النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٤ - كتاب القراض
(٩) باب
(١٤٠٧) حديث
١٠/١٤٠٧ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ
مَالاَ قِرَاضاً: إِنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيراً يَحْمِلُ النَّفَقَةَ، فَإِذَا شَخَصَ فِيهِ
الْعَامِلُ،
وقال: بل عملت ذلك تبرعاً منك، فله الأجرة بيمين على أحد القولين، وقيل:
بلا يمين، اهـ.
وقال السرخسي: وله أن يستأجر معه الأجراء يشترون، ويبيعون،
ويستأجر البيوت، والدواب للأمتعة التي يشتريها؛ لأن ذلك من صنع التجار،
فالمضارب لا يستغني عن ذلك في تحصيل الربح، اهـ.
١٠/١٤٠٧ - (قال مالك في رجل) وهو رب المال إذا (دفع إلى رجل)
عامل (مالاً قراضاً: إنه إذا كان المال كثيراً) يعني يكون في مقدار (يحمل) بكسر
الميم (النفقة) أي يتحملها .
قال الباجي(١): وكم مبلغ المال الكثير؟ روى ابن المواز عن مالك في
القراض والبضاعة خمسين دينار أو أربعين، أن نفقة العامل والمبضع معه
وكسوتهما في السفر البعيد، وفي السفر القريب نفقته دون كسوته، فإن كان
المال يسيراً، لا يحتمل مؤنة العامل فيه، فقد قال مالك: ليس للعامل فيه نفقة
ولا كسوة في بعيد السفر ولا قريبه، ووجه ذلك أن المال اليسير لا يحتمل
النفقة بسبب السفر، ولا يقصد بسببه السفر، اهـ.
(فإذا شخص) بفتحات أي سافر (فيه العامل) واختلف في مطلق عقد
القراض هل يقتضي السفر بالمال؟ فالمشهور من مذهب مالك أن ذلك مباح
للعامل بمطلق العقد، وبه قال الشافعي وهي رواية عن أبي حنيفة، وقال ابن
حبيب: ليس له ذلك إلا بإذن رب المال، وقد روي ذلك عن أبي حنيفة، فإذا
قلنا بالقول الأول فهل يختص ذلك بقدر من المال؟ المشهور من مذهب مالك
(١) ((المنتقى)) (١٧٣/٥).
٣٦١

٣٤ - كتاب القراض
(٩) باب
(١٤٠٧) حديث
أن ذلك سواء في قليل المال وكثيره، وقال سحنون: أما المال اليسير، فليس
له أن يسافر به سفراً بعيداً إلا بإذن ربه؛ لأن المال اليسير لا يحتمل الإنفاق منه
في السفر، كذا في ((المنتقى))(١).
وقال الموفق(٢): ليس له السفر بالمال في أحد الوجهين، وهو مذهب
الشافعي؛ لأن في السفر تغريراً بالمال، والوجه الثاني: أن له السفر به إذا لم
يكن مَخُوفاً، وهذا قول مالك، ويحكى ذلك عن أبي حنيفة؛ لأن الإذن المطلق
ينصرف إلى ما جرت به العادة، والعادة جارية بالتجارة سفراً وحضراً، ولأن
المضاربة مشتقة من الضرب في الأرض، فملك ذلك بمطلقها، وهذان الوجهان
في المطلق.
فأما إن أذن في السفر أو نُهي عنه أو وجدت قرينةٌ دالّةٌ على أحد
الأمرين، تَعَيَّن ذلك، وثبت ما أُمِرَ به، وحُرِّمَ ما نُهي عنه، وليس له السفر في
موضع مخوف على الوجهين جميعاً، وكذلك لو أذن له في السفر مطلقاً، لم
يمكن له السفر في طريق مخوف، ولا إلى بلد مخوف، فإن فعل، فهو ضامن
لما يتلف؛ لأنه متعد بفعل ما ليس له فعله، اهـ.
وفي ((الهداية))(٣): إذا صحت المضاربة مطلقة جاز للمضارب أن يبيع
ويشتري ويُؤَكِّل ويسافر، لإطلاق العقد، والمقصود منه الاسترباح، ولا يتحصل
إلا بالتجارة، فينتظم العقد صنوف التجارة وما هو من صنيع التجار، والتوكيل
من صنيعهم، وكذا المسافرة، ألا ترى أن المودع له أن يسافر، فالمضارب
ٹے
أولى، كيف وأن اللفظ دليل عليه؛ لأنها مشتقة من الضرب في الأرض، وهو
(١) (١٧٣/٥).
(٢) («المغني)). (١٤٨/٧).
(٣) (٣٠١/٢).
٠ ٣٦٢

٣٤ - كتاب القراض
(٩) باب
(١٤٠٧) حديث
فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَيَكْتَسِيَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ قَدْرِ الْمَالِ. وَيَسْتَأْجِرَ
مِنَ الْمَالِ إِذَا كَانَ كَثِيراً لَا يَقْوَى عَلَيْهِ بَعْضَ مَنْ يَكْفِيهِ بَعْضَ مَؤُونَتِهِ.
وَمِنَ الْأَعْمَالِ أَعْمَالٌ لَا يَعْمَلُهَا الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ. وَلَيْسَ مِثْلُهُ
يَعْمَلُهَا .
السير، وعن أبي يوسف أنه ليس له أن يسافر، وعنه عن أبي حنيفة إن دفع في
بلده ليس له أن يسافر به؛ لأنه تعريض على الهلاك من غير ضرورة، وإن دفع
في غير بلده له أن يسافر إلى بلده؛ لأنه هو المراد في الغالب، والظاهر ما في
الكتاب، اهـ. يعني ما ذكره أولاً من جوازه مطلقاً، وهو المرجح في عامة
الفروع.
(فإن له) أي للعامل (أن يأكل منه) أي مال القراض (ويكتسي بالمعروف)
أي بما كان معروفاً عند التجار (من قدر المال) هكذا في النسخ الهندية، وأكثر
المصرية، وفي نسخة الزرقاني ((من قدره))، قال: وفي نسخة ابن الوِّضاح من
قدر المال (ويستأجر) العامل (من المال إذا كان كثيراً) لا يتحَمَّلُه بنفسه في
معروف التجار، وهو المراد بقوله: (لا يقوى عليه) أي بنفسه (بعض) مفعول
يستأجر (من يكفيه بعض مؤنته) مفعول يكفي (ومن الأعمال) ((من)) تبعيضية،
وهو خبر مقدم (أعمال لا يعملها) ولا يتحملها (الذي يأخذ المال) أي العامل
(وليس مثله يعملها).
قال الباجي(١): يريد أن بعض الأعمال لا يعملها المقارض من القصارة
والصبغ والخياطة، وإنما جرت العادة أن يعملها الصناع، ومنها ما لا يعملها.
مثل المقارض، وإن كانت مما يمكن أكثر الناس عملها كالشد والطيِّ والنقل،
فمثل هذا يحكم فيه بالمعتاد المعروف، وقد يكون من العمال من له الحال
والمعروف والتصاون، فيحمل على عادته. اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١٧٣/٥).
٣٦٣

