النص المفهرس

صفحات 521-540

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
وفي ((المجمع)): حديث ((لا شفعة في بئر ولا فحل)) أراد فحل النخل أي
ذَكَره تلقح منه، لأنه لا ينقسم، ويجمع الفحل على فحول والفحال على
فحاحيل، فإذا باع أحدهم نصيبه المقسوم من ذلك الحائط بحقوقه من الفحال
وغيره، فلا شفعة للشركاء في الفحال، لأنه لا يمكن قسمته، اهـ.
وفي ((النهاية)): فحل النخل، ذكر تلقح منه، وإنما لم تثبت فيه الشفعة،
لأن القوم كانت لهم نخيل في حائط، فيتوارثونها ويقتسمونها، ولهم فحل
يلقحون منه نخيلهم، فإذا باع أحدهم نصيبه المقسوم من ذلك الحائط بحقوقه
من الفحال وغيره، فلا شفعة للشركاء في الفحال، لأنه لا يمكن قسمته، اهـ.
وقيل: إنما لم يثبت فيه الشفعة، لأنه ليس بعقار، ووجه تخصيصه بالذكر
أن القوم كانوا يلحقون (١) منه نخيلهم، فإذا باع أحد نصيبه من تلك النخل
بحقوقه من الفحل وغيره فلا شفعة للشركاء في الفحل لعدم كونه عقاراً، كذا
في ((المحلى)).
وقال الباجي: لا شفعة في فحل النخل، يريد - والله أعلم - أن تكون
نخلة واحدة يحتاج إليها لتلقيح الحائط، فإن كان الحائط مشتركاً بين أرباب
الفحل، فحكمه حكم العين أو البئر لها أرض مشتركة، وإن لم يكن مع النخلة
من الفحل حائط يلقح به، فحكمه حكم النخلة الواحدة، وفي ((الموازية)) عن
مالك: إذا قسم الحائط، وبقي الفحل والفحلان، ولا يقدر أن يقسم، فليس (٢)
ذلك شفعة.
وقال ابن القاسم: لا شفعة في النخلة الواحدة، لأنها لا تنقسم، وقال
ابن الماجشون: فيها الشفعة، لأنها من الأصول الثابتة، وبه قال أشهب
(١) كذا في الأصل، والصواب يلقحون، اهـ. ((ش)).
(٢) كذا في الأصل، والظاهر ليس في ذلك شفعة، انتهى. (ش)).
٥٢١

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى هُذَا، الْأَمْرُ عِنْدَنَا .
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا شُفْعَةَ فِي طَرِيقٍ صَلُحَ الْقَسْمُ فِيهَا أَوْ لَمْ
يَضْلُحْ.
وأصبغ، وذلك مبنيٌّ على إثبات الشفعة فيما لا ينقسم من الأصول الثابتة كالدار
الصغيرة وما أشبه ذلك، اهـ.
(قال مالك: وعلى هذا) الذي ذكر في أثر عثمان هو (الأمر) المرجح
(عندنا) بالمدينة المنوّرة من أنه لا شفعة في أرض إذا وقعت الحدود، ولا
شفعة أيضاً في بئر ولا فحل، وقال صاحب ((المحلى)): قول مالك: وعلى هذا
الأمر يعني أنه لا شفعة في شيء لو قسم بطل منفعته المقصودة كحَمَّام ورحى
وبئر، اهـ.
(قال مالك: ولا شفعة في طريق صلُح القسم) أي يمكن القسمة (فيها) أي
في الطريق، فإنه يذكر ويؤنث (أو لم يصلح) قال الباجي(١): وقد قال في
((الموازية)): لا شفعة في طريق ولا عرصة وإن صلح فيها القسم، ومعنى ذلك
أن الطريق لا شفعة فيها، لأنها مبنية على الاشتراك في المنافع على صورتها،
ولذلك لم يثبت فيها شفعة كمجرى الماء، وقال مالك في ((المدونة)): لا أرى
أن يقسم مجرى الماء، وقال ابن القاسم: لا يقسم الطريق إذا أبى ذلك
أحدهم، وهذا يقتضي معنى الشفعة فيه على حسب ما تقدم، اهـ.
وسيأتي كلام الدردير في ذلك قريباً في القول الآتي. وتقدم مراراً
اختلافهم فيما لا يمكن القسمة هل فيه شفعة، أم لا؟ وعلى ذلك يتفرع
الاختلاف في الشفعة في الطريق الضيق والوسيع، وعند الحنفية الشفعة في
العقار مطلقاً، سواء يمكن قسمته أم لا، كما يأتي في القول الآتي، وتقدم
مراراً.
(١) ((المنتقى)) (٢١٧/٩).
٥٢٢

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي عَرْصَةِ دَارٍ صَلَحَ
الْقَسْمُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَصْلُحْ.
وقال الموفق (١): وأما الطريق، فإن الدار إذا بيعت ولها طريقٌ في شارع
أو درب نافذٍ، فلا شفعة في تلك الدار ولا في الطريق، لأنه لا شركة لأحد في
ذلك، وإن كان الطريق في درب غير نافذٍ، ولا طريق للدار سوى تلك الطريق،
فلا شفعة أيضاً، لأن إثبات ذلك يضر بالمشتري لأن الدار تبقى لا طريق لها .
وإن کان للدار باب آخر يستطرق منه أو کان لها موضع یفتح منه باب لها
إلى طريق نافذٍ نظرنا في الطريق المبيع مع الدار، فإن كان ممراً لا يمكن قسمته
فلا شفعة فيه، وإن كان تمكن قسمته وجبت الشفعة فيه، لأنه أرض مشتركة
تحتمل القسمة، ويحتمل أن لا تجب الشفعة فيها بحال، لأن الضرر يلحق
المشتري بتحويل الطريق إلى مكان آخر مع ما في الأخذ بالشفعة من تفويت
صفقة المشتري، وأخذ بعض المبيع من العقار دون بعض، فلم يجز كما لو
كان الشريك في الطريق شريكاً في الدار، فأراد أخذ الطريق وحدها، والقول
في دهليز الجار وصحنه كالقول في الطريق المملوك.
وإن كان نصيب المشتري من الطريق أكثر من حاجته، فذكر القاضي أن
الشفعة تجب في الزائد بكل حال لوجود المقتضي، وعدم المانع، والصحيح
أنه لا شفعة فيه، لأن في ثبوتها تبعيض صفقة المشتري، ولا يخلو من
الضرر، اهـ
(قال مالك: الأمر) المختار (عندنا أنه لا شفعة في عرصة) بفتح عين
مهملة وسكون راء أي ساحة (دار) قسمت بيوتها (صلح القسم فيها أو لم
يصلح) أي تكون مما يمكن القسمة فيه أو لا يمكن.
قال الباجي(٢): أما عرصة الدار ففي ((الموازية)) و ((المجموعة)) من رواية
(١) ((المغني)) (٤٤٣/٧).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٧/٦).
٥٢٣

