النص المفهرس
صفحات 541-560
٣٧ - كتاب الشفعة (٢) باب (١٤٢٥) حديث إِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا يَصْلُحُ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ وَتَقَعُ فِيهِ الْحُدُودُ مِنَ الْأَرْضِ. فَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ فِيهِ الْقَسْمُ فَلَا شُفْعَةً فِيهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَمَنِ اشْتَرَى أَرْضاً فِيهَا شُفْعَةٌ لِنَاسِ حُضُورٍ، الشفعة أيضاً عند مالك أن يكون مما ينقسم، كما تقدم أيضاً في بيان الشروط. وتقدم البسط في مسألة البئر خاصة قريباً في أثر عثمان، أما إذا كان مع البئر أرض، فيدخل في شرائط الشفعة، لأنه يمكن قسمته إذاً. (إنما الشفعة فيما ينقسم)، وفي النسخ المصرية ((فيما يصلح أن ينقسم))، يعني يقبل القسمة بحيث يمكن الانتفاع به بعد القسمة، والبئر ليس كذلك فلا شفعة فيه (ويقع فيه الحدود من الأرض) والأشياء التي ذكرت ليست من الأرض فلا شفعة فيها . (فأما ما لا يصلح فيه القسم) وإن كان من الأرض كالبئر (فلا شفعة فيه) وتقدم بيان ذلك مفصلاً فيما سبق، قال صاحب ((المحلى)): وبه قال الثلاثة الباقية والجمهور إنه لا شفعة في المنقول؛ لما رواه البزار عن جابر مرفوعاً ((لا شفعة إلا في ربع أو حائط)) الحديث(١)، رواته ثقات، قال عياض: وشذَّ قومٌ، فأثبتوا الشفعة في العروض، وعن عطاء يثبت في كل شيء حتى في الثوب، وبه أخذ ابن أبي ليلى، وروى البيهقي (٢) عن ابن عباس مرفوعاً ((الشريك شفيع والشفعة في كل شيء)) رجاله ثقات إلا أنه أعلّ بالإرسال، وقد أخرج الطحاوي له شاهداً عن جابر بإسناد لا بأس به، اهـ. قلت: وقد تقدم المزيد في ذلك في أول الباب السابق. (قال مالك: من اشترى أرضاً) أو غيره مما تكون فيه الشفعة (فيها شفعة لناس حضور) بضم الحاء، ففي ((الصراح)): قوم حضور بالضم أي حاضرون (١) انظر: ((نصب الراية)) (١٧٨/٤). (٢) ((السنن الكبرى)) (١٠٩/٦). ٥٤١ ٣٧ - كتاب الشفعة (٢) باب (١٤٢٥) حديث فَلْيَرْفَعْهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ. فَإِمَّا أَنْ يَسْتَحِقُوا وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ السُّلْطَانُ. وهو مصدر في الأصل، وقيد بالحاضرين؛ لأن الغائبين لهم الشفعة حتى يقدموا أو يعلموا، كما تقدم مفصلاً قريباً في شفعة الغائب (فليرفعهم إلى السلطان) ليطمئن المشتري عن الشفعة بأخذها أو تركها ولا يكون متردداً في ذلك وممتنعاً عن التصرف فيه، لاحتمال الشفعة لا سيما عند المالكية، فإن الشفعة عندهم على التراخي، كما تقدم في محله. قال الدردير(١): وملك الشفيع الشقص بأحد أمور ثلاثة، بحكم من حاكم له به، أو دفع ثمن من الشفيع للمشتري، أو إشهاد من الشفيع بالأخذ، واستعجل المشتري الشفيع بالأخذ أو الترك إن قصد الشفيع التروي، ولا يمهل لذلك، قال الدسوقي: قوله: أو إشهاد بالأخذ، وأما الإشهاد بأنه باقٍ على شفعته، فلا يملكه بذلك، وقوله: فلا يمهل، بل إن لم يأخذ بالشفعة حالاً أو يسقطها حالاً حكم الحاكم بإسقاطها . والحاصل أن المشتري إذا رفع الأمر إلى الحاكم وأحضر الشفيع، وقال له: إما أن تأخذ هذا الشقص أو تسقط شفعتك، فقال: أمهلوني حتى أتروّى في الأخذ وعدمه، فإنه لا يمهل، ويستعجل بالأخذ حالاً أو الإسقاط حالاً، فإن لم يأخذ حالاً أو يترك حالاً حكم الحاكم بإسقاط شفعته، اهـ. ويحتاج إلى ذلك عند مالك؛ لقوله بأن الشفعة على التراخي، وأما من قال بأنها على الفور لا يحتاج إلى ذلك؛ لأن الشفيع إذا لم يطالبه على الفور سقطت شفعته، فلم يبق الشفيع على حظ من الشفعة. (فإما أن يستحقوا) وفي نسخة ((فإما أن يأخذوا)) أي يأخذوا باستحقاقهم الشفعة عند الحاكم (وإما أن يُسَلَّمَ) من التسليم (له) أي للمشتري (السلطان) فاعل يسلم يعني يحكم بإسقاط شفعته، كما تقدم عن الدردير. (١) ((الشرح الكبير)) (٤٨٧/٣). ٥٤٢ ٣٧ - كتاب الشفعة (٢) باب (١٤٢٥) حديث فَإِنْ تَرَكَهُمْ فَلَمْ يَرْفَعْ أَمْرَهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ. وَقَدْ عَلِمُوا بِاشْتِرَائِهِ. فَتَرَكُوا ذُلِكَ حتَّى طَالَ زَمَانُهُ. ثُمَّ جَاؤُوا يَطْلُبُونَ شُفْعَتَهُمْ. فَلَا أَرَى ذُلِكَ لَهُمْ. (فإن تركهم) المشتري (فلم يرفع أمرهم إلى السلطان) ولم يستعجل في ذلك (وقد علموا باشترائه) لأن مدار الشفعة على علم الشفعاء بالبيع (فتركوا ذلك) بعد علمهم (حتى طال زمانه) وخرج الزمان