النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٤ - كتاب القراض (١٣) باب (١٤١١) حدیث ثُمَّ سَأَلَهُ الَّذِي تَسَلَّفَ الْمَالَ أَنْ يُقِرَّهُ عِنْدَهُ قِرَاضاً. قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ ذُلِكَ حَتَّى يَقْبِضَ مَالَهُ مِنْهُ. ثُمَّ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ قِرَاضاً إِنْ شَاءَ، أَوْ يُمْسِكَهُ. قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً. فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ. وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَهُ عَلَيْهِ سَلَّفاً. قَالَ: لَا أُحِبُّ ذُلِكَ. حَتَّى يَقْبِضَ مِنْهُ مَالَهُ. ثُمَّ يُسَلِّفَهُ إِيَّاهُ إِنْ شَاءَ، أَوْ يُمْسِكَهُ. وإِنَّمَا ذُلِكَ، مَخَافَةً أَنْ يَكُونَ قَدْ نَقَصَ فِيهِ. أي أعطاه بطريق القرض (ثم سأله) أي زيداً (الذي تسلّف المال) وهو عمرو، هكذا في النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية بدله ((الذي يسلف المال))، وعلى هذا يكون الطلب من زيد، والمؤدى واحد (أن يُقِرَّه) بضم أوله (عنده قراضاً) أي سأل عمرو زيداً أن يجعل المال الذي عند عمرو على طريق القرض قراضاً. (قال مالك: لا أحب ذلك) العقد (حتى يقبض) زيد (ماله منه) أي من عمرو (ثم يدفعه) أي المال (إليه) أي إلى عمرو (قراضاً) إن شاء (أو يمسكه) عنده، وقد تقدم في أول ((باب ما لا يجوز من القراض)) أن المسألة إجماعية، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظه عنه من أهل العلم أنه لا يجوز أن يجعل الرجل ديناً له على رجل مضاربة. (قال مالك في رجل) أي رب المال زيد مثلاً (دفع إلى رجل) عامل عمرو مثلاً (مالاً قراضاً، فأخبره) أي أخبر عمرو زيداً (أنه قد اجتمع عنده) يعني نض المال عيناً، وبيعت سلعة القراض كلها (وسأله) أي عمرو زيداً (أن يكتبه) المال (عليه) أي على عمرو (سلفاً، فقال) مالك: (لا أحب ذلك) أي أكرهه (حتى يقبض) زيد (منه ماله) أي رأس المال والربح (ثم يسلفه إياه) أي يعطيه قرضاً بعد ذلك (إن شاء أو يمسكه) عنده إن لم يشأ التسليف. (وإنما ذلك) أي وجه كراهة ذلك (مخافة أن يكون) عمرو (قد نقص فيه) ٣٨١ ٣٤ - كتاب القراض (١٤) باب فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ. عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِيهِ مَا نَقَصَ مِنْهُ. فَذْلِكَ مَكْرُوهٌ. وَلَا يَجُوزُ وَلَا يَصْلُحُ. (١٤) باب المحاسبة في القراض أي في مال القراض (فهو يحب أن يؤخره عنه) أي يحب عمرو أن يؤخر زيد عنه الاستيفاء (على أن يزيده) عمرو (فيه ما نقص منه فذلك مكروه) و(لا يجوز ولا يصلح). قال الباجي(١): هو على ما قال: إنه إذا عمل العامل بالمال مدة، ثم أخبر رب المال بمبلغه وسأله أن يقره عنده، فإن ذلك لا يجوز حتى يقبضه منه قبضا ناجزاً، ثم إن شاء أن يردّه إليه قرضاً فعل، لما قدمه من تجويز أن يكون قد دخله نقص، فيؤخره عنه، ليضمن له النقص فيه، فيدخله السلف للزيادة، ويدخله أيضاً فسخ دين في دين؛ لأن للقراض بعض التعلق بذمته، لأنه لو ادّعى الخسارة فيه ولم يبين وجهها، فقد قال بعض أصحابنا: إنه يضمن. وإذا أسلفه إياه فقد تعلق بذمته على غير الوجه الذي كان متعلقاً به، فهو من باب فسخ الدين بالدين، وأما إن أحضر العامل المال، فسأل صاحبه أن يخليه عنده قراضاً، ففي ((كتاب ابن المواز)) عن مالك: لا يجوز ذلك، حتى يقبضه منه، ثم يسلفه إن شاء، ويجيء على قول ابن حبيب أن حضور المال بمنزلة قبضه، وذلك جائز، انتهى. (١٤) المحاسبة في القراض والمقصود على ما يظهر من الأقوال الواردة في الباب، هل يجوز للعامل أن يأخذ ربحه بالحساب في غيبة رب المال أم لا؟ قال الموفق (٢): لا يستحق (١) ((المنتقى)) (١٧٧/٥). (٢) انظر: («المغني)) (١٦٥/٧ و١٧١، ١٧٢). ٣٨٢ ٣٤ - كتاب القراض (١٤) باب المضارب أخذ شيء من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه، ومتى كان في المال خسرانٌ وربحٌ جُبِرَت الوضيعةُ من الربح، سواء كان الخسران والربح في مرة واحدة، أو الخسران في صفقة والربح في أخرى؛ لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح، ولا نعلم في هذا خلافاً، وأما ملك العامل نصيبه من الربح بمجرد الظهور قبل القسمة، فظاهر المذهب أنه يثبت، هذا الذي ذكره القاضي مذهباً، وبه قال أبو حنيفة، وحكى أبو الخطاب رواية أخرى أنه لا يملكه إلا بالقسمة، وهو مذهب مالك، وللشافعي قولان كالمذهبين. ثم قال: والربح إذا ظهر في المضاربة لم يجز للمضارب أخذ شيء منه بغير إذنٍ رب المال، لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافاً، وإنما لم يملك ذلك لأمور ثلاثة، أحدها: أن الربح وقايةٌ لرأس المال، فلا يأمن الخسران الذي يكون هذا الربح جابراً له، فيخرُجُ بذلك عن أن يكون ربحاً. الثاني: أن رَب المال شريكه، فلم يكن له مقاسمة نفسه، الثالث: أن ملكه عليه غير مستقر؛ لأنه بعرضٍ أن