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
ابن القاسم عن مالك: إذا قسمت البيوت وبقيت العرصة، فلأحدهم بيع نصيبه
من البيوت والعرصة، ولا شفعة لشريكه في العرصة، ووجه ذلك أن حكمها
حكم الإشاعة، وقد خرجت عن أن تكون تبعاً للبيوت التي فيها الشفعة بقسمة
البيوت، اهـ.
وقال الدردير (١): لا شفعة في عرصة أي ساحة الدار التي بين بيوتها ولا
في ممر أي طريق قسم متبوعه، وهو البيوت أي وبقيت العرصة أو الممر
مشتركاً، فلا شفعة فيهما، سواء باع الشريك حصتَه منهما مع ما حصل له من
البيوت، أو باعها وحدها، ولا أمكن قسمها، لأنها لما كانت تابعة لما لا
شفعة فيه، وهو البيوت المنقسمة كانت لا شفعة فيها .
قال الدسوقي: قوله: عرصة أي المسماة بالحوش، وسميت عرصة
لتعرص الصبيان أي تفسحهم فيها، وقوله: لأنها لما كانت تابعة أشار بهذا إلى
أن العلة في عدم الشفعة في الممر إذا قسم متبوعه كونه ليس مقصوداً لذاته، بل
لغيره، وهو متبوعه، فلما سقطت في متبوعه سقطت فيه، وأما تعليل بعضهم
بأنه لا يملك لكونه وقفاً ففيه نظر، لأن الوقف هو الممر العام، وأما ممر
جماعة خاصة، فهو مملوك لهم قطعاً، اهـ.
قلت: وقول الدسوقي: فلما سقطت في متبوعه معناه أن البيوت لما
انقسمت لم تبق فيها الشركة، فلم تبق فيها الشفعة عند من اقتصرها على
الشركة، وأما من قال بشفعة الجوار، فعنده تبقى فيه الشفعة أيضاً. وتقدم ما
قال الموفق: إن القول في دهليز الدار وصحنه كالقول في الطريق المملوك، اهـ.
وتقدم مسلك الحنفية أن الشفعة عندهم في العقار مطلقاً، سواء كان مما يمكن
قسمته أو لا يمكن.
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٨٢/٣).
٥٢٤

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ اشْتَرَى شِقْصاً مِنْ أَرْضِ مُشْتَرَكَةٍ. عَلَى
أَنَّهُ فِيهَا بِالْخِيَارِ. فَأَرَادَ شَّرَكَاءُ الْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذُوا مَا بَاعَ شَرَيكُهُمْ
بِالشُّفْعَةِ. قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الْمُشْتَرِي. إِنَّ ذُلِكَ لَا يَكُونُ لَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ
الْمُشْتَرِي وَيَثْبُتَ لَهُ الْبَيْعُ فَإِذَا وَجَبَ لَهُ الْبَيْعُ، فَلَهُمُ الشُّفْعَةُ.
وفي ((الدر المختار)) (١): لا تثبت قصداً إلا في عقار، وإن لم يكن يقسم
خلافاً للشافعي كرحى أي بيت الرحى مع الرحى وحمام وبئر ونهر وبيت
صغير. قال ابن عابدين: قوله: خلافاً للشافعي؛ لأن من أصله أن الأخذ
بالشفعة لدفع ضرر مؤنة القسمة، وذا لا يتحقق فيما لا يحتملها، وعندنا لدفع
ضرر التأذي بسوء المجاورة على الدوام، اهـ.
(قال مالك في رجل اشترى شقصاً) أي قطعة (من أرض مشتركة) بين
الناس (على أنه) أي المشتري (فيها بالخيار) أي جعل المشتري له خيار الشرط
(فأراد شركاء البائع) كلهم أو بعضهم (أن يأخذوا) أي يشتروا (ما باع شريكهم)
وهو القطعة المذكورة (بالشفعة) متعلق بيأخذوا (قبل أن يختار المشتري) الشراء،
فقال مالك: (إن ذلك لا يكون لهم) ولا يجوز (حتى يأخذ المشتري ويثبت له
البيع) بانقطاع الخيار (فإذا وجب) وثبت (له البيع فلهم الشفعة) بعد ذلك.
قال الباجي(٢): ومعنى ذلك أن البيع إذا كان على وجه اللزوم تثبت فيه
الشفعة، لأنه قد كمل وانتقل به المبيع إلى ملك المبتاع، وإذا كان على وجه
الخيار فالمبيع باقٍ على ملك البائع، فلا تثبت الشفعة مع بقائه على ملك
البائع. قال مالك: وسواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، قال ابن القاسم:
وكذلك لو كان الخيار لأجنبي، اهـ.
قال الدردير(٣): لا شفعة في بيع خيار، إلا بعد مُضِيِّه أي لزوم البيع،
(١) (٦/ ٥٤٠).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٧/٦).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٤٨٣/٣).
٥٢٥