الذي كان فيه للشفيع الحاضر حق الشفعة، وقد تقدم البسط فيه (ثم جاءوا) بعد خروج وقته (يطلبون شفعتهم فلا أرى ذلك لهم) لأنه خرج وقته، وهو السنة على القول المشهور المعتمد عند المالكية، كما تقدم. قال الباجي(١): ومعنى ذلك أن من اشترى أرضاً لها شفيع حاضر، فإنه إن أراد قطع خيار الشفيع رفعه إلى السلطان، فوقفه، فإما أن يستحق، ومعناه يأخذ بشفعته، وإما أن يسلم له السلطان، معناه يحكم عليه بإبطال شفعته، إن لم يأخذ بالشفعة، أو أراد من تأخير الثمن ما ليس له، وإنما يرفعه إلى الحاكم ليأخذ أو يترك؛ لأن المشتري يحتاج إلى التصرف فيما اشتراه بالبناء والإصلاح، فمتى طال بقاء الشفيع أضَرَّ ذلك به، ولا ينقطع خيار المشتري : معجلاً، إلا بما ذكر مِنْ رفعه إلى السلطان، ويعجل الحكم له أو عليه، وإذا وقف الشفيع فترك الشفعة بطلت شفعته، ولم يكن له القيام بها بعد هذا، وإن أخذ بالشفعة وطلب أن يؤجل بالثمن، ضرب له الإمام في ذلك أجلاً يومين أو ثلاثة، وإن لم يضرب له أجلاً فلا بأس به، وعن ابن الماجشون: يؤخر عشرة أيام ونحوها، وعن أصبغ: يؤخر بقدر قلة المال وكثرته، وبقدر عسره ويسره، وأقصى ذلك شهر، وهذا كله إذا أوقفه الحاكم، أما لو أوقفه غير الحاكم، فهو على شفعته، حتى يوقفه السلطان أو يترك هو، انتهى مختصراً. (كمل كتاب الشفعة) هكذا في النسخ الهندية وليس هذا في المصرية ولله الحمد والمنّة. (١) ((المنتقى)) (٢٢٢/٦). ٥٤٣ ١٠٠ ٣٧ - كتاب الشفعة (٢) باب (١٤٢٥) حدیث وقد فرغ من تسويده في العشرين من شعبان سنة خمس وستين، وارتحل بعد ذلك هذا الحقير إلى نظام الدين(١)، للاعتكاف فيها على العادة المعروفة من عدة سنين، واشتغل بعد الرجوع عنها في شوال في مسألة حادثة مهمة متعلقة بأراضي الهند، هل يجوز للحكومة التغلب عليها واستلابها عن مُلّاكها أم لا؟ فوقع لذلك التعطل في هذا الشرح بعدة شهور، وهكذا تكون الفترات فيه مرة بعد أخرى للعوارض التي تحدث بأنواع مختلفة في كل سنة، فإلى الله المشتكى. (١) نظام الدين، هي قرية في غيات بور، صارت الآن حياً من أحياء دهلى، وهي مركز جماعة التبليغ والإصلاح. ٥٤٤ ٣٨ - كتاب الأقضية بسم الله الرحمن الرحيم ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٨) كتاب الأقضية هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية غير نسخة ((المنتقى)) بكتاب الأقضية بعد الشفعة، وفي ((المنتقى)) بعدها كتاب الفرائض، والأقضية قبل الشفعة بعد كتاب القراض. والأقضية: جمع قضاء، ففي ((الدر المختار)) (١): القضاء بالمد والقصر، لغةً: الحكم، قال ابن عابدين: أصله قضاي؛ لأنه من قضيت إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، والجمع الأقضية، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِنَّهُ﴾ (٢) أي حكم، وقد يكون بمعنى الفراغ، تقول: قضيت حاجتي، وضربه فقضى عليه، أي قتله، وقضى نحبه، مات، وبمعنى الإنهاء والأداء قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾(٣) وبمعنى الصنع والتقدير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَئُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾(٤) ومنه القضاء والقدر. ((بحر)) ملخصاً عن ((الصحاح)). قال الدردير(٥): هو لغةً يطلق على معانٍ: منها الفراغ. ومنها الأداء، كما في ((قضى زيد دينه))، ومنها الحكم، وهو المراد ههنا، والقاضي الحاكم أي من له الحكم، وإن لم يحكم بالفعل، اهـ. وأما شرعاً: ففي ((الدر المختار)): هو فصل الخصومات، وقطع المنازعات، وقيل غير ذلك، كما بسط في المطولات. (١) (٢٤/٨). (٢) سورة الإسراء: الآية ٢٣. (٣) سورة الحجر: الآية ٦٦. (٤) سورة فصلت: الآية ١٢. (٥) ((الشرح الكبير)) (١٢٩/٤). ٥٤٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (١) باب (١) باب الترغيب في القضاء بالحق وقال ابن رشد(١): أصول هذا الكتاب تنحصر في ستة أبواب: أحدها : معرفة من يجوز قضاؤه، والثاني: في معرفة ما يقضي به، والثالث: في معرفة ما يقضي فيه، والرابع: في معرفة من يقضى عليه أو له، والخامس: في كيفية القضاء، والسادس: في وقت القضاء، اهـ. بسم الله الرحمن الرحيم هكذا في جميع النسخ غير ((المنتقى)) بتقديم الكتاب على التسمية، وفي نسخة ((المنتقى)) بعكس ذلك. (١) الترغيب في القضاء بالحق قال الموفق (٢): الأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنّة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾(٣) وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّا أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ (٤) وأما السنة فقوله ◌َّه : (إذ اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر))، متفق عليه(٥)، في آي، وأخبار سوى ذلك كثيرة، وأجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس. وهو من فروض الكفايات؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجباً عليهم، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه، ولذلك (١) ((بداية المجتهد)) (٤٥٩/٢). (٢) ((المغني)) (٥/١٤). (٣) سورة صّ: الآية ٢٦. (٤) سورة المائدة: الآية ٤٩. (٥) أخرجه البخاري (١٣٣/٩)، ومسلم (١٣٤٢/٣). ٥٤٦ ٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (١) باب جعل الله فيه أجراً مع الخطأ، ولأن فيه أمراً بالمعروف، ونصرة المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، ورداً للظالم عن ظلمه، وإصلاحاً بين الناس، وتخليصاً لبعضهم من بعض، وذلك من أبواب القرب، ولذلك تولاه النبي ◌َّه والأنبياء قبله، فكانوا يحكمون لأممهم، وبعث علياً - رضي الله عنه - إلى اليمن قاضياً، وبعث أيضاً معاذاً قاضياً. وقد روي عن ابن مسعود: أن أجلس قاضياً بين اثنين أحبُّ إليّ من عبادة سبعين سنة(١)، وعن عقبة بن عامر قال: جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله ﴿ فقال لي: اقض بينهما، قلت: أنت أولى بذلك، قال: وإن كان، قلتُ: علامَ أقضي؟ قال: اقضٍ، فإن أصبت، فلك عشرةُ أجورٍ، وإن أخطأت فلك أجر واحد، رواه سعيد في ((سننه))(٢). وفيه خطر عظيم ووزر كبير إن لم يؤد الحق، ولذلك كان السلف - رحمهم الله - يمتنعون منه أشدّ الامتناع، ويخشون على أنفسهم خطره، ويقال: أعلم الناس بالقضاء أشدُّهم له كراهة، ولعِظَم خطره، قال بَّ: ((من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين))، قال الترمذي (٣): حديث حسن، وقيل في هذا الحديث: إنه لم يخرج مخرج الذم للقضاء، وإنما وصفه بالمشقة فَكَأنّ من وليه قد حُمِلَ على مشقة، كمشقة الذبح. والناس في القضاء على ثلاثة أضرب؛ منهم، من لا يجوز له الدخول فيه، - وهو من لا يحسنه، ولم تجتمع فيه شروطه، فقد روي عن النبي وَل ((القضاة ثلاثة))، ذكر منهم رجلاً قضى بالناس بالجهل، فهو في النار، ولأن من (١) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٨٦/١٠). (٢) عزاه صاحب ((كنز العمال)) إلى ابن عساكر: ((كنز العمال)) (٨٠٢/٥). (٣) أخرجه الترمذي (١٣٢٥). ٥٤٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (١) باب لا يحسنه لا يقدر على العدل فيه، فيأخذ الحق من مستحقه فيدفعه إلى غيره، ومنهم، من يجوز له، ولا يجب عليه، وهو من كان من أهل العدالة والاجتهاد ويوجد غيره مثله. وظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب له الدخول فيه لما فيه من الخطر والغرر وفي تركه من السلامة، ولما ورد فيه من التشديد، ولأن طريقة السلف الامتناع عنه والتوقي، وقد أراد عثمان - رضي الله عنه - تولية ابن عمر القضاء فأباه . وقد قال ابنُ حامد: إن كان رجلاً خاملاً، لا يُرْجَعُ إليه في الأحكام، فالأولى له تَوَلِّيه ليُرْجَعَ إليه في الأحكام، وينتفع به المسلمون، وإن كان مشهوراً في الناس بالعلم يرجع إليه في تعليم العلم والفتوى، فالأولى الاشتغال بذلك؛ لما فيه من النفع مع الأمن من الغرر، ونحو هذا قال أصحابُ الشافعي، وعلى كل حال فإنه يكره للإنسان طلبه والسعي في تحصيله، لما روي عنه رََّ ((من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء، وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُكْرِهِ عليه أنزل الله عليه مَلَكاً يسَدِّده))، قال الترمذي: حسن غريب، وقال النبي وَّ لعبد الرحمن بن سمرة: ((لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإن أُعْطِيتَها عن غير مسألة أُعِنْتَ عليها))، متفق عليه(١). والضرب الثالث: من يجب عليه وهو من يصلح للقضاء ولا يوجد سواه، فهذا يتعين عليه؛ لأنه فرضُ كفاية، لا يقدر على القيام به غيره، فيتعين عليه كغسل الميت وتكفينه، اهـ مختصراً. وفي ((الدر المختار))(٢): أخذ القضاء برشوة أو ارتشى وحكم لا ينفذ (١) أخرجه البخاري (١٥٩/٨)، ومسلم (١٤٥٦/٣). (٢) (٨/ ٤٢). ٥٤٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (١) باب حكمه، ولو كان عدلاً، ففسق بأخذها