) باب ولأن عمر رضي الله عنه لما ضرب صبيغاً أمر بهجرانه حتى بلغته توبته، فأمر أن لا يكلم إلا بعد سنة. ولنا، قوله وَله: ((التوبة تَجُبُّ ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له»، ولأن التوبة من الشرك بالإسلام، لا تحتاج إلى اعتبار ما بعده، وهو أعظم الذنوب كلها، فما دونه أولى، فأما الآية فيحتمل أن يكون الإصلاح، هو التوبة، وعطفه عليها، لاختلاف اللفظين، ودليل ذلك قول عمر - رضي الله عنه - لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك، ولم يعتبر أمراً آخر، ولأن من كان غاصباً، فرد ما في يديه، أو مانعاً للزكاة فأداها، وتاب إلى الله قد حصل منه الإصلاح. وعلم نزوعه عن معصيته بأداء ما عليه، ولو لم يرد التوبة ما أدى ما في يديه، ولأن تقييده بالسنة تحَكُّمٌ لم يرد الشرع به، والتقييد إنما يثبت بالتوقيف . وما ورد عن عمر - رضي الله عنه - في حق صبيغ إنما كان لأنه تائب من بدعة، وكانت توبته بسبب الضرب والهجران، فيحتمل أنه أظهر التوبة تستراً بخلاف مسألتنا، وقد ذكر القاضي أن التائب من البدعة يعتبر له مضيّ سنة، لحديث صبيغ، رواه أحمد، قال: ومن توبته أن يجتنب من كان يواليه من أهل البدع، ويوالي من كان يعاديه من أهل السنة، والصحيح أن التوبة من البدعة كغيرها إلا أن تكون التوبة بفعل يشبه الإكراه، كتوبة صبيغ، فيعتبر له مدة تظهر " أن توبته على إخلاص، لا عن إكراه. وللحاكم أن يقول للمتظاهر بالمعصية: تب أقبل شهادتك، قال مالك: لا أعرف هذا. قال الشافعي: كيف لا يعرفه، وقد أمر النبي وَله بالتوبة، وقاله عمر - رضي الله عنه - لأبي بكرة، اهـ. وتقدم قريباً ما في (الدر المختار)) وشرحه . ٥٨٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (٤) باب القضاء باليمين مع الشاهد (٤) القضاء باليمين مع الشاهد قال الموفق(١): أجمع المسلمون على أنه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة شهود، وقد نص الله تعالى عليه بقوله سبحانه: ﴿لَوْلَا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّلْ﴾(٢) الآية. في آي سواها، وأجمعوا على أنه يشترط كونهم مسلمين عدولاً ظاهراً وباطناً، سواء كان المشهود عليه مسلماً أو ذمياً، وجمهور العلماء على أنه يشترط أن يكونوا رجالاً أحراراً، فلا تقبل شهادة النساء ولا العبيد، وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وشذَّ أبو ثور فقال: تقبل فيه شهادة العبيد، وحكي عن عطاء وحماد أنهما قالا: تجوز شهادة ثلاثة رجال وامرأتین. ولا يقبل فيما سوى الأموال مما يطَّلِعُ عليه الرجال أقل من رجلين، وهذا القسم نوعان؛ أحدهما، العقوبات، وهي الحدود والقصاص، فلا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، إلا ما روي عن عطاء وحماد أنهما قالا: يقبل فيه رجل وامرأتان، والثاني، ما ليس بعقوبة كالنكاح والرجعة والطلاق وأشباه هذا، فقال القاضي: المعول عليه في المذهب أن هذا لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين، ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال. ولا يثبت شيء من هذين النوعين بشاهد ويمين المدعي، لأنه إذا لم يثبت بشهادة رجل وامرأتين، فلأن لا يثبت بشهادة واحد ويمين أولى، قال أحمد ومالك في الشاهد واليمين: إنما يكون ذلك في الأموال خاصة. لا يقع في حدٍّ ولا نكاح ولا طلاق ولا عتاقة ولا سرقة ولا قتل. وقد قال الخرقي: إذا ادّعى العبد أن سيده أعتقه، وأتى بشاهد، وحلف (١) («المغني)) (١٢٥/١٤). (٢) سورة النور: الآية ١٣. ٥٨٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب مع شاهده صار حراً، نص عليه أحمد، وقال في شريكين في عبدٍ اذَّعَى كل واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه، وكانا معسرين عدلين، فللعبد أن يحلف مع كل واحد منهما، ويصير حراً، أو يحلف مع أحدهما، ويصير نصفه حراً، فيخرج مثل هذا في الكتابة والولاء والوصية والوديعة والوكالة، فيكون في الجميع روايتان. ما خلا العقوبات البدنية والنكاح وحقوقه، فإنها لا تثبت بشاهد ويمين قولاً واحداً. قال القاضي: المعمول عليه في جميع ما ذكرنا أنه لا يثبت إلا بشاهدين. وهو قول الشافعي، وروى الدارقطني عن أبي هريرة أن النبي (أَل قال: استشرت جبرائيل(١) في القضاء باليمين مع الشاهد، فأشار عليَّ في الأموال، لا تعدُ(٢) ذلك، وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي ◌َّل ((أنه قضى بالشاهد واليمين؟ قال: نعم في الأموال))، وتفسير الراوي أولى من تفسير غيره، رواه الإمام أحمد وغيره، ولا يقبل في الأموال أقل من رجل وامرأتين، ورجل عدل مع يمين الطالب. وجملة ذلك أن المال كالقراض، والغصب، والديون كلها، وما يقصد به المال كالبيع، والوقف، والإجارة، والهبة، والصلح، والمساقاة، والمضاربة، والشركة، والوصية له والجناية الموجبة للمال كجناية الخطأ، وعمد الخطأ، والعمد الموجب للمال، دون القصاص كالجائفة تثبت بشهادة رجل وامرأتين. وقال أبو بكر: لا تثبت الجناية في البدن بشهادة رجل وامرأتين، لأنها جناية. فأشبهت ما يوجب القصاص، والأول أصحُّ، لأن موجبها المال، فأشبهت البيع، ولا خلاف في أن المال يثبت بشهادة النساء مع الرجال، وقد (١) في ((المغني)) جبريل. (٢) في ((المغني)) ((لا تعدُو)). ٥٨٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب نَصَّ الله تعالى على ذلك في كتابه بقوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ الآية. وأجمع أهل العلم على القول به، وأكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدّعيه بشاهد ويمين، روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهو قول الفقهاء السبعة، وعمر بن عبد العزيز والحسن وشريح وأياس، وعبد الله بن عتبة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن وربيعة ومالك وابن أبي ليلى، وأبي الزناد، والشافعي. وقال الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي والأوزاعي: لا يقضى بشاهد ويمين، وقال محمد بن الحسن: من قضى بالشاهد واليمين نقضت حكمه. لأنه تعالى قال: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾ فمن زاد في ذلك فقد زاد في النص، والزيادة في النص نسخ، ولأنه وَ الر قال: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) فحصر اليمين في جانب المدعى عليه كما حصر البينة في جانب المدعي. ولنا؛ ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ((قضى رسول الله وَله باليمين مع الشاهد الواحد)) رواه سعيد بن منصور في ((سننه)) والأئمة في ((السنن)) و((المسانيد))، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وفي الباب عن علي وابن عباس وجابر وسُرَّقٍ(١)، قال النسائي: إسناد حديث ابن عباس في اليمين مع الشاهد إسناد جيد، ولا حجة لهم في الآية لأنها دلت على مشروعية الشاهدين، والشاهد والمرأتين ولا نزاع فيه، وقولهم: إن الزيادة في النص نسخ غير صحيح، لأن النسخ الرفع والإزالة، والزيادة في الشيء تقرير له لا رفع، وحديثهم ضعيف، وليس هو للحصر بدليل أن اليمين تشرع في حق المُؤدِع إذا ادّعى رد الوديعة وتلفها وغير ذلك من الأمور، انتهى مختصراً. وقال العيني(٢) فيمن لم يقل بالشاهد واليمين: هو مذهب ابن شبرمة وابن أبي ليلى وعطاء والنخعي والشعبي والأوزاعي والكوفيين والأندلسيين من أصحاب مالك، اهـ. (١) في الأصل مسروق، وهو تحريف. (٢) ((عمدة القاري)) (٩/ ٥٤٢). ٥٨٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب وزاد الزرقاني(١) فيهم الثوري والحكم والزهري بخلف (٢) عنه، وفي ((المحلى)): قال النووي: جاءت أحاديث كثيرة في هذه المسألة من رواية علي وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعمارة بن حزم وسعد بن عبادة وعبد الله بن عمر والمغيرة، وهو حجة جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال: وأورد