٣٤ - كتاب القراض
(٩) باب
(١٤٠٧) حديث
مِنْ ذُلِكَ تَقَاضِي الدَّيْنِ، وَنَقْلُ الْمَتَاعِ، وَشَدُّهُ وَأَشْبَاهُ ذُلِكَ. فَلَهُ أَنْ
يَسْتَأْجِرَ مِنَ الْمَالِ مَنْ يَكْفِيهِ ذُلِكَ. وَلَيْسَ لِلْمُقَارَضِ أَنْ يَسْتَنْفِقَ مِنَ
الْمَالِ. وَلَا يَكْتَسِيَ مِنْهُ. مَا كَانَ مُقِيماً فِي أَهْلِهِ إِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ النَّفَقَةُ
إِذَا شَخَصَ فِي الْمَالِ. وَكَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ النَّفَقَةَ. فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا يَتَّجِرُ
فِي الْمَالِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ مُقِيمٌ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنَ الْمَالِ وَلَا
كِسْوَةً .
(من ذلك) تمثيل لبعض الأعمال (تقاضي الدين) أي طلبه ممن هو عليه.
قال الباجي: يريد حقه والمطالبة به، وأما قبضه فهو مما يختص به العامل
(ونقل المتاع) من موضع إلى آخر (وشدّه) أي ربط المتاع (وأشباهُ ذلك) جمعُ
شبه أي أمثال ما ذكر (فله) أي للعامل (أن يستأجر من المال من يكفيه ذلك)
الذي ذكر (وليس للمقارض) بفتح الراء (أن يستنفق).
قال الزرقاني(١): بسين الطلب أي يطلب أن ينفق، ومنعه من طلب ذلك
أبلغ من منعه من فعله، والظاهر عندي أن السين لمجرد التأكيد (من المال، ولا
يكتسي منه) أي مال القراض (ما كان) أي مدة كون المقارض (مقيماً في أهله)
وسبب ذلك أنه (إنّما يجوز له النفقة إذا شخص) أي سافر (في المال وكان
المال) كثيراً (يحمل النفقة) أعاده تأكيداً (فإن كان إنما يتّجر في المال في البلد
الذي هو فيه مقيم، فلا نفقة له من المال ولا كسوة).
قال الباجي(٢): وهذا كما قال: إن من دفع إلى رجل مالاً على وجه
القراض، فلا يخلو أن يكون قليلاً أو كثيراً، فإن كان كثيراً وكان يعمل به في
الحضر، فلا يخلو أن يكون موضع استيطان العامل أو غير موضعه، فإن كان
في موضع استيطانه، فلا نفقة له ولا كسوة ولا مؤنة؛ لأن مقامه ليس بسبب
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٦/٣).
(٢) ((المنتقى)) (١٧١/٥).
٣٦٤

٣٤ - كتاب القراض
(٩) باب
(١٤٠٧) حديث
المال، وإنما هو لموضع استيطانه، فكانت نفقته عليه، وإن كان في غير موضع
استيطانه، وإنما يقيم به للعمل بالمال، فإن له فيه النفقة والكسوة والمؤنة؛ لأن
المال شغله عن الرجوع إلى وطنه، فأوجب مقامه في غير بلده.
وإن كانت تجارته في السفر، فلا يخلو أن يكون السفر من أسفار القرب
كالحج والغزو، أو من غير أسفار القرب، فإن كان من أسفار القرب، فالذي
عليه جمهور أصحابنا أنه لا نفقة له في مال القراض ذاهباً ولا راجعاً، وإن كان
مقصوده التجارة، وقال ابن المواز: له النفقة فيه ذاهباً وراجعاً.
وجه قول مالك والجماعة أن هذه مسافة تقطع على وجه البر والقربة،
فيجب أن يخلص لذلك، فإن لم يكن السفر من أسفار القرب، فإن سافر بمال
القراض إلى بلد هو به مستوطن، فلا نفقة له في الذهاب، وله النفقة في
الإياب، ولا يخلو أن يكون السفر قريباً أو بعيداً، فإن كان قريباً إلا أنه يريد
المقام لشراء الحبوب وغيرها الشهرين والثلاثة، فإن ذلك سفر، وإن قرب
المكان، فإنه يأكل ويكتسي، وروى عيسى عن ابن القاسم أنه يأكل ولا
يكتسي، ورواه ابن حبيب عن مالك، وقد يكتري منه مركوباً، وإن كان السفر
بعيداً، فللعامل في مال القراض مؤنته المعتادة من نفقته وكسوته، وكراء
مسكن، ودخول حمام، وحجامة، وحلق رأس، وغسل ثوب، وغير ذلك من
الأمور المعتادة التي لا ينفكُّ عنها الإنسان، ورواه أشهب عن مالك في
الحجامة والحمام.
وقال أبو حنيفة: ليس له أن ينفق في حجامة، وحمام، وأما الدواء،
فليس في مال القراض؛ لأنه من الأمور التي لا تستعمل على معتاد العادة،
ونفقته في ذلك على قدر حاله، وحال المال، لأن هذه نفقة يعتبر فيها كثرة
المال وقلته، فوجب أن يعتبر فيها حال من ينفق عليه، كنفقة الزوجات، وأما
الكسوة، فإن الذي يلزم من مال القراض من كسوة العامل كسوة مثله في مقامه
وسفره.
٣٦٥