يخرُجَ عن يده بِجُبْرَانِ خسارةِ المال، وإن أذن رب المال في أخذ شيء جاز، لأن الحقَّ لهما لا يخرج عنهما. وإن طلب أحدهما قسمة الربح دون رأس المال وأبى الآخر قُدِّم قول الممتنع؛ لأنه إن كان رب المال فلأنه لا يأمن الخسران في رأس المال، فيجبره بالربح، وإن كان العامل، فإنه لا يأمن أن يلزمه ردّ ما أخذ في وقت لا يقدر عليه، وإن تراضيا على ذلك جاز، لأن الحق لهما، وسواء اتفقا على قسمة جميعه أو بعضه أو على أن يأخذ كل واحد منهما شيئاً معلوماً ينفقه، ثم متى ظهر في المال خسران أو تَلِفَ كله لزم العامل رد أقل الأمرين مما أخذه أو نصف خسران المال، إذا اقتسما الربح نصفين، وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق. ٣٨٣ ٣٤ - كتاب القراض (١٤) باب (١٤١٢) حديث ١٥/١٤١٢ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً. فَعَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ. فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْح. وَصَاحِبُ الْمَالِ غَائِبٌ. قَالَ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً إِلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِ الْمَالِ. وَإِنْ أَخَذَ شَيْئاً فَهُوَ لَّهُ ضَامِنٌ. حَتَّى يُحْسَبَ مَعَ الْمَالِ إِذَا اقْتَسَمَاهُ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمُتَقَارِ ضَيْنِ أَنْ يَتَحَاسَبَا وَيَتَفَاصَلَا. وقال أبو حنيفة: لا تجوز القسمة حتى يستوفي رب المال ماله، قال ابن المنذر: إذا اقتسما الربح ولم يقبض رب المال رأس ماله، فأكثر أهل العلم يقولون: يرد العامل الربح، حتى يستوفي رب المال ماله، ولنا، على جواز القسمة أن المال لها، فجاز لهما أن يقتسما بعضه، انتهى. وقال ابن رشد(١): أجمع علماء الأمصار على أنه لا يجوز للعامل أن يأخذ نصيبه من الربح إلا بحضرة رب المال، وأن حضور رب المال شرط في قسمة المال، وأخذ العامل حصته، وأنه ليس يكفي في ذلك أن يقسمه بحضور بينة ولا غيرها، انتهى. ١٥/١٤١٢ - (قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً، فعمل فيه) العامل (فربح، فأراد) العامل (أن يأخذ حصته من الربح و) الحال أن (صاحب المال غائب، قال) مالك: (لا ينبغي) ولا يجوز (له أن يأخذ شيئاً) من الربح (إلا بحضرة صاحب المال وإن أخذ شيئاً فهو) العامل (له ضامن حتى يحسب) أي يجمع (مع المال إذا اقتسماه) قال الزرقاني(٢): لأنه لا يجوز اتفاقاً أن يكون أحدٌ مقاسماً لنفسه عن نفسه، ولا آخذاً لها ومعطياً لها، انتهى. وتقدم قريباً ما حكى غير واحد الاتفاق على أنه لا يجوز للعامل أخذه قبل القسمة. (قال مالك: لا يجوز للمتقارضين أن يتحاسبا ويتفاصلا) بالصاد المهملة (١) ((بداية المجتهد)) (٢٤١/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٩/٣). ٣٨٤ ٣٤ - كتاب القراض (١٤) باب (١٤١٢) حديث وَالْمَالُ غَائِبٌ عَنْهُمَا. حَتَّى يَحْضُرَ الْمَالُ. فَيَسْتَوْفِي صَاحِبُ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ. ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا. في أكثر النسخ المصرية، وفي بعضها والهندية بالمعجمة، والوجه الأول أي يحرزا حصتهما، حكى الباجي(١) عن ابن مزيّن لا ربح لواحد منهما، حتى يحضر المال حضورَ صحة، ويأخذه صاحبُه أخذ مفاصلةٍ وقطع لما بينهما، انتهى. (والمال غائب عنهما) يعني لم يكن موجوداً عندهما (حتى يحضر المال فيستوفي صاحب المال رأس ماله) عينا كان أو سلعة إن اتفقا على ذلك، حكاه ابن حبيب عن مالك يريد سلعة، يجوز سلم رأس المال فيها، زاد ابن المزين لا ربح لواحد منهما حتى يحضر المال حضورَ صحة، ويأخذه صاحبُه أخذَ مفاصلة وقطع لما بينهما. ثم إن بدا له أن يردّه إليه قراضاً، فهو الذي يفصل بين القراض الثاني، والأول، فإما أن يحضر، ويقبضه صاحبه قبضاً على غير صحة ومفاصلة بانقطاع، ثم يردّه إليه في المجلس قراضاً، فهذا بمنزلة ما لم يحضر، ولم يقبض، وهو قراض واحدٌ، يجبر الآخر بالأول إن جاءت فيه وضيعة، كذا في ((المنتقى))(٢). (ثم يقتسمان الربح على قدر) أي مقدار (شرطهما) الذي شرطاه في القراض، قال الباجي: وهذا كما قال: إنه ليس للعامل أن يأخذ حصته من الربح إلا بحضرة رب المال وحضرة المال؛ لأن أخذه حصته منه مقاسمة فيه، ولا يجوز أن يتقاسما ربح القراض إلا بعد أن يحصل رأس المال، ولو حضر المال وصاحبه، فأمره أن يأخذ منه حصته من الربح، ويبقى الباقي عنده على وجه القراض، أو تقاسما الربح، ويبقى رأس المال عنده على وجه القراض، ولم يقبضه منه، فقد قال ابن القاسم: لا يصلح ذلك حتى يقبضه منه، ووجه (١) ((المنتقى)) (١٧٧/٥). (٢) (١٧٧/٥). ٣٨٥ ٣٤ - كتاب القراض (١٤) باب (١٤١٢) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ أَخَذَ مَالاَ قِرَاضاً. فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً. وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ. فَطَلَبَهُ غُرَمَاؤُهُ فَأَدْرَكُوهُ بِبَلَدٍ غَائِبٍ عَنْ صَاحِبٍ الْمَالِ. وَفِي يَدَيْهِ عَرْضٌ مُرَبَّحٌ بَيِّنٌ فَضْلُهُ. فَأَرَادُوا أَنْ يُبَاعَ لَهُمُ الْعَرْضُ فَيَأْخِذُوا حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ. قَالَ: لَا يُؤْخَذُ مِنْ رِبْحِ الْقِرَاضِ شَيْءٌ. حَتَّى يَحْضُرَ صَاحِبُ الْمَاَلِ فَيَأْخُذَ مَالَهُ. ثُمَّ يَقْتَسِمَّانِ الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا . ذلك أن بقاء المال بيد العامل لا يكون إلا على الوجه الذي قبضه عليه، ولا يخرجه عن ذلك إلا قبضه منه، انتهى. (قال مالك في رجل أخذ مالاً) هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية غير الزرقاني، ففيها ((في رجل دفع إلى رجل مالاً)) (قراضاً، فاشترى به) العامل (سلعة) للتجارة (وقد كان عليه) أي على العامل (دينٌ) للناس (فطلبه غرماؤه، فأدركوه) أي العامل (ببلد غائب عن صاحب المال) وصف البلد بغائب في النسخ المصرية تجوزاً أي أدركوه في بلد لم يكن فيه صاحب المال (وفي يديه) أي العامل (عرض مُرَبَّحْ) أي ذات ربح (بَيِّنٌ) أي ظاهر (فضله) أي زيادته يعني ربحه ظاهر لكثرته. (فأرادوا) أي الغرماء (أن يباع لهم العرض) أي لأداء ديونهم (فيأخذوا حصته) أي حصة العامل (من الربح، فقال) مالك: (لا يؤخذ من ربح القراض شيء حتى يحضر صاحب المال) فيحاسب في حضرته (فيأخذ) صاحب المال أولاً رأس (ماله ثم) بعد ذلك (يقتسمان الربح) بينهما (على شرطهما) الذي شرطاه في الربح من النصف وغيره. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إنه ليس لغرماء العامل بيع المال أو أخذ حصته من الربح المتيقن فيه حتى يحضر صاحب المال؛ لأن العامل لا يستقر له ملك على حصته من الربح، حتى يقبض صاحب المال رأس ماله، ويقاسمه في الربح. (١) ((المنتقى)) (١٧٨/٥). ٣٨٦ ٣٤ - كتاب القراض (١٤) باب (١٤١٢) حديث '۔ قالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً. فَتَجَرَ فِيهِ فَرَبِحَ. ثُمَّ عَزَلَ رَأْسَ الْمَالِ. وَقَسَمَ الرِّبْحَ. فَأَخَذَ حِصَّتَهُ وَطَرَحَ حِصَّةَ صَاحِبِ الْمَالِ فِي الْمَالِ. بِحَضْرَةِ شُهَدَاءَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى ذُلِكَ. قَالَ: لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الرِّبْحِ إِلَّا بِحَضْرَةٍ صَاحِبِ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَ أَخَذَ شَيْئاً رَدَّهُ حَتَى يَسْتَوْفِيَ صَاحِبُ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ. ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا . فإن قام غرماء رب المال على العامل، وهو غائب والمال عين، قضى للغرماء وبينهم من رأس المال وحصته من الربح، ودفع إلى العامل حصته من الربح، قاله ابن المواز عن مالك، وهذا مبني على أن العامل لا يملك حصته من الربح، إلا بعد القسمة، فلذلك لا يباع المال لغرمائه، ويباع لغرماء رب المال؛ لأن المال کله علی ملكه، انتهى. وتقدم في أول الباب أنه لا يجوز إجماعاً أخذ العامل حصته من الربح قبل القسمة بحضرة رب المال، ولا خلاف بينهم في ذلك على الخلاف في أن العامل يملك الربح بالظهور أو بالقسمة. (قال مالك، في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً فَتَجَرَ فيه) العامل (فربح ثم عزل) العامل (رأس المال) أولاً (وقسم الربح) في غيبة من صاحب المال (فأخذ حصته وطرح) أي ألقى (حصة صاحب المال في) رأس (المال بحضرة شهداء) في النسخ الهندية وأكثر المصرية، وفي بعضها ((بحضرة شهود)) (أشهدهم) أي أشهد العامل الشهود (على ذلك) الذي فعل. (قال) مالك: (لا يجوز قسمة الربح إلا بحضرة صاحب المال) مطلقاً (وإن كان) العامل (أخذ شيئاً ردّه) وجمعه مع رأس المال (حتى يستوفي صاحبُ المال) أولاً (رأس ماله، ثم) بعد ذلك (يقتسمان ما بقي بينهما من الربح) بيانٌ لما بقي (على شرطهما) في الربح، قال الباجي(١): وهذا كما قال: ولا ينفعه (١) ((المنتقى)) (١٧٨/٥). ٣٨٧ ٣٤ - كتاب القراض (١٤) باب (١٤١٢) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ مَالاَ قِرَاضاً. فَعَمِلَ فِيهِ فَجَاءَهُ. فَقَالَ لَّهُ: هَذِهِ حِصَّتُكَ مِنَ الرِّبْحِ. وَقَدْ أَخَذْتُ لِنَفْسِي مِثْلَهُ. وَرَأْسُ مَالِكَ وَافِرٌ عِنْدِي. قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ ذُلِكَ. حَتَّى يَحْضُرَ الْمَالُ كُلُّهُ. فَيُحَاسِبَهُ حَتَّى يَحْصُلَ رَأْسُ الْمَالِ. وَيَعْلَمَ أَنَّهُ وَافِرٌ. وَيَصِلَ إِلَيْهِ. ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ يَرُدُّ إِلَيْهِ الْمَالَ إِنْ شَاءَ، أَوْ يَحْبِسُهُ. الإشهاد على ذلك؛ لأنه أشهد على فعل ما لا يجوز له فعله، فيجب عليه رد ما أخذ، انتهى. وتقدم أن المسألة إجماعية. (قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً فعمل فيه) العامل (فجاءه) أي جاء العامل رب المال (فقال له: هذه حصتك من الربح)، جئت به عندك (وقد أخذت لنفسي مثله ورأس مالك وافر) تامّ أي موجود بتمامه (عندي)، أي موجود كله لم ينقص منه شيء (قال) مالك: (لا أُحِبُّ ذلك) أيضاً (حتى يحضر المالُ كلُّه) عند رب المال (فَيُحَاسِبُه) رب المال (حتى يحصل رأس المال، ويعلم) ربه (أنه) أي رأس المال (وافرٌ) أي كامل كله (ويصل إليه) أي يقبضه رب المال (ثم يقتسمان الربح بينهما، ثم) بعد ذلك (یَرُدُّ إلیه) أي يرد رب المال إلى العامل (المالَ) للقراض الثاني (إن شاءَ أو يحبسه) عنده، ولا يعطيه مرة أخرى، وذلك لأن قسمة الربح قبل قبض رب المال رأس المال على شرف الزوال، إن هلك المال بعد ذلك يبطل القسمة. قال السرخسي(١): إذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربةً بالنصف، فربح ألفا، فاقتسما الربح، وبقي رأس مال المضاربة في يد المضارب على حاله، حتى هلك أو عمل بها، فوضع فيها أو توي بعد ما عمل، فإن قسمتها باطلة، وما هلك فهو من الربح؛ لأن الربح لا يتبين قبل وصول رأس المال إلى رب (١) ((المبسوط)) (١٠٥/٢٢). ٣٨٨ ١ ٣٤ - كتاب القراض (١٥) باب (١٤١٣) حديث وَإِنَّمَا يَجِبُ حُضُورُ الْمَالِ. مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ قَدْ نَقَصَ فِيهِ. فَهُوَ يُحِبُّ أَنْ لَا يُنْزَعَ مِنْهُ. وَأَنْ يُقِرَّهُ فِي يَدِهِ. (١٥) باب ما جاء في القراض ١٦/١٤١٣ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً. فَابْتَاعَ المال، قال عليه الصلاة والسلام: ((مثل المؤمن كمثل التاجر لا يسلم له ربحه حتى يسلم له رأس مال، فكذلك المؤمن لا تسلم له نوافله حتى تسلم له عزائمه)) أو قال: ((فرائضه))، انتهى. (وإنما يجب) بالواو في النسخ المصرية(١) أوجه من فاء ((فإنما)) التي في النسخ الهندية (حضور المال) كله عند المحاسبة (مخافة أن يكون العامل قد نقص فيه) وفي نسخة ((نقص منه)) (فهو يُحِبُّ أن لا ينزع منه) رب المال رأس المال، وأعرب في النسخ المصرية على ((أن لا ينزع)) ببناء المجهول، وفي النسخ الهندية ((أن لا ينتزع)) من الافتعال (وأن يقره في يده) أي يبقيه عنده لئلا يشاع عنه أنه نقص مال القراض، فينفر من معاملته. قال الباجي: وهذا على ما قال: إنه لا يجوز أن يقاسم الربح إلا بعد ردٌّ رأس المال وقبض صاحبه له؛ لأنّا قد بينًا أن العامل لا يملك حصته من الربح إلا بعد القسمة، لأن مقتضى القراض أن يجبر رأس المال بالربح، ولو عقدا على خلاف ذلك لم يصح، انتهى. (١٥) جامع ما جاء في القراض أي الأحكام المتفرقة في هذا الباب ١٦/١٤١٣ - (قال مالك، في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً فابتاع) (١) كذا في نسخة ((الاستذكار)) (١٨٤/٢١). ٣٨٩ ٣٤ - كتاب القراض (١٥) باب (١٤١٣) حدیث بِهِ سِلْعَةً. فَقَالَ لَّهُ صَاحِبُ الْمَالِ: بِعْها. وَقَالَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ: لَا أَرَى وَجْهَ بَيْعٍ. فَاخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ. قَالَ: لَا يُنْظَرُ إِلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَيُسْتَلِّ عَنْ ذُلِكَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالْبَصَرِ بِثْلِكَ السِّلْعَةِ. فَإِنْ رَأَوْا وَجْهَ بَيْعٍ، بِيعَتْ عَلَيْهِمَا. وَإِنْ رَأَوْا وَجْهَ انْتِظَارٍ، انْتُظِرَ بِهَا. العامل (به سلعة فقال له صاحب المال: بعها) أي السلعة في الحال (وقال الذي أخذ المال) أي العامل (لا أرى وجه بيع) إذ ذاك للكساد في السلعة أو انتظاراً للغلاء (فاختلفا في ذلك) أحدُهما يطلب البيع والآخر يمنعه. (قال) مالك: (لا ينظر) ببناء المجهول (إلى قول واحد منهما) أي من المتعاقدين (ويسأل) ببناء المجهول (عن ذلك) الأمر (أهل المعرفة) بالبيع (والبصر) بفتحتين أي أهل الخبرة (بتلك السلعة فإن رأوا وجه بيع) أي رأوا البيع إذا ذاك موجهاً ومصلحة (بيعت) السلعة (عليهما وإن رأوا وجه انتظار انتظر بها) . قال الباجي(١): وهذا كما قال: إنه ليس لرب المال أن يبيع على العامل سلعة متى شاء؛ لأن ذلك إبطال لعمله وإتلاف لما يبقى له من حصته من الربح والقراض قد لزمهما على وجه ما دخلا فيه بالشراء والعمل، فليس لواحد منهما الانفكاك إلا على الوجه المعهود من التجارة وطلب التنمية، انتهى. وقال الزرقاني(٢): وذلك لأن القراض قد لزم بالشراء والعمل، فليس لهما الانفكاك إلا على الوجه المعهود، وقال الكوفيون والشافعي: تباع السلعة في الوقت؛ لأن لكل واحد منهما عنده نقض القراض عند العمل وبعده؛ لأنه عقد غير لازم، انتهى. هكذا أفصح العلامة الشارح - رحمه الله - مراد ((الموطأ)) ولا شك أنه أعرف بمراد ((الموطأ))، فإنه صاحب المذهب. (١) ((المنتقى)) (١٧٩/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٦١/٣). ٣٩٠ ٣٤ - كتاب القراض (١٥) باب (١٤١٣) حديث وما سنح لهذا الحقير المعترف بقصور باعه في العلوم أن مسألة ((الموطأ)) غير المسألة التي ذكرها الشارح، فإن مسألة فسخ القراض من أحد المتعاقدين تقدم في ((باب ما