الشيخ السيوطي في ((جمع الجوامع)) هذا الحديث من رواية مسلم وأحمد وأبي داود وابن ماجه عن ابن عباس، ومن رواية أحمد والترمذي وابن ماجه عن جابر، ومن رواية أبي داود والترمذي عن أبي هريرة، ومن رواية أحمد والطبراني عن عمارة بن حزم، ومن رواية الطبراني وأبي نعيم في ((الحلية)) عن زيد بن ثابت، ومن رواية البيهقي عن علي وعمر - رضي الله عنهم أجمعين -. ولم يعمل به الحنفية لمخالفة الكتاب والسنّة المشهورة، وعن الزهري في اليمين مع الشاهد أنه بدعة، وأول من قضى به معاوية، رواه ابن أبي شيبة، قال محمد: ذكر ذلك ابن أبي ذئب عنه، قال: سألته عن اليمين مع الشاهد، فقال: بدعة، وأول من قضى به معاوية، وكان ابن شهاب أعلم عند أهل المدينة بالحديث عن غيره، وكذلك ابن جريج أيضاً عن عطاء بن أبي رباح، أنه قال: كان القضاء الأول لا يقبل إلا شاهدان، فأول من قضى باليمين مع الشاهد عبد الملك، اهـ. وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود))، وقال النبي ◌َّ: شاهداك أو يمينه، وعن ابن شبرمة كلّمني (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٣/٣). (٢) أي على اختلاف عنه. ٥٨٨ ٦٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٠) حديث ٥/١٤٣٠ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَالآلِ أبو الزناد في شهادة الشاهد ويمين المدعي، فقلت: قال تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ﴾ الآية، فإذا كان يكتفي بشهادة شاهد ويمين المدعي، فما يحتاج أن تذكر إحداهما الأخرى ما يصنع بذكر هذه الأخرى. وبسط الحافظان(١) ابن حجر والعيني في مرجحات ما اختاره، والرد على مخالفهما بما يليق بشأنهما من البسط والتفصيل، الذي لا يسعه هذا المختصر . وفي ((الدر المختار)): واليمين لا ترد على مدع، لحديث: ((البينة على المدعي))، وحديث ((الشاهد واليمين)) ضعيف، بل رَّدَّه ابنُ معين، بل أنكره الراوي ((عيني)) اهـ. ٥/١٤٣٠ - (مالك عن جعفر) الصادق (ابن محمد) الباقر (عن أبيه) محمد بن علي بن الحسين (أن رسول الله وَلّ) قال ابن عبد البر: مرسل في ((الموطأ))، ورواه عن مالك جماعة، فوصلوه عن جابر، منهم عثمان بن خالد العثماني وإسماعيل بن موسى الكوفي، ورواه عن مالك أيضاً محمد بن عبد الرحمن بن روّاد ومسكين بن بكير، فوصلاه عن علي، وقد أسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر جماعة حفاظ؛ منهم عبيد الله بن عمر، وعبد الوهاب الثقفي، ومحمد بن عبد الرحمن بن روّاد، ويحيى بن سليم، وإبراهيم بن أبي حية، قال السيوطي في ((التنوير))(٢): أخرجه الترمذي وابن ماجه من طريق عبد الوهاب به، اهـ. (١) انظر ((فتح الباري)) (٢٨٢/٥) و((عمدة القاري)) (٥٤٦/٩، ٥٤٧). (٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٥٤٢). ٥٨٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٠) حديث قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. أخرجه مسلم من حديث ابن عباس. في: ٣٠ - كتاب الأقضية، ٢ - باب القضاء باليمين والشاهد، حديث ٣. (قضى باليمين مع الشاهد) أي قضى بيمين المدعي مع شاهد واحد، زاد ابن أبي شيبة من طريق سفيان عن جعفر قال: قضى به علي - رضي الله عنه - بين أظهركم، وللبيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه وَ لقر وأبو بكر وعمر وعثمان كانوا يقضون بشهادة الواحد، ويمين المدعي، كذا في ((المحلى)). قلت: وقال البيهقي(١) بعد ذلك: الرواية فيه عن أبي بكر وعمر وعثمان ضعيفة، وهي عن علي وأبي بن كعب مشهورة، اهـ. وقال ابن التركماني: من نظر في الرواية عنهما عرف أنها عنهما أيضاً ضعيفة، اهـ. قال الباجي(٢): قوله: قضى باليمين تحتمل معنيين، أحدهما: أنه لصحة ذلك، والثاني: أنه أنفذ القضاء بهما. وعلى هذا عمل الحجاز، وبه قال مالك والشافعي. فإن قيل: يحتمل أن يكون النبي وَل﴿ إنما حكم في ذلك بشهادة خزيمة بن ثابت، الذي جعل النبي ◌َّ شهادته وحده