٣٤ - كتاب القراض
(٩) باب
(١٤٠٧) حديث
وقال أبو محمد: إن الذي له من الكسوة التي لولا الخروج بالمال لم
یحتج إلیھا، والأول أصح، اهـ.
وقال ابن رشد(١): اختلفوا هل للعامل نفقته من المال المقارض عليه أم
لا؟ على ثلاثة أقوال، فقال الشافعي في أشهر أقواله: لا نفقة له أصلاً إلا أن
يأذن له رب المال، وقال قوم: له نفقته، وبه قال إبراهيم النخعي والحسن،
وهو أحد ما رُوِي عن الشافعي، وقال آخرون: له النفقة في السفر من طعامه
وكسوته، وليس له شيء في الحضر، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري،
وجمهور العلماء، إلا أن مالكاً قال: إذا كان المال يحمل ذلك، وقال الثوري:
ينفق ذاهباً ولا ينفق راجعاً، وقال الليث: يتغَدَّى في المصر، ولا يتعَشَّى،
وروي عن الشافعي أن له نفقته في المرض، والمشهور عنه مثل قول الجمهور
أن لا نفقة له في المرض، اهـ.
وقال الموفق(٢): وإن سافر في طريق آمنٍ جاز، ونفقته في مال نفسه،
وبهذا قال ابن سيرين وحماد بن أبي سليمان، وهو ظاهر مذهب الشافعي،
وقال الحسن والنخعي والأوزاعي ومالك وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي:
ينفق من المال بالمعروف إذا شخص به عن البلد؛ لأن سفره لأجل المال،
فكانت نفقته منه كأجر الحمال.
ولنا، أن نفقته تخصه، فكانت عليه كنفقة الحضر، وأجر الطبيب، وثمن
الطب، ولأنه دخل على أنه يستحق من الربح الجزء المسمَّى، فلا يكون له
غيره، ولأنه لو استحق النفقة أفضى إلى أن يختص بالربح، إذا لم يربح سوى
ما أنفقه، فأما إن اشترط له النفقة فله ذلك، وله ما قَدَّر له من مأكول وملبوس
ومركوب وغيره.
٢
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٤٠/٢).
(٢) («المغني)) (١٤٩/٧).
٣٦٦

٣٤ - كتاب القراض
(٩) باب
(١٤٠٧) حدیث
قال أحمد في رواية الأثرم: أحبُّ إليّ أن يشترط نفقة محدودةً، وإن
أطلق صَحَّ، نص عليه، وله نفقتُه من المأكول ولا كسوة له، قال أحمد: إذا
قال: له نفقته، فإنه ينفق، قيل له: فيكتسي؟ قال: لا، إنما له النفقة. وإن كان
سفره طويلاً يحتاج إلى تجديد الكسوة، فظاهر كلام أحمد جوازها؛ لأنه قيل
له: فلم يشترط الكسوة، إلا أنه في بلد بعيد، وله مقام طويل، يحتاج فيه إلى
كسوة؟ فقال: إذا أذن له في النفقة فعل، ما لم يحمل على مال الرجل، ولم
يكن ذلك قصده، هذا معناه.
وقال القاضي، وأبو الخطاب: إذا شرط له النفقة، فله جميع نفقته من
مأكول أو ملبوس بالمعروف، وقال أحمد: ينفق على معنى ما كان ينفق على
نفسه غير متعدٍّ بالنفقة ولا مُضِرٍّ بالمال، ولم يذهب أحمد إلى تقدير النفقة؛
لأن الأسعار تختلف، وقد تَقِلُّ وتكثر، وإن اختلفا في تقدير النفقة، فقال أبو
الخطاب: يرجع في القوت إلى الإطعام في الكفارة وفي الكسوة إلى أقل
ملبوس مثله، اهـ.
وفي ((البدائع))(١): أما الذي يستحقه المضارب بالعمل، فالذي يستحقه
بعمله في مال المضاربة شيئان: أحدهما: النفقة، والكلام فيها في مواضع؛ في
وجوبها، وفي شرط الوجوب، وفيما فيه النفقة، وفي تفسير النفقة، وفي
قدرها، وفيما تحتسب النفقة منه.
١ - أما الوجوب، فلأن الربح في باب المضاربة محتملُ الوجود،
والعاقل لا يسافر بمال غيره لفائدة تحتمل الوجود، والعدم مع تعجيل النفقة من
مال نفسه، فلو لم تجعل نفقته من مال المضاربة، لامتنع الناس من قبول
المضاربات مع مساس الحاجة إليها، فكان إقدامهما على هذا العقد، والحال
(١) انظر: ((بدائع الصنائع)) (١٤٧/٥ - ١٤٨).
٣٦٧

٣٤ - كتاب القراض
(٩) باب
(١٤٠٧) حديث
ما وصفنا إذناً من رب المال للمضارب بالإنفاق، فكان مأذوناً بالإنفاق دلالةٌ،.
فصار كما لو أذن به نصاً .
٢ - وأما شرط الوجوب فخروج المضارب بالمال من المصر الذي أخذ
المال منه مضاربةً، سواء كان المصر مصره أو لم يكن، فما دام يعمل في ذلك
المصر، فإن نفقته في مال نفسه، وإن أنفق شيئاً منه ضمن؛ لأن إقامته في
الحضر لا تكون لأجل المال؛ لأنه كان مقيماً قبل ذلك، فلا يستحق النفقة ما
لم يخرج من ذلك المصر، سواء كان خروجه بالمال مدة سفره أو أقل من
ذلك، فإذا انتهى إلى المصر الذي قصده، فإن كان ذلك مصر نفسه، أو كان له
في ذلك المصر أهل سقطت النفقة حين دخل؛ لأنه يصير مقيماً بدخوله فيه، لا
لأجل المال، وإن لم يكن ذلك مصره، ولا له فيه أهل، لكنه أقام فيه للبيع
والشراء لا تسقط نفقته ما أقام فيه، وإن نوى الإقامة خمسة عشر يوماً فصاعداً
ما لم يتخذه دار إقامته، فإن اتخذه وطناً كانت إقامته للوطن، لا للمال، فصار
كالوطن الأصلي.
وكل من كان مع المضارب ممن يعينه على العمل، فنفقته من مال
المضاربة حراً كان أو عبداً أو أجيراً يخدمه أو يخدم دابته؛ لأن نفقتهم كنفقة
نفسه إلا أن يكون معه عبيدٌ لرب المال بعثهم؛ ليعاونوه، فلا نفقة لهم من مال
المضاربة، بل على رب المال خاصة؛ لأن إعانة عبد رب المال كإعانة رب
المال بنفسه، ولو أعان رب المال المضارب لم تكن نفقته في مال المضاربة
كذا عبيده، وأما عبيد المضارب فكالمضارب.
٣ - وأما ما فيه النفقة فالنفقة في مال المضاربة، وله أن ينفق من مال
نفسه، ويكون ديناً في مال المضاربة، حتى كان له أن يرجع فيها بشرط بقاء
المال، حتى لو هلك المال لم يرجع على رب المال بشيء، اهـ.
٤ - وأما تفسير النفقة فالكسوة والطعام والإدام والشراب وأجر الأجير
٣٦٨