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
١
(١٤٢٥) حدیث
قال الدسوقي: سواء بيع على الخيار لمشترٍ أو لبائع، أولهما، أو لأجنبي، لأنه
غیر لازم، اهـ.
وقال الموفق(١): ولا تثبت الشفعة في بيع الخيار قبل انقضائه، سواء كان
الخيار لهما أو لأحدهما وحده أيهما كان، وقال أبو الخطاب: يتخَرَّج أن تثبت
الشفعة، لأن الملك انتقل، فثبتت الشفعة في مدة الخيار كما بعد انقضائه،
وقال أبو حنيفة: إن كان الخيار للبائع أو لهما لم تثبت الشفعة حتى ينقضي،
لأن في الأخذ بها إسقاط حق البائع من الفسخ، وإلزام البيع في حقه بغير
رضائه، ولأن الشفيع إنما يأخذ من المشتري. ولم ينتقل الملك إليه.
وإن كان الخيار للمشتري فقد انتقل الملك إليه ولا حق لغيره فيه،
والشفيع يملك أخذه بعد لزوم البيع، واستقرار الملك، فلأن يملك ذلك قبل
لزومه أولى، وعامة ما يُقَدَّرُ ثبوت الخيار له، وذلك لا يمنع الأخذ بالشفعة كما
لو وجد به عيباً، وللشافعي قولان كالمذهبين، ولنا، أنه مبيع فيه الخيار، فلم
تثبت فيه الشفعة كما لو كان للبائع، اهـ.
وفي ((المحلى)) عن ((المنهاج)) و (شرحه)): لو اشترط الخيار لهما أو
للبائع لم يُؤخذ بالشفعة حتى ينقطع الخيار، سواء قلنا: الملك في زمنه للبائع
أم للمشتري أو موقوف، وإن شرط للمشتري وحده، فالأظهر أنه يؤخذ
بالشفعة، إن قلنا: إن الملك في زمن الخيار للمشتري وإلا فلا، اهـ.
وقال ابن رشد (٢): اتفق العلماء على أن المبيع بالخيار إذا كان الخيار فيه
للبائع لا شفعة فيه حتى يجب البيع، واختلفوا إذا كان الخيار للمشتري، فقال
الشافعي والكوفيون: الشفعة واجبة، لأن البائع قد صرم الشقص عن ملكه،
(١) ((المغني)) (٤٤٧/٧).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٢٥٩/٢).
٥٢٦

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
وَقَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي أَرْضاً فَتَمْكُثُ فِي يَدَيْهِ حِيناً.
ثُمَّ يَأْتِي رَجُلٌ فَيُدْرِكُ فِيهَا حَقًّا بِمِيرَاثٍ: إِنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ إِنْ ثَبَتَ حَقُّهُ.
وأبانه منه، وقيل: إن الشفعة غير واجبة، لأنه غير ضامن، وبه قال جماعة من
أصحاب مالك، اهـ.
وفي ((الهداية)) (١): من باع بشرط الخيار فلا شفعة للشفيع، لأنّه يمنع
زوال الملك عن البائع، وإن أسقط الخيار وجبت الشفعة، لأنه زال المانع،
ويشترط الطلب عند سقوط الخيار في الصحيح من المذهب، وإن اشترى بشرط
الخيار وجبت الشفعة، لأنه لا يمنع زوال الملك عن البائع بالاتفاق، والشفعة
تبتني عليه، وإذا أخذها الشفيع في الثلث وجب البيع لعجز المشتري عن الرد،
ولا خيار للشفيع، لأن خيار الشرط يثبت بالشرط، وهو للمشتري دون
الشفيع، اهـ بزيادة.
(قال مالك، في رجل اشترى داراً) وفي النسخ المصرية ((في الرجل يشتري
أرضاً)) (فمكثت) وفي المصرية ((فتمكث))، (في يديه) أي يدي المشتري (حيناً)
أي زماناً (ثم أتى رجل) آخر (فأدرك فيها) أي في الأرض المبيعة (حقاً) له
(بميراث) فقال مالك في الصورة المذكورة: (إن له الشفعة) ثابتة (إن ثبت حقه)
الذي ادعى للميراث.
قال الباجي(٢): معنى هذا أن من اشترى أرضاً ثم استحق رجل بعضها
بميراث أو غيره من ابتياع أقدم من ابتياع المستحق من يده أو غير ذلك من
وجوه الاستحقاق المتقدمة، فإن المستحق يقضى له بما استحق من الدار،
قال: ويكون له أن يأخذ باقيها بالشفعة، ولو كان المبتاع قد ردّ ما بقي بيده من
الدار إلى البائع لما استحق منه نصفها لكان للشفيع الأخذ بالشفعة، لا يقطع
شفعته ردّ المبتاع إلى ما بقي بيده إلى البائع.
(١) (٣١٩/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٩/٦).
٥٢٧

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
وَإِنَّ مَا أَغَلَّتِ الْأَرْضُ مِنْ غَلَّةِ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ. إِلَى يَوْم يَثْبُتُ
حَقُّ الآخَرِ. لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ ضَمِنَهَا لَوْ هَلَكَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ غِرَاسٍ،
ووجه ذلك أن ملك المستحق أقدم من أمد البيع، وقد نقل البيع ما بقي
فيها إلى ملك المبتاع، فثبت بذلك حق الشفعة للشفيع، فلا يبطلها ردّها إلى
البائع، كما أقاله من جميع الشقص المبيع، اهـ.
وقال ابن رشد (١): إن استحق إنسان شقصاً في أرض، قد بيع منها قبل
وقت الاستحقاق شقصّ ما، هل له أن يأخذ بالشفعة أم لا؟ فقال قوم: له ذلك
لأنه وجبت له الشفعة بتقدم شركته قبل البيع، ولا فرق في ذلك كانت يده عليه
أو لم تكن، وقال قوم: لا تجب له الشفعة، لأنه إنما ثبت له مال الشركة يوم
الاستحقاق ألا ترى أنه لا يأخذ الغلة من المشتري، وقال مالك: إن طال
الزمان فلا شفعة، وإن لم يطل ففيه الشفعة، وهو استحسان، اهـ.
وسيأتي استثناء طول الزمان. وفي ((العالمكيرية)): رجلان ورثا عن أبيهما
أجمة، وأحد الوارثين لم يعلم بالميراث، ولم يعلم بأن له منها نصيباً، فبيعت
أجمة أخرى بجوار هذه الأجمة، فلم يطلب هو الشفعة، فلما علم أن له فيها
نصيباً طلب الشفعة في الأجمة، قالوا: تبطل الشفعة، لأن شرط تأكد الشفعة
طلب المواثبة عند العلم بالبيع، فإذا لم يطلب، والجهل ليس بعذر، لا تبقى له
الشفعة، اهـ.
(وإن ما أغَلَّت الأرضُ) أي ما ربحت في الأرض (من غلة) بفتح الغين
المعجمة الدخل الذي يحصل من الزرع والثمر واللبن والإجارة والنتائج وغيرها
كذا في ((المجمع)) (فهي) أي الغّة (للمشتري الأول) دون الشفيع (إلى يوم يثبت
حق الآخر) أي حق الشفيع، لأن حقه لم يثبت فيه قبل ذلك (لأنه) أي المشتري
الأول (قد كان ضمنها) أي الأرض (لو) كان (هلك ما فيها من غراس) وغيره
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٦٢/٢).
٥٢٨