شهادة اثنين، فالجواب أنه لا يصحُ هذا، لأن النبي وَلو لم يجعل شهادته لغيره كشهادة اثنين، وهذا إذا ثبت حكم اختص بالنبي ◌َّ﴾ كما اختص في أن يكون الحاكم، ويسمع البينات فيما ادّعى علیه . يبين ذلك أن ما يشيرون إليه لم يشهد فيه خزيمة بن ثابت للنبي وصلر بأمر شاهده، وإنما شهد له بما سمع منه لعلمه بصدقه، وهذا لا خلاف في أنه لا (١) ((السنن الكبرى)) (١٧٢/١٠). (٢) ((المنتقى)) (٢٠٨/٥). ٥٩٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣١) حدیث ٦/١٤٣١ - وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ عَامِلٌ عَلَى الْكُوفَةِ : يتعدى إلى غير النبي ◌َ﴾، ولأن من يخالفنا في هذه المسألة لا يقول: إن النبي مر حلف مع شاهد خزيمة. وجواب ثانٍ، وهو أنا لو سلمنا أن شهادة خزيمة تتعدى إلى غير النبي لم يجز أن يقال: إنه المراد بالحديث الذي احتججنا به، لأنه إن كان النبي وَّ جعل شهادته شهادة شاهدين، فلا معنى لليمين، فإن قيل: يحتمل أن يكون النبي ◌َّ قضى بيمين المطلوب مع شهادة المدعي، فتبين بذلك أن لا تأثير لشهادته، فالجواب أن قوله: ((قضى باليمين مع الشاهد)» يفيد كونهما مما قضى به، وأن يكون قضى بكل واحد منهما، ولو كان ما قلتموه لقال: قضى باليمين مع وجود الشاهد أو قضى باليمين وردِّ الشاهد. وجواب ثانٍ، وهو أن قوله: ((باليمين مع الشاهد)) ظاهره أنهما من جنبة واحدة، وعلى ما يتأولونه اليمين في غير جنبة الشاهد، فلا يقال فيها: إنها معه، بل هي ناقضة له ومبطلة لشهادته، اهـ. ٦/١٤٣١ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان، زاد في النسخ الهندية بعد ذلك عن الأعرج، وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية، لا في المتون، ولا الشروح، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز، وأخرجه البيهقي(١) برواية الشافعي عن مالك، وبرواية محمد بن عجلان عن أبي الزناد بدون الزيادة (أن عمر بن عبد العزيز) الإمام العادل الشهير (كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب) العدوي أبو عمر المدني (وهو) أي عبد الحميد (عامل) أي أمير (على الكوفة) استعمله عليها عمر بن عبد العزيز، (١) ((السنن الكبرى)) (١٣٧/١٠). ٥٩١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث أَنِ اقْضِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. ٧/١٤٣٢ - وحدّثني مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَنَّ أَبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلًا: هَلْ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ؟ فَقَالَا: نَعَمْ. ثقة من رواة الستة، ومات بحرّان في خلافة هشام (أن اقض) بصيغة الأمر (باليمين مع الشاهد) الواحد، زاد ابن أبي شيبة: قال أبو الزناد: أخبرني شيخٌ من مشيختهم أن شريحاً قضى بذلك، كذا في ((المحلى)). ولفظ البيهقي برواية محمد بن عجلان عن أبي الزناد بلفظ ((أن اقض باليمين مع الشاهد فإنها السنة، قال أبو الزناد: فقام رجل من كبرائهم فقال: أشهد أن شريحاً قضى بهذا في هذا المسجد)» قال الباجي: وما رواه عن عمر بن عبد العزيز وأبي سلمة وسليمان في تصحيح القضاء باليمين مع الشاهد، والأمر بذلك إظهارٌ لاتفاق علماء المدينة وأئمتهم وأعلامهم على الحکم بذلك، اهـ. وما حكي من الاتفاق من أهل المدينة مشكلٌ، بعد ما تقدم من اختلاف بعض أهل المدينة في ذلك لا سيما من خلاف الزهري الذي يقال: هو أعلم بالحديث في أهل المدينة، وفي ((الجوهر النقي)): روي عن عمر بن عبد العزيز الرجوع إلى ترك القضاء به. ٧/١٤٣٢ - (مالك أنه بلغه أن أبا سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري (وسليمان بن يسار) الهلالي الفقيه الشهير (سُئِلَا) ببناء المجهول (هل يقضى) ببناء المجهول (باليمين مع الشاهد فقالا: نعم) وبسط البيهقي وصاحب ((الجوهر النقي))(١) في الآثار عمن قال بذلك وعمن لم يقل به. (١) انظر: هامش ((السنن الكبرى)) (١٧٢/١٠). ٥٩٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث قَالَ مَالِكٌ: مَضَتِ السُّنّةُ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ. يَحْلِفُ صَاحِبُ الْحَقِّ مَعَ شَاهِدِهِ. وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ. فَإِنْ نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، أُحْلِفَ الْمَطْلُوبُ. فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ ذُلِكَ الْحَقُّ. وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِصَاحِهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يَكُونُ ذُلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً. (قال مالك: مضت السنة) في المدينة المنوّرة (في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد) في الأموال خاصة، وصورته أن (يحلف صاحب الحق) أي المدعي (مع شاهده) الواحد (ويستحق) بعد ذلك (حقه)الذي ادعى به (فإن نكل) المدعي (وأبى) عطف تفسير (أن يحلف) أي لا يحلف المدعي (أُخْلِفَ) ببناء المجهول (المطلوب) أي المدعى عليه (فإن حلف) المطلوب (سقط عنه ذلك الحق) الذي ادّعى به الطالب (وإن أبى) المطلوب (أن يحلف ثبت عليه الحق لصاحبه) أي للمدعي. قال الموفق(١): قال أحمد: مضت السنة أن يقضى باليمين مع الشاهد الواحد، فإن أبى أن يَحْلِفَ اسْتُخْلِف المطلوبُ، وهذا قول مالك، ويروى عن أحمد، فإن أبى المطلوب أن يحلف ثبت الحق عليه، اهـ. وبسط الباجي(٢) في فروع هذا الباب بما لا مزيد عليه. فقال: وهذا كما قال: إن صاحب الحق يحلف مع الشاهد، ويستحق حقه إذا كان ممن يقتطع الحقوق بيمينه، وذلك أن المشهود له على ضربين، معين، وغير معين، فإن كان معيناً، فعلى ضربين: غير مولى عليه، ومولى إلى آخر ما بسط. (قال مالك: وإنما يكون ذلك) أي الاستحقاق باليمين والشاهد (في الأموال خاصة) كما تقدم في كلام الموفق مبسوطاً، قال الزرقاني: وذلك (١) («المغني)) (١٤/ ١٣٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٠٩/٥ -٢١٦). ٥٩٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث وَلَا يَقَعُ ذُلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ. وَلَا فِي نِكَاحِ وَلَا فِي طَلَاقٍ. وَلَا فِي عَتَاقَةٍ وَلَا فِي سَرِقَةٍ، بإجماع القائلين باليمين مع الشاهد، وجزم به عمرو بن دينار راوي حديث ابن عباس، قاله أبو عمر، اهـ. وفي ((المحلى)): أما إذا كانت الدعوى في غير الأموال، فلا يقبل شاهد ويمين بالاتفاق، واحتج لذلك بما زاد الشافعي لفظ في الأموال عقب حديث أنه وَلّ قضى بشاهد ويمين، اهـ. (ولا يقع ذلك) أي القضاء باليمين والشاهد (في شيء من الحدود) فلا تثبت إلا بشاهدين، وتقدم ما قال الموفق: إن العقوبات وهي الحدود والقصاص، فلا يقبل فيه إلا شهادة رجلين إلا ما روي عن عطاء وحماد أنهما قالا: يقبل فيه رجل وامرأتان قياساً على الشهادة في الأموال. ولنا، أن هذا مما يحتاط لدرئه وإسقاطه، ولذا يندرىء بالشبهات، وفي شهادة النساء شبهةٌ بدليل قوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا﴾ الآية إلى أن قال: وإذا لم تثبت بشهادة رجل وامرأتين، فلأن لا يثبت بشهادة واحد ويمين أولى، اهـ. (ولا في نكاح) فلا يثبت النكاح بشاهد واحد ويمين المدعي (ولا في طلاق ولا في عتاقة) سيأتي بيانه واضحاً (ولا في سرقة) قال الموفق(١): إذا ادّعى على رجل أنه سرق نصاباً من حِرْز، وأقام بذلك شاهداً، وحلف معه، وجب له المال المشهود به، إن كان باقياً أو قيمته إن كان تالفاً، ولا يجب القطع لأن هذه حجة في المال دون القطع، وإن ادّعى على رجل أنه قتل وليه عمداً، فأقام شاهداً، وحلف معه، لم يثبت قصاص ولا دية. والفرق بين المسألتين أن السرقة توجب القطع والغرم معاً، فإذا لم يثبت (١) («المغني)) (١٤/ ١٣٣). ٥٩٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث وَلَا فِي