النص المفهرس
صفحات 501-520
٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُوَرِّثُ الْأَرْضَ نَفَراً مِنْ وَلَدِهِ ثُمَّ يُولَدُ لِأَحَدِ النَّفَرِ. ثُمَّ يَهْلِكُ الْأَبَُ. فَيَبِيعُ أَحَدُ وَلَدِ الْمَيِّتِ حَقَّهُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ. فَإِنَّ أَخَا الْبَائِعِ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ مِنْ عُمُومَتِهِ، شُرَكَاءِ أَبِيهِ. وإن علم وهو في السفر، فلم يشهد على مطالبته، فلا شفعة له، يعني متى علم الغائب بالبيع، وقدر على الإشهاد، وعلى المطالبة فلم يفعل أن شفعته تسقط، سواء قدر على التوكيل، أو عجز عنه، وهو ظاهر كلام أحمد، وهو وجه للشافعي، والوجه الآخر لا يحتاج إلى الإشهاد. وقال القاضي: إذا سار عقيب علمه إلى البلد الذي فيه المشتري من غير إشهاد احتمل أن لا تبطل شفعته، لأن ظاهر سيره أنه للطلب، وهو قول أصحاب الرأي، والعنبري، وقول للشافعي، وقال أصحاب الرأي: له من الأجل بعد العلم قدر السير، فإن مضى الأجل قبل أن يبعث أو يطلب بطلت شفعته، وقال العنبري: له مسافة الطريق ذاهباً وجائياً، ولا خلاف في أنه إذا عجز عن الإشهاد في سفره أن شفعته لا تسقط، اهـ. (قال مالك، في الرجل) الذي هو زيد مثلاً (يُوَرّث) ببناء الفاعل (الأرض نفراً من ولده) يعني يموت زيد ويرثه أولاده عمرو وبكر وخالد مثلاً (ثم يولد) ببناء المجهول (لأحد النفر) من الأولاد المذكورة يعني يولد لعمرو شاهد وعابد (ثم يهلك الأب) أي عمرو، فيرثه ولداه شاهد وأخوه حصةَ الأب في الأرض المذكورة. (فيبيع أحدُ ولدِ الميت) أي أحدٌ من أولاد عمرو يعني يبيع شاهد مثلاً (حقه) الذي كان (في تلك الأرض) التي وصلت إلى أبيهم عمرو من أبيه زيد. (فإن أخا البائع) وهو عابد (أحق بشفعته من عمومته) الذين كانوا (شركاء أبيه) يعني أن عابداً أحق بالشفعة من بكر وخالد الذين كانوا شركاء عمرو في هذه الأرض. قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن الإخوة إذا ورثوا أرضاً، فيتوفى (١) ((المنتقى)) (٢١٠/٦). ٥٠١ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَهْذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا. قَالَ مَالِكٌ: الشُّفْعَةُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عَلَى قَدْرٍ حِصَصِهِمْ. يَأْخُذُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِقَدْرٍ نَصِيبِهِ. إِنْ كَانَ قَلِيلًا فَقَلِيلًا. وَإِنْ كَانَ كَثِيراً فَبِقَدْرِهِ. أحدهم عن ولد ورثوه ثم باع أحد الولد نصيبه، فإن إخوة البائع أحق بشفعة ما باع من أعمامهم؛ لأن شركتهم أخص، فتختص بمضرة الشركة، وتبعيض السهام، وبسبب إزالة الضرر من القسمة، فكانت الشفعة بينهم أولى، اهـ. وقال الموفق(١)، لو ورث أخوان داراً أو اشتريا بينهما نصفين أو غير ذلك، فمات أحدهما عن ابنين، فباع أحدهما نصيبه، فالشفعة بين أخيه وعمه، وبهذا قال أبو حنيفة والمزني والشافعي في الجديد، وقال في القديم: إن أخاه أحق بالشفعة وبه قال مالك، لأن أخاه أخص بشركته من العم، لاشتراكهما في سبب الملك، ولنا أنهما شريكان حال ثبوت الشفعة، فكانت الشفعة بينهما، كما لو ملكوا كلهم بسبب واحد، ولأن الشفعة ثبتت لدفع ضرر الشريك الداخل على شركائه بسبب شركته، وهذا يوجد في حق الكل، اهـ. (قال) مالك: (وهذا) الذي ذكر من أن شقيقه أحق بالشفعة من الأعمام، هو (الأمر) المعمول به (عندنا) بالمدينة المنوّرة وعلمْتَ اختلاف الفقهاء في ذلك. (قال مالك: الشفعة بين الشركاء) يعني إذا كان الشفيع أكثر من واحد (على قدر حصصهم) في الأرض (يأخذ كل إنسان منهم على قدر نصيبه) يعني (إن كان) نصيبه (قليلاً فقليلاً) يأخذ (وإن كان) نصيبه (كثيراً فبقدره). مثلاً تكون دار بين ثلاثة لأحدهم النصف، ولآخر الثلث، ولآخر السدس، فباع صاحب النصف نصيبه، فيأخذ صاحب الثلث ثلثي النصف، (١) («المغني)) (٤٩٨/٧). ٥٠٢ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث وَذُلِكَ إِنْ تَشَاخُوا فِيهَا . وصاحب السدس ثلثه، وإن باع صاحب الثلث كانت بين الآخرين أرباعاً، لصاحب النصف ثلاثة أرباعه، وللآخر ربعه، وإن باع صاحب السدس كانت بين الآخرين أخماساً، لصاحب النصف ثلاثة أخماسه، وللآخر خمساه .. قال الباجي(١): وهذا على حسب ما قال: إن الشفعة بين الشركاء على قدر ما لهم من الأنصباء في المال المبيع بعضه، وليست الشفعة على عدد الشركاء، قال ابن المواز: وقاله علي بن أبي طالب، قال أشهب: لأن الشفعة إنما وجبت لشركتهم لا لعددهم، فوجب تفاضلهم فيها بتفاضل الشركة، اهـ. قال الموفق(٢): الصحيح في المذهب أن الشقص المشفوع إذا أخذه الشفعاء قُسِمَ بينهم على