استحق العزل، وينبغي أن يكون موثوقاً به في عفافه وعقله وصلاحه وفهمه وعلمه بالسنة، والآثار، ووجوه الفقه. والاجتهاد شرط الأولوية ولا يطلب القضاء بقلبه ولا بلسانه. وفي ((الخلاصة)): طالب القضاء لا يُوَلَّى إلا إذا تعين عليه القضاء، واستحب الشافعية والمالكية طلب القضاء لخامل الذكر لنشر العلم، وكره تحريماً أخذ القضاء لمن خاف الظلم أو العجز، وإن تعين له أي مع خوف الحيف أو أمنه لا يكره، ثم إن انحصر فرض عيناً وإلا كفاية، والتقلد رخصة أي الدخول فيه عند الأمن وعدم التعين، والترك عزيمة عند العامة، فالأولى عدمه، ويحرم على غير الأهل الدخول فيه قطعاً من غير تردد في الحرمة، اهـ. بزيادة من ابن عابدين. وقال: قوله: الترك عزيمة هو الصحيح، كما في ((النهر)) عن ((النهاية)). وبه جزم في ((الفتح)) معللاً بأن الغالب خطأ ظن من ظن من نفسه الاعتدال فيظهر منه خلافه، وقيل: إن الدخول فيه عزيمة، والامتناع رخصة، وفي ((الكفاية)): إن قيل: إذا كان فرض كفاية كان الدخول فيه مندوباً، لما أن أدنى درجات فرض الكفاية الندب، كما في صلاة الجنازة ونحوها. قلنا: نعم كذلك، إلا أن فيه خطراً عظيماً، وأمراً مخوفاً، لا يسلم في بحره كل سابح، ولا ينجو منه كل طامح، إلا من عصمه الله، وهو عزيز وجوده. ألا ترى أن أبا حنيفة دُعِيَ إلى القضاء ثلاثَ مرات، فأبى حتى ضُرِب في كل مرة ثلاثين سوطاً، فلما كان في المرة الثالثة قال: حتى أستشير أصحابي، فاستشار أبا يوسف، فقال: لو تقلدتَ لنفعت الناس، فنظر إليه أبو حنيفة نظر المغضب، وقال: أرأيت لو أُمِرْتُ أن أعبر البحرَ سباحةً أكنتُ أقدر عليه؟ وكأني بك قاضياً، وكذا دعي محمد إلى القضاء، فأبى حتى قيد وحبس واضطر فتقلد، اهـ. ٥٤٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (١) باب (١٤٢٦) حديث ١/١٤٢٦ - حدّثنا يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ وَلِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلِهِ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَر. ١/١٤٢٦ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن زينب بنت أبي سلمة) ربيبة النبي ◌َّر (عن) أمها (أم سلمة زوج النبي وَّ) قال أبو عمر (١): هذا حديث لم يختلف في إسناده (أن رسول الله وَلا قال) وعند البخاري برواية ابن شهاب عن عروة أن رسول الله وَلل سمع خصومةً بباب حجرته فخرج إليهم، فقال: ((إنما أنا بشر))، الحديث، قال الحافظ(٢): قوله: سمع خصومة، وفي رواية: سمع جلبة خصام، والجلبة - بفتح الجيم واللام - اختلاط الأصوات، أما الخصوم فلم أقف على تعيينهم، ووقع التصريح بأنهما كانا اثنين في رواية ابن رافع عن أم سلمة عند أبي داود ولفظه «أتى رسول الله ﴾﴾ رجلان يختصمان)). وأما الخصومة، فَبيَّنَ في رواية ابن رافع أنها كانت في مواريث لهما. وفي رواية عنده في مواريث وأشياء قد درست. وفي ((المحلى)): ولأبي داود(٣) من وجه آخر ((أتى النبي ◌َّ- رجلان يختصمان في مواريث لهما، لم تكن لهما بينة إلا دعواهما))، ولعبد الرزاق ((أنها كانت في أرض هلكت، وذهب من يعلمها))، اهـ. قال الحافظ: والحجرة المذكورة هي منزل أم سلمة، وفي رواية معمر عند مسلم بباب أم سلمة. (إنما أنا بشر) بفتحتين الإنسان سمي به لظهور بشرته دون ما عداه من الحيوان، كذا في ((المحلى))، وقال الحافظ: البشر الخلق يطلق على الواحد (١) انظر: ((الاستذكار)) (٨/٢١). (٢) ((فتح الباري)) (١٣/ ١٧٤). (٣) ((سنن أبي داود)) (٣٥٨٤). ٥٥٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (١) باب (١٤٢٦) حديث . وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ والجماعة بمعنى أنه منهم، والمراد أنه مشارك للبشر في أصل الخلقة، ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختص بها في ذاته وصفاته، والحصر هاهنا مجازي؛ لأنه يختص بالعلم الباطن، ويسمى قصر قلب؛ لأنه أتى به رداً على من زعم أن من كان رسولاً فإنه يعلم كل غيب، حتى لا يخفى عليه المظلوم، اهـ. قال الباجي(١): هذا على معنى الإقرار على نفسه بصفة البشر من أنه لا يعلم الغيب ولا يعلم المحق من الخصمين من المبطل، والإخبار بأن حاله في ذلك حال غيره؛ لأنه لا يعلم من الغيب إلا ما اطلع عليه بالوحي، ولذا قال في قصة المتلاعنين: والله أعلم أن أحدكما كاذب، اهـ. (وإنكم تختصمون إليّ) فيما بينكم؛ لأنه الإمام، فلا يصلح أن يحكم إلا هو أو من قدمه هو لذلك، قال الباجي: يريد تتنازعون في الأموال وغيرها، تنازعاً يدعي كل واحد من الخصمين أنه أحق بها من صاحبه، فيخاصمه في ذلك إلى النبي ◌َآلڑ . (ولعل بعضكم). قال الحافظ: ولعل ها هنا بمعنى عسى (أن يكون ألحن بحجته) وفي النسخ الهندية ألحن أفصح بحجته، وفي المظالم عند البخاري أبلغ وهو بمعناه؛ لأنه من لحن بمعنى فطن وزنه ومعناه، والمراد أنه إذا كان أفطن كان قادراً على أن يكون أبلغ في حجته من الآخر. قال الزرقاني(٢): هو من اللحن بفتح الحاء الفطنة أي أبلغ وأفصح وأعلم في تقرير مقصوده، وأعلم ببيان دليله، وأقدر على البرهنة على دفع دعوى خصمه، بحيث يظن أن الحق معه، وهو كاذب، هذا ما عليه أكثر الشراح، وجَوَّزَ بعضُهُم أنه من اللحن بسكون الحاء، وهو الصرف عن الصواب أي يكون أعجز عن الإعراب بالحجة، وتعسفه لا يخفى، اهـ. (١) ((المنتقى)) (١٨٢/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٤/٣). ٥٥١ ٣٨ - كتاب الأقضية (١) باب (١٤٢٦) حديث مِنْ بَعْضِ. فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ. قال الباجي(١): يريد - والله أعلم - أن يكون أحدهما أعلم بمواقع الحجج، وأهدى إلى إيراد ما يحتاج من ذلك، وأشدّ تبييناً لما يحتج به، قال أبو عبيدة: اللحن بفتح الحاء الفطنة، واللحن بإسكان الحاء الخطأ في القول، اهـ. وجملة ((أن يكون)) خبرُ لعل، من قبيل رجل عدل أي كائن، أو أن زائدة أو المضاف محذوف، أي لعل وصف بعضكم أن يكون ألحن (من بعض) فيغلب خصمه، وهو كاذب، وفي رواية للبخاري ((فأحسب أنه صدق)) (فأقضي) أي فأحكم (له) أي للذي غلب، زاد في نسخة الزرقاني فقط ههنا لفظ ((وإنما أقضي)) وليس هذا في غيرها من النسخ المصرية أو الهندية. (على نحو ما أسمع) ببناء المتكلم (منه) لبناء أحكام الشريعة على الشريعة. قال الباجي(٢): تعلق به بعض أصحابنا في أن القاضي لا يقضي بعلمه، وهذا التعلق ليس بالبَيِّنِ؛ لأنه لا يقضي القاضي بما سمع منه مع علمه، بخلافه على قول من يثبت حكمه بعلمه، ولا على قول من ينفيه، فأما من يقول: إنه يقضي بعلمه، فإنه ينفذ ما علمه، ولا ينظر إلى حجة الخصم، وأما من يمنع الحكم بعلمه، فإذا اقتضت حجته خلاف ما علمه من الأمر امتنع من الحكم من ذلك وشهد عنده غيره بما في علمه، وإذا ثبت ذلك فالمشهور من مذهب مالك أن الحاكم لا يحكم في شيء أصلاً بعلمه، علمه قبل ولايته أو بعدها في حقوق الآدميين أو غيرها، قاله مالك وابن القاسم وأشهب. وجَوَّز ابن الماجشون وأصبغ وسحنون أن يحكم الحاكم بعلمه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي على اختلافهم في تفصيل ذلك، والدليل على ما نقول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ﴾(٣) الآية. فيقتضي العموم أن (١) ((المنتقى)) (١٨٥/٥). (٢) ((المنتقى)) (١٨٥/٥). (٣) سورة النور: الآية ٤. ٥٥٢ ٣٨ - كتاب الأقضية - (١) باب (١٤٢٦) حديث يجلد، وإن علم الحاكم بصدقه، وما روي أن النبي وَلّ قال في ملاعنة: ((لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت هذه)»، وأيضاً فإن النبي ◌َّ﴾ لم يقتل المنافقين، وإن كان علم كفرهم لما انفرد بذلك. ومن جهة المعنى أن الحاكم لما كان غير معصومٍ مُنِعَ من الحكم بعلمه، فإذا قلنا بقول ابن الماجشون ومن تابعه من أصحابنا، فإنه يحكم بعلمه فيما جرى بين المتخاصمين في مجلس نظره، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يحكم بعلمه في حقوق الآدميين مما قد علمه بعد القضاء خاصة، وللشافعي في تجويزه ذلك على الإطلاق، اهـ. وقال الزرقاني(١): تمسك به أحمد ومالك في المشهور عنه أن الحاكم لا يقضي بعلمه لإخباره وَلي أنه لا يحكم إلا بما سمع، ولم يقل على نحو ما علمت، وقد روت عائشة أنه وَّل بعث أبا جهم على صدقة فلاحاه (٢) رجل في فريضة، فوقع بينهم شِجاج، فأتوه ور فأعطاهم الأرش، وقال: إني مخاطب الناس، ومخبرهم أنكم رضيتم، أرضيتم؟، قالوا: نعم، فصعد المنبر، وذكر القصة، وقال: أرضيتم؟ قالوا: لا، فَهَمَّ بهم المهاجرون، فنزل وَّهم فأعطاهم(٣)، الحديث. فهذا بَيَّنَ أنه لم يأخذهم بما علم من رضاهم الأول، وقال الشافعي وجماعة: يقضي بعلمه مطلقاً؛ لأنه قاطع بصحة ما يقضي به إذا حقق علمه، وليست الشهادة عنده كذلك إذ لعلها كاذبة أو واهمة. وقال أبو حنيفة: في (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٤/٣). (٢) هكذا في الزرقاني (٣٨٤/٣)، وفي ((بذل المجهود)) (٥٥/١٨) فلاجّه أي خاصمه. وقال السيوطي: فلاجّه، بتشديد الجيم أي نازعه وخاصمه، أو بتشديد الحاء المهملة قريب منه. ((الزهر الربي على سنن النسائي)) (٣٥/٨). (٣) أخرجه أحمد (٢٣٢/٦)، وأبو داود (٤٥٣٤)، والنسائي (٣٥/٨)، وابن ماجه (٢٦٣٨). ٥٥٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (١) باب (١٤٢٦) حديث المال فقط دون الحدود وغيرها، وأجمعوا على أنه يجرح ويعدل بعلمه، اهـ. وقال الموفق(١): ظاهر المذهب أن الحاكم لا يحكم بعلمه في حد ولا في غيره لا فيما علمه قبل الولاية ولا بعدها، هذا قول شريح والشعبي ومالك وإسحق وأبي عبيد ومحمد بن الحسن، وهو أحد قولي الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى يجوز ذلك، وهو قول أبي ثور وأبي يوسف، والقول الثاني للشافعي واختيار المزني؛ لأنه و 8# لما قالت له هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، قال: خذي بالمعروف، فحكم لها من غير بينة ولا إقرار لعلمه بصدقها . وروى ابن عبد البر أن عروة ومجاهداً رويا أن رجلاً من بني مخزوم استعدى عمر - رضي الله عنه - على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حداً في موضع كذا وكذا، قال عمر - رضي الله عنه - إني لأعلم الناس بذلك، فذكر القصة، وقالوا: فحكم بعلمه، ولأن الحاكم يحكم بالشاهدين، لأنهما يغلبان على الظن، فما تحَقَقَّه وعلم به، كان أولى، ولأنه يحكم بعلمه في تعديل الشهود وجرحهم، فكذلك في ثبوت الحق قياساً عليه. وقال أبو حنيفة: ما كان من حقوق الله لا يحكم فيه بعلمه؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة والمسامحة، وأما حقوق الآدميين فما علمه قبل ولايته لم يحكم به، وما علم في ولايته حكم به؛ لأن ما علمه قبل ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود قبل ولايته، وما علمه في ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود في ولا یته. ولنا، حديث الباب دل على أنه إنما يقضي بما سمع لا بما علم، وقال النبي * في قصة الحضرميِّ والكِنْديِّ: ((شاهداك أو يمينه ليس لك منه إلا (١) الموفق (٣١/١٤). ٥٥٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (١) باب (١٤٢٦) حديث فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ. فَلَا يَأْخُذَنَّ ذاك))(١) وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه تداعى عنده رجلان، فقال له أحدهما: أنت شاهدي، فقال: إن شئتما شهدت، ولم أحكم أو أحكم ولا أشهد، وذكر ابن عبد البر عن عائشة قصة أبي جهم، وهذا يبين أنه لم يأخذهم بعلمه، وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال: لو رأيت حدّاً على رجل لم أحدّه حتى تقوم البينة، وأما الجرح والتعديل، فإنه يحكم فيه بعلمه بغير خلاف؛ لأنه لو لم يحكم فيه بعلمه لتسلسل، فإن المزكين يحتاج إلى معرفة عدالتهما وجرحهما، اهـ. وفي ((الدر المختار))(٢): الكتابة بعلمه كالقضاء بعلمه، فمن جَوَّزه جَوَّزها ومن لا فلا، إلا أن المعتمد عدم حكمه بعلمه في زماننا، قال ابن عابدين: قوله: فمن جَوَّزه، وشرط الجواز عند الإمام أن يعلم في حال قضائه في المصر الذي هو قاضيه بحق غير حدٍّ خالص لله تعالى من قرض، أو تطليق، أو حد قذف، فلو علم قبل القضاء في حقوق العباد، ثم ولي فرفعت إليه تلك الحادثة، أو علمها في حال قضائه في غير مصره، ثم دخله، فرفعت لا يقضي عنده، وقالا: يقضي. وأما في حد الشرب والزنا، فلا ينفذ قضاؤه بعلمه اتفاقاً، وقوله: إلا أن المعتمد أي عند المتأخرين لفساد قضاة الزمان، وعبارة ((الأشباه)): الفتوى اليوم على عدم العمل بعلم القاضي في زماننا، كما في ((جامع الفصولين))، اهـ. (فمن قضيت له بشيء من حق أخيه) بحسب الظاهر، وليس كذلك في الباطن، وفي رواية: بحق مسلم، وذكره ليكون أهول على المحكوم له، وإن كان الذمي والمعاهد كذلك (فلا يأخذن) بزيادة نون التأكيد في النسخ المصرية، (١) أخرجه مسلم (١٢٣/١). (٢) (٨/ ١٥٧). ٥٥٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (١) باب (١٤٢٦) حديث مِنْهُ شَيْئاً. فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)). أخرجه البخاريّ في: ٥٢ - كتاب الشهادات، ٢٧ - باب من أقام البينة بعد اليمين. ومسلم في: ٣٠ - كتاب الأقضية، ٣ - باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، حديث ٤. لا الهندية (منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار) أي مآله إلى