٣٤ - كتاب القراض
(٩) باب
(١٤٠٧) حدیث
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً. فَخَرَجَ بِهِ
وَبِمَالِ نَفْسِهِ. قَالَ: يَجْعَلُ النَّفَقَةَ مِنَ الْقِرَاضِ وَمِنْ مَالِهِ، عَلَى قَدْرِ
حِصَصِ الْمَالِ.
وفراش ينام عليه وعلف دابته التي يركبها في السفر وغسل ثيابه ودهن السراج
والحطب ونحو ذلك، ولا خلاف بين أصحابنا في هذه الجملة؛ لأن المضارب
لا بد له منها، فكان الإذن ثابتاً من رب المال دلالة، وأما ثمن الدواء
والحجامة والتنور والأدهان، وما يرجع إلى التداوي، ففي ماله خاصة لا في
مال المضاربة، وفي الدهن خلاف محمد، أنه في مال المضاربة عنده.
وذكر الكرخي في الحجامة والإطلاء بالنورة والخضاب قول الحسن بن
زياد أنه قال على قياس قول أبي حنيفة: يكون في مال المضاربة، والصحيح أن
يكون في مال نفسه خاصة، وأما الفاكهة فالمعتاد يجري مجرى الطعام والإدام.
٥ - وأما قدر النفقة، فهو أن يكون بالمعروف عند التجار من غير
إسراف، فإن جاوز ذلك ضمن الفضل؛ لأن الإذن ثابت بالعادة، فيعتبر القدر
المعتاد، وسواء سافر برأس المال أو بمتاع عن المضاربة؛ لأن سفره في
الحالين لأجل المال، وكذا لو سافر فلم يتفق له شراء متاع من حيث قصد،
فنفقته ما دام مسافراً في مال المضاربة.
وأما ما تحتسب منه النفقة فهي تحتسب أولاً من الربح، فإن لم يكن فهي
من رأس المال؛ لأن النفقة جزءٌ هالك من المال، فإذا رجع المضارب إلى
مصره فما فضل عنده من الكسوة والطعام رده إلى المضاربة؛ لأن الإذن له كان
لأجل السفر، فإذا انقطع السفر لم يبق الإذن، فيجب ردُّ ما بقي إلى المضاربة،
انتهى مختصراً.
(قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً فخرج) العامل (به وبمال لنفسه)
معاً (قال) مالك: (يجعل النفقة) أيضاً من كليهما يعني (من) مال (القراض ومن
ماله) أي مال نفسه (على قدر حصص المال) وهو ظاهر، وبه قال عامة الفقهاء.
٣٦٩

٣٤ - كتاب القراض
(١٠) باب
(١٤٠٨) حديث
(١٠) باب ما لا يجوز من النفقة في القراض
١١/١٤٠٨ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُل مَعَهُ مَالٌ
قِرَاضٌ. فَهُوَ يَسْتَنْفِقُ مِنْهُ وَيَكْتَسِي: إِنَّهُ لَا يَهَبُ مِنْهُ شَيْئاً ..
قال الموفق(١): فإن كان معه مال لنفسه مع مال المضاربة، أو كان معه
مضاربة أخرى أو بِضَاعةٌ لآخر، فالنفقة على قدر المالين؛ لأن النفقة كانت
لأجل السفر، والسفر لهما، فيجب أن تكون النفقة مقسومة على قدرهما .
وفي ((البدائع)) (٢): سواء سافر بمال المضاربة وحده أو بماله ومال
المضاربة، ومال المضاربة لرجل أو رجلين، فله النفقة بالحصص؛ لأن السفر
لأجل المالين، فتكون النفقة فيهما، وإن كان أخذ المالين مضاربة لرجل،
والآخر بضاعةً لرجل آخر، فنفقته في مال المضاربة؛ لأن سفره لأجله، لا
لأجل البضاعة؛ لأنه متبرع بالعمل بها، إلا أن يتبرَّع بعمل البضاعة، فينفق من
مال نفسه؛ لأنه بدل العمل في المضاربة، وليس على رب البضاعة شيء، اهـ.
(١٠) ما لا يجوز من النفقة في القراض
يعني مالا يحتسب منها ولا يؤخذ من مال القراض، اهـ.
١٤٠٨/ ١١ - (قال مالك في رجل معه مال قراض فهو يستنفق) بسين
التأكيد، قاله الزرقاني(٣). (منه ويكتسي) على المعروف كما تقدم، يعني وإن
كان له فيه النفقة والكسوة لكن لا يفعل الأعمال الآتية منها (إنه لا يهب منه)
أي من مال القراض أو من نفقته (شيئاً) قال الباجي(٤): وهذا كما قال: إن من
كانت نفقته وكسوته في مال القراض، فليس له أن يتعدى ذلك إلى الهبة منه،
(١) ((المغني)) (١٥٠/٧).
(٢) (١٤٩/٥).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٦/٣).
(٤) ((المنتقى)) (١٧٤/٥).
٣٧٠

٣٤ - كتاب القراض
(١٠) باب
(١٤٠٨) حديث
وَلَا يُعْطِي مِنْهُ سَائِلاً وَلَا غَيْرَهُ. وَلَا يُكَافِئُ فِيهِ أَحَداً. فَأَمَّا إِنٍ
اجْتَمَعَ هُوَ وَقَوْمٌ. فَجَاؤُا بِطَعَامٍ وَجَاءَ هُوَ بِطَعَامٍ. فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ
ذُلِكَ وَاسِعاً. إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ. فَإِنَّ تَعَمَّدَ ذُلِكَ،
والتفضل على الناس (ولا يعطي منه سائلاً ولا غيره).
قال الباجي: يحتمل أن يريد بذلك، أنه لا يعطي منه من سأل الدراهم
والثياب، وأما إن يعطي منه الكسوة والقطعة للسائل الراضي بالدون المتكفف
للناس فلا بأس به (ولا يكافئ) أي لا يجازي (فيه أحداً) ممن أسدى إليه
معروفاً يختص به، وتقدم في الشروط، أنه لا ينبغي له أن يشترط ذلك فبدون
الشرط أولى أن يمنع.
وفي ((الهداية))(١): الأصل أن ما يفعله المضارب ثلاثة أنواع: نوع؛
يملكه بمطلق المضاربة، وهو ما يكون من باب المضاربة وتوابعها، ومن جملته
التوكيل والارتهان والرهن والإجارة والاستئجار والإيداع والإبضاع والمسافرة،
ونوعٌ؛ لا يملكه بمطلق العقد، ويملكه إذا قيل له: اعمل برأيك، وهو ما
يحتمل أن يلحق به، فيلحق عند وجود الدلالة، مثل دفع المال مضاربة أو
شركة إلى غيره، وخلط مال المضاربة بماله أو بمال غيره، ونوع؛ لا يملكه إلا
بمطلق العقد، ولا بقوله: اعمل برأيك إلا أن ينص عليه رب المال، وهو
الاستدانة، وأخذ السفاتج، وإعطاؤها، والعتق بمال، وبغير مال، والكتابة،
والإقراض، والهبة، والصدقة؛ لأنه تبرع محض، اهـ.
٠٦
(فأما إن اجتمع هو وقوم فجاءوا) أي القوم (بطعام، وجاء هو) أيضاً
(بطعام) على عادة الرفقاء في السفر (فأرجو أن يكون) في السفر (ذلك واسعاً)
أي جائزاً، وإن أكل بعضهم أكثر من بعض، فإن ذلك من معروف عند التجار
(إذا لم يتعمد أن يتفضل عليهم) ويعينهم بالإطعام (فإن تعمد ذلك) بأن أتى
(١) (٢٠٨/٢).
٣٧١

٣٤ - كتاب القراض
(١٠) باب
(١٤٠٨) حديث
أَوْ مَا يُشْبِهُهُ، بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِب الْمَالِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ ذُلِكَ مِنْ
رَبِّ الْمَالِ. فَإِنْ حَلَّلَهُ ذُلِكَ، فَلَاَ بَأْسَ بِهِ. وَإِنْ أَبَى أَنْ يُحَلِّلَهُ، فَعَلَيْهِ
أَنْ يُكَافِئَهُ بِمِثْلٍ ذَلِكَ. إِنْ كَانَ ذُلِكَ شَيْئاً لَهُ مُكَافَأَةٌ.
بأكثرهم (أو ما يشبهه) أي يشبه التفضل عليهم (بغير إذن صاحب المال) أي رب
المال (فعليه) واجب (أن يتحلل ذلك) أي يطلب العفو (من رب المال، فإن
حَلَّلَه) أي عَفَى رَبُّ المال له ذلك (فلا بأس به، وإن أبى أن يحلله) أي أبى
رب المال أن يجعل ذلك حلالاً للعامل (فعليه) أي على العامل (أن يُكافئه) أي
رب المال (بمثل ذلك) الذي بذله في التفضل (إن كان ذلك شيئاً له مكافأة) أي
له قدر وقيمة، اهـ.
قال الباجي(١): قوله: فأما إن اجتمع إلخ يريد أن يفعل هو ورفقاؤه ما
جرت به عادة الرفقاء أن يتخارجوه في النفقات، فيخرج كل إنسان منهم بقدر
ما يتعاون فيه، ثم ينفقون منه في طعامهم وغير ذلك مما تشملهم الحاجة، فإن
ذلك جائز، وإن كان منهم من يأكل في بعض الأوقات أكثر من صاحبه، ومن
يصوم في يوم دون رفقائه، لأن ذلك مما تدعو الحاجة إليه في السفر؛ لأن
انفراد كل إنسان منهم بتولي طعامه يشق عليه، ويُشْغِلُه عما هو بسببه من أمر
سفره، فإذا ترافق جماعة تَوَلَّى كلُّ إنسان منهم من العمل لنفسه ولأصحابه ما
يرتفق به الجماعة، وعلى ذلك كان الصحابة وعمل المسلمين إلى هلم جراً، لا
يعد ذلك تفضلاً من بعضهم على بعض، وإنما يكون تفضلاً إذا أتى بأمر يُسْتنكر
من ذلك، ويخرج عن العادة، فهذا لا يجوز للعامل فعله؛ لأنه ليس فيه تنميةٌ
المال التجارة، فإن فعل شيئاً من ذلك وجب عليه أن يتحلل من صاحب المال،
إما بأن يجعله في حل ويمضي فعله، وإما بأن يحتسب بقدر التفضل على
نفسه، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١٧٤/٥).
٣٧٢

٣٤ - كتاب القراض
(١١) باب
(١٤٠٩) حديث
(١١) باب الدَّين في القراض
١٢/١٤٠٩ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ
عِنْدَنَا فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى
(١١) الدين في القراض
ذكر فيه بعض الفروع المتعلقة بمال القراض إذا بيع نسيئة، واختلف أهل
العلم هل للعامل أن يبيع نسيئةً بدون إذن رب المال أم لا؟ قال الخرقي: إذا
باع نسيئة بغير أمر ضمن في إحدى الروايتين، والأخرى لا يضمن.
قال الموفق(١): جملته أن المضارب وغيره من الشركاء إذا نصّ له على
التصرُّفِ، فقال: نقداً أو نسيئةً، أو قال: بنقد البلد جاز، ولم تجز مخالفته،
وإن أطلق فلا خلاف في جواز البيع حالاً، وفي المبيع نسيئةً روايتان: إحداها:
ليس له ذلك. وهو قول مالك وابن أبي ليلى والشافعي؛ لأنه نائب في البيع،
فلم يجز له البيع نسيئة بغير إذن صريح كالوكيل.
والثانية: يجوز له البيع نسيئةً، وهو قول أبي حنيفة واختيار ابن عقيل؛
لأن إذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجارة المعتادة، وهذا عادةُ
التّجار، ولأنه يقصد به الربح، والربح في النَسَاء أكثر، ويفارق الوكالة
المطلقَة، فإنها لا تختص بقصد الربح، فإن قال له: اعمل برأيك وتصرف كيف
شئتَ، فله البيع نَسَاءً، وقال الشافعي: ليس له البيع نسيئةً في الموضعين؛ لأن
فيه غرراً فلم يجز، ولنا، أنه داخل في عموم لفظه، اهـ.
وفي ((الهداية))(٢): يجوز للمضارب أن يبيع، ويشتري بالنقد والنسيئة؛
لأن كل ذلك من صنيع التجار، فينتظمه إطلاق العقد، إلا إذا باع إلى أجل، لا
يبيع التجار إليه؛ لأن له الأمر العام المعروف بين الناس، اهـ.
١٤٠٩/ ١٢ - (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا في رجل دفع إلى
(١) ((المغني)) (١٤٧/٧).
(٢) (٢٠٧/٢).
٣٧٣