قدر أملاكهم، اختاره أبو بكر، وروي ذلك عن الحسن وابن سيرين وعطاء، وبه قال مالك وسوَّار والعنبري وإسحاق وأبو عبيد، وهو أحد قولي الشافعي، وعن أحمد رواية ثانية أنه يقسم بينهم على عدد رؤوسهم. اختارها ابن عقيل، وروي ذلك عن النخعي والشعبي، وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة والثوري وأصحاب الرأي؛ لأن كل واحد منهم لو انفرد لاستحق الجميع، فإذا اجتمعوا تساووا، ولنا أنه حق يستفاد بسبب الملك، فكان على قدر الأملاك، اهـ (وذلك) أي تقسيمهم على قدر حصصهم (إذا تشاخوا) بتشديد الحاء المهملة أي تنازعوا (فيها). قال الباجي(٣): هذا يقتضي أنهم إن لم يتشاحوا جاز لهم أن يأخذوا الشفعة على غير هذا، وإن لم(٤) يعط القليل من ذلك مثل ما يعطى من كثر (١) ((المنتقى)) (٢١١/٦). (٢) («المغني)) (٤٥٣/٧). (٣) ((المنتقى)) (٢١١/٦). (٤) كذا في الأصل، والصواب وإن أعطي، اهـ. ((ش)). ٥٠٣ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ مِنْ شُرَكَائِهِ حَقَّهُ. فَيَقُولُ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ: أَنَا آخُذُ مِنَ الشُّفْعَةِ بِقَدْرِ حِصَّتِي. وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: إِنْ شِئْتَ أَنْ نصيبه أو أكثر، وقد حكى القاضي أبو محمد: لا تجوز هبة الشفعة ولا بيعها، والمشتري للشقص أحقُّ بذلك ممن وهبه إياها الشفيع، أو باعها منه، والفرق بينه وبين هذه المسألة أن الموهوب له لا حق له في الشفعة والشفيع الذي أعطي أكثر من حقه منها له حق في الشفعة، وإنما صار له نصيبه بالمشاحة ممن يستحق بذلك استحقاقه ولو ترك جميعهم الشفعة لكان له أن يأخذ جميعها، فلذلك جاز أن يهبه شريكه بعض الشفعة أو جميعها، لأنه في معنى تركه الأخذ بها، اهـ. وقال الموفق: إن وهب بعض الشركاء نصيبه من الشفعة بعض شركائه أو غيره لم يصح، لأن ذلك عفو، وليس بهبة، فلم يصح لغير من هو عليه كالعفو عن القصاص، وهكذا في ((الدر المختار)) (١) إذ قال: لو جعل بعض الشفعاء نصيبه لبعض لم يصح، وسقط حقه به لإعراضه ويقسم بين البقية. (قال) مالك: (فأما أن يشتري رجل) وهو خالد في مثالنا الآتي (من رجل) أي زيد (من شركائه حقه) أي نصيبه في المكان مثلاً يكون الدار مشتركاً بين زيد وعمرو وبكر، واشترى خالد نصيب زيد، وأراد عمرو الشفعة لكنه لا يريد أن يشتري جميع ما اشترى خالد عن زيد، بل يريد أن يأخذ بالشفعة بقدر حصته، وهي الثلث، ويقول خالد: إما أن تشتري الكل، أو تترك الشفعة، فيلزم ذلك عمراً إما أن يشتري الكل، أو يترك الشفعة، وليس له تفريق الصفقة، فإن فيه حرجاً على خالد. (فيقول أحد الشركاء) المذكورين أي عمرو: (أنا آخذ من الشفعة بقدر حصتي) دون حصص الشركاء الآخرين (ويقول المشتري) خالد: (إن شئت أن (١) انظر: (٥٢٤/٦). ٥٠٤ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث تَأْخُذَ الشُّفْعَةَ كُلَّهَا أَسْلَمْتُهَا إِلَيْكَ. وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَدَعَ فَدَعْ. فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا خَيَّرَهُ فِي هَذَا وَأَسْلَمَهُ إِلَيْهِ. فَلَيْسَ لِلشَّفِيْعِ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ الشُّفْعَةَ كُلَّهَا، أَوْ يُسْلِمَهَا إِلَيْهِ. فَإِنْ أَخَذَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا. وَإِلّا فَلَا شَيْءَ لَهُ. تأخذ الشفعة كلها) يعني ما اشتريته كله (أسلمتها إليك) كلها (وإن شئت أن تدع) أي تترك الكل (فدع) الشفعة (فإن المشتري) خالداً (إذا خَيّره) أي الشفيع عمراً (في هذا وأسلمه) كله (إليه) إلى عمرو (فليس للشفيع) عمرو (إلا أن يأخذ الشفعة كلها أو يسلمها) كلها (إليه) أي إلى المشتري خالد (فإن أخذها) الشفيع عمرو (فهو أحق بها) لشفعته (وإلا) أي إن لم يأخذ الكل (فلا شيء له) قال صاحب ((المحلى)): وبه قال أبو حنيفة. وقال الباجي(١): يحتمل أن يريد بقوله: فيشتري رجل من رجل من شركائه أن رجلاً أجنبياً اشترى من رجل من شركاء المالك، فنسبه إليه بمعنى الملك كما يقال: صاحبه ومالكه، ويحتمل أن يريد به أن رجلاً من الشركاء اشترى من رجل من شركائه، فيكون ضمير من شركائه عائداً إلى المشتري. فإن كان المشتري من غير الشركاء، فأراد رجل من جملة الشركاء أن يأخذ بقدر حصته من الشفعة، فقال المشتري: إما أن تأخذ الجميع أو تدع الجميع، فلا يخلو أن يكون سائر الشركاء غائباً أو حضوراً، فإن كانوا حضوراً، وأبوا الأخذ لم يكن للشفيع إلا أن يأخذ الجميع أو يترك، فإن أخذ لم يكن لأحد من الشركاء بعد الترك الدخول معه. وإن كان أشراكه غُيَّباً لم يكن للشفيع أن يأخذ حصته دون حصة أشراكه الغُيَّبِ حتى يقدموا. ثم