النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٤ - كتاب القراض (٤) باب (١٤٠٢) حديث أَمَرَهُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ غَيْرَهَا، كَثِيرَةً مَوْجُودَةً. لَا تُخْلِفُ فِي شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ. فَلَا بَأُسَ بِذْلِكَ. و(أمره أن لا يشتري غيرها موجودة) في الأسواق بالكثرة (كثيرة) كذا في النسخ الهندية والمصرية، وقال الزرقاني (١): لفظ ((كثيرة)) ثابت لابن وضاح عن يحيى، ساقط لا بنه، انتھی. وأوضح كثرة الوجود بقوله: (لا تخلف) بضم أوله من قولهم: أخلف أي أعسر، وهو أوضح مما في النسخ الهندية بدله ((لا تختلف»، وهو ليس بوجيه (في شتاء ولا صيف) يعني توجد في كل زمان (فلا بأس بذلك) الشرط، قال الزرقاني: فإن تعذرت لقلتها منع، وإن نزل فسخ، وبه قال الشافعي، وأجازه أبو حنيفة، انتهى. قال الباجي(٢): وهذا كما قال: إن من شرط على العامل أن لا يتجر بسلعة معينة أو بالحيوان، فذلك جائز، وله شرطه؛ لأنه قد أبقى له من السلع ما لا يعدم التجارة فيها في بلدمن البلدان، ولا وقت من الأوقات، وهذا شرط في صحة القراض، وأما إذا قال: أقارضك على أن لا تشتري إلا سلعة كذا، فإن كانت السلعة كثيرة موجودة، ولا تعدم التجارة فيها، ولا تعدم هي في وقت من الأوقات كالحيوان والطعام، فإن ذلك جائز، وإن كانت السلعة تعدم في وقت من الأوقات أو تتعذر التجارة بها لقلتها في بعض الأزمان لم تجز المقارضة بهذا، وعقد القراض على ذلك فاسد، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: هو جائز، وإذا ثبت أنه يفسد القراض، فإنه يفسخ، انتهى. وقال الموفق(٣): الشروط في المضاربة تنقسم قسمين: صحيح وفاسد، (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٩/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٥٩/٥). (٣) ((المغني)) (١٧٧/٧). ٣٢١ ٣٤ - كتاب القراض (٤) باب (١٤٠٢) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً. وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئاً مِنَ الرِّبْح. خَالِصَاً دُونَ صَاحِبِهِ: فَإِنَّ ذُلِكَ لَا يَصْلُحُ. وَإِنْ كَانَ دِرْهَماً وَاحِداً. إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ نِصْفَ الرِّبْحِ لَّهُ. وَنِصْفَهُ لِصَاحِبِهِ. فالصحيح، مثل أن يشترط على العامل أن لا يسافر بالمال، أو أن يسافر به، أو لا يتَجر إلا في بلد بعينه، أو نوع بعينه، أو لا يشتري إلا من رجل بعينه، فهذا كله صحيح، سواء كان النوع مما يَعُمُّ وجوده أو لا يعمّ، والرجل ممن يكثر عنده المتاع أو يقل، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال مