النص المفهرس

صفحات 561-580

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢) باب
(١٤٢٨) حديث
ابْنِ حَزْم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي
عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ،
العين (ابن حزم) بمهلة وزاي (عن أبيه) أبي بكر (عن عبد الله بن عمرو) بفتح
العين (ابن عثمان) بن عفان - رضي الله عنه - الملقب بالمطرف (عن أبي عمرة
الأنصاري) هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية، قال ابن عبد البر(١):
هكذا رواه يحيى وابن القاسم وأبو مصعب ومصعب الزبيري، وقال العيني:
ومعن ويحيى بن بكير عن ابن أبي عمرة، وكذا قال ابن وهب وعبد الرزاق
عن مالك وسمياه، فقالا: عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، فرفعا الإشكال،
وهو الصواب، وعبد الرحمن هذا من خيار التابعين، اهـ.
وما صوّبه رواية الأكثر عن مالك كما في ((الإصابة)) وليس اسم أبي عمرة
عبد الرحمن، كما زعم بعض، إنما هو اسم ابنه، وأما الأب، فقيل اسمه:
بشير، وقيل: بشر، وقيل: عمرو، وقيل: ثعلبة، صحابي شهد بدراً وغيرها،
كما بسطه في ((الإصابة))، فعلى رواية الأكثر يكون في الإسناد أربعة تابعيون،
وعلى رواية الأقل فثلاثة تابعيون وصحابي عن صحابي، وهما أبو عمرة وزيد،
قاله الزرقاني(٢).
وفي ((تهذيب الحافظ))(٣): أبو عمرة الأنصاري، وقيل: ابن أبي عمرة،
وقيل: عبد الرحمن بن أبي عمرة، روى عن زيد بن خالد: ((ألا أخبركم بخير
الشهداء))، أخرج الجماعة سوى البخاري حديثه من رواية أبي بكر بن حزم عن
ابن أبي عمرة، عن زيد، وسماه بعضهم في روايته عبد الرحمن، وأخرجه
الترمذي من حديث مالك بالوجهين، وقال: أكثر الناس يقولون: ابن أبي عمرة،
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٥/٢٢).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٨٧/٣).
(٣) (١٨٦/١٢).
٥٦١

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢) باب
(١٤٢٨) حديث
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ل﴿ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ
بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا. أَوْ يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ
قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا)).
أخرجه مسلم في: ٣٠ - كتاب الأقضية، ٩ - باب خير الشهود، حديث ١٩.
واختلف على مالك فيه، فروى بعضهم عن ابن أبي عمرة، وبعضهم عن أبي
عمرة، وابن أبي عمرة أصح عندنا، ا هـ.
وفي ((التقريب))(١): أبو عمرة الأنصاري عن زيد بن خالد، صوابه ابن
أبي عمرة، واسمه عبد الرحمن، اهـ. قلت: وهكذا في ((موطأ محمد)) (٢) عن
عبد الله بن عمرو بن عثمان أن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أخبره أن
زيد بن خالد أخبره، الحدیث.
(عن زيد بن خالد الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء المدني الصحابي
الشهير (أن رسول الله وَلتر قال: ألا) بفتح الهمزة وخفة اللام حرف تنبيه يدل
على تحقيق ما بعده وتوكيده (أخبركم بخير الشهداء؟) جمع شهيد بمعنى شاهد
(الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) ببناء المجهول (أو يخبر بشهادته قبل أن
يسألها) شك من أحد الرواة أو تنويع، أي يأتي الحاكم بشهادته قبل أن يسألها
في محض حق الله تعالى المستدام تحريمه، كطلاق وعتق ووقف، أو يخبر بها
رجلاً لا يعلمها، هذا يومىء إليه كلام الباجي.
وقال ابن عبد البر(٣) عن ابن وهب: قال مالك: تفسير هذا الحديث أن
الرجل يكون عنده شهادة في الحق لرجل لا يعلمها، فيخبره بشهادته. زاد
يحيى بن سعيد إذا علم أنه ينتفع بها الذي له الشهادة، وهذا لأن الرجل ربما
(١) (٤٥٦/٢).
(٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٤٤/٣).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٦/٢٢)، و((شرح الزرقاني)) (٣٨٧/٣).
٥٦٢

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢) باب
(١٤٢٨) حديث
نسي شاهده، فظل مغموماً، لا يدري من هو، فإذا أخبره بذلك فرج كربه، وفي
الحديث ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا)) الحديث، قاله الزرقاني.
وفي ((المحلى)): قال أبو داود(١): قال مالك: هو الذي لا يخبر بالشهادة
التي لا يعلم بها الذي هي له، فيأتي بها فيقضى له بها، وقال النووي: له
تأويلان؛ أصحهما: تأويل مالك، والثاني: أنه محمول على الشهادة في غير
حقوق العباد كالطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود، فمن علم شيئاً
من هذا النوع وجب عليه إعلام القاضي به؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾
وحكي تأويل ثالث أنه محمول على المبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها، كما
يقال: الجواد يعطي السؤال أي سريعاً عقيب السؤال من غير توقف، اهـ.
قال الباجي(٢): قال مالك في ((المجموعة)) وغيره: معنى هذا الحديث أن
يكون عند الشاهد شهادة لرجل لا يعلم بها، فيخبر ويؤديها له عند الحاكم،
وذلك أن المشهود به على ضربين: ضرب هو حق الله، وضرب هو حق
للآدميين، والأول على قسمين؛ قسم لا يستدام فيه التحريم، كالزنا وشرب
الخمر، زاد أصبغ: والسرقة، فهذا ترك الشهادة به للستر جائز؛ لقوله
عليه السلام لهزال ((هلا سترته بردائك))، والثاني: ما يستدام فيه التحريم
كالطلاق والعتق والأحباس والصدقات والمساجد والقناطر والطرق، فهذا على
الشهادات يقوم الشاهد فيها، ويؤديها متى رأى ارتكاب المحظور بها .
وللشاهد في ذلك حالان؛ حال: يعلم أن غيره يقوم بهذه الشهادة،
وحال: لا يعلم ذلك، فإن علم أن غيره يقوم بها، فإنه يستحب له أن يبادر بها
ليحصل له أجر القيام، وليقوي أمرها لكثرة عدد من يقوم بها، ولأن في قيام
(١) ((سنن أبي داود)) (٢٩٧/٣).
(٢) ((المنتقى)) (١٨٨/٥).
٥٦٣

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢) باب
(١٤٢٨) حديث
العدد الكثير ردعاً لأهل الباطل، وإرهاباً عليهم، ويصح أن يتناول هذا عموم
قوله والقر: (خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها)) (١) ويكون معنى
الإتيان بها أداؤها عند الحاكم، فإن بَيَّن له أن غيره قد ترك القيام بها أو لم
يكن من يقوم بها غيرِه تعين عليه القيام بها، لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾
﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ﴾ الآية، ولأن القيام بالشهادة من فروض الكفاية، إذا
ترك القيام بها جميعهم أثموا .
وأما الضرب الثاني: وهو حق الآدمیین، فإنه إن كان يجوز له إسقاطه،
مثل أن يرى ملك رجل يباع أو يوهب أو يحول عن حاله، فروى ابن القاسم
في ((العتبية)) أن ذلك جرحة في الشاهد حين رأى ذلك، ولم يعلم بعلمه إلى
آخر ما ذكره.
ومثل الذي حكي عن الإمام مالك اختاره محمد في ((موطئه))؛ إذ قال بعد
حديث الباب: وبهذا نأخذ، من كانت عنده شهادة لإنسان لا يعلم ذلك
الإنسان بها فليخبره بشهادته، وإن لم يسألها إياه، اهـ.
وفي ((هامشه))(٢): قد يقال: إنه معارض بحديث ((خير القرون قرني ثم
الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يأتي من بعدهم قوم يشهدون ولا
يستشهدون)) الحديث، أخرجه الشيخان، وعند الترمذي ((ثم يجيء قوم يعطون
الشهادة قبل أن يسألوها)) وعند ابن حبان ((ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل
على يمين قبل أن يستحلف، ويشهد قبل أن يستشهد))، قال الباجي: قال
إبراهيم النخعي: معنى الشهادة فيه اليمين يريد أنه يحلف قبل أن يستحلف، اهـ.
(١) أخرجه مسلم (١٧١٩)، وأبو داود (٣٥٩٦)، والترمذي (٢٢٩٥، ٢٢٩٦، ٢٢٩٧)،
وابن ماجه (٢٣٦٤)، وأحمد (١١٥/٤ - ١٩٣/٥).
(٢) ((التعليق الممجد)) (٣٤٤/٣).
٥٦٤

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢) باب
(١٤٢٩) حدیث
٤/١٤٢٩ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ؛
أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. فَقَالَ:
لَقَدْ جِئْتُكَ لِأَمْرٍ مَالَهُ رَأْسٌ وَلَا ذَنَبٌ.
قلت: وقد جمع بينهما في حديث ابن حبان كما ترى، وأخرج البخاري
حديث ((يشهدون ولا يستشهدون)) من حديث عمران بن حصين، وترجم عليه ((باب
لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد)» وهذا عندي توجيه منه لهذا الحديث.
وفي ((المحلى)) عن النووي: قال أصحابنا: هو محمول على من معه
شهادة الإنسان، وهو عالم بها فيشهد به قبل أن يطلب منه، وقيل: إنه شاهد
زور يشهد بما لا أصل له ولا يستشهد، وقيل: هو الذي انتصب شاهداً، وليس
هو من أهل الشهادة، اهـ.
وقال الحافظ(١): قوله: يشهدون ولا يستشهدون، يحتمل أن يكون المراد
التحمل بدون التحميل أو الأداء بدون طلب، والثاني أقرب، ويعارضه ما رواه
مسلم من حديث زید بن خالد.
واختلف العلماء في ترجيحهما فجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث
زيد، لكونه من رواية أهل المدينة، فقدمه على رواية أهل العراق، وبالغ،
فزعم أن حديث عمران هذا لا أصل له، وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران
لاتفاق صاحبي الصحيح عليه، وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد، وذهب
آخرون إلى الجمع بينهما، فأجابوا بأجوبة، ثم بسطها فارجع إليه.
٤/١٤٢٩ - (مالك عن ربيعة) الرأي (ابن أبي عبد الرحمن) فروخ المدني
منقطع وقد رواه المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله عن القاسم بن
عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود (أنه قال: قدم على عمر بن الخطاب) -
رضي الله عنه - (رجل من أهل العراق) لم يسم (فقال: لقد جئتك لأمر، ماله)
أي ليس له (رأس ولا ذنب).
(١) ((فتح الباري)) (٢٥٩/٥).
٥٦٥

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢) باب
(١٤٢٩) حديث
فَقَالَ عُمَرُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: شَهَادَاتُ الزُّورِ. ظَهَرَتْ بِأَرْضِنَا. فَقَالَ
عُمَرُ: أَوْ قَدْ كَانَ ذُلِكَ؟
قال الباجي(١): معناه ليس له أول ولا آخر، هذا ما تستعمله العرب على
وجهين، أحدهما: يريدون به الكثرة فيقول: هذا جنس لا أول له ولا آخر، إذا
أخبرت عن كثرته، والوجه الثاني: يريدون به الأمر المبهم الذي لا يعرف وجهه
ولا يهتدى لإصلاحه، فيقال: ليس لهذا الأمر أول ولا آخر بمعنى أنه مبهم
ليس له وجه، وهذا الحديث يحتمل الوجهين جميعاً، فيحتمل أن يريد به الكثرة
في كثرة شهود الزور، وأن يريد به عظم الفساد بهذا الأمر حتى لا يهتدى
لإصلاحه، اهـ.
(فقال عمر) بن الخطاب: (وما هو) الأمر الذي أردت (قال) العراقي
(شهادات الزور) بصيغة الجمع في النسخ المصرية، وشهادة الزور بالإفراد في
الهندية (ظهرت بأرضنا) العراق.
قال الباجي: يريد ظهرت بأرضهم بعد أن لم تكن، ولو كانت بأرضهم
قديماً لم يصفها الآن بالظهور، وإنما كان يصفها بالدوام أو البقاء والتزايد وهي
من الكبائر، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾(٢)
الآية، وما روي عنه وَ ل قال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً؟ قالوا: بلى يا
رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وجلس وكان متكئاً: ألا وقول
الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت))(٣).
(فقال عمر) رضي الله عنه: (أو قد كان ذلك؟) يدل على أنه أمر لم
يتقدم علمه به، ولا عهده بذلك البلد قبل إخبار هذا المخبر، وذلك أن جميع
(١) ((المنتقى)) (١٨٩/٥).
(٢) سورة الفرقان: الآية ٧٢.
(٣) أخرجه البخاري (٢٦٥٤)، ومسلم (٩١/١) (٨٧).
٥٦٦

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢) باب
(١٤٢٩) حديث
قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرٍ
الْعُدُولِ .
الصحابة، ومن آمن بالنبي و # في زمنه، ورآه كانوا عدولاً بتعديل الله إياهم
وإخباره أنهم خيرُ أمة أخرجت للناس، وقوله تعالى: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ:
أَشِذَاُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾(١) الآية، وبهذا كان التعديل في حياة النبي وَّ (قال)
العراقي: (نعم فقال عمر) - رضي الله عنه -: (والله لا يؤسر رجل في الإسلام
بغير العدول) قيل: معناه لا يحبس، والأسر الحبس، ويحتمل أن يريد به لا
يملك ملك الأسر لإقامة الحقوق عليه إلا بالصحابة الذين جميعهم عدول أو
بالعدل من غيرهم، كذا في ((المنتقى))(٢).
قال ابن عبد البر (٣): هذا يدل أن عمر - رضي الله عنه - رجع عما كتب
به إلى أبي موسى وغيره من عماله: ((المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا
خصماً أو ظنيناً متهماً)) أخرجه البزار وغيره عن عمر - رضي الله عنه - من
وجوه كثيرة.
وقال الباجي(٤): يحتمل أن يكون هذا قبل أن يبلغه ما بلغ، ويحتمل أن
يكون معنى ذلك أن الإسلام شرط في العدالة، وأنه لا يقبل أحد غيرهم؛ لأنه
محال أن يريد به قبول شهادة مسلم علم فسقه، قال: وإذا ثبت ذلك، فإن ثبت
على شاهد أنه شَهِدَ بِزُوْرٍ، إن كان لنسيان وغفلة، فلا شيء عليه، ومن كثر
ذلك منه ردت شهادته ولم یحکم بها لفسقه.
وأما من ثبت أنه تعمد ذلك، فإنه يعاقب، وروى ابن وهب عن مالك أنه
(١) سورة الفتح: الآية ٢٩.
(٢) (١٩١/٥).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٣٠/٢٢).
(٤) ((المنتقى)) (١٩٠/٥).
٥٦٧

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢) باب
(١٤٢٩) حدیث
يجلد، قال ابن الماجشون: يضرب بالسوط، قال ابن القاسم: يضربه القاضي
قدر ما يرى، وقال ابن كنانة: يكشف ظهره، قال ابن عبد الحكم: يضرب
ضرباً موجعاً، وأيضاً روى ابن وهب عن مالك يطاف به ويشهر، وقال
ابن الماجشون: يطاف به في الأسواق والجماعات، وقال ابن عبد الحكم:
يشَهَّرُ في المساجد والحلق، قال ابن القاسم: في مجالس المسجد الأعظم،
وروى ابن المواز وغيره عن مالك یسجن.
وهل تقبل شهادته إذا تاب؟ روي عن أشهب عن مالك لا تقبل شهادته
أبداً، زاد عنه ابن نافع، وإن تاب، وهي رواية ابن القاسم في ((المدونة)) وروى
علي عن ابن القاسم في ((الموازية)) تقبل شهادته إذا تاب، وأظنه لمالك، اهـ.
وفي ((الهداية))(١): قال أبو حنيفة: شاهد الزور أُشَهِّرُه في السوق ولا
أُعَزِّرُهُ، وقالا: نُؤْجعه ضرباً ونحبسه، وهو قول الشافعي، ثم بسط في دلائل
الفريقين.
ثم قال الباجي: في قول عمر - رضي الله عنه - لا يؤسر رجل بغير
العدول يعني لا يؤسر إلا بالصحابة الذين جميعهم عدول أو بالعدل من
غيرهم، فمن لم يكن من الصحابة ولم تعرف عدالته لم تقبل شهادته، هذا
مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: مجرد الإسلام يقتضي العدالة، فكل
من أظهر الإسلام حكم له بالعدالة، وقبلت شهادته حتى يعرف فسقه، وحكى
عنه أبو بكر الرازي أن ذلك إلى زمن أبي حنيفة؛ لأن القرن الثالث آخر القرون
التي أثنى عليها رسول الله وَله، وأما بعد القرن الثالث فلا يكفي في عدالتهم
مجرد الإسلام، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن
رِجَالِكُمٌ﴾ الآية. فيها ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ وقال: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ
(١) (١٣١/٢).
٥٦٨

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢) باب
(١٤٢٩) حديث
مِنْكُمْ﴾ وهذا شرط اعتبار الرضى والعدالة، وذلك معنى يزيد على الإسلام أو
على إظهاره، اهـ.
وقال ابن رشد(١): اتفقوا على اشتراط العدالة، في قبول شهادة الشاهد
للآيتين المذكورتين، واختلفوا فيما هي العدالة، فقال الجمهور: هي صفة زائدة
على الإسلام، وهو أن يكون ملتزماً لواجبات الشرع ومستحباته، مجتنباً
للمحرمات والمكروهات، وقال أبو حنيفة: يكفي في العدالة ظاهر الإسلام،
وأن لا تعلم منه جرحة، ا هـ.
وفي ((الهداية)) (٢): لا بد فيها من العدالة للآيتين المذكورتين، وعن أبي
يوسف أن الفاسق إذا كان وجيهاً في الناس ذا مروءة تقبل شهادته؛ لأنه لا
يستأجر لوجاهته، ويمتنع عن الكذب لمروءته، والأول أصح، وقال أبو حنيفة:
يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم، ولا يسأل عن حال الشهود حتى
يطعن الخصم؛ لقوله ◌َسير: ((المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في
قذف)»(٣) ومثل ذلك مرويٌّ عن عمر - رضي الله عنه -، ولأن الظاهر هو
الانزجار عما هو محرم دينه، وبالظاهر كفاية، إذ لا وصول إلى القطع إلا في
الحدود والقصاص، فإنه يسأل عن الشهود؛ لأنه يحتال لإسقاطها، فيشترط
الاستقصاء فيها، ولأن الشبهة دارئةٌ فيها، وإن طعن الخصم فيهم يسأل عنهم
في السر والعلانية.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا بد أن يسأل عنهم في السر والعلانية في
سائر الحقوق؛ لأن القضاء مبناه على الحجة، وهي شهادة العدول، فيتعرف
(١) ((بداية المجتهد)) (٢/ ٤٦٢).
(٢) (١١٧/٢).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٧٦/٥) باب من قال: لا يجوز شهادته إذا تاب.
٥٦٩

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢) باب
(١٤٢٩) حديث
وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَا تَجُوزُ
شَهَادَةُ خَصْمِ
عن العدالة، وفيه صون قضائه عن البطلان، وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان،
والفتوى على قولهما في هذا الزمان، ا هـ.
قال الحافظ في ((الدراية)): حديث ((المسلمون عدول)) ابن أبي شيبة من
طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقوله: مثله عن عمر - رضي الله عنه -
هو في كتابه إلى أبي موسى، أخرجه الدارقطني من طريق أبي المليح، قال:
كتب عمر - رضي الله عنه - إلى أبي موسى، أما بعد؛ فإن القضاء فريضة
محكمة، إلى أن قال: ((المسلمون عدول بعضُهم على بعض إلا مجلوداً في
حَدٍّ، ومجرباً في شهادة زور، أو ظنيناً في ولاء أو قرابة))، وسكت الحافظان
ابن حجر والزيلعي عن الكلام في المرفوع والموقوف، وذكر الزيلعي(١) كتاب
عمر هذا مبسوطاً.
(مالك أنه بلغه) قال الزرقاني (٢): أخرجه البزار وقاسم بن ثابت وغيرهما
من طرق كثيرة من رواية الحجازيين والعراقيين والشاميين والمصريين، اهـ (أن
عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (قال: لا تجوز شهادة خصم) قال ابن كنانة في
((المجموعة)): إن الخصم في هذا الحديث الرجل يخاصم الرجل في الأمر
الجسيم مثله يورث العداوة والحقد، فمثل هذا لا تقبل شهادته على خصمه في
ذلك الأمر ولا غيره، وإن خاصمه في ما لا خطب له كثوب قليل الثمن ونحوه
مما لا يوجب عداوة، فإن شهادته عليه في غير ما يخاصمه فيه جائزة، وقال
يحيى بن سعيد: الخصم في هذا الحديث الوكيل، وقاله ابن وهب.
قال الباجي: والوجهان عندي محتملان، فيحتمل أن يريد به العَدُوَّ
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٨١/٤)، و((الدراية)) (١٧١/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٨/٣).
٥٧٠