النار، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾(١) قال السبكي: هذه قضية شرطية لا تستدعي وجودها، بل معناها بيان أن ذلك جائز الوقوع، قال: ولم يثبت لنا قط أنه وَ ر حكم بحكم، ثم بان خلافه، وقد صان الله عزَّ اسمه أحكام نبيه عن ذلك. قال الزرقاني(٢): فيه دلالة قوية لمذهب الأئمة الثلاثة والجمهور أن الحكم فيما باطن الأمر فيه، بخلاف الظاهر لا يحل الحرام ولا عكسه، فإذا شهد شاهدا زور لإنسان بمال، فحكم به القاضي لظاهر العدالة، لم يحل له ذلك المال، وقال أبو حنيفة: يحل الحرام في العقود، كنكاح وطلاق وبيع وشراء، فإذا ادعت امرأة على رجل أنه تزوجها وأقامت شاهدي زور حل له وطؤها، أو ادعاه الرجل، وهي تجحده، اهـ. وفي ((المحلى)): احتجَّ له بعضُهم بما جاء عن علي - رضي الله عنه - أن رجلاً خطب امرأة فأبت، فادعى أنه تزوجها، وأقام شاهدين، فقالت المرأة: إنهما شهدا بالزور، فزوجني أنت منه، فقال: شاهداك زوجاك، وأمضى عليهما النكاح، وتُعُقِّبَ بأنه لم يثبت، واحتجَّ من حيث النظر بأن الحاكم حجة شرعية فيما له ولاية الإنشاء فيه، فيجعل الإنشاء تحرزاً عن الحرام، والحديث في المال، اهـ. يعني أن حديث الباب ليس بوارد على الحنفية، فإنه وارد في الأموال دون العقود، والحنفية قالوا بنفاذه في الإنشاءات والعقود. (١) سورة النساء: الآية ١٠. (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٥/٣). ٥٥٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (١) باب (١٤٢٦) حديث وأجاب عنه الشيخ في ((الكوكب الدري))(١) بأن غاية ما يثبت بالحديث بطلان نفاذه، إذا كان مداره على التقرير وبيان المدعي، وأما إذا شهدا عليه، فلا تعرض له في الحديث؛ لأنه وَلإر قال: ((ألحن بحجته))، وهذا لا يصح إلا على بيانه، اهـ. قلت: وقد تقدم قريباً من حديث أبي داود في هذه القصة (لم تكن لهما بَيِّنَةٌ إلا دعواهما)). قلت: وأثر عليّ - رضي الله عنه - ذكره محمد في ((الأصل)) بلاغاً، ولا شك أنهم اتفقوا بالتفريق ظاهراً وباطناً باللعان، ولا بد من كون أحد الزوجين كاذباً، وقد قالوا بنفاذ تفريق القاضي ظاهراً وباطناً في العنين والمفقود والعاجز عن النفقة، وغيرها من المسائل التي اعتبر فيها من اعتبر تفريق القاضي. وفي ((البداية))(٢): شبهة الحنفية أن الحكم ثابت بالشرع، وقد علم أن أحد المتلاعنين كاذب، واللعان يوجب الفرقة، ويحرِّم المرأة على زوجها الملاعن لها، ويحلها لغيره، فإن كان هو الكاذب فلم تحرم عليه إلا بحكم الحاكم، وكذلك إن كانت هي الكاذبة؛ لأن زناها لا يوجب فرقتها على قول أكثر الفقهاء، والجمهور أن الفرقة ههنا إنما وقعت عقوبةً للعلم بأن أحدهما کاذب، اهـ. وزاد أبو داود في حديث الباب من طريق عبد الله بن نافع عن أم سلمة(٣)، فبكى الرجلان، وقال كل منهما لصاحبه: حقي لك، فقال لهما النبي وَلجر: ((أما إذا فعلتما فاقتسما، وتوخّيا الحق، ثم استهما ثم تحاللا)) قوله: ((توخيا الحق)) أي اقصداه في القسمة، ((ثم استهما))، أي اقترعا في السهم. (١) (٣٤٧/٢). (٢) ((بداية المجتهد)) (٤٦٢/٢). (٣) ((سنن أبي داود)) (٣٥٨٤). ٥٥٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (١) باب (١٤٢٧) حديث ٢/١٤٢٧ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ. فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ فَقَضَى لَهُ. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ. فَضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالدِّرَّةِ. ٢/١٤٢٧ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن المسيب) التابعي ابن الصحابي (أن عمر بن الخطاب اختصم إليه رجل مسلم ويهودي) قال الزرقاني(١): لم يسميا (فرأى عمر) - رضي الله عنه - (أن الحق) ثابت (لليهودي فقضى له عمر) - رضي الله عنه - على المسلم (فقال له اليهودي) إكراماً له: (والله لقد قضيت بالحق) أي قضيت بتأييد الله وتوفيقه، فالباء للاستعانة، والمراد بالحق هو سبحانه وتعالى، وعلى هذا يحسن استفسار عمر بقوله: ((وما يدريك))، كذا في ((المحلى)). وقال الباجي(٢): يحتمل أن يريد لقد قضيت بما هو حق لي عليه، ويحتمل أن يريد لقد قصدت الحق في حكمك، ويحتمل أن يريد لقد قضيت بالحق على حكم ((التوراة)) (فضربه) أي اليهودي (عُمَرُ) - رضي الله عنه - (بالدِّرة) - بكسر الدال المهملة - آلة يضرب بها، قال صاحب ((المحلى)): ضربه على سبيل الملاطفة للإصابة، ولم يضربه ضرباً مبرحاً للتأديب، وقال