٣٤ - كتاب القراض
(١١) باب
(١٤٠٩) حديث
رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً. ثُمَّ بَاعَ السِّلْعَةَ بِدَيْنِ. فَرَبِحَ فِي
الْمَالِ. ثُمَّ هَلَكَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ. قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَالَ. قَالَ: إِنْ
أَرَادَ وَرَثَتُهُ أَنْ يَقْبِضُوا ذُلِكَ الْمَالَ، وَهُمْ عَلَى شَرْطِ أَبِيهِمْ مِنَ
الرِّبْحِ، فَذَلِكَ لَهُمْ. إِذَا كَانُوا أُمَنَاءَ عَلَى ذُلِكَ. فَإِنْ كَرِهُوا أَنْ
يَقْتَضُوَهُ،
رجل مالاً قراضاً فاشترى) العامل (به سلعة ثم باع) العامل (السلعة بدين) بإذن
رب المال عند مالك، ومن وافقه في اشتراط الإذن لبيع النسيئة، كما تقدم
قريباً (فربح في المال ثم هلك) أي مات (الذي أخذ المال) أي المقارض (قبل
أن يقبض) من المشتري (المال) أي ثمن السلعة المبيعة (قال: إن أراد ورثته) أي
ورثة العامل الميت (أن يقبضوا ذلك المال) أي يستوفوا ثمن السلعة عن
المشترين (وهم) أي الورثة (على شرط أبيهم) أي على شرط مورثهم (من
الربح) يعني يكون لهم من الربح ما كان لمورثهم (فذلك) جائز (لهم) إلى تمام
عمل الاستيفاء، ويكون لهم الربح المشترط بعد ذلك (إذا كانوا) أي الورثة
(أمناء) جمع أمين (على ذلك) العمل.
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن العامل إذا توفي بعد أن يشغل مال
القراض، فإن حق عمله فيه يكون لورثته، وليس لرب المال أن ينتزعه من
ورثته؛ لأن ذلك حق لهم في المال انتقل إليهم عن موروثهم، وشغل المال أن
يشتري بجمعيه أو بأكثره، فليس لصاحب المال بعد ذلك أن يأخذه من ورثته إن
إرادوا العمل فيه، وصفة العامل الذي يرجع المال من الورثة أن يكون مأموناً
على مثله، عالماً بالعمل فيه، والحفظ له، لأن ذلك كله من الصفات المعتبرة
في العامل، انتهى.
(فإن كرهوا) أي الورثة (أن يقتضوه) أي يستوفوا الدين، كذا في النسخ
(١) ((المنتقى)) (١٧٤/٥).
٣٧٤

٣٤ - كتاب القراض
(١١) باب
(١٤٠٩) حديث
وَخَلَّوْا بَيْنَ صَاحِبِ الْمَالِ وَبَيْنَهُ، لَمْ يُكَلَّفُوا أَنْ يَقْتَضُوهُ. وَلَا شَيْءَ
عَلَيْهِمْ. وَلَا شَيْءَ لَهُمْ. إِذَا أَسْلَمُوهُ إِلَى رَبِّ الْمَالِ. فَإِنِ اقْتَضَوْهُ.
فَلَهُمْ فِيهِ مِنَ الشَّرْطِ وَالنَّفَقَةِ، مِثْلُ مَا كَانَ لِأَبِيهِمْ فِي ذَلِكَ هُمْ فِيهِ
بِمَنْزِلَةِ أَبِيِهِمْ.
فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ عَلَى ذُلِكَ. فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ ثِقَةٍ.
فَقْتَضِي ذُلِكَ الْمَالَ. فَإِذَا اقْتَضَى جَمِيعَ الْمَالِ. وَجَمِيعَ الرِّبْحِ. كَانُوا
فِي ذُلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَبِهِمْ.
المصرية من الاقتضاء، وفي النسخ الهندية بالموحدة من القبض (وخَلَّوا بين
صاحب المال) أي رب المال (وبينه) أي الدين (لم يُكَلَّفُوا) ببناء المجهول (أن
يقتضوه) وإن كانوا أمناء (ولا شيء عليهم) أي على الورثة من الضمان (ولا
شيء لهم) من الربح (إذا أسلموه) أي الدين من الإسلام أو التسليم نسختان
(إلى رب المال) ولم يستوفوه.
قال الباجي(١): فإن لم يكونوا أمناء، ولم يأتوا بأمين، وأرادوا ترك
العمل لم يكن لهم من ربحه شيء، ولا كان عليهم من خسارته قليل ولا كثير،
ولا كلفوا قبضه، ولا صرفه عينا، والفرق بينهم وبين العامل إذا شغل المال
بسلع ليس له ترك العمل، حتى يصيره عيناً أن العامل قد التزم ذلك، وهؤلاء
لم يلتزموا (فإن اقتضوه) أي الدين (فلهم فيه من الشرط) في الربح (والنفقة) أي
ولهم فيه من النفقة (مثل ما كان لأبيهم في ذلك) سواء (وهم فيه) أي في مال
القراض (بمنزلة أبيهم) في الربح وغيره.
(فإن لم يكونوا) أي الورثة (أمناء على ذلك فإن لهم أن يأتوا) ويستعينوا (بأمين
ثقة) عالم بالعمل (فيقتضي ) لهم (ذلك المال، فإذا اقتضى جميع المال وجميع الربح
كانوا في ذلك بمنزلة أبيهم) في الربح، فلهم ما كان مشروطاً لأبيهم.
(١) ((المنتقى)) (١٧٥/٥).
٣٧٥