قال: وأما إن كان المشتري أحد الشركاء فأراد أحد شركائه أن يأخذ الشفعة، وسلّمها سائرهم، وقال الشفيع: إنك شفيع معي، وأنا أترك لك بقدر حصتك من الشفعة، فلم أرَ فيه نصاً إلا ما تحتمل هذه المسألة من التأويل. (١) ((المنتقى)) (٢١٢/٦). ٥٠٥ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث قال الباجي: والذي عندي أن للمشتري أن يلزم الشفيع بأخذ الكل أو الترك، وليس للشفيع إلا ذلك؛ لأن المشتري أكثر ما فيه أنه شفيع تارك، فإن أراد الأخذ بالشفعة أخذ الكل، وإلا بطلت الشفعة، وهي عند المشتري بالشراء لا بالشفعة، اهـ. قال الموفق(١): إن كان المشتري شريكاً فللشفيع الآخر أن يأخذ بقدر نصيبه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وحكي عن الشعبي والحسن والبتِّي: لا شفعة للآخر، لأنها ثبتت لدفع ضرر الشريك الداخل، وهذا شركته متقدمة، فلا ضرر في شراء، وحكى ابن الصباغ عن هؤلاء أن الشفعة كلها لغير المشتري ولا شيء للمشتري فيها، لأنها تستحق عليه، فلا يستحقها على نفسه. ولنا، أنهما تساويا في الشركة، فتساويا في الشفعة، كما لو اشترى أجنبي، بل المشتري أولى، لأنه قد ملك الشقص المشفوع، وما ذكرناه للقول الأول لا يصح، لأن الضرر يحصل بشراء هذا السهم المشفوع من غير نظر إلى المشتري، وقد حصل شراؤه، ولا يصح الثاني أيضاً؛ لأننا نقول: إنه يأخذ من نفسه بالشفعة، وإنما يمنع الشريك أن يأخذ قدر حقه بالشفعة فيبقى على ملكه، وإذا ثبت هذا، فإن لشريك المشتري أخذ قدر نصيبه لا غير أو العفو، وإن قال المشترى: قد أسقطت شفعتي فخذ الكل أو اترك لم يلزمه ذلك، ولم يصح إسقاط المشتري، لأن ملكه استقر على قدر حقه فجرى مجرى الشفيعين، إذا أخذا بالشفعة ثم عفا أحدهما عن حقه، اهـ. ثم قال الموفق(٢): وإذا كان الشقص بين الشفعاء، فترك بعضهم فليس للباقين إلا أخذ الجميع، أو ترك الجميع، وليس لهم أخذ البعض، قال (١) ((المغني)) (٤٩٩/٧). (٢) (٥٠٠/٧). ٥٠٦ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْأَرْضَ فَيَعْمُرُهَا بِالْأَصْلِ يَضَعُهُ فِيهَا. أَوِ الْبِثْرِ يَحْفِرُهَا. ثُمَّ يَأْتِي رَجُلٌ فَيُدْرِكُ فِيهَا حَقًّا. فَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ: إِنَّهُ لَا شِفْعَةَ لَهُ فِيهَا. إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ مَا عَمَرَ. ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على هذا، وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، ولأن في أخذ البعض إضراراً بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر، لأن الشفعة إنما ثبتت على خلاف الأصل دفعاً لضرر الشريك الداخل خوفاً من سوء المشاركة، ومؤنة القسمة، فإذا أخذ بعض الشقص لم يندفع عنه الضرر، فلم يتحقق المعنى المُجَوِّز لمخالفة الأصل، اهـ. وقال ابن رشد(١): أما إذا كان الشافعون أكثر من واحد فأراد بعضهم أن يشفع وسلّم له الباقي في البيوع، فالجمهور على أن للمشتري أن يقول للشريك: إما أن تشفع في الجميع أو تترك، وأنه ليس له أن يشفع بحسب حظه إلا أن يوافقه المشتري على ذلك، وأنه ليس له أن يبعض الشفعة على المشتري، إن لم يرض بتبعيض الصفقة، وقال أصبغ من أصحاب مالك: إن ترك بعضهم الأخذ بالشفعة رفقاً للمشتري، لم يكن للشفيع إلا أن يأخذ حصته فقط ، اهـ. (قال مالك في الرجل يشتري الأرض فيعمرها) بضم الميم من العَمارة (بالأصل) أي بأصل شجر (يضعه) أي الأصل (فيها) في الأرض يعني يغرس فيها الأشجار (أو البئر) بالجر عطفاً على الأصل أي يعمرها بالبئر (يحفرها) بكسر الفاء (ثم يأتي رجل) شفيع (فيدرك فيها حقاً) له بالشفعة ( (فيريد أن يأخذها) أي الأرض (بالشفعة) التي هي حق له، فقال مالك: (فإنه لا شفعة له فيها إلا أن يعطيه) الشفيع المشتري (قيمة ما عمر) المشتري من الأشجار أو (١) ((بداية المجتهد)) (٢٦١/٢). ٥٠٧ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث فَإِنْ أَعْطَاهُ قِيمَةَ مَا عَمَرَ، كَانَ أَحَقَّ بِالشُّفْعَةِ. وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا . البئر (فإن أعطاه) الشفيع (قيمة ما عمر) قائمة (كان) الشفيع (أحق بشفعته وإلا) أي إن لم يعطه قيمته (فلا شفعة) حق (له) أي للشفيع (فيها). قال الباجي(١): وهذ على ما قال: إن المشتري إذا اشترى الأرض فعمرها، فإن عمارتها تكون على وجهين: أحدهما: بالغرس والبناء وما له أصل ثابت. والثاني: ما ليس له أصل ثابت من الزرع والحرث، فأما ما كانت عمارته بما له أصل ثابت، فإن الشفيع لا شفعة له إلا أن يعطيه قيمة ما عمر، قاله مالك في ((الموازية)) وغيرها . ووجه ذلك أنه عمر بوجه حق؛ لأنه عمر في ملكه، فلم يكن للشفيع أن يأمره بالقطع، ولا يكون له أن يأخذ الأرض بالشفعة، ويشاركه المشتري بالعمارة، لأن ذلك ازدياد من ضرورة الشركة التي شرعت الشفعة لنفيها . وتصور هذه المسألة بأن يكون المشتري اشترى الأرض كلها فعمرها، فاستحق رجل منها حصة، وأراد أخذ الباقي بالشفعة. وهذا قول مالك. أتى رجل بعد أن عمرَ، فأدرك فيها حقاً يريد - والله أعلم - استحق منها جزءاً، وأراد بقوله: أن يأخذها بالشفعة أنه أراد أن يتملك جميعها، وأما من اشترى شقصاً من أرض فبنى فيها ثم قام الشفيع، فإن العمارة تقوم مطروحة نقضاً، فإن شاء الشفيع أخذ ذلك بقيمته منقوضاً، وإلا أمر بقلعه، قاله مالك في ((المجموعة))، ووجه ذلك أنه متعدٍّ بالبنيان، اهـ. وقال الموفق(٢): يتصور بناء المشتري وغرسه في الشقص المشفوع على وجه مباح في مسائل: منها؛ أن يكون الشفيع غائباً، فيقاسمه وكيله، أو صغيراً فيقاسمه وليه، ونحو ذلك، ثم يقدم الغائب أو يبلغ الصغير أو غير ذلك من (١) ((المنتقى)) (٢١٢/٦). (٢) ((المغني)) (٤٧٦/٧). ٥٠٨ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حدیث الصور التي ذكرها الموفق، فأخذه الشفيع بعد غرس المشتري وبنائه، فإن للمشتري قلع بنائه وغرسه إن اختار ذلك، لأنه ملكه، فإذا قلعه فليس عليه تسوية الحفر ولا نقص الأرض، ذكره القاضي، وهو مذهب الشافعي، لأنه غرس وبنى في ملكه، وظاهر كلام الخرقي أن عليه ضمان النقص الحاصل بالقلع، لأنه اشترط في قلع الغرس والبناء عدم الضرر. فإن لم يختر المشتري القلع، فالشفيع بالخيار بين ثلاثة أشياء: ترك الشفعة، وبين دفع الغراس والبناء، فيملكه مع الأرض، وبين قلع الغرس والبناء، ويضمن له ما نقص بالقلع، وبهذا قال الشعبي والأوزاعي وابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي والبتي وإسحاق، وقال حماد بن أبي سليمان والثوري وأصحاب الرأي: يكلف المشتري القلع، ولا شيء له، لأنه بنى فيما استحق غيره أخذه، فأشبه الغاصب، ولأنه بنى في حق غيره بغير إذنه، فأشبه ما لو باتت مستحقة، ولنا قوله مَ له: ((لا ضرر ولا ضرار))، ولا يزول الضرر عنهما إلا بذلك، اهـ. وفي ((الهداية)): إذا بنى المشتري أو غرس، ثم قضي للشفيع بالشفعة فهو بالخيار، إن شاء أخذها بالثمن وقيمة البناء والغرس، وإن شاء كلف المشتري قلعه، وعن أبي يوسف أنه لا يكلف القلع، ويخير بين أن يأخذ بالثمن وقيمة البناء وبين أن يترك، وبه قال الشافعي إلا أن له عنده أن يقلع ويعطي قيمة البناء، اهـ. وفي ((هامشه)): فالحاصل أن له عند أبي يوسف خيارين، وعند الشافعي له ثلاث خيارات، اثنان ما قاله أبو يوسف، والثالث: أن له قلع البناء ويضمن أرش النقصان، والفرق بين قول الشافعي وبين قولهما أي أبي حنيفة ومحمد في الأمر بالقطع أن عنده یضمن نقصان القلع، وعندهما لا یضمن، اهـ. وقال ابن رشد (١): إذا أحدث المشتري بناءً أو غرساً في الشقص قبل (١) ((بداية المجتهد)) (٢٦٤/٢). ٥٠٩ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ أَرْضِ أَوْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ. فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَ الشُّفْعَةِ يأُخُذُ بِالشُّفْعَةِ، اسْتَقَالَ الْمُشْتَرِيَ، فَأَقَالَهُ. قَالَ: لَيْسَ ذُلِكَ لَهُ. وَالشَّفِيعُ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي كَانَ بَاعَهَا بِهِ. قيام الشفيع، ثم قام الشفيع يطلب شفعته، فقال مالك: لا شفعة إلا أن يعطي المشتري قيمة ما بنى وما غرس، وقال الشافعي وأبو حنيفة: هو متعدٍ، وللشفيع أن يعطيه قيمة بنائه مقلوعاً أو يأخذه بنقضه، والسبب في اختلافهم تردد تصرف المشتري العالم بوجوب الشفعة عليه بين شبهة تصرف الغاصب وتصرف المشتري الذي يطرأ عليه الاستحقاق، وقد بنى في الأرض، وغرس، وذلك أنه وسط بينهما، فمن غلب عليه شبهة الاستحقاق لم يكن له أن يأخذ القيمة، ومن غلب عليه شبهة التعدي قال: له أن يأخذه بنقضه، أو يعطيه قيمته منقوضاً، اهـ. (قال مالك: ومن باع حصته من أرض أو دار مشتركة) بين الشركاء (فلما علم) البائع أو المشتري (أن صاحب الشفعة يأخذ) الحصة المبيعة (بالشفعة استقال المشتري) أي طلب منه الإقالة والمشتري يحتمل عندي أن يكون فاعلاً الاستقال أو مفعوله، ففاعله الضمير إلى البائع (فأقاله) البائع أو المشتري على الاحتمالين (قال) مالك في الصورة المذكورة: (ليس ذلك له) أي لا يجوز له الإقالة، ولا يسقط بهذه الشفعة (والشفيع أحق بها) أي بالحصة المبيعة (بالثمن الذي كان باعها به). قال الباجي(١): ومعنى ذلك أن الإقالة لا تمنع الأخذ بالشفعة، لأن حق الشفيع قد وجب في الشقص المشترى، فلم يكن للمشتري والبائع أن يسقطا حقه منه بالإقالة ولا بغيرها، ولا خلاف أن للشفيع أن يأخذ بالبيع الأول، وهل له أن يأخذ بالإقالة، وتكون عهدته على المشتري أم لا؟ مبنيٌّ على (١) ((المنتقى)) (٢١٤/٦). ٥١٠ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث اختلاف قولهم في الإقالة: هي بيع حادث أم نقض بيع؟ فإذا قلنا: إنه نقض بيع، لم يكن له أن يأخذ بالإقالة، وإنما له أن يأخذ بالبيع الأول، وإذا قلنا : إنه بيع حادث، فإن له أن يأخذ بالبيع الأول، أو بالإقالة، فتكون عهدته إن شاء على البائع وإن شاء على المشتري، اهـ. قلت: وتقدم في البيوع الكلام على اختلافهم في الإقالة هل بيع جديد أو فسخ بيع سابق؟ وعليه يتفرع أمر الشفعة. قال الموفق(١): اختلفت الرواية في الإقالة، فعن الإمام أحمد أنها فسخ، وهو الصحيح، وهو مذهب الشافعي، والثانية: أنها بيع، وهي مذهب مالك، وحكي عن أبي حنيفة أنها فسخ في حق المتعاقدين، وبيع في حق غيرهما، فلا تثبت أحكام البيع في حقهما، بل تجوز في السلم وفي المبيع قبل قبضه، ويثبت حكم البيع في حق الشفيع حتى يجوز له أخذ الشقص الذي تقايلا فيه بالشفعة، ثم قال بعد ذكر ما اختاره من ترجيح الفسخ: ولا يستحق بها الشفعة إن كان فسخاً، لأنها رفع للعقد، وإزالة له، وليست بمعاوضة، فأشبهت سائر الفسوخ، ومن حلف لا يبيع، فأقال لم يحنث، ولو كانت بيعاً استحقت بها الشفعة، وحنث الحالف على ترك البيع بفعلها، اهـ. وقال أيضاً في الشفعة: لو انفسخ العقد بين المشتري والبائع بطلت الشفعة؛ لأنها استحقت به، لكن في ((الشرح الكبير)): إن فسخ العقد بعيب أو إقالة أو تحالف فللشفيع أخذه يعني إذا رد المشتري الشقص بعيب، أو قايل البائع فللشفيع فسخ الإقالة، والرد، والأخذ بالشفعة؛ لأن حقه سابق عليهما، اهـ. وقال ابن رشد(٢): أجمعوا على أن الإقالة لا تبطل الشفعة من رأى أنها (١) ((المغني)) (١٩٩/٦). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٦٣/٢). ٥١١ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حدیث قَالَ مَالِكٌ: مَنِ اشْتَرَى شِقْصاً فِي دَارٍ أَوْ أَرْضٍ. وَحَيَواناً وَعُرُوضاً فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ. فَطَلَبَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ فِي الدَّارِ أَوِ الْأَرْضِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: خُذْ مَا اشْتَرَيْتُ جَمِيعاً. فَإِنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ جَمِيعاً . بيع، ومن رأى أنها فسخ، واختلف أصحاب مالك على من عهدة الشفيع في الإقالة؟ فقال ابن القاسم: على المشتري، وقال أشهب: هو مخير، اهـ. وفي ((الهداية)): إن ردها بعيب بغير قضاء أو تقايلا البيع فللشفيع الشفعة؛ لأنه فسخ في حقهما بيع ثالث في حق ثالث والشفيع ثالث، اهـ. وفي ((الدر المختار)) (١): هي بيع في حق ثالث، وثمرته في مواضع، فالأول لو كان المبيع عقاراً، فسلم الشفيع الشفعة، ثم تقايلا قضي له بها لكونها بيعاً جديداً، فكان الشفيع ثالثهما، قال ابن عابدين: قوله: فسلم الشفيع، قَيّد به لتظهر فائدة كونها بيعاً، وإلا لو لم يسلم بأن أقال قبل أن يعلم الشفيع بالبيع، فله الأخذ بالشفعة أيضاً، إن شاء بالبيع الأول، وإن شاء بالبيع الحاصل بالإقالة، اهـ قلت: وهذا موافق لما تقدم من كلام الباجي في مذهب المالكية . (قال مالك: من اشترى شقصاً) أي قطعة (في دار أو أرض) أي عقار (وحيواناً) بالواو في جميع النسخ المصرية، وهو الصواب أي واشترى مع العقار غيره أيضاً من الحيوان وغيره فما في النسخ الهندية ((أو حيواناً)) بلفظ ((أو)) تحريف من الناسخ (وعروضاً) أي متاعاً آخر (في صفقة واحدة) أي عقد واحد (فطلب الشفيع شفعته في الأرض أو الدار) أي في العقار، فإنه هو محل الشفعة (فقال المشتري: خذ ما اشتريت) بصيغة المتكلم (جميعاً) أي من العقار والعروض (فإني إنما اشتريته جميعاً) في عقد واحد. (١) (٣٥١/٧). ٥١٢ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: بَلْ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ فِي الدَّارِ أَوِ الْأَرْضِ. بِحِصَّتِهَا مِنْ ذُلِكَ الثَّمَنِ. يُقَامُ كُلُّ شَيْءٍ اشْتَرَاهُ مِنْ ذُلِكَ عَلَى حِدَتِهِ. عَلَى الثَّمَنِ الَّذِيِ اشْتَرَاهُ بِهِ. ثُمَّ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ بِالَّذِي يُصِيبُهَا مِنَ الْقِيمَةِ مِنْ رَأْسِ الثَّمَنِ. وَلَا يَأْخُذُ مِنَ الْحَيَوانِ وَالْعُرُوضِ شَيْئاً. إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ذُلِكَ. (قال مالك) في الصورة المذكورة لا يلزم الشفيع أخذ المجموع (بل) يجوز أن (يأخذ الشفيع شفعته في الأرض أوالدار) فقط بدون ما معه من العرض أو الحيوان (بحصتها) أي بحصة الأرض (من ذلك الثمن) المجموع الذي أعطي البائع، وتصوير أخذه بحصتها من الثمن أن (يقام) أي يقوم (كل شيء اشتراه) من الدار والحيوان (على حدته) بكسر الحاء المهملة أي متميزاً عن غيره (على الثمن) المجموع (الذي اشتراه به) مثلاً اشترى العقار والحيوان معاً في مائة دينار، فقوم كل واحدة منهما على حدته، فقوم العقار بستين ديناراً، والحيوان بأربعين ديناراً . (ثم يأخذ الشفيع شفعته) في العقار (بالذي يصيبها من القيمة) وهي ستون ديناراً (من رأس الثمن) أي من الثمن المجموع (ولا يأخذ) أي لا يلزمه أن يأخذ (من الحيوان والعروض شيئاً) إذ لا شفعة فيهما (إلا أن يشاء) الشفيع (ذلك) أي أخذ المجموع، فيجوز له أن يأخذ المجموع، لا لأن الشفعة فيه، بل لأن المشتري عرضه عليه والشفيع قبله، فكأنهما اتفقا على بيع جدید. قال الباجي(١): ومعنى ذلك أن من اشترى شقصاً مما فيه الشفعة، ومعه في الصفقة ما لا شفعة فيه من الحيوان وغيره، فلا يخلو أن يكون ذلك من ذلك الحائط، كعبيده العاملين فيه ودوابه وآلته، أو يكون مما لا تعلق له. أما الأول: ففي ((المجموعة)) عن سحنون: أن ما بيع مع الحائط من آلته (١) ((المنتقى)) (٢١٤/٦). ٥١٣ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حدیث ورقيقه أن فيه الشفعة، لأن صلاح الحائط لا يتم إلا به، وإنما يكون له حكم التبع إذا كان قد أثر في الحائط عمله أو العمل به، فأما ما لم يعمل به ولم يكن له فيه تأثير، فلا يكون صفة من صفات الحائط. وأما الثاني: يعني ما كان غير متعلق بالمبيع ولا تبعاً له مثل أن يبيع شقصاً وثوباً بثمن ما أن الثمن يُفَضُّ على الشقص والثوب، فما أصاب الثوب فهو ثمنه، وبه يأخذ الشفيع إن شاء، وقوله: لو قال المشتري: خذ ما اشتريت، يريد أنه لا يلزم ذلك الشفيع، ولو اتفقا على ذلك لجاز وكان بيعاً مستأنفاً، ولذلك قال مالك: إلا أن يشاء ذلك، اهـ. وقال الموفق(١): إذا باع شقصاً مشفوعاً ومعه ما لا شفعة فيه، كالسيف والثوب في عقد واحد ثبتت الشفعةُ في الشقص بحصته من الثمن دون ما معه، فَيُقَوَّمُ كل واحد منهما، ويُقَسَّمُ الثمنُ على قدر قيمتهما، فما يخص الشقص يأخذه الشفيع، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، ويحتمل أن لا تجب الشفعة لئلا تتبعَض صفقةُ المشتري، وفي ذلك إضرار به، فأشبه ما لو أراد الشفيع أخذ بعض الشِّقص، وقال مالك: تثبت الشفعة فيهما لذلك. ولنا، أن السيف لا شفعة فيه، ولا هو تابع لما فيه الشفعة، فلم يؤخذ بالشفعة كما لو أفرده، وما يلحق المشتري من الضرر فهو ألحقه بنفسه بجمعه في العقد بين ما تثبت فيه الشفعة، وما لا تثبت، ولأن في أخذ الكل ضرراً بالمشتري أيضاً، لأنه ربما كان غرضه في إبقاء السيف له، ففي أخذه منه إضرارٌ به من غير سبب يقتضيه، اهـ. قلت: ما حكي من مذهب مالك لا يوافقه ما في ((الموطأ)) و ((الباجي)). قال الدردير (٢): وأخذ الشقص المشتري مع غيره في صفقة بما يخصه من (١) «المغني)) (٤٨٢/٧). (٢) ((الشرح الكبير)) (٤٧٧/٣). ٥١٤ ٦ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ بَاعَ شِقْصاً مِنْ أَرْضِ مُشْتَرَكَةٍ. فَسَلَّمَ بَعْضُ مَنْ لَهُ فِيهَا الشُّفْعَةُ لِلْبَائِعِ. وَأَبَى بَعْضُهُمْ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ بِشُفْعَتِهِ: إِنَّ مَنْ أَبَى أَنْ يُسَلِّم يَأْخُذُ بِالَشُّفْعَةِ كُلِّهَا. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرٍ حَقِّهِ وَيَتْرُكَ مَا بَقِيَ. الثمن ولزم المشتري الباقي وهو الغير المصاحب للشقص، قال الدسوقي: وليس له إلزام الشفيع به ولا للشفيع أخذه جبراً عن المشتري، اهـ. (قال مالك: من باع شقصاً من أرض مشتركة) بين خمسة نفر مثلاً، فباع أحدهم حصته (فسلّم بعض من له فيها الشفعة) البيع (للمبتاع)(١) يعني سلّم اثنان مثلاً، البيع للمبتاع، وأسقطا حقهما من الشفعة (وأبى بعضهم) التسليم (إلا أن يأخذ بشفعته) يعني أراد الاثنان الباقيان أخذها بالشفعة، قال مالك في الصورة المذكورة: (إن من أبى) منهم (أن يسلم) البيع للمبتاع يلزمه أن (يأخذ بالشفعة كلها. وليس له) أي لا يجوز له (أن يأخذ بقدر نصيبه ويترك ما بقي). قال الباجي(٢): معنى ذلك أن بعض الشفعاء إذا سلّم الشفعة، وأراد بعضهم الأخذ بها، فإن أراد أن يأخذ جميعها لم يكن للمشتري أن يمنعه من ذلك، لأنه شفيع، فلا تتبعض عليه الشفعة للمشتري، فإن أراد أن يأخذ بقدر حصته، فلا يخلو أن يسوغه ذلك المشتري أو يمنعه منه، فإن سَوَّغه ذلك جاز؛ لأن الحق في استيعاب الشفعة، إنما هو حق لهما، فإذا رضيا بترك ذلك جاز، وإن أبى المشتري من ذلك، فعلى ما قال في الأصل لم يكن للشفيع إلا أن يأخذ الجميع، أو يترك الشفعة