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حدیث
أَوْ ذَهَبَ بِهِ سَيْلٌ.
قَالَ: فَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ، أَوْ هَلَكَ الشُّهُودُ، أَوْ مَاتَ الْبَائِعُ أَوِ
الْمُشْتَرِي، أَوْ هُمَا حَيَّانِ، فَنُسِيَ أَصْلُ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ لِطُولِ الزَّمَانِ،
فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَنْقَطِعُ. وَيَأْخُذُ حَقَّهُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ.
(أو ذَهَبَ به) أي بما نبت فيها (سيلٌ) أي مطر شديد، وقد أجمعوا على ما قال
النبي ◌َّر: ((الخراج بالضمان)).
قال الباجي(١): ووجه ذلك أن ذلك كان في ملكه، ومن ضمانه، ولو
تلف جميعها، أو هلك ما فيها من غرس أو ذَهَب به سيلٌ، فوجب أن تكون
الغلة له، يريد ما كان له حكم الغلة كالثمرة، وما لم يكن من جنس الأصل،
وأما ما كان من جنس الأصل مثل الودي، فإنه مثل ولد الحيوان، فله حكمه
في الرد بالعيب والاستحقاق، اهـ.
قال الموفق(٢): إذا نما في يد المشتري لم يخلُ من حالين: أحدهما: أن
يكون النماء متصلاً كالشجر إذا كثُر، أو ثمرةٍ لم تظهرْ، فالشفيع يأخذه بزيادته،
لأن هذه زيادة غير متميزة، فتبعت الأصل.
والثاني: أن تكون زيادة منفصلة كالغلة والثمرة الظاهرة، فهي للمشتري لا
حق فيها للشفيع، لأنها حدثت في ملكه، اهـ.
(فإن طال الزمان) أي قدم عهد شراء المشتري (أو هلك) أي مات
(الشهود) جمع شاهد (أو مات البائع أو) مات (المشتري أو هما) أي البائع
والمشتري (حَيَّان) لكنه طال الزمان (فنسي) كل واحد منهما (أصل البيع
والاشتراء) وفي نسخة ((الشراء)) (لطول الزمان) أي زمان الشراء (فإن الشفعة
تنقطع) في هذه الصورة كلها (ويأخذ) الشفيع أصل (حقه) فقط (الذي ثبت له)
(١) ((المنتقى)) (٢١٩/٢).
(٢) («المغني)) (٧/ ٤٧٧).
٥٢٩

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
•
في الأرض بالميراث، لأنه تحقق ملكه فيه، ولا يزول عنه ملكه لطول الزمان.
وقد تقدم قريباً من كلام ابن رشد أن طول الزمان يسقط الشفعة عند
مالك، وأما عند الحنفية، فلا شفعة أصلاً إذ لم يواثب عند البيع، كما تقدم
عن ((العالمگیریة)».
قال الباجي(١): يريد أن لطول الزمان تأثيراً في إبطال الشفعة، فإذا أتى
من طول الزمان ما تبيد فيه الشهود وبادوا لم يجىء ذلك بالإشهاد على
شهادتهم حتى لم يمكن إثبات ثمن المشتري، فإن الشفعة تبطل بثلاثة أوجه؛
أحدها: لطول الزمان، فإن له تأثيراً في إبطال الشفعة، ولذلك قلنا: إنه إذا
مضى قدر سنة مع حضور الشفيع تبطل شفعته.
والثاني: أن الظاهر تركه الطلب بها على وجه ما يطلب بذلك، ولم
يصرف النظر إلى ذلك حتى طال الزمان، ومضت المدد التي لا يكاد يغيِّرُ فيها
ذو الحق عن النظر في الطلب لحقه، فإن الظاهر تركه للشفعة، ولهذا أيضاً
تأثير في إبطال الشفعة، ولهذا تثبت فيما قرب من المدد دون ما بعد منها.
والثالث: أنه إن لم يثبت الثمن وجهل، فإن له تأثيراً في إبطال الشفعة،
فإذا اجتمعت هذه الوجوه كان لها تأثير في إبطال الشفعة.
فعلى هذا لطول المدة أحوال: منها أن تطول جداً حتى يأتي من المدة ما
يبيد فيه الشهود وينسى الثمن، فهذا يبطل شفعة الغائب والحاضر، وما هو
أقصر من ذلك من المدة تبطل فيها شفعة الحاضر دون الغائب على ما تقدم،
وما دون ذلك من المدة تجب اليمين فيها على الحاضر أنه ما ترك فيها القيام
تركاً لشفعته، ويكون له الأخذ بالشفعة، وما هو أقرب من ذلك له فيه الأخذ
بالشفعة دون يمين، اهـ. وقد تقدم الكلام على شفعة الغائب والحاضر قريباً.
(١) ((المنتقى)) (٢٢٠/٦).
٥٣٠