الباجي: ضربه اليهودي، وقوله: ((وما يدريك)) يحتمل أن يكون عمر - رضي الله عنه - حكم بينهما باجتهاده فيما لا نص عنده فيه، وكان يعتقد أن طريق ذلك غلبة الظن دون القطع والعلم، ولذا قال: وما يدريك، يريد ما يدريك أنه كما حلفت عليه وقطعت به، فأنكر على اليهودي الحلف على ذلك، وذلك يقتضي ضربه وعقوبته؛ لأن من حلف على القطع في أمر يظنه استحق العقوبة. ويحتمل أن يكون ضربه لما حلف على شيء لا يعرفه، ولا يعلم هو (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٦/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٨٦/٥). ٥٥٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (١) باب (١٤٢٧) حديث ثُمَّ قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: إِنَّا نَجِدُ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ، إِلَّا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ. يُسَدِّدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ. مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ. فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ. عَرَجَا وَتَرَكَاهُ. مقتضى تلك القضية في شرع المسلمين، ويحتمل أن يكون ضربه لما فهم منه أنه أقسم على أنه قصد الحق لحكمه، فأنكر عليه أن يحلف على باطنه ومعتقده، وإن كان قد صادف الحق، ويحتمل أن يكون ضربه لما اعتقد أنه قصد بذلك التزكية له والإطراء لما حكم له، لما جبل عليه اليهود من المكر والخلابة، فأنكر عليه ذلك وأدَّبَه على ما بادر إليه منه، وظن أنه يجور عليه ليزجر الحكام من سلك معهم هذا السبيل، اهـ. (ثم قال) عمر: (وما يدريك؟) أي شيء يعلمك أني قضيت بمعونة الله. (فقال له اليهودي: إنا نجد) يعني في ((التوراة)) (أنه ليس قاضٍ يقضي بالحق)، وليس في النسخ الهندية لفظ ((بالحق))، (إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك يُسَدِّدَانِهِ) بسين ودالين مهملات (ويوفقانه للحق ما دام مع الحق، فإذا ترك) القاضي تَوَخِّي (الحق عرجا) أي الملكان إلى السماء (وتركاه) قال الطيبي: تطبيق الجواب أن عمر - رضي الله عنه - لو مال عن الحق يقضي للمسلم على اليهودي، فلم يكن مسدداً، فلما قضى له عرف بتشديده، وثباته، وعدم ميله من غير تغير أنه موثق مسدد، كذا في ((المحلى)). وقال ابن عبد البر(١): ليس هذا عندي بجواب لقوله: (وما يُدريك)) ولكن لما علم أن عمر - رضي الله عنه - كره مدحه له أخبره أنه يجد في كتبه ما ذكر، وفي رواية، فقال اليهودي: والله إن الملكين جبرائيل وميكائيل ليتكلمان بلسانك، وأنهما عن يمينك وشمالك، فضربه عمر بالدرة، وقال: لا أمَّ لك، وما يدريك؟ قال: لأنهما مع كل قاض يقضي بالحق ما دام مع الحق، فإذا ترك الحق عرجا وتركاه، فقال عمر: والله ما أراك إلا أبعدتَ، اهـ. (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٩/٢٢). ٥٥٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢) باب (١٤٢٨) حديث (٢) باب ما جاء في الشهادات ٣/١٤٢٨ - حدّثنا يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو قال الباجي(١): فأمسك عنه عمر - رضي الله عنه - بعد ذلك إما تصديقاً له، وإما أنه قد بلغ من أدبه ما أقنعه، وما قاله اليهودي لا يبعد، وقد روى في هذا المعنى حديثاً ليس بذلك، أبو عيسى الترمذي عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله وَ ل: ((الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان))، ١ هـ. (٢) الشهادات وفي أكثر النسخ المصرية: ما جاء في الشهادات، جمع شهادة مصدر شهد يشهد، قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع، والمشاهدة المعاينة، مأخوذ من الشهود أي الحضور؛ لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره، وقيل: مأخوذ من الإعلام، كذا في ((الفتح))(٢). وفي (الدر المختار))(٣): هي لغة: خبر قاطع، وشرعاً: إخبار صدق لإثبات حق، فإطلاقها على الزور مجاز، وهو بلفظ الشهادة في مجلس القاضي، وشرطها أحد وعشرون شرطاً، اهـ. وقال ابن رشد(٤): القضاء يكون بأربع: بالشهادة، وباليمين، وبالنكول، وبالإقرار، والنظر في الشهود في ثلاثة أشياء، في الصفة، والجنس، والعدد إلى آخر ما بسطه. ٣/١٤٢٨ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو) بفتح (١) ((المنتقى)) (١٨٨/٥). (٢) ((فتح الباري)) (٢٤٧/٥). (٣) (١٩٦/٨). (٤) ((بداية المجتهد)) (٢/ ٤٦٢). ٥٦٠