لا يجوز من الشروط))، وتقدم هناك اختلاف العلماء في ذلك، والمذكور ههنا اختلاف المتعاقدين مع بقاء القراض على حاله، وعلى هذا فمؤدى ((الموطأ)) اعتبار الأصلح بقول أهل الخبرة، وقد اعتبرته الحنابلة في مسألة أخرى ذكرها صاحب ((المغني)) (١): وللعامل أن يشتري المعيب إذا رأى المصلحة فيه؛ لأن المقصود الربح، وقد يكون الربح في المعيب، فإن اشتراه يظنه سليماً، فله ما يرى المصلحة فيه من ردِّه بالعيب أو إمساكه وأخذ أرش العيب، فإن اختلف العامل ورب المال في الرد، فطالبه أحدهما، وأباه الآخر فعل ما فيه النظر والحظ؛ لأن المقصود تحصيل الحظ، فيحتمل الأمر على ما فيه الحظ، انتهى. ومذهب الحنفية في ذلك يعني في اختلاف المتعاقدين في البيع ما في ((الدر المختار)) (٢): لو شرى بمالها متاعاً، فقال: أنا أمسكه حتى أجد رِبحاً كثيراً، وأراد المالك بيعه، فإن كان في المال ربح أجبر على بيعه لعمله بأجر، إلا أن يقول للمالك: أعطيك رأس المال، وحصتك من الربح، فيجبر المالك على قبول ذلك، انتهى. وبسط ابن عابدين في فروع ذلك. وأما مسألة الانفكاك التي ذكرها العلامة الزرقاني، فتوضيح مسلك المالكية في ذلك ما في ((الدردير))(٣)، إذ قال: ولكل من المتقارضين فسخه أي (١) ((المغني)) (١٥١/٧). (٢) (٥٢٤/٨). (٣) ((الشرح الكبير)) (٥٣٥/٣). ٣٩١ ٣٤ - كتاب القراض (١٥) باب (١٤١٣) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ أَخَذَ مِنْ رَجُلِ مَالاً قِرَاضاً. فَعَمِلَ فِيهِ، ثُمَّ سَأَلَهُ صَاحِبُ الْمَالِ عَنْ مَالِهِ. فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي وَافِرٌ. فَلَمَّا آخَذَهُ بِهِ، قَالَ: قَدْ هَلَكَ عِنْدِي مِنْهُ كَذَا وَكَذَا. لِمَالٍ يُسَمِّيهِ. وَإِنَّمَا قُلْتُ لَكَ ذُلِكَ لِكَيْ تَتْرُكَهُ عِنْدِي، قَالَ: لَا يَنْتَفِعُ بِإِنْكَارِهِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ أَنَّهُ عِنْدَهُ. وَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ . تركه قبل عمله وإلا فلنضوضه(١)، وليس لأحدهما قبل النضوض كلام، فإن تراضيا على الفسخ جاز، وإن استنضه أي كلٌّ منهما على البدلية أي طلب رب المال دون العامل أو عكسه، فالحاكم ينظر في الأصلح من تعجيل أو تأخير، فإن اتفقا على النضوض جاز، فإن لم يكن حاكم شرعي فجماعة المسلمين، ویکفي منهم اثنان، انتهى. (قال مالك في رجل أخذ من رجل مالاً قراضاً فعمل فيه) وتجر (ثم سأله) أي العامل (صاحب المال عن ماله، فقال) العامل: (هو عندي وافر) أي كامل (فلما أخذه به) أي فلما أراد رب المال أن يأخذ ماله، وأخذ العامل بإقراره الكمال (قال) العامل: (قد هلك عندي منه كذا وكذا. لمال) بلام جارة على مال مُنَكَّرٍ في النسخ المصرية، وبتعريف المال في النسخ الهندية (يسميه) أي عدد الأموال الهالكة وعينها، واعتذر عن إقراره الأول بقوله: (وإنما قلت ذلك) أي إنه وافر عندي (لكي تتركه) أي مال القراض (عندي) ولا تعجل بوصوله. (قال) مالك: (لا ينتفع) العامل (بإنكاره بعد إقراره) أولاً بقوله: (أنه عنده) وافر (ويؤخذ) ببناء المجهول، أي العامل بصيغة التذكير في النسخ المصرية، ولا وجه لما في النسخ الهندية من لفظ تؤخذ بصيغة التأنيث، اللَّهم إلا أن يقال: إن الضمير إلى الأموال المشارة بقوله: كذا وكذا المال يسميه (بإقراره) الأول (على نفسه) (١) فلنضوضه: أي فيبقى المال تحت يد العامل لنضوضه أي خلوصه ببيع السلع. ٣٩٢ ٣٤ - كتاب القراض (١٥) باب (١٤١٣) حديث إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي هَلَاكِ ذُلِكَ الْمَالِ بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ قَوْلُهُ. فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَمْرٍ مَعْرُوفٍ. أَخِذَ بِإِقْرَارِهِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ إِنْكَارُهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذْلِكَ أَيْضاً لَوْ قَالَ: رَبِحْتُ فِي الْمَالِ كَذَا وَكَذَا. فَسَأَلَهُ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ وَرِبْحَهُ. فَقَالَ: مَا رَبِحْتُ فِيهِ شَيْئاً. وَمَا قُلْتُ ذُلِكَ إِلَّا لِأَنْ تُقِرَّهُ فِي يَدِي: فَذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ. وَيُؤْخَذُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ. إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ قَوْلُهُ وَصِدْقُهُ. فَلَا يَلْزَمُهُ ذُلِكَ. قال الزرقاني(١): ولا خلاف في هذا، وقد أجمعوا على أن الرجوع في حقوق الناس بعد الإقرار لا ينفع الراجع (إلا أن يأتي) العامل (على) صحة دعواه في (هلاك ذلك المال بأمر) أي دليل (يُعْرَفُ) ببناء المجهول (به قولُه) نائب فاعل أي يُعْرَفُ به صحةُ قوله، ويكون دليلاً عليه (فإن لم يأت بأمر معروف) يكون حجة ودليلاً (أُخِذ) ببناء المجهول أي العامل (بإقراره) الأول (ولم ينفعه إنكاره) الآخر. (قال مالك) هكذا في النسخ الهندية وأكثر