لما على المشتري في أخذ الشفيع البعض من الضرر بتبعيض صفقته، اهـ. وتقدم نظير ذلك قريباً في قول مالك: الشفعة بين الشركاء على قدر حصصهم، وتقدم قريباً أن ذلك مجمع عليه عند الأئمة الأربعة وغيرهم كما (١) وفي نسخة ((ف)) للبائع. (٢) ((المنتقى)) (٢١٥/٦). ٥١٥ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي نَفَرِ شُرَكَاءَ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ. فَبَاعَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ، وَشُرَكَاؤُهُ غُيَّبٌ كُلَّهُمْ. إِلَّا رَجُلًا. فَعَرَضَ عَلَى الْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ أَوْ يَتْرُكَ. فَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِحِصَّتِي وَأَتْرُكُ حِصَصَ شُرَكَائِ حَتَّى يَقْدَمُوا. فَإِنْ أَخَذُوا فَذُلِكَ. وَإِنْ تَرَكُوا أَخَذْتُ جَمِيعَ الشُّفْعَةِ . قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ ذُلِكَ كُلَّهُ أَوْ يَتْرُكَ. فَإِنْ جَاءَ شُرَكَاؤُهُ، أَخَذُوا مِنْهُ أَوْ تَرَكُوا إِنْ شَاؤُوا. فَإِذَا عَرَضَ هُذَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ، فَلَا أَرَى لَهُ شُفْعَةً. حكاه الموفق، إذ قال: إذا كان الشقص بين الشفعاء، فترك بعضهم، فليس للباقين إلا أخذ الجميع أو ترك الجميع، قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على هذا. (قال مالك في نفر شركاء) أي سبعة رجال مثلاً اشتركوا (في دار واحدة) أو أرض واحدة (فباع أحدهم) أي أحدُ السبعة (حصتَه، وشركاؤه غُيَّبٌ) جمع غائب (كلهم إلا رجلاً واحداً) يعني خمس من الشركاء غائبون (فعرض) البائع (على) الشريك الواحد (الحاضر أن يأخذ) حصته من المبيع (بالشفعة أو يترك) الشفعة (فقال) الشريك الحاضر: (أنا آخذ بحصتي) أي بقدر حصتي (وأترك حصص) جمع حصة (شركائي) الذين غابوا ( حتى يقدموا، فإن أخذوا) بعد القدوم حصصهم (فذلك) لهم (وإن تركوا) الشفعة بعد القدوم (أخذت جميع الشفعة) أي سائر الشقص المبيع. (قال مالك) في الصورة المذكورة (ليس له) أي للشريك الحاضر (إلا أن يأخذ ذلك) الشقص المبيع (كله أو يترك) الشفعة. (فإن) أخذ الحاضر كله، ثم (جاء شركاؤه) فإن شاءوا (أخذوا منه) أي من الذي أخذ الكل بالشفعة بقدر حصصهم (أو تركوا إن شاءوا) له الشفعة (فإذا عرِض) الشريك البائع (هذا) الكلام (عليه) أي على الشريك الحاضر (فلم يقبله) أي لم يقبل الشريك الحاضر أخذ الكل بالشفعة (فلا أرى له شفعة) أي ٥١٦ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حدیث سقط حقه من الشفعة، وهذا أيضاً مبنيٌّ على المسألة المتقدمة المجتمع عليها أنه ليس لواحد من الشفعاء أن يأخذ حصته فقط، بل إما أن يأخذ الكل أو يترك الكل. قال الباجي(١): وإن كان أشراكه غُيَّاً لم يكن للشفيع أن يأخذ حصته دون حصة أشراكه الغيب حتى يقدموا، وليأخذ الآن الكل أو يترك، فإن ترك فلا دخول له مع أصحابه إذا قدموا وأخذوا الشفعة، فإن قدم واحد ممن غاب قيل له: خذ الجميع أو اترك الجميع، ولو أخذ الحاضر الجميع، فمن قدم دخل معه في الشفعة إن أراد ذلك على قدر حصتهما، كما لو لم يكن شريك غيرهما، اهـ. وقال الموفق(٢): فإن كان الشفعاء غائبين لم تسقط الشفعةُ، فإذا قدم أحدهم فليس له إلا أن يأخذ الكل أو يترك الكل، لأنا لا نعلم اليوم مطالباً سواه، ولأن في أخذه البعض تبعيضاً لصفقة المشتري فلم يجز ذلك، كما لو لم يكن معه غيره، ولا يمكن تأخير حقه إلى أن يقدم شركاؤه، لأن في التأخير إضراراً بالمشتري، فإذا أخذ الجميع، ثم حضر آخر قاسمه إن شاء أو عفا، فيبقى للأول، لأن المطالبة لهما، فإن قاسمه ثم حضر الثالث قاسمهما، اهـ. وفي ((الهداية)): لو أسقط بعضهم حقه فهي للباقين في الكل على عددهم، ولو كان البعض غيباً يقضى بها بين الحضور على عددهم، لأن الغائب لعله لا يطلبه، وإن قضي لحاضر بالجميع، ثم حضر آخر يقضى له بالنصف، ولو حضر ثالث فبثلث ما في يد كل واحد تحقيقاً للتسوية، اهـ. وهذا مبنيٌّ على مسلك الحنفية أن الشفعة بين الشركاء على قدر رؤوسهم، لا على سهامهم في المبيع. (١) ((المنتقى)) (٢١٢/٦). (٢) («المغني)) (٥٠١/٧). ٥١٧ ٣٧ - كتاب الشفعة (٢) باب (١٤٢٥) حديث (٢) باب ما لا تقع في الشفعة ٤/١٤٢٥ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْم؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ: إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الْأَرْضِ فَلَا شُفْعَةً فِيهَا. وَلَا شُفْعَةَ فِي بِثْرٍ (٢) ما لا يقع فيه الشفعة أي بيان الأشياء التي لا تجب فيها الشفعة، وقد تقدم إجمال الكلام عليها في أول الباب الماضي في شرائط الشفعة، فإن ما لا تجب فيها شرطها لا تجب فيها الشفعة. ٤/١٤٢٥ - (مالك عن محمد بن عمارة) بضم العين ابن عمرو بن حزم الأنصاري (عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية ((أبي بكر بن حزم))، فهو منسوب إلى جد أبيه، زاد البيهقي بعد ذلك واسطة أبان بن عثمان كما سيأتي قريباً (أن عثمان بن عفان) ذا النورين (قال: إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شفعة فيها) وقد تقدم في الباب السابق مرفوعاً إلى النبي وَلّر (ولا شفعة في بئر) قال صاحب ((المحلى)): لكونه غير متحمل القسمة، وبه أخذ الشافعي ومالك أنه لا شفعة فيما لا يقسم، اهـ. قال الباجي(١): يريد - والله أعلم - بئر لا أرض لها مشاعة، ولا يُقسم ماؤها، وإنما هي من آبار الشفة أو آبار سقي الأرض، إلا أن الأرض قد بيعت دونها أو قسمت، وفي ((المدونة)) عن مالك فيمن قاسم شريكه الأرض والنخل، ثم باعه نصيبه من العين، فلا شفعة فيه، ولو لم يقاسمه النخل والأرض حتى باع نصيبه من العين لكان له الشفعة فيها، ومعنى ذلك - والله أعلم - أن البئر والعين لم يكن فيهما بنفسهما، فإذا كانت تبعاً لما فيه الشفعة حتى تكون منفعتها مصروفة إليها، وتكون صفة من صفاتها ثبتت فيها الشفعة، وإذا لم تكن تبعاً لها فلا شفعة فيها، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٢١٦/٦). ٥١٨ ٣٧ - كتاب الشفعة (٢) باب (١٤٢٥) حديث وقد تقدم في الشرط الثالث من الشروط المتقدمة في الباب السابق اختلافهم فيما لا يمكن قسمته من العقار، وتقدم شيء من البسط في مرسل ابن المسيب أن رسول الله وَل﴿ قضى بها فيما لم يُقْسَمْ. قال الموفق (١): أما ما لا يمكن قسمته من العقار كالحمام الصغير، والرَّحى الصغيرة، والعِضَادة، والطريق الضيقة، والعراص الضيقة، فعن أحمد فيها روايتان، إحداهما: لا شفعة فيه، وبه قال الشافعي، والثانية: فيها الشفعة. وهو قول أبي حنيفة. وعن مالك كالروايتين. وجعل الرواية الأولى ظاهر المذهب، واستدل له لأثر عثمان - رضي الله عنه - هذا، ثم قال: فأما ما أمكن قسمته مما ذكرنا كالحمام الكبير الواسع البيوت بحيث إذا لم يستضر بالقسمة، وأمكن الانتفاع به حماماً، فإن الشفعة تجب فيه، وكذلك البئر، والدور، والعضائد، متى أمكن أن يحصل من ذلك شيئان، كالبئر ينقسم بئرين يرتقي الماء منهما، وجبت الشفعة، وكذلك إن كان مع البئر بياض أرض بحيث يحصل البئر في أحد النصيبين، وجبت الشفعة أيضاً، لأنه تمكن القسمة، اهـ. وعُلِمَ منه أن في البئر الشفعة عند الحنفية إذ لا يشترط عندهم إمكان القسمة، وهي إحدى الروايتين عن مالك وأحمد، وفي ((الدر المختار))(٢): شرط الشفعة أن يكون المحل عقاراً، قال ابن عابدين: والمراد بالعقار هاهنا غير المنقول، فدخل الكرم والرحا والبئر، وخرج البناء والأشجار، فلا شفعة فيها إلا بتبعية العقار، اهـ. وقال السرخسي: وكذلك القناة والعين والبئر، فهي العقارات يستحق فيها الشفعة بالجوار، وصاحب النصيب في النهر أولى بالشفعة ممن يجري النهر في (١) («المغني)) (٤٤١/٧). (٢) (٣٦٢/٩). ٥١٩ ٣٧ - كتاب الشفعة (٢) باب (١٤٢٥) حديث وَلَا فِي فَحْلِ النَّخْلِ . أرضه؛ لأنه جار باتصال أرضه بالنهر، والشريك في المبيع مقدم على الجار، اهـ. وفي ((المجمع)): لا شفعة في بئر، ولا فحل، أي البئر تكون لجماعة يسقون منها نخيلهم، فإذا باع أحدهم سهمه من النخيل، فلا شفعة للشركاء في سهمه من البئر؛ لأنها لا تنقسم، اهـ. وقال ابن رشد (١): لا شفعة عند مالك في الطريق ولا في عرصة الدار. ولم يجز أبو حنيفة الشفعة في البئر والفحل، وأجازها في العرصة والطريق، ووافق الشافعي مالكاً في العرصة والطريق والبئر، واستدل أبو حنيفة على منع الشفعة في البئر، بما روي ((لا شفعة في بئر))، ومالك حمل هذا الأثر على آبار الصحاري التي تعمل في الأرض الموات، لا التي تكون في أرض متملكة، اهـ. كذا قال. وما حُكي عن الحنفية يخالف ما تقدم عن السرخسي، فتأمل. (ولا في فحل النخل) هكذا في جميع النسخ المصرية(٢) والهندية، وكذا في البيهقي (٣) برواية ابن بكير عن مالك، وأخرج بعد ذلك برواية عبد الله بن إدريس عن محمد بن عمارة عن أبي بكر بن حزم أو عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم الشك من أبي عبيد عن أبان بن عثمان عن عثمان - رضي الله عنه - قال: لا شفعة في بئر ولا فحل، والأُرَفُ(٤) يقطع كل شفعة، قال ابن إدريس: الأرف المعالم، وقال الأصمعي: هي المعالم، والحدود، قال ابن إدريس: وأظن الفحل فحل النخل، اهـ. (١) ((بداية المجتهد)) (٢٥٨/٢). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٩٤/٢١). (٣) ((السنن الكبرى)) (١٠٥/٦). (٤) الأُرَفُ: واحدها الأُرْفَةُ: الحدُّ. ٥٢٠