٣٤ - كتاب القراض
(١١) باب
(١٤٠٩) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً. عَلَى أَنَّهُ
يَعْمَلُ فِيهِ. فَمَا بَاعَ بِهِ مِنْ دَيْنِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ. إِنْ
بَاعَ بِدَيْنٍ فَقَدْ ضَمِنَهُ.
وهذا كله مبنيٌّ على مسلك الإمام مالك أن القراض موروثٌ لا ينفسخ
بالموت، والمسألة خلافيةٌ، قال ابن رشد (١): اختلفوا إذا شرع العامل، فقال
مالك: هو لازم، وهو عقد يُورثُ، فإن مات، وكان للمقارض بنون أمناء كانوا
في القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أمناء كان لهم أن يأتوا بأمين، وقال
الشافعي وأبو حنيفة: لكل واحد منهما الفسخ إذا شاء، وليس هو عقد یورث،
انتهى. وبقولهما قال أحمد.
قال الموفق(٢): وأي المتقارضين مات أو جُنَّ انفسخ القراض؛ لأنه عقدٌ
جائزٌ، فانفسخ بموت أحدهما، ثم بسط في الفروع إن أراد الورثة الإتمام،
وفي ((الهداية))(٣): إذا مات ربُّ المال أو المضارب بطلت المضاربة؛ لأنه
توكيل، وموت الموكل يبطل الوكالة، وكذا موت الوكيل، ولا تورث الوكالة.
(قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً على) شرط (أنه يعمل فيه
فما باع به من دين) أي ما باعه نسيئة (فهو) أي العامل (ضامن له) وهذا بيان
الشرط، فقال مالك: (إن ذلك) الشرط (لازم له) وثمرة لزومه أنه (إن باع بدين
فقد ضمنه) وقد تقدم مراراً في الفروع المختلفة أن العبرة في ذلك عند الفقهاء
لتعيين رب المال، وقد تقدم في أول الباب عن الموفق، أن المضارب وغيره
من الشركاء إذا نصّ له على التصرف نقداً أو نسيئة أو غير ذلك لم تجز
مخالفته .
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٤٠/٢).
(٢) ((المغني)) (١٧٤/٧).
(٣) (٢٠٦/٢).
٣٧٦

٣٤ - كتاب القراض
(١٢) باب
(١٢) باب البضاعة في القراض
وفي ((الدر المختار))(١): ومتى عين الآمر شيئاً تعين إلا في: بعْه بالنسيئة
بألف، فباع بالنقد بألف جاز، ثم قال: فإن باع الوكيل بنسيئة، فقال: أمرتك
بنقد، وقال: أطلقت صدق الآمر، وفي الاختلاف في المضاربة صدق
المضارب، انتهى.
(١٢) البضاعة في القراض
البضاعةُ عقدٌ بشرط كل الربح للمالك، كذا في ((المجمع))، وقال
الموفق(٢): لو كان بين رجلين ثلاثة آلاف درهم، لأحدهما ألف وللآخر
ألفان، فأذن صاحب الألفين لصاحب الألف أن يتصرف فيها على أن يكون
الربح بينهما صَحَّ، ويكون لصاحب الألف ثلثُ الربح بحق ماله، وسدسه بحق
العمل، فإن شرط للعامل ثلث الربح فقط، فمال صاحبه بضاعة في يده،
وليست بمضاربة؛ لأن المضاربة إنما تصح إذا كان الربح بينهما، فأما إذا قال:
ربحُ مالِك لك، وربح مالي لي، كان إيضاعاً لا غير، وبهذا كله قال الشافعي،
انتهى.
وقال في موضع آخر(٣) إن قال: خذ هذا المال فاتِّجر به، والربح كله
لي، كان إيضاعاً، وإن قال: خذه مضاربةً والربح كله لك أو كله لي، فهو عقد
فاسد، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا قال: الربح كله لك كان إيضاعاً
صحيحاً؛ لأنه أثبت له حكم الإبضاع فانصرف إليه، وقال مالك: يكون قراضاً
صحيحاً في الصورتين؛ لأنهما دخلا في القراض، فإذا شرط الربح لأحدهما،
فكأنه وهب الآخر نصیبه، فلم یمنع صحته، انتهى.
(١) (٧١/٧ - ٧٤).
(٢) («المغني)) (١٣٤/٧).
(٣) («المغني)) (١٤٢/٧).
٣٧٧

٣٤ - كتاب القراض
(١٢) باب
(١٤١٠) حدیث
١٤١٠/ ١٣ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ
مَالاَ قِرَاضاً. وَاسْتَسْلَفَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ سَلَفاً. أَوِ اسْتَسْلَفَ مِنْهُ
صَاحِبُ الْمَالِ سَلَفاً. أَوْ أَبْضَعَ مَعَهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِضَاعَةً يَبِيعُهَا لَهُ.
أَوْ بِدَنَانِيرَ يَشْتَرِي لَهُ بِهَا سِلْعةً. قَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ
إِنَّمَا أَبْضَعَ مَعَهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَالُهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ مِثْلَ
ذُلِكَ فَعَلَهُ، لِإِخَاءِ بَيْنَهُمَا، أَوْ لِيَسَارَةِ مَؤُونَةِ ذُلِكَ عَلَيْهِ. وَلَوْ أَبَى ذُلِكَ
عَلَيْهِ لَمْ يَنْزِعْ مَالَهُ مِنْهُ.
وفي ((الدر المختار)) (١): دفع المال إلى آخر مع شرط الربح كله للمالك
بضاعة، فيكون وكيلاً متبرعاً، ومع شرطه كله للعامل قرض، انتهى.
١٣/١٤١٠ - (قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً واستسلف)
أي تَسَلَّف العامل (من صاحب المال سلفاً أو استسلف منه) أي من العامل
(صاحب المال) فاعل استسلف (سلفاً أو أبضع معه) أي مع العامل (صاحب
المال) فاعل أبضع (ببضاعة) أي أخذ سلعة بطريق البضاعة (يبيعها له) أي يبيع
صاحب المال هذه السلعة للعامل بطريق البضاعة (أو) أبضع (بدنانير يشتري له)
أي للعامل (بها سلعة. قال مالك) في الصور المذكورة: (إن كان صاحب المال
إنما أبضع معه وهو) أي العامل (يعلم) ويجزم (أنه لو لم يكن ماله عنده) أي لو
لم يكن عند العامل مال القراض له (ثم سأله مثل ذلك) أي ثم استدعى العامل
منه أن يبضع معه (فعله) رب المال جزاء لو، وما في النسخ الهندية بدله ((فعليه))
تحريف من الناسخ (الإخاء) بالمد أي لصداقة ومودة (بينهما أو ليسارة) أي
سهولة (مؤونة ذلك عليه) أي، لأن هذا الفعل يسير على رب المال، وفيه
صعوبة على العامل (ولو أبى) العامل (ذلك عليه) أي لو أنكر العامل دفع المال
إليه بضاعة (لم ينزع) رب المال (ماله) المجعول قراضاً (منه) أي من العامل.
(١) (٢٠٩/٦).
٣٧٨