المصرية، وليس في بعض المصرية لفظ ((قال مالك))، بل ذكر القول الآتي في ذيل ما سبق. (وكذلك أيضاً) أي مثل الحكم السابق (لو قال) العامل: (ربحت في المال كذا وكذا) مقداراً عينه (فسأله رب المال أن يدفع إليه ماله وربحه، فقال) العامل: (ما ربحت فيه شيئاً، وما قلت ذلك) الذي قلته أولاً من إقرار الربح (إلا لأن تُقِرّه) بضم أوله أي كي تتركه (في يدي) على القراض (فذلك) الإنكار أيضاً (لا ينفعه و) إنما (يؤخذ بإقراره الأول) في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية ((بما أقَرَّ به)) أي أولاً من كثرة الربح (إلا أن يأتي) العامل (بأمر يعرف به قوله وصدقه) عطف تفسير للقول، أي يعرف به صدق قوله، فإن أتی بحجة واضحة (فلا يلزمه ذلك) الإقرار الذي أقرّ به أولاً لثبوت إنكاره الآخر. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٦١/٣). ٣٩٣ ٣٤ - كتاب القراض (١٥) باب (١٤١٣) حديث قال الباجي(١): وهذا كما قال: إنه يؤخذ بإقراره أن المال باقٍ عنده أو أنه قد ربح فيه، فإن ادّعى بعد ذلك الخسارة أو ضياع المال أو أنه لم يربح شيئاً لم يقبل مجرد إنكاره، وأخذ بأول إقراره، فإن أتى بأمرٍ يُعْرَفُ به وجه ما ادّعاه، وقامت له بذلك بَيِّنَةٌ يريد (٢) ما ادعاه من الخسارة أو ضياع المال، انتھی . ٠ وفي ((الشرح الكبير)) وبنحوه قال الموفق(٣): إن قال: ربحت ألفاً، ثم قال: خسرتها، أو تلفت، قُبِلَ قوله؛ لأنه أمينٌ يُقْبَلُ قولُه في التلف، فَقُبِلَ قوله في الخسارة كالوكيل، وإن قال: غلطت أو نسيت لم يُقْبَلْ قولُه؛ لأنه مُقِرٍّ بحق الآدمي، فلم يقبل قوله في الرجوع. كما لو أقرّ بأن رأس المال ألف، ثم رجع، ولو أن العامل خسر فقال لرجل: أقرضني ما أتمم به رأس المال لأعرضه على ربه، فإنني أخشى أن ينزعه مني إن علم بالخسارة، فأقرضه فعرضه على رب المال، وقال: هذا رأس مالك، فأخذه فله ذلك، ولا يقبل رجوع العامل عن إقراره إن رجع، ولا تقبل شهادة المقرض له؛ لأنه يَجُرُّ إلى نفسه نفعاً، وليس له مطالبة رب المال؛ لأن العامل ملكه بالقرض، ثم سَلّمه إلى رب المال، ولكنه يرجع المقرض على العامل لا غير. وقال أيضاً: لا يقبل رجوع المقر عن إقراره إلا فيما كان حداً لله يدرأ بالشبهات، ويحتاط لإسقاطه، فأما حقوق الآدميين وحقوق الله التي لا تدرأ بالشبهات، كالزكاة وغيرها، فلا يقبل رجوعه منها، ولا نعلم في هذا خلافاً، انتھی . (١) ((المنتقى)) (١٧٩/٥). (٢) كذا في الأصل، والظاهر تحريف من الناسخ، ولعله يعتبر، اهـ. ((ش)). (٣) ((المغني)) (١٨٦/٧). ٣٩٤ ٣٤ - كتاب القراض (١٥) باب (١٤١٣) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ مَالاً قِرَاضاً. فَرَبِحَ فِيهِ رِبْحاً. فَقَالَ الْعَامِلُ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ لِي الثُّلُثَيْنِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَالِ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَنْ لَكَ الثُّلُثَ. قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ. وَعَلَيْهِ، فِي ذَلِكَ، الْيَمِينُ. إِذَا كَانَ مَا قَالَ يُشْبِهُ قِرَاضَ مِثْلِهِ. وَكَانَ ذُلِكَ نَحْواً مِمَّا يَتَقَارَضُ عَلَيْهِ النَّاسُ. وَإِنْ جَاءَ بِأَمْرٍ يُسْتَنْكَرُ، لَيْسَ عَلَى مَثْلِهِ يَتَقَارَضُ النَّاسُ، لَمْ يُصَدَّقْ. وَرُدَّ إِلَى قِرَاضٍ مِثْلِهِ. وفي ((البدائع))(١): لو جاء المضارب بألفين، فقال: ألف رأس المال، وألف ربح، ثم قال: ما أربح إلا خمسمائة، ثم هلك المال كله في يد المضارب، فالمضارب يضمن الخمسائة التي جحدها، ولا ضمان عليه في باقي المال؛ لأن الربح أمانة في يده، فإذا جحده صار غاصباً بالجحود، فيضمن إذا هلك، انتهى. (قال مالك في رجل دفع إلى رجل) أي أعطاه (مالاً قراضاً) فتَجَرَ فيه (فربح فيه ربحاً) ثم اختلفا (فقال العامل: قارضتك على أن لي الثلثين) ولك الثالث (وقال صاحب المال: قارضتك على أن لك الثلث) ولي الثلثان (قال مالك: القول) المرجح في ذلك (قول العامل و) يجب (عليه في ذلك) أي في صدق دعواه (اليمين إذا كان ما قال يشبه قراض مثله) وفسر قراض المثل بقوله (وكان ذلك نحواً مما يتقارض عليه الناس) يعني يكون دعواه موافقاً للمتعارف بين التجار في مثل هذا المال في تلك البلاد. (وإن جاء) العامل (بأمر يستنكر) ببناء المجهول، وفسر المستنكر بقوله: (وليس على مثله يتقارض الناس) يعني لم يتعارف القراض على مثل قوله في مثل هذا المال. مثلاً ادّعى ثمن الربح كما يأتي في كلام الدردير (لم يُصَدَّقْ) ببناء المجهول أي العامل (وَرُدّ) ببناء المجهول أي هذا القراض (إلى قراض مثله). (١) ((بدائع الصنائع)) (١٥٧/٥). ٣٩٥ ٣٤ - كتاب القراض (١٥) باب (١٤١٣) حديث قال الباجي(١): وهذا كما قال: إنه إن ادّعى كل واحد منهما أنه شرط لنفسه الثلثين، فإن ذلك على أربعة أوجه، أحدها: أن يكون ما يدّعيه العامل قراضٌ مثله دون صاحب المال، والثاني: أن يدّعي كل واحد منهما ما يشبه، والثالث: أن يدعي العامل ما لا يُشْبِهُ قراضَ مثله، ويكون دعوى صاحب المال يشبه، والرابع: أن يدّعي كل واحد منهما ما لا يشبه، فإن ادّعى العامل ما يشبه وادّعى صاحب المال ما لا يشبه أو ادّعيا جميعاً ما يشبه، فالقول قول العامل مع يمينه؛ لأن المال في يده، فكان أولى بما يدّعيه من ربحه. وإن ادّعى صاحب المال ما يشبه دون العامل، فالقول قول صاحب المال؛ لأن الظاهر شهد له، وإن ادّعى كل واحد منهما ما لا يشبه ردّ إلى قراض المثل بعد أيمانهما، وهذا معنى قول مالك، فإن جاء بأمر يستنكر لم يصدق، وردّ إلى قراض المثل، انتهى. قال الدردير(٢): ادّعيا أي كلٌّ من رب المال والعامل ما لا يشبهُ كأن يقول العامل: الثلثين، ورب المال: الثمن، فاللازم قراضُ المثل، وإن أشبه أحدُهما فالقول له، وإن أشبها معاً فالقول للعامل لترجيح جانبه بالعمل، وهذا إذا كان الاختلاف بعد العمل، فإن كان قبل العمل، فالقول لرب المال أشبه أم لا ، انتهى. قلت: وذلك لأن قبل العمل له حق الفسخ فلا فائدة لقول العامل، فإن رب المال یفسخه. وقال الموفق(٣): إن قال: شرطتَ لي نصف الربح، فقال: بل ثُلُثَه، فعن (١) ((المنتقى)) (١٧٩/٥). (٢) ((الشرح الكبير)) (٥٢٠/٣). (٣) («المغني)) (١٨٥/٧). ٣٩٦ ٣٤ - كتاب القراض (١٥) باب (١٤١٣) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ أَعْطَى رَجُلاً مِائَةَ دِينَارٍ قِرَاضاً. فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً. ثُم ذَهَبَ لِيَدْفَعَ إِلَى رَبِّ السِّلْعَةِ الْمِائَةَ دِينَارٍ. فَوَجَدَهَا قَدْ سُرِقَتْ. فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: بِع السِّلْعَةَ. فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ كَانَ لِي. وَإِنْ كَانَ فِيهَا نُقْصَانٌ كَانَ عَلَيْكَ. لِأَنَّكَ أَنْتَ ضَيَّعْتَ. أحمد فيه روايتان، إحداهما: القول قول رب المال، نصّ عليه في رواية ابن المنصور وغيره، وبه قال الثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المبارك وابن المنذر؛ لأن رب المال يُنْكِر السدس الزائد، والقول قول المنكر. والثانية: أن العامل إذا ادّعى أجر المثل وزيادة يتغابنُ الناسُ بمثلها، فالقول قوله، وإن ادّعى أكثر، فالقول قوله(١) فيما وافق أجر المثل، وقال الشافعي: يتحالفان، لأنهما اختلفا في عوض عقد، فيتحالفان كالمتبايعين، ولنا، قول النبي وَالر: ((اليمين على المدعى عليه))، انتهى. قال السرخسي (٢): إذا قال المضارب بعد حصول الربح: شرطتَ لي نصف الربح، وقال رب المال: شرطتُ لك الثلث، فالقول قول رب المال مع يمينه؛ لأن المضارب يدّعي الزيادة فيما شرط له، ورب المال منكر، فالقول قوله مع يمينه، وإن أقاما البينة، فالبينة بينة المضارب لإثباته الزيادة في حقه، انتھی. (قال مالك في رجل أعطى رجلاً مائة دينار قراضاً، فاشترى بها) العامل (سلعةً، ثم ذهب ليدفع إلى رب السلعة) المشتراة (المائة دينار) ثمن سلعتها (فوجدها قد سرقت) ببناء المجهول (فقال رب المال: بع السلعة) هذه على الفور (فإن كان فيها فضل) أي ربح (كان لي) لأنها اشتريت على القراض (وإن كان فيها نقصان كان عليك، لأنك أنت ضَيَّعْتَ) المال مائة دينار بقلة الحفظ. (١) كذا في ((المغني))، وفي ((الشرح الكبير)): فالقول قول رب المال فيما زاد على أجر المثل، اهـ. ((ش)). (٢) ((المبسوط)) (٨٩/٢٢). ٣٩٧ . ٣٤ - كتاب القراض (١٥) باب (١٤١٣) حديث وَقَالَ الْمُقَارَضُ: بَلْ عَلَيْكَ وَفَاءُ حَقِّ هُذَا. إِنَّمَا اشْتَرَيْتُهَا بِمَالِكَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي. قَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُ الْعَامِلَ الْمُشْتَرِيَ أَدَاءُ ثَمَنِهَا إِلَى الْبَائِعِ. وَيُقَالُ لِصَاحِبِ الْمَالِ الْقِرَاضِ: إِنْ شِئْتَ فَأَدِّ الْمِائَةَ الدِّينَارِ إِلَى الْمُقَارَضِ، وَالسِّلْعَةُ بَيْنَكُمَا. وَتَكُونُ قِرَاضاً عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْمِائَةُ الْأُولَى. وَإِنْ شِئْتَ فَابْرَأُ مِنَ السِّلْعَةِ. فَإِنْ دَفَعَ الْمِائَةَ دِينَارٍ إِلَى الْعَامِلِ كَانَتْ قِرَاضاً عَلَى سُنَّةِ الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ. وَإِنْ أَبَى، كَانَتِ السِّلْعَةُ لِلْعَامِلِ. وَكَانَ عَلَيْهِ ثَمَنُهَا . (وقال المقارض: بل عليك وفاء حق هذا) أي أداء ثمن هذه السلعة لأني (إنما اشتريتُها) للقراض (بمالك الذي أعطيتني) فكنت وكيلاً لك أميناً. (قال مالك) في الصورة المذكورة: (يلزم العامل المشتري) مفعول يلزم (أداء ثمنها) فاعله (إلى البائع) لأن العامل هو متولي الشراء (ويقال لصاحب المال) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك لفظ ((القراض)) فهو بدل عن المال (إن شئت فأدّ المائة الدينار) مرة أخرى (إلى المقارض و) تكون (السلعة) بعد ذلك مشتركةً (بينكما) ويكون رأس المال هذه المائة الثانية، كما سيأتي قريباً (ويكون) العقد (قراضاً على ما كانت عليه المائة الأولى) من الشروط (وإن شئت فابرأ من السلعة) هذه، والمائة دينار الأولى التي سرقت فقد ضاعت منك؛ لأنه لا ضمان على المضارب. (فإن دفع) رب المال (المائة الدينار) مرةً أخرى (إلى العامل كانت) هذه السلعة (قراضاً) بينهما (على سنة القراض الأول) من الشروط التي شرطت فيه من الربح وغيره (وإن أبى) أي امتنع رب المال عن أدائها (كانت) أي صارت (السلعة للعامل، وكان عليه) أي على العامل (ثمنها) وله ربحها، والمائة الأولى صارتٍ هباءً منثوراً. قال ابن رشد (١): اختلفوا إذا هلك مال القراض بعد أن اشترى العامل به (١) ((بداية المجتهد)) (٢٤١/٢). ٣٩٨ ٣٤ - كتاب القراض (١٥) باب (١٤١٣) حديث سلعةً، قبل أن ينقده البائع، فقال مالك: البيع لازم للعامل، ورب المال مُخَيَّرٌ إن شاء دفع قيمة السلعة مرةً ثانيةً، ثم تكون بينهما على ما شرطا من المقارضة، وإن شاء تَبَرَّأ عنها، وقال أبو حنيفة: بل يلزم ذلك الشراء رب المال شَبَّهَه بالوكيل إلا أنه قال: يكون رأس المال في ذلك القراض الثمنين، ولا يقتسمان الربح إلا بعد حصوله عينا، أعني ثمن تلك السلعة التي تَلِفَت أوّلاً، والثمن الثاني الذي لزمه بعد ذلك، انتهى. وأما عند المالكية فيكون رأس المال هذه المائة الثانية فقط، كما تقدم في ما لا يجوز من القراض، وتقدم فيه ما قال الدردير: إن تلف جميعه فأتاه رَبُّ ببدله، فربح الثاني، فلا يُجْبَرُ ربحه الأول، وهو ظاهر؛ لأنه قراض ثانٍ، انتھی . وقال الموفق(١): إن اشترى للمضاربة شيئاً، فتلف المال قبل نقده، فالشراء للمضاربة وعقدها باقٍ، ويلزم رب المال الثمن، ويصير رأس الثمن دون التالف؛ لأن الأول تلف قبل التصرف فيه، وهذا قول بعض الشافعية، ومنهم من قال: رأس المال هذا والتالف؛ وحُكِيَ ذلك عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، ولنا: أن التالف تلف قبل التصرف فيه، فلم يكن من رأس المال، كما لو تلف قبل الشراء، انتهى. وفي ((الهداية))(٢): إن كان معه ألف، فاشترى بها عبداً، فلم ينقدها، حتى هلكت الألف، يدفع رب المال ذلك الثمن، ثم وثم(٣)، ورأس المال جمیع ما يدفع إليه رب المال، انتهى. (١) ((المغني)) (١٧٦/٧). (٢) (٢٠٧/٦/٣). (٣) قوله: ثم وثم؛ يعني إذا كان مع المضارب ألف درهم فاشترى به عبداً، وضاع الثمن قبل النقد يرجع على رب المال، فإذا دفع إليه ثانياً ثم هلك قبل النقد أيضاً يرجع عليه أيضاً، وهكذا يرجع عليه كلما هلك إلى ما لا يتناهى، ويكون رأس المال حين دفع إليه رب المال. ٣٩٩ ٣٤ - كتاب القراض (١٥) باب (١٤١٣) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُتَقَارِضَيْنِ إِذَا تَفَاصَلَا فَبَقِي بِيَدِ الْعَامِلِ مِنَ الْمَتَاعِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ خَلَقُ الْقِرْبَةِ أَوْ خَلَقُ الثَّوْبِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذُلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ذُلِكَ كَانَ تَافِهاً، لَّا خَطْبَ لَهُ، فَهُوَ لِلْعَامِلِ. ولَمْ أَسْمعْ أَحَداً أَقْتَى بَرَدِّ ذُلِكَ وإِنَّمَا يُرَدُّ، مِنْ ذُلِكَ، الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ ثَمَنٌ. وَإِنْ كَانَ شَيْئاً لَهُ اسْمٌ. مِثْلُ الدَّابَّةِ أَوِ الْجَمَلِ أَوِ الشَّاذَ كُوْنَةِ. أَوْ أَشْبَاهِ ذُلِكَ مِمَّا لَهُ ثَمَنٌ. فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ هُذَا. إِلَّا أَنْ يَتَحَلَّلَ صَاحِبَهُ مِنْ ذُلِكَ. (قال مالك في المتقارضين) أي في اللذين عقدا بينهما القراض (إذا تفاصلا) بالصاد المهملة في النسخ المصرية، وبالمعجمة في الهندية، والصواب الأول أي انفَكًا عن هذا العقد وانفصلا (فبقي بيد العامل من المتاع الذي) كان (يعمل فيه) في زمن القراض (خلق) بفتح المعجمة واللام أي بالي (القِرْبة أو) بقي عنده (خَلَقُ الثوب) ذكرهما مثالاً (أو ما أشبه ذلك) كالغرارة ونحوها . (قال مالك: كل شيء من ذلك) الذي بقي عنده (كان) صفة شيء (تافهاً) بالفوقية والفاء، أي كان مما لا يعبأ به (لا خطب له) بالخاء المعجمة والطاء المهملة آخره موحدة في جميع النسخ الهندية والمصرية إلا الزرقاني، ففيها آخره راء، والمعنى واحد، أي لا شأن له، تفسير لقوله: تافهاً (فهو للعامل) لأنه ليس بذي بالٍ. (ولم أسمع أحداً) من أهل العلم (أفتى بردٌ) نحو (ذلك) الذي لا يُعْبأ به؛ لأن أرباب الأموال لا يلتفتون إلى نحو ذلك. (وإنما يُرَدُ) ببناء المجهول (من ذلك الشيء الذي له ثمن) عند الناس (وإن كان شيئاً له اسم) يذكر عند الناس (مثل الدابة) الفرس والحمار (أو الجمل) أو غيرهما من الدواب (أو الشاذكونة) بشين وذال معجمتين مفتوحتين، وضم الكاف، ثياب غلاظ مضربة باليمن (أو أشباه ذلك مما له ثمن) وبَالٌ عند التجار (فإني أرى أن يَرُدَّ) العامل (ما بقي عنده من هذه) الأشياء (إلا أن يتحَلَّلَ صاحبُه .. من ذلك) أي يطلب عن رب المال أن يجعل العامل في حِلِّ منه، ويعفو عنه. ٤٠٠