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حدیث
وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى غَيْرِ هُذَا الْوَجْهِ فِي حَدَاثَةِ الْعَهْدِ وَقُرْبِهِ، وَأَنَّهُ
يَرَى أَنَّ الْبَائِعَ غَيَّبَ الثَّمَنَ وَأَخْفَاهُ لِيَقْطَعَ بِذْلِكَ حَقَّ صَاحِبِ الشُّفْعَةِ،
قُوِّمَتِ الْأَرْضُ عَلَى قَدْرٍ مَا يُرَى أَنَّهُ ثَمَنُهَا. فَيَصِيرُ ثَمنُهَا إِلَى ذَلِكَ.
ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى مَا زَادَ فِي الْأَرْضِ
(وإن كان أمره على غير هذا الوجه) الذي ذكر من طول الزمان (في
حداثة) أي قرب (العهد وقربه) عطف تفسير لحداثة وهذا بيان للغير (وأنه) أي
الشفيع (يرى أن البائع غَيَّبَ) بالتثقيل على صيغة الماضي (الثمن) أي (وأخفاه)
عطف تفسير (ليقطع بذلك) أي بجهل الثمن (حق صاحب الشفعة) لأن الجهل
بالثمن يسقط الشفعة، كما تقدم في من اشترى شقصاً بعرض.
وقال الباجي(١): يريد أن إخفاء قدر الثمن وجنسه بمجرده لا يقطع
الشفعة، وإنما يقطع ذلك إخفاء قدر الثمن وجنسه، لطول المدة، ولو كان
الجهل بالثمن يبطل الشفعة لاتفق المتبايعان على كتمانه، وبطلت الشفعة، وثبت
الضرر، وهذا باطل باتفاق، اهـ.
وتسقط الشفعة عند الحنفية في هذه الصورة أيضاً، ففي ((الدر المختار)) (٢)
فيما يسقط به الشفعة: وكذا لو اشترى بدراهم معلومة مع قبضة فلوس جهل
قدرها، وضَيَّعَ الفلوسَ بعد القبض في المجلس، لأن جهالة الثمن تمنع
الشفعة، وفي ((شرحه)): قوله: ضيّع لئلا يمكن للشفيع معرفتها، اهـ. وكذا عند
الشافعية كما يأتي عن ((شرح الإقناع)): تسقط مع الكراهة. (قُوَّمَتِ الأرضُ) ببناء
المجهول (على قدر ما يرى أنه ثمنُها) عند المقوِّمين (فيصير ثمنها إلى ذلك)
يعني يجعل ثمنها هذا الذي قَوَّمَه المقومون.
(ثم يُنظر) ببناء المجهول (إلى) قيمته (ما زاد) المشتري (في الأرض)
(١) ((المنتقى)) (٢٢٠/٦).
(٢) (٤٠٦/٩).
٥٣١

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
مِنْ بِنَاءِ أَوْ غِرَاسِ أَوْ عِمَارَةٍ فَيَكُونُ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَنِ ابْتَاعَ
الْأَرْضَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ. ثُمَّ بَنَى فِيهَا وغَرَسَ. ثُمَّ أَخَذَهَا صَاحِبُ
الشُّفْعَةِ بَعْدَ ذُلِكَ.
المذكورة (من بناء) بيان لما زاد (أو غِراس) فعال بمعنى مفعول ككتاب بمعنى
مكتوب (أو عمارة) بناها المشتري (فتكون) هذه الزيادة، وفي نسخة ((فيكون))
أي ما زاد على القيمة المقومة (على) وفق (ما يكون عليه) الأمر في (من ابتاع)
أي اشترى (الأرض) الأخرى (بثمن معلوم) متعين (ثم بنى فيها) المشتري
(وغرس، ثم أخذها صاحب الشفعة بعد ذلك) أي بعد بنائه يعني يكون حكم
هذا الذي ادّعى فيه جهل الثمن بعد التقويم، مثل حكم من اشترى بثمن
معلوم، ثم بنى فيها قبل الأخذ بالشفعة، وقد تقدم حكمه قريبا في قول مالك
في الرجل يشتري الأرض، فيعمرها بالأصل يضعها فيها .
وقال الموفق(١): لا يَحِلُّ الاحتيالُ لإسقاط الشفعة، وإن فعل لم تسقط،
وبهذا قال أبو أيوب وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني، وقال
ابن عمر - رضي الله عنهما -: من يخدع الله يخدعه، ومعنى الحيلة أن يظهروا
في البيع شيئاً لا يؤخذ بالشفعة معه، ويتواطئون في الباطن على خلافه، مثل أن
يشتري شقصاً يساوي عشرة دنانير بألف درهم، ثم يقضيه عنها عشرة دنانير، أو
يشتري شقصاً بألف، ثم يبرئه البائع من تسعمائة، أو يهب الشقص للمشتري،
ويهب المشتري له الثمن، أو يعقد البيع بثمن مجهول المقدار، كحَفْنة قُراضَةٍ،
أو جوهرة مُعَيَّنة، أو سلعة معينة، أو بمائة درهم ولؤلؤة، وأشباه هذا.
فهذا كله إذا وقع من غير تحيّل سقطت الشفعة، وإن تحيّلا به على
إسقاط الشفعة لم تسقط، ويأخذ الشفيع الشِقْصَ في الصورة الأولى بعشرة
دنانير أو قيمتها من الدراهم، وفي الثانية بالباقي بعد الإبراء، وفي الثالثة يأخذ
(١) ((المغني)) (٤٨٥/٧).
٥٣٢

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
بالثمن الموهوب، وفي سائر الصور المجهول ثمنها يأخذه بمثل الثمن، أو
بقيمته إن لم يكن مثلها إذا كان الثمن موجوداً .
وإن لم يوجد عينه دفع إليه قيمة الشقص، لأن الأغلب وقوع العقد على
الأشياء بقيمتها، وقال أصحاب الرأي والشافعي: يجوز ذلك كله، وتسقط به
الشفعة، لأنه لم يأخذ بما وقع البيع به، فلم يجز كما لو لم يكن حيلة.
ثم بسط في الاستدلال لمختاره من حرمة الحيل، وتقدم الكلام على
الحيل في أبواب البيوع في ((باب ما يكره من الثمر))، وتقدم هناك أن الحيل
كلها حرام عند مالك وأحمد، خلافاً للحنفية والشافعي.
وأما في مسألة الباب، ففي ((البدائع)) (١): الحيلة إما إن كانت بعد وجوب
الشفعة، وإما إن كانت قبله، فإن كانت بعد الوجوب قيل: إنها مكروهة بلا
خلاف، وذلك بأن يقول المشتري للشفيع: صالحتك على كذا وكذا درهماً على
أن تسلم لي شفعتك، فيقبل، فتبطل شفعته، ولا يستحق بدل الصلح، وإن
كانت قبل، فقد اختلف فيه قال أبو يوسف: لا تكره، وقال محمد: تكره،
وجه قول محمد أن شرع الحيلة يؤدي إلى سدّ باب الشفعة، وفيه إبطال هذا
الحق أصلاً ورأساً.
وجه قول أبي يوسف أن الحيلة قبل الوجوب منع من الوجوب بمباشرة
سبب الامتناع شرعاً، وهذا جائز كالشراء والهبة وسائر التمليكات، فإن
المشتري يمنع حدوث الملك للبائع في المبيع بمباشرة سبب الامتناع شرعاً،
وهو الشراء، وكذا الهبة وسائر التمليكات.
وقد خرج الجواب عن قول محمد أن هذا إبطال لحق الشفعة، لأن إبطال
الشيء بعد ثبوته ضررٌ، والحق هاهنا لم يثبت بعد ذلك، فلا تكون الحيلة
(١) ((بدائع الصنائع)) (٤/ ١٤٣).
٥٣٣

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: وَالشُّفْعَةُ ثَابِتَةٌ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، كَمَا هِيَ فِي مَالِ
الْحَيِّ.
إبطالاً له، بل هو منع من الثبوت بمباشرة سبب الامتناع شرعاً، وأنه جائز، فما
ذكره أبو يوسف - رحمه الله - هو الحكم، وما ذكره محمد احتياطاً، والأصل
في شرع الحيلة قوله سبحانه وتعالى في قصة سيدنا أيوب عليه السلام: ﴿وَخُذْ
بِيَدِكَ ضِغْتًا فَأَضْرِبِ يِِّ، وَلَا تَحْنَثُ﴾(١) اهـ.
وفي ((شرح الإقناع))(٢): إذا اشترى بجزاف نقداً كان أو غيره امتنع الأخذ
بالشفعة لتعذر الوقوف على الثمن، والأخذ بالمجهول غير ممكن، وهذا من
الحيل المسقطة للشفعة، وهي مكروهة لما فيها من إبقاء الضرر وصورها كثيرة.
منها؛ أن يبيعه بمجهول مشاهد ويقبضه ويخلطه بغيره بلا وزن في الموزون أو
ينفقه أو يتلفه، قال البجيرمي: قوله: مكروهة، أي قبل ثبوت الشفعة، أما
بعدها فتحرم، ووجه الحرمة في الثانية تفويته الحق بعد ثبوته بخلاف الأولى،
فإن الحق لم يثبت، اهـ.
(قال مالك: والشفعة ثابتة في مال الميت، كما هي) ثابتة (في مال الحي)
ذكر الباجي(٣) في تفسير كلام الإمام هذا احتمالين: الأول: قال: يحتمل قوله
هذا أن يكون الميت قد خلف ورثة، فباع بعضهم أو جميعهم، فلسائر الورثة
إن باع بعضهم أو لمن شركهم إن باع جميعهم الشفعة، فعلى هذا يكون معنى
قوله: الشفعة ثابتة في مال الميت، أي في المال الذي كان للميت وانتقل عنه
بوراثة، اهـ.
وعلى هذا فالمسألة إجماعية بين الأئمة الأربعة، قد تقدم بيانها في قول
مالك في الرجل يورث الأرض نفراً من ولده.
(١) سورة ص: الآية ٤٤.
(٢) (١٨٢/٣).
(٣) ((المنتقى)) (٢٢٠/٦).
٥٣٤

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
والاحتمال الثاني: ما قال الباجي: ويحتمل أن يريد أنه بقي على حكم
الميت إما بدينٍ لزمه يباع فيه مالُه، أو بوصيةٍ تعلقت به، وقد قال في
((المجموعة)) في ميت لحقه دين، فباع عليه الإمام أرضه مزايدة، فقال أحد
الورثة بعد البيع: أنا أؤدي من الدين بقدر ما عليّ، وآخذ بقية نصيب شركائي
بالشفعة، فإن كان في بقية ما يباع من الأرض تمام ذلك فله ذلك، وإلا فلا
شفعة له فيه.
قال الباجي(١): ومعنى ذلك عندي أنه إن أوفى ثمن الأرض بالدين، فإن
للورثة أن يقضوا دينه من أموالهم، ويتمسكوا بالأرض، فإن سلمها بعضُهم فمن
تمسك بحظه منها له الشفعة فيما سلم سائر الورثة؛ لأنهم في الحقيقة بائعون
وهو شريك لهم، متمسك بحظه، فله الشفعة فيما بيع من سهام سائر الورثة،
وإن قصر ثمن الأرض عن الدين، فليس للورثة أن يخرجوا قدر الثمن من
أموالهم، ويتمسكوا بالأرض، فإنهم في ذلك كسائر الناس، فإن زادوا على ما
أعطى غيرهم بالأرض اشتروا الأرض، وإن كان بعضهم زاد، وامتنع بعضهم
من ذلك، فمن زاد منهم مشترٍ، لا وارث، فلا شفعة له مع من شركه من
الشركاء من أجنبي أو وارث، وإن لم يزيدوا على ما أعطى غيرهم، فمن أعطى
أولاً ذلك الثمن، فهو أحق به، والورثة والأجنبيون في ذلك سواء.
وقال أشهب في ((الموازية)) في المتوفى يحيط الدين بماله: ليس للغرماء
أخذ شفعته، وللورثة أخذها، فإن أخذوها بمال الميت، فللغرماء الثمن
والفضل حتى يستوفوا حقوقهم، فما بقي فللورثة، وإن أخذوها بِمَالِهم، فإن
كانت تساوي أكثر من الثمن بيعت، وقضي بالفضل دينه، وإن لم تبلغ إلا
الثمن، أو أقل لم تبع عليهم، وقال ابن عبدوس عن سحنون: لمالك فيها
(١) ((المنتقى)) (٢٢١/٦).
٥٣٥

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
تفسير لم يقع عليه أشهب، وكان يعجب به سحنون، ويراه أصلاً، وقاله
المغيرة .
قال سحنون: قال مالك: يبدأ بالورثة، فيقال لهم: إن قضيتم الدين فلكم
الشفعة؛ لأن الميراث بعد الدين، فإن أبوا، وبيع ميراث الميت لدين، فلا
شفعة لهم؛ لأن الشقص الذي يشفع به قد بيع، ولم يملكوه في مال، ولا حلّوا
محل الميت، لتبريهم من تركته.
قال المغيرة: وإذا أبى الورثة أن يقضوا الدين، وأحبوا أن يباع المال،
فإن كان فيه فضل ورثوه، فلا شفعة لهم، ولا للغرماء؛ لأن الغرماء لا يملكون
الشقص الذي ثبتت به الشفعة، وهذه المسألة وإن كان فيها معنى التفسير الذي
قدمناه، ففي المسألة كلها نظر، لأن الشفيع ليس له أن يأخذ بالشفعة ليبيعها،
وفي هذه المسألة أخذ الشقص بالشفعة ليباع، وقد قال أشهب في ((الموازية)):
لو قال قائل: ليس لمن أحاط به الدين شفعة؛ لأنه إنما يأخذ ليباع في دينه ما
عقبه، وقال سحنون: إنما ذلك لأن المفلس محجور عليه يريد - والله أعلم -
أنه يباع عليه بالحكم، ويؤخذ له من الشفعة ما فيه الأصلح له في أداء
دینه، اهـ.
وقال الموفق(١): لو مات مفلس، وله شقص، فباع شريكه، كان لورثته
الشفعة، وهذا مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا شفعة لهم؛ لأن الحق
انتقل إلى الغرماء، ولنا، أنه بيع في شركة ما خلفه موروثُهم من شِقْصٍ، فكان
لهم المطالبة بشفعته، كغير المفلس.
ولا نُسَلّمُ أن التركة انتقلت إلى الغرماء، بل هي للورثة، بدليل أنها لو
تمت أو زاد ثمنها، لحسب على الغرماء في قضاء ديونهم، وإنما تعلق حقهم به،
(١) («المغني) (٥١١/٧).
٥٣٦

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
فلم يمنع ذلك من الشفعة، كما لو كان لرجل شقصٌ مرهونٌ فباع شريكه، فإنه
يستحق الشفعة به، ولو كان للميت دار فبيع بعضها في قضاء دينه، لم يكن
للورثة شفعة؛ لأن البيع يقع لهم، فلا يستحقون الشفعة على أنفسهم، ولو كان
الوارث شريكاً للموروث، فبيع نصيب الموروث في دينه فلا شفعة أيضاً؛ لأن
نصيب الموروث انتقل بموته إلى الوارث، فإذا بيع فقد بيع ملكه فلا يستحق
الشفعة على نفسه، اهـ.
وقال(١) في الإفلاس: حكى بعضُ أصحابنا فيمن مات وعليه دين، هل
يمنع الدينُ نقلَ التركة إلى الورثة؟ على روايتين: إحداهما: لا يمنعه؛ لأن تعلق
الدين بالمال لا يزيل الملك في حق الجاني والراهن والمفلس، فلم يمنع نقله،
فإن تصرف الورثة في التركة ببيع أو غيره صَحّ تصرفهم، ولزمهم أداء الدين،
فإن تعذر وفاؤه فُسِخَ تصرفهم، كما لو باع السيد عبده الجاني.
الرواية الثانية: يمنع نقل التركة إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ
يُؤْصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾(٢) فجعل التركة للوارث من بعد الدين والوصية، فلا يثبت
لهم الملك قبلهما، فعلى هذا لو تصرف الورثة لم يصح تصرفهم؛ لأنهم
تصرفوا في غير ملكهم، إلا أن يأذن الغرماء لهم، وإن تصرف الغرماء لم يصح
إلا بإذن الورثة، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٣): ولاية بيع التركة المستغرقة بالدين للقاضي، لا
للورثة لعدم ملكهم، قال ابن عابدين: هذ إذا لم تتفق الورثة على أداء الدين
كله من مالهم، ولو اختلفوا فللوصي بيعها لدينه ووصاياه، ولا يلتفت إلى
(١) («المغني)) (٥٦٩/٦).
(٢) سورة النساء: الآية ١١.
(٣) (١١٢/٨).
٥٣٧

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حدیث
قولهم، وجاز لأحد الورثة استخلاص العين من التركة بأداء قيمته إلى الغرماء،
لا إلى الوارث الآخر، وهذا إذا لم يكن الدين زائداً، فإن كان زائداً على
التركة، فلهم استخلاصها بأداء الدين كله، لا بقدر تركته، وإن كان الدين غير
مستغرق، فللحاضر من الورثة بيع حصته لحصته من الدين، إلى آخر ما بسطه.
وبسط السرخسي في فروع الشفعة من هذا الباب في باب الشفعة للمريض
فقال: مريض باع داراً بألف درهم، وقيمتها ثلاثة آلاف درهم، ولا مال له
غيرها، ثم مات، وابنه شفيع الدار، فلا شفعة للابن؛ لأنه لو باعها من أبيه
بهذا الثمن لم يجز، والشفيع يتقدم على المشتري شرعاً في ثبوت الملك له
بالسبب الذي يملك به المشتري.
وقد تعذر ذلك في هذا الموضع يوضحه إما أن يأخذها بألفين، كما
أخذها المشتري، فيكون ذلك وصيةً من المريض لوارثه خصوصاً إذا أخذها من
يد البائع، ولا وصية لوارث، أو يأخذها بثلاثة آلاف، وذلك لا يستقيم لما فيه
من إثبات ثمن في حق الشفيع، ليس ذلك بثابت في حق المشتري، فإذا تعذر
الوجهان قلنا: لا شفعة له أصلاً، إلى آخر ما بسطه.
ثم قال الباجي(١): هذا الباب مبنيٌّ على أن حق الشفعة موروثٌ، وبه
قال الشافعي، ومنع منه أبو حنيفة، والدليل على ذلك قول النبي وَله: ((إنما
الشفعة فيما لم يقسم))، وهذا عامٌّ، ومن جهة المعنى أن ذلك خيار ثابت لدفع
الضرر عن المال، فوجب أن ينتقل إلى الورثة، كخيار الرد بالعيب، اهـ.
وقال الموفق(٢): إن الشفيع إذا مات قبل الأخذ بها لم يخل من حالين:
أحدهما: أن يموت قبل الطلب بها فتسقط، وروي سقوطه بالموت عن الحسن
(١) ((المنتقى)) (٢٢١/٦).
(٢) («المغني)) (٥١٠/٧).
٥٣٨