فِرْيَةٍ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ الْعَتَافَةَ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَقَدْ أَخْطَأَ . لَيْسَ ذُلِكَ عَلَى مَا قَالَ. وَلَوْ كَانَ ذُلِكَ عَلَى مَا قَالَ، لَحَلَفَ الْعَبْدُ مَعَ شَاهِدِهِ إِذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ، أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ، أحدهما ثبت الآخر، والقتل العمد موجبه القصاص عيناً في إحدى الروايتين، والدية بدل عنه، ولا يجب البدل ما لم يوجد المبدل، وفي الرواية الأخرى الواجب أحدهما، لا بعينه، فلا يجوز أن يتعين أحدهما إلا بالاختيار أو التعذر، ولم يوجد واحد منهما، وقال ابن أبي موسى: لا يجب المال في السرقة أيضاً؛ لأنها شهادة على فعل يوجب الحد والمال، فإذا بطلت في إحداهما بطلت في الأخرى، والأول أولى لما ذكرنا، اهـ. وقال الباجي(١): إن شهد شاهد أنه سرق لم يقطع يده، ويحلف صاحب المتاع مع شاهده، ويستحق رد ما سرق منه، اهـ. (ولا في فرية) بفتح الفاء وكسر الراء وشدِّ الياء، كذا ضبط بالقلم في نسخة صحيحة، والذي في اللغة الفرية بالكسر والسكون: الكذب، قاله الزرقاني. قال الباجي: الفرية وهي القذف بالزنا لا تثبت على القاذف بشاهد ویمین. (فإن قال قائل: فإن العتاقة) تعدّ (من الأموال) فلا بد أن تثبت بشاهد ويمين (فقد أخطأ) هذا القائل لأنه (ليس ذلك على ما قال) وليس هذا من الأموال (ولو كان ذلك على ما قال) هذا القائل (يحلف)، وفي نسخة ((لحلف)) أي لجاز أن يحلف (العبد مع شاهده) الواحد (إذا جاء) العبد (بشاهد واحد) على (أن سيده أعتقه). قال الباجي: وهذا الذي قاله مبنيّ على بيان معنى قولنا: الشهادة على الأموال، وذلك أن الشهادة على المال هي الشهادة بطلب مال يخرج من متمول ٠ (١) ((المنتقى)) (٢١٦/٩). ٥٩٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث وَأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ عَلَى مَالٍ مِنَ الْأَمْوَالِ اذَّعَاهُ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ كَمَا يَحْلِفُ الْحُرُّ. قَالَ مَالِكٌ: فَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا جَاءَ بِشَاهِدٍ عَلَى عَتَاقَتِهِ اسْتُحْلِفَ سَيِّدُهُ مَا أَعْتَقَهُ. وَبَطَلَ ذُلِكَ عَنْهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذْلِكَ السُّنَّهُ عِنْدَنَا أَيْضاً فِ الطَّلَاقِ. إِذَا جَاءَتِ الْمَرْأَةُ بِشَاهِدٍ أَنْ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا . له إلى متمول آخر، وليس هذا حكم الشهادة على العتاقة، لأنها بالعتاقة، لا تخرج إلى متملك، اهـ. وتقدم في كلام الموفق أن ذلك هو مذهب الشافعي والمعمول به في مذهب الحنابلة خلافاً لما حكى الخرقي من نص الإمام أحمد أن العبد يعتق في هذه الصورة. (وأن العبد إذا جاء بشاهد) واحد (على مال من الأموال ادّعاه) العبد (حلف) العبد (مع شاهده) الواحد (واستحق حقه) أي يأخذ هذا المال الذي ادعاه (كما يحلف الحر) مع الشاهد فلا فرق في استحقاق المال بشاهد ويمين بين الحر والعبد. (قال مالك: فالسنّة عندنا أن العبد إذا جاء بشاهد) واحد (على عتاقته) وحلف العبد على ذلك مع الشاهد الواحد لم يعتبر بذلك كما مضى قريباً بل (استحلف) ببناء المجهول (سيده) على أنه (ما أعتقه) لأن السيد منكر للعتق والبينة للعبد إذا لم تعتبر فاليمين على من أنكر بالأصل المعروف المجمع عليه، (وبطل ذلك) أي العتق (عنه) أي عن العبد بعد حلف السيد. (قال مالك: وكذلك السنّة أيضاً عندنا في الطلاق) وتوضيحه أنه (إذا جاءت المرأة) أو غيرها (بشاهد) واحد على (أن زوجها طلقها) وحلف المدعي على ذلك مع الشاهد الواحد لا يعتبر بهذا، بل تردُّ هذه البينةُ، وإذا ردّت البينة ٥٩٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث أُخْلِفَ زَوْجُهَا مَا طَلَّقَهَا. فَإِذَا حَلَفَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ. قَالَ مَالِكٌ: فَسُنَّهُ الظَّلَاقِ وَالْعَتَاقَةِ في الشَّاهِدِ الْوَاحِدٍ وَاحِدَةٌ . إِنَّمَا يَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى زَوْجِ الْمَرْأَةِ. وَعَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ. وَإِنَّمَا الْعَتَاقَةُ حَدٍّ مِنَ الْحُدُودِ. ولم تبق البينة له (أَخْلِفَ) ببناء المجهول (زوجها) على أنه (ما طلقها) لأنه منكرٌ للطلاق، واليمين على من أنكر (فإذا حلف) الزوج أنه ما طلّقها (لم يقع عليه الطلاقُ) وبطل دعواها . (قال مالك: فسُنَّةُ الطلاق والعتاقة في) اعتبار (الشاهد الواحد) مع يمين المدعي (واحدةٌ)، وهي أنه لا عبرة فيهما للشاهد واليمين (وإنما يكون) فيهما (اليمين على زوج المرأة) لكونه منكر الطلاق (وعلى سيد العبد) لكونه منكر العتاق . قال الزرقاني تبعاً للباجي: فإن نكلا أي الزوج والسيد حُبِسًا، كما رجع إليه مالك، واختاره ابن القاسم والأكثر، وكان يقول: أولاً تطلق الزوجة بنكول الزوج، ويعتق العبد بنكول السيد، وبه قال أشهب، وهو ظاهر قوله ههنا، إذا حلف لم يقع عليه الطلاق، وعلى المذهب فقال مالك: يحبس أبداً حتى يحلف، واختاره سحنون، وقال ابن القاسم: إن طال حبسه خُلِّي عنه، والطول سَنَّةٌ، لأن السنة مدة في الشرع لمعانٍ من الاختبار، كالعنّة وغيرها، وروي عن ابن نافع يسجن، ويضرب له أجل الإيلاء، فإذا انقضى طلق عليه بعد ذلك، انتھی بزيادة. : ثُمَّ بَيَّن وجه عدم عبرة اليمين مع الشاهد في العتاقة فقال: (وإنما العتاقة حَدٌّ من الحدود) أي من حدود الله تعالى، قال الباجي: يريد أنه يتعلق بها حق لله تعالى، ولذلك لو اتفق السيد والعبد على إبطال العتق لم يكن لهما، وقد ذكر الله تعالى الطلاق، فقال: ﴿اَلْطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ إلى أن قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهًا﴾ فوصف الطلاق وما ذكر معه بأنه من حدود الله، اهـ. ٥٩٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث لَا تَجُوزُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ. فكذلك العتاقة أيضاً حد من حدود الله (و) لهذا (لا يجوز فيها) أي العتاقة (شهادة النساء) أيضاً فضلاً عن شهادة الواحد واليمين، قال الباجي(١): يريد لا ينفذ العتق، والطلاق بشهادة النساء. قال الموفق(٢): وما ليس بعقوبة كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والعتاق، والإيلاء، والظهار، والنسب، والتوكيل، والوصية إليه، والولاء، والكتابة، وأشباه هذا، فقال القاضي: المعول عليه في المذهب أن هذا لا يثبت إلا بشاهدين ذَكَرين، ولا تقبل فيه شهادةُ النساء بحالٍ، وقد نصَّ أحمد في رواية الجماعة على أنه لا تجوز فيه شهادة النساء في النكاح والطلاق، وقد نقل عن أحمد في الوكالة: إن كانت بمطالبة دين يعني تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، فأما غير ذلك فلا، قال القاضي: فيخرج منه أن النكاح وحقوقه من الرجعة وشبهها لا تقبل فيها شهادة النساء رواية واحدة، وما عداه يخرج على روايتين، وقال أبو الخطاب، يخرج في النكاح والعتاق أيضاً روايتان؛ إحداهما: لا تقبل فيه إلا شهادة رجلين، وهو قول النخعي والزهري ومالك وأهل المدينة والشافعي، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وربيعة في الطلاق. والرواية الثانية: تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، روي ذلك عن جابر بن زيد وإياس بن معاوية والشعبي والثوري وإسحق وأصحاب الرأي، وروي ذلك في النكاح عن عطاء، واحتجوا بأنه لا يسقط بالشبهة، فيثبت برجل وامرأتين كالمال، ولنا أنه ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال فلم يكن للنساء في شهادته مدخل، كالحدود والقصاص، اهـ. وفي ((الهداية))(٣): الشهادة على مراتب: منها الشهادة في الزناء يعتبر فيها (١) ((المنتقى)) (٢١٨/٥). (٢) («المغني)) (١٤/ ١٢٧). (٣) (٥١٧/٥). ٥٩٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حدیث لِأَنَّهُ إِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ. وَوَقَعَتْ لَهُ الْحُدُودُ. وَوَقَعَتْ عَلَيْهِ. أربعة من الرجال، ولا يقبل فيها شهادة النساء، لحديث(١) الزهري ((مضت السنة من لدن رسول الله وَّله والخليفتين من بعده أن لا شهادة للنساء في الحدود والقصاص))، ومنها الشهادة ببقية الحدود والقصاص تقبل فيها شهادة رجلين، ولا يقبل فيها شهادة النساء لما ذكرنا . وما سوى ذلك من الحقوق يقبل فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، سواء كان الحق مالاً أو غير مال، كالنكاح والطلاق والوكالة ونحو ذلك، وقال الشافعي: لا يقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الأموال وتوابعها، لأن الأصل فيها عدم القبول لنقصان العقل واختلال الضبط وقصور الولاية، فإنها لا تصلح للإمارة، ولهذا لا تقبل في الحدود ولا تقبل شهادة الأربع منهن وحدهن إلا أنها قبلت في الأموال ضرورة، والنكاح أعظم خطراً، وأقل وقوعاً، فلا يلتحق بما هو أدنى خطراً وأكثر وجوداً. ولنا أن الأصل فيها القبول لوجود ما يبتني عليه أهلية الشهادة، وهو المشاهدة والضبط والأداء، إذ بالأول يحصل العلم للشاهد، وبالثاني يبقى العلم، وبالثالث يحصل العلم للقاضي، ولهذا يقبل إخبارها في الأخبار، ونقصان الضبط بزيادة النسيان انجبر بضم الأخرى إليها، فلم يبق بعد ذلك إلا الشبهة، فلهذا لا تقبل فيما يندرىء بالشبهات، وهذه الحقوق تثبت مع الشبهات، وعدم قبول الأربع على خلاف القياس كيلا يكثر خروجهن، اهـ. (لأنه) دليل لكونه من حدود الله وحرماته (إذا عتق العبد ثبتت حرمته) عند الله عزّ وجلّ، قال الباجي: يريد ثبتت له حرمة الحرية فتكمل ديته دية الحر، ويثبت القصاص بينه وبين الحر في النفس والأطراف (ووقعت له الحدود) يعني من قذفه مع العفة حُدَّ حدَّ القذف (ووقعت عليه) الحدود كالحر الأصلي من حد الزناء والشرب وغيرهما . (١) انظر: ((نصب الراية)) (٧٩/٤). ٥٩٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث وَإِنْ زَنَى وَقَدْ أُخْصِنَ رُجِمَ. وَإِنْ قَتَلَ الْعَبْدَ قُتِلَ بِهِ. وَثَبَتَ لَهُ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يُوَارِثُهُ. فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلاً ذكر بعض أمثلة الحدود عليه، فقال: (وإن زنى) بعد الحرية (وقد أحصن) ببناء المجهول (رجم) جزاءٌ لقوله: وإن زنى (وإن قتل قتل به) هكذا في النسخ الهندية، وأكثر المصرية، وبيانه عندي أن الفعلين مجهولان، ومعناه أن هذا الذي عتق إن قتله أحد بعد ذلك قتل به القاتل، وأما قبل العتق فإن قتله حر لا يقتل به، وهذا مبنيٌّ على مذهب الإمام مالك ومن معه بخلاف الحنفية وغيرهم. قال ابن رشد (١): قال مالك والشافعي وأحمد: لا يقتل الحر بالعبد، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقتل الحر بالعبد إلا عبد نفسه، وقال قوم: يقتل الحر بالعبد، سواء كان عبد القاتل أو عبد غير القاتل، وبه قال النخعي، اهـ. وعلى هذا فمعناه واضح أن قبل العتق لا يقتل به قاتله الحر. وأما بعد العتق فيقتل به، وفي بعض النسخ المصرية محله ((وإن قتل العبد قتل به))، فزاد لفظ العبد، والأولى حذفه. د وأوّله الزرقاني(٢)، فقال: وإن قتل العبد الذي تحرر قتل به قاتله، اهـ، وعلى هذا أيضاً الفعلان مجهولان وضبط بالقلم في بعض النسخ المصرية العبد بالنصب والفعل الأول ببناء الفاعل، وهو تصحيف من الناسخ على الظاهر. (وثبت له الميراث) بعد العتق (بينه وبين من يوارثه) أي من يجعله وارثاً من أهل المواريث. (فإن احتج محتجٌ) أي إن استدل أحد بالفرع الآتي بيانه على أن شهادة النساء تعتبر في العتق وغيره (فقال) هذا المستدل في استدلاله (لو أن رجلاً) أي (١) ((بداية المجتهد)) (٣٩٨/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٩١/٣). ٦٠٠