٣٤ - كتاب القراض
(١٢) باب
(١٤١٠) حدیث
أَوْ كَانَ الْعَامِلُ إِنَّمَا اسْتَسْلَفَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ. أَوْ حَمَلَ لَهُ
بِضَاعَتَهُ. وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالُهُ فَعَلَ لَهُ مِثْلَ ذُلِكَ. وَلَوْ
أَبَى ذُلِكَ عَلَيْهِ لَمْ يَرْدُدْ عَلَيْهِ مَالَهُ. فَإِذَا صَحَّ ذُلِكَ مِنْهُمَا جَمِيعاً،
وَكَانَ ذُلِكَ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْطاً فِي أَصْلِ
الْقِرَاضِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ. وَإِنْ دَخَلَ ذُلِكَ شَرْطُ. أَوْ خِيفَ
أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ الْعَامِلُ لِصَاحِبِ الْمَالِ، لِيُقِرَّ مَالَهُ فِ يَدَيْهِ.
أَوْ إِنَّمَا صَنَعَ ذُلِكَ صَاحِبُ الْمَالِ، لِأَنْ يُمْسِكَ الْعَامِلُ مَالَهُ. وَلَا
يَرُدَّهُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ ذُلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ. وَهُوَ مِمَّا يَنْهَى عَنْهُ أَهْلُ
الْعِلْمِ.
(أو كان العامل إنما استسلف من صاحب المال أو حمل له بضاعة وهو)
أي العامل (يعلم أنه لو لم يكن عنده ماله فعل) رب المال (له مثل ذلك) أي
يعطيه سلفاً (ولو أبى) رب المال (ذلك) أي التسليف، وحمل البضاعة (عليه)
أي على العامل (لم يردُذ) العامل (عليه ماله) المجعول قراضاً (فإذا صَحَّ ذلك
منهما) أي من رب المال والعامل (جميعاً) وأمن من كل واحد منهما أن
التسليف والإبضاع ليسا لأجل بقاء القراض بل (وكان ذلك منهما على وجه
المعروف) والإحسان لصاحبه (ولم يكن) ذلك (شرطاً) أيضاً (في أصل) عقد
(القراض فذلك جائز) لأنه مجرد تَبَرُّع وإحسانٍ (لا بأس به) تأكيد لقوله: جائز.
(وإن دخل ذلك شرط) أي دخل فيه شرط عند القراض (أو خِيفَ) ببناء
المجهول (أن يكون إنما صنع ذلك العامل لصاحب المال ليقر) بضم أوله أي ليبقي
صاحب المال (ماله في يديه) أي العامل (أو إنما يصنع ذلك صاحب المال ليمسك
العامل ماله) أي مال رب المال (ولا يرده عليه، فإن ذلك لا يجوز في القراض وهو)
أي جعله شرطاً في القراض أو كونه وسيلة لبقائه (مما ينهى عنه أهل العلم) وهذا
كله واضح، وتقدم في ((ما لا يجوز من الشروط)) أن القراض لا يكون معه بيع ولا
كراء ولا سلف ولا مرفق يشترطه أحدهما لنفسه، انتهى.
٣٧٩

٣٤ - كتاب القراض
(١٣) باب
(١٤١١) حديث
(١٣) باب السلف في القراض
١٤/١٤١١ - قَالَ يَحْيَىُ: قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ أَسْلَفَ رَجُلاً
مَالاً .
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من أبضع أحدهما مع صاحبه أو
استسلف منه بشرط كان في أصل القراض، فإن ذلك غير جائز؛ لأن ذلك زيادة
ازدادها في القراض ليست من الربح، فلم يصح ذلك، فإن فعل ذلك من غير
شرط، ولكنه فعله بعد عقد القراض، فلا يخلو أن يكون ذلك بعد العمل في
المال أو قبله، فإن كان بعد العمل، وكان ذلك لإخاء بينهما ومودة فهو جائز،
وإن كان لإبقاء القراض واستدامته، فهو من باب الهدنة لإبقاء القراض، وذلك
ممنوع، انتهى.
وتقدم في الشروط الفاسدة شرط الإبضاع في كلام الموفق، وقال أيضاً
في موضع آخر: إن الإبضاع جائز إن لم يكن ذلك عوضاً عن قرض، فإن كان
العامل اقترض الألف أو بعضها من صاحبه لم يجز؛ لأنه جعل عمله في مال
صاحبه عوضاً عن قرضه، وذلك غير جائز، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) (٢): المضاربة لا تفسد بدفع كل المال أو بعضه إلى
المالك بضاعة، وتقييد ((الهداية)) بالبعض اتفاقيٌّ، انتهى.
(١٣) السلف في القرض
أي إذا وقع عقد القرض مع عقد القراض، فماذا يكون؟ والفرق بين هذه
الترجمة وبين ما تقدم من ترجمة الدين واضح، فإن المقصود في الأول كان بيع
النسيئة، وهو مؤدى الدين، والمقصود ههنا أخذ المال بطريق القرض.
١٤١١/ ١٤ - (قال مالك في رجل) زيد مثلاً (أسلف رجلاً) عمراً (مالاً)
(١) ((المنتقى)) (١٧٦/٥).
(٢) (٢٢٠/٦).
٣٨٠