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
فَإِنْ خَشِيَ أَهْلُ الْمَيِّتِ أَنْ يَنْكَسِرَ مَالُ الْمَيِّتِ، قَسَمُوهُ ثُمَّ باعُوهُ فَلَيْسَ
عَلَيْهِمْ فِيهِ شُفْعَةٌ .
وابن سيرين والشعبي والنخعي. وبه قال الثوري وإسحاق وأصحاب الرأي.
وقال مالك والشافعي والعَنْبَرِيُّ: يورث، قال أبو الخطّاب: ويَتَخَرَّجُ لنا مثلُ
ذلك؛ لأنه خيار ثابت لدفع الضرر عن المال، فيورث كخيار الرد بالعيب.
ولنا، أنه حقُّ فسخ ثَبَتَ لا لفوات جزء، فلم يورث كالرجوع في الهبة،
ولأنه نوع خيار جعل للتمليك أشبه خيار القبول، وأما خيار الرد بالعيب، فإنه
لاستدراك جزء فات من المبيع.
الحال الثاني: إذا طالب بالشفعة ثم مات، فإن حق الشفعة ينتقل إلى
الورثة قولاً واحداً؛ لأن الحق يتقرر بالطلب، ولذلك لا يسقط بتأخير الأخذ
بعده وقبله يسقط، وقال القاضي: يصير الشقص ملكاً للشفيع بنفس المطالبة،
ولا يصح هذا، فإنه لو صار ملكاً للشفيع، لم يصح العفو عن الشفعة بعد
طلبها، وقال أيضاً: لو اشترى رجل شقصاً، ثم ارتد فقتل أو مات، فالشفيع
أخذه بالشفعة؛ لأنها وجبت بالشراء، وانتقاله إلى المسلمين بقتله أو موته لا
یمنع الشفعة، کما لو مات على الإسلام فورثه ورثته، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(١): يبطلها موتُ الشفيع قبل الأخذ بعد الطلب أو
قبله ولا تورث خلافاً للشافعي، ولو مات بعد القضاء لم تبطل، ولا يبطلها
موت المشتري لبقاء المستحق، اهـ. زاد ابن عابدين بعد قوله: موت المشتري
لفظ وكذا البائع، اهـ. يعني لا يبطلها موت البائع أيضاً.
(فإن خشي أهل الميت) أي الورثة (أن ينكسر مال الميت) أي يبخس
وينقص ثمنه إن باعوه مشاعاً وبدون القسمة (قسموه ثم باعوه) بعد التقسيم
(فليس عليهم) أي على الورثة (فيه شفعة).
(١) (٥٤٥/٦).
٥٣٩

٣٧ - كتاب الشفعة
(٢) باب
(١٤٢٥) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا شُفْعَةً عِنْدَنَا فِي عَبْدٍ وَلَا وَلِيدَةٍ. وَلَا بَعِيرٍ وَلَا
بَقَرَةٍ وَلَا شَاةٍ. وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوانِ. وَلَا فِي ثَوْبٍ وَلَا فِي بِثْرٍ
ليس لَهَا بَیَاضٌ.
قال الباجي(١): يريد بيع الجزء من المشاع قد ينقص من ثمنه عن ثمنة لو
ميز بالقسمة لضرر الشركة، ولما يخاف من الشفعة، فقد يمتنع الراغب في
الملك من شرائه إذا عرف أن له شفيعاً يأخذ الشفعة؛ لأنه ليس في التعرض
لشرائه إلا ثبوت العهدة عليه للشفيع، اهـ.
قال صاحب ((المحلى)): ليس عليهم فيه شفعةٌ؛ لأنه لا شفعة بعد القسمة
عنده بالجوار، اهـ. يعني إذا اقتسموه لم يبق بينهم شركة، والشفعة عند الإمام
مالك ومن وافقه بالشركة فقط، لا بالجوار، وهؤلاء بعد القسمة لم يبقوا
خلطاء، بل صاروا مجاورين، فلا شفعة عليهم إذا باع كل واحد منهم حصته
بعد القسمة .
(قال مالك: ولا شفعة عندنا في عبد ولا وليدة) أي أمة (ولا بعير ولا بقرة
ولا شاة ولا في شيء آخر من الحيوان) كفرس وبغل وغيرهما (ولا في ثوب)
لأن هذه الأشياء كلها من المنقولات، ولا شفعة فيها، بل من شرائط الشفعة
كون المبيع عقاراً، كما تقدم في أول الباب السابق من شرائط الشفعة.
قال الدردير(٢): لا شفعة في حيوان إلا حيواناً في كحائط أي بستان،
فإذا كان الحائط مشتركاً وفيه حيوان آدمي أو غيره مشترك بين الشركاء، فباع
أحدهم نصيبه من الحائط فلبقية الشركاء أخذ الحيوان بالشفعة تبعاً للحائط، فإن
بيع منفرداً عن الحائط فلا شفعة، اهـ.
(ولا) شفعة (في بئر ليس لها بياض) أي أرض وذلك لما أن من شرائط
(١) ((المنتقى)) (٢٢١/٦).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٨٢/٣).
٥٤٠