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢) باب
(١٤٢٩) حديث
وَلَا ظَنِينٍ .
المخاصمَ، ويحتمل أن يريد به الوكيل على خصومته لا تقبل شهادته على ما
یخاصم فیه، اهـ.
وفي ((الدراية)): أبو داود(١) وأحمد وعبد الرزاق والدارقطني من حديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله وَ لّه رَدَّ شهادة الخائن والخائنة
وذي الغمر على أخيه، وأخرج الترمذي والدارقطني وأبو عبيد في ((الغريب))،
من حديث عائشة نحوه.
(ولا ظنين) بالظاء المعجمة أي مُتَّهم في دين، فعيل بمعنى مفعول من
الظنة أي التهمة، وفي حديث آخر ((ولا ظنين في ولاء)) وهو الذي ينتمي إلى
غير مواليه، لا تقبل شهادته للتهمة، كذا في ((النهاية)).
وقد روى الترمذي(٢) عن عائشة مرفوعاً ((لا تجوز شهادة خائن ولا
خائنة)) الحديث. وفيه ((ولا ظنين في ولاء)) قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا
من حديث يزيد بن زياد إلى أن قال: والظنين المتهم في دينه، كذا في
((المحلی)).
وقال الباجي(٣): روى ابن مزَيِّنُ عن يحيى بن سعيد أنه المتهم الذي
يظن به غير الصلاح، وقال ابن كنانة: هو المتهم، فكل من اتهم في شهادة
بميل لم يحكم بها، وإن كان مبرزاً في العدالة، والتهمة التي يتعلق بها رد
الشهادة على قسمين؛ أحدهما: لجر المال، والثاني: لدفع المعرَّة، والأول على
ضربين: أحدهما؛ أن يشهد لنفسه أو لغيره ممن يرغب في كثرة ماله، والثاني؛
أن يشهد لمن يناله معروفه.
(١) ((سنن أبي داود)) (٣٦٠٠).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٢٩٨).
(٣) ((المنتقى)) (٢٠٤/٥).
٥٧١

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢) باب
(١٤٢٩) حديث
وبسط الكلام فيها إلى أن قال: وروى ابن نافع عن مالك أنه قال: يدخل
في قول عمر - رضي الله عنه - هذا شهادة الأبوين للولد وأحد الزوجين للآخر،
وهذا مذهب علماء الأمصار، وروي عمن لا يعتد بخلافه تجوز شهادة الآباء
للأبناء والأبناء للآباء، والدليل على ما نقوله حديث عمر - رضي الله عنه -
هذا، وقد اتفق العلماء على تصحيحه، والأخذ به، ولا نعلم بتهمة أقوى من
كلف الآباء بالأبناء ومحبة الأبناء بالآباء، ولأن الإنسان إنما ترد شهادته لنفسه
للتهمة، ومن الناس من تكون محبته لبنيه تربو على محبته لنفسه أو تقاربها
فيجب أن لا تجوز شهادته، اهـ.
وقال ابن رشد(١): أما التهمة التي سببها المحبة، فإن العلماء أجمعوا
على أنها مؤثرة في إسقاط الشهادة. واختلفوا في رد شهادة العدل بالتهمة
لموضع المحبة أو البغضة التي سببها العداوة الدنيوية، فقال بردها فقهاءُ
الأمصار إلا أنهم اتفقوا في مواضع على إعمال التهمة، وفي مواضع على
إسقاطها، وفي مواضع اختلفوا فيها، فأعملها بعضهم، وأسقطها بعضهم، فما
اتفقوا عليه رد شهادة الأب والأم لابنهما والابن لهما .
ومما اختلفوا فيه شهادة الزوجين أحدهما للآخر، فإن مالكاً ردّها وأبا
حنيفة، وأجازها الشافعي وأبو ثور والحسن، وقال ابن أبي ليلى: تقبل شهادة
الزوج لزوجه، ولا تقبل شهادتها له، وبه قال النخعي، ومما اتفقوا على إسقاط
التهمة فيه شهادة الأخ لأخيه ما لم يدفع بذلك عن نفسه عاراً على ما قال
مالك، وما لم يكن منقطعاً إلى أخيه يناله بره وصلته، ما عدا الأوزاعي فإنه
قال: لا تجوز.
وعمدة الجمهور في رد الشهادة بالتهمة ما روي عنه وَ الر أنه قال: ((لا
(١) ((بداية المجتهد)) (٢/ ٤٦٣).
٥٧٢

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢) باب
(١٤٢٩) حديث
تقبل شهادة خصم ولا ظنين))، وأما الطائفة الثانية، وهم شريح وأبو ثور
وداود، فإنهم قالوا: تقبل شهادة الأب لابنه فضلاً عمن سواه، إذا كان عدلاً،
لقوله تعالى: ﴿كُوْنُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ
وَاُلْأَقْرَبِينٌ﴾ والآية .
والأمر بالشيء يقتضي إجزاء المأمور به، إلا ما خصصه الإجماع من
شهادة المرء لنفسه، وأما من طريق النظر، فإن لهم أن يقولوا رد الشهادة
بالجملة، إنما هو لموضع اتهام الكذب، وهذه التهمة إنما اعتملها الشارع في
الفاسق، ومنع إعمالها في العادل، فلا تجتمع العدالة مع التهمة، اهـ.
وقال الموفق(١): ظاهر المذهب أن شهادة الوالد لولده لا تقبل، ولا
لولد ولده وإن سفل، ولا شهادة الولد لوالده ووالدته وإن علوا، وسواء في
ذلك الآباء والأمهات وآباؤهما وأمهاتهما، وبه قال شريح والحسن والشعبي
والنخعي ومالك والشافعي وإسحق وأبو عبيد وأصحاب الرأي، وعن أحمد
رواية ثانية تقبل شهادة الابن لأبيه لا عكسه؛ لأن مال الابن في حكم مال
الأب، له أن يتملكه إذا شاء، فشهادته له شهادته لنفسه، قال النبي وَل: ((أنت
ومالك لأبيك))(٢) ولا يوجد هذا في شهادة الابن لأبيه، وعنه رواية ثالثة تقبل
شهادة كل واحد منهما لصاحبه في ما لا تهمة فيه كالنكاح والطلاق، والمال
إذا كان مستغنى عنه؛ لأن كل واحد منهما لا ينتفع بما يثبت للآخر من ذلك،
فلا تهمة في حقه، وروي عن عمر - رضي الله عنه - أن شهادة كل واحد منهما
للآخر مقبولة، وروي ذلك عن شريح، وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو ثور
والمزني وداود وإسحق وابن المنذر لعموم الآيات، ولأنه عدلٌ تقبل شهادته في
غير هذا الموضع، فتقبل فيه كالأجنبي.
(١) «المغني)) (١٨١/١٤).
(٢) رواه الطبراني، في ((الكبير)) (٩٧٩/٧).
٥٧٣

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣) باب
(٣) باب القضاء في شهادة المحدود
ولنا ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي ◌َ﴾ أنه قال: ((لا
تجوز شهادة خائن وخائنة، ولا ذي غِمْرٍ على أخيه، ولا ظنين في قرابة ولا
ولاء)). والظنين: المتهم، والأب يتهم لولده، لأن ماله كماله بما ذكرنا، ولأن
بينهما بَعْضِيَّةٌ، فكأنه يشهد لنفسه، ولذا قال بَّه: ((فاطمة بضعة مني))(١) ولأنه
مُتَّهم في الشهادة لولده كتهمة العدو في الشهادة على عدوه، والخبر أخصُّ من
الآيات، فتخص به.
وأما شهادة أحدهما على صاحبه، فتقبل، نص عليه أحمد، وهذا قول
عامة أهل العلم، وذلك لقوله تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى
أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقَْبِينَ﴾(٢)، فأمر بالشهادة عليهم، ولو لم تقبل لما أمر
بها، ولأنها إنما ردت للتهمة في إيصال النفع، ولا تهمة في شهادته عليه،
فوجب أن تقبل كشهادة الأجنبي، بل أولى، فإن شهادته لنفسه لما ردت للتهمة
في إيصال النفع إلى نفسه، كان إقراره عليه مقبولاً .
وحكى القاضي رواية أخرى أن شهادة أحدهما لا تقبل على صاحبه،
لأن شهادته له غير مقبولة، فلا تقبل عليه كالفاسق، وقال بعض الشافعية: لا
تقبل شهادة الابن على أبيه في قصاص ولا حد قذف، والمذهب الأول لما
ذكرنا، ولأنه يتهم له ولا يتهم عليه، فشهادته عليه أبلغ في الصدق كإقراره على
نفسه، اهـ.
(٣) القضاء في شهادة المحدود
قال الموفق(٣): القاذف إن كان زوجاً، فحقق قذفه ببينة أو لعان، أو كان
(١) أخرجه البخاري (٥٢٣٠) ومسلم (٢٤٤٩) وأبو داود (٢٠٧١) والترمذي (٣٨٦٧) وابن
ما جه (١٩٩٨).
(٢) سورة النساء الآية ١٣٥.
(٣) («المغني)) (١٨٨/١٤).
٥٧٤

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣) باب
أجنبياً، فحققه بالبينة أو بإقرار المقذوف، لم يتعلق بقذفه فسقٌ ولا حدٍّ ولا رَدُّ
شهادةٍ، وإن لم يحقق قذفه بشيء من ذلك، تعلق به وجوب الحد عليه،
والحكم بفسقه، ورد شهادته؛ لقوله عز اسمه: ﴿وَلَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ الآية،
فإن تاب لم يسقط عنه الحد، وزال الفسق بلا خلاف.
وتقبل شهادته عندنا. ورُوي ذلك عن عمر، وأبي الدرداء، وابن عباس،
وبه قال عطاء وطاووس ومجاهد والشعبي والزهري ومالك والشافعي والبتي
وإسحق وأبو عبيد وابن المنذر. وذكره ابن عبد البر عن يحيى بن سعيد
وربيعة. وقال شريح والحسن والنخعي وسعيد بن جبير والثوري وأصحاب
الرأي: لا تقبل شهادته إذا جُلِدَ وإن تاب، وعند أبي حنيفة لا ترد شهادته قبل
الجلد وإن لم يتب.
فالخلاف معه في الفصلين؛ أحدهما: أنه عندنا تسقط شهادته بالقذف إذا
لم يحققه، وعند أبي حنيفة ومالك لا تسقط إلا بالجلد، والثاني: إذا تاب قبلت
شهادته وإن جلد، وعند أبي حنيفة لا تقبل، وتعلق بقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ
شَهِدَةً أَبَدًا﴾ وروى ابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً ((لا
تجوز شهادة خائن ولا محدود في الإسلام))، واحتج في الفصل الآخر بأن
القذف قبل حصول الجلد يجوز أن تقوم به البينة، فلا يجب به التفسيق.
ولنا في الفصل الأول إجماع الصحابة فإنه يروى عن عمر - رضي الله
عنه - أنه كان يقول لأبي بكرة حين شهد على المغيرة بن شعبة: تب، أَقْبَلْ
شهادتَك، ولم ينكر ذلك منكر، فكان إجماعاً، قال سعيد بن المسيب: شهد
على المغيرة ثلاثة أبو بكرة ونافع بن الحارث وشبل، ونكَلَ زيادٌ، فجلد عمر
- رضي الله عنه - الثلاثة، وقال لهم: توبوا تقبل شهادتكم، فتاب رجلان،
وقبل عمر - رضي الله عنه - شهادتهما، وأبى أبو بكرة، فلم يقبل شهادته (١)،
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٦٢/٨).
٥٧٥

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣) باب
ويحققه أن الزناء أعظم من القذف به، وكذلك قتل النفس وسائر الذنوب إذا
تاب فاعلها قبلت شهادته فهذا أولى.
وأما الآية فحجة لنا، فإنه استثنى التائبين، والاستثناء من النفي إثبات،
فيكون التقدير إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم، وليسوا بفاسقين.
فإن قالوا: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة التي تليه بدليل أنه لا يعود إلى
الجلد. قلنا: بل يعود إليه أيضاً، لأن هذه الجمل معطوف بعضها على بعض
بالواو، وهي للجمع تجعل الجمل كلها كالجملة الواحدة، فيعود الاستثناء إلى
جميعها إلا ما منع منه مانع، وحديثهم ضعيف، يرويه الحجاج بن أرطاة، وهو
ضعيف .
قال ابن عبد البر: لم يرفعه مَنْ روايتُه حجة، وقد روي من غير طريقه،
ولم تذكر فيه هذه الزيادة، فدل ذلك على أنها من غلطه، ويدل على خطئه قبول
شهادة كل محدود في غير القذف بعد توبته، ثم لو قُدِّرَ صحتُه، فالمراد به من
لم يتب بدليل: كل محدود تائب سوى هذا. وأما الفصل الثاني فدليلنا فيه
الآيةُ، فإنه رتب على رمي المحصنات ثلاثة أشياء، إيجاب الجلد، ورَدُّ
الشهادة، والفسقُ، فوجب أن يثبت رد الشهادة بوجود الرمي الذي لم يمكنه
تحققه كالجلد، ولأن الرمي هو الذنب الذي يستحق به العقوبة، وتثبت المعصية
الموجبة لرد الشهادة، والحد كفارة وتطهير، فلا يجوز تعليق رد الشهادة به، اهـ
مختصراً .
وسيأتي الكلام على الآية في كلام المصنف قريباً، وأما حديث عمرو بن
شعيب فقد قال العيني(١): إن الحجاج بن أرطاة أخرج له مسلم مقروناً بغيره،
وقد تابعه المثنى بن الصباح وآدم بن فائد عند البيهقي، ورواه أبو سعيد النقاش
(١) ((عمدة القاري)) (٤٩٤/٩).
٥٧٦

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣) باب
قَالَ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرِهِ
أَنَّهُمْ سُئِلُوا: عَنْ رَجُلِ جُلِدَ الْحَدَّ.
في ((كتاب الشهود)) تأليفه من حديث حجاج، ومحمد بن عبد الله العزرمي،
وسليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب. ورواه أحمد بن موسى بن مردويه في
((مجالسه)) من حديث المثنى عن عمرو عن أبيه عن عبد الله، وروي عن
ابن عباس - رضي الله عنهما - ذكره ابن حزم بسند جيد عنه أنه قال: شهادة
القاذف لا تجوز وإن تاب، وكفى به حجة، وقال ابن حزم أيضاً: وصح ذلك
أيضاً عن الشعبي في أحد قوليه، والحسن البصري، ومجاهد في أحد قوليه،
وعكرمة في أحد قولیه، اهـ.
1
وأثر عمر - رضي الله عنه - في قصة أبي بكرة ذكره البخاري تعليقاً وتكلم
عليه العيني في ((شرحه)) وابن التركماني في ((الجوهر النقي))(١) والرازي في
((أحكام القرآن)). وفي ((المحلى)): ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال
لأبي بكرة: تب أقبل شهادَتَك، في رواته عمرو بن قيس مع كونه معارضاً لما
قاله لأبي موسى الأشعري في كتابه له: والمسلمون عدول بعضهم على بعض
إلا المجلود في قذف، رواه الدارقطني من طريق فيه عبد الله بن حميد، وهو
ضعيف، ومن طريق آخر حسنه، وأخرجه البيهقي من طريق غير الطريقين
جيد، اهـ.
(مالك أنه بلغه عن سليمان بن يسار) المدني الفقيه (وغيره) من أهل
العلم، وأخرج البيهقي برواية ابن بكير عن مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب
وسليمان بن يسار سئلا عن ذلك الحديث (أنهم سئلوا) ببناء المجهول (عن
رجل جلد) ببناء المجهول (الحد) أي حَدِّ كان، أوحد القذف خاصة محتملان
كما سيأتي عن الباجي.
(١) ((الجوهر النقي)) على هامش ((السنن الكبرى)) (١٥٢/١٠).
٥٧٧

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣) باب
أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ الْتَّوْبَةُ .
وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يُسْأَلُ عَنْ ذُلِكَ. فَقَالَ
مِثْلَ مَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ .
قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا. وَذُلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ
(أتجوز شهادته؟ فقالوا) كذا في جميع النسخ المصرية والهندية إلا
الزرقاني، ففيها فقال بالإفراد أي سليمان ومن قال بقوله (نعم إذا ظهرت منه
التوبة)، قال الباجي(١): قوله: جلد الحد لفظٌّ عامٌ في الحدود التي يجلد فيها
من الزنا وشرب الخمر والقذف إلا أن إيراده ههنا يحتمل وجهين: أحدهما: أن
يريد به حمله على عمومه، ثم يستدل به على نوع منه بالنص وهو في حد
القذف فيجعله أصلاً لجميع الجنس، والثاني: أن يريد القذف وحده، ويقصد
بيان حكمه بالآية التي أوردها لأنها خاصة في حد القذف، اهـ.
(مالك أنه سمع ابن شهاب) الزهري (يسأل) ببناء المجهول (عن ذلك
فقال) الزهري: (مثل ما قال سليمان بن يسار) ولفظ البيهقي في رواية ابن بكير
عن مالك بعد الأثر السابق، وعن ابن شهاب أنه سئل عن رجل إذا جلد الحد
هل تجوز شهادته؟ قال: نعم إذا ظهرت منه التوبة.
(قال مالك: وذلك الأمر) المرجح (عندنا) في المدينة المنوّرة (وذلك) بيان
الدليل أن المحدود في القذف إذا تاب قبلت شهادته (لقول الله تبارك وتعالى) في
سورة النور (﴿وَلَِّيْنَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾) أي العفيفات مبتدأ، أخبر عنه بثلاثة
جمل؛ أولاها ((فاجلدوهم)) والمعنى أي يقذفونهن بالزنا، وهكذا قذف الذكور،
وإنما اقتصر عليهن لخصوص الواقعة، أو لأن قذف النساء أغلب وأشنع، أو
لأن شأنهن الميل للزنا، وإذا كان مع ذلك يجب حَدّ قاذفهن، فيجب حد قاذف
(١) ((المنتقى)) (٢٠٧/٥).
٥٧٨

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣) باب
ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ ثُهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِيِنَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهْدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَكَ
﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
هُمُ الْفَاسِقُونَ
تَحِيمٌ
الرجل المحصن بالأولى كذا في ((المحلى)) و((الجمل))، وتشترط للإحصان
شرعاً شرائطُ مذكورةٌ في الفقه.
(﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوْ﴾) لإثبات مدعاهم (﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾) يشهدون برؤيتهم زناها،
(﴿فَأَجْلِدُوهُمْ﴾) أي كل واحد منهم (﴿ثَمَنِينَ جَدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَدَةً﴾) في شيء من
الأمور أصلاً (﴿أَبَدًا﴾) ما لم يتوبوا عند الإمام مالك ومن معه من القائلين، إن
التائب تجوز شهادته، ولا تقبلوا مدة حياتهم، وإن تابوا عند أبي حنيفة ومن
معه من القائلين، إن التوبة لا تجعله مقبول الشهادة (﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾﴾ أي
المحكوم عليهم بالفسق لإتيانهم الكبيرة، وهي رَمْيُ المحصن (﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ
بَعْدٍ ذَلِكَ﴾) أي رجعوا عن قذفهم (﴿وَأَصْلَحُواْ﴾) أعمالهم (﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾) لهم
قذفهم (تَحِيمٌ) بهم بإلهامهم، وتوفيقهم إصلاح العمل.
أوجب الله عز اسمه على القاذف إذا لم يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة
أحكام: الأول: أن يجلد ثمانين. الثاني: تردّ شهادته أبداً. الثالث: أنه فاسق
عند الله وعند الناس، ثم استثنى الله عزّ وجلّ منها التائب، واتفق العلماء على
أن الحكم الأول لا يتناوله الاستثناء، فإن الجلد لا يسقط عنه سواء تاب أو لم
يتب إلا ما في ((المحلى)) عن البيضاوي إذ قال: الاستثناء راجع إلى أصل
الحكم، وهو اقتضاء الشرط بهذه الأمور، ولا يلزمه سقوط الحد به كما قال به
الشعبي، اهـ.
وقال الحافظ(١): بالغ الشعبي، فقال: إن تاب القاذف قبل إقامة الحد
سقط عنه، اهـ واتفقوا أيضاً على أن الحكم الثالث المتصل بالاستثناء داخل
(١) «فتح الباري)» (٢٥٥/٥).
٥٧٩

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣) باب
فيه، فإن الفسق يرتفع عند الجميع بنص الكتاب، واختلفوا في الحكم المتوسط
هل يلحق بالأول أو الآخر؟ فقالت الأئمة الثلاثة ومن معهم: هو ملحق
بالآخر، ويرتفع بالتوبة حكم رد الشهادة أيضاً، لأن الاستثناء إذا تعقب جملاً
بعضها معطوف على بعض، ينصرف الاستثناء إلى الكل، فكذلك ههنا إلا أن
الأول خرج منه بالإجماع، فبقي الآخران داخلين في الاستثناء.
وقالت الحنفية ومن معهم: إن الاستثناء يتعلق بالثالث فقط، لأن الأصل
فيه أن يتعلق بالملحق، ولو سلم تعلقه بالجميع فهو ممنوع ها هنا لخروج
الأول منه إجماعاً، ولا وجه لتعلقه بالاثنين من الجمل الثلاثة، فإنه إما أن
يتعلق بالكل، وهو ممنوع، أو يتعلق بالآخر، وهو واضح.
قال العيني(١): أما شهادته فلا تقبل أبداً عند الحنفية، لأن ردَّ الشهادة من
تتمة الحد، لأنه يصلح جزاء فيكون مشاركاً للأول في كونه حدّاً، وقوله:
﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، لا يصلح جزاء، لأنه ليس بخطاب للأئمة، بل هو
إخبار عن صفة قائمة بالقاذفين، فلا يصلح أن يكون من تمام الحد، لأنه كلام
مبتدأ بالاستئناف منقطع عما قبله لعدم صحة عطفه على ما سبق، لأنها جملة
إخبارية ليس بخطاب للأئمة، وما قبله جملة إنشائية خطاب لهم.
وكذا قوله: (ولا تقبلوا)) جملة إنشائية خطاب للأئمة، فيصلح أن يكون
عطفاً على قوله: ((فاجلدوا)) والشافعي - رحمه الله - قطع قوله: ((ولا تقبلوا)) عن
قوله: ((فاجلدوا)) مع دليل الاتصال، وهو كونه جملة إنشائية صالحة للجزاء
مفوضة إلى الأئمة مثل الأول، وواصل قوله: ﴿وَأُوْلَِّكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، مع قيام
دليل الانفصال، وهو كونه جملة اسمية غير صالحة للجزاء، اهـ.
وفي ((المحلى)): قال أبو حنيفة وأصحابه: ﴿وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهْدَةً أَبَدًّا﴾
(١) (عمدة القاري)) (٤٩١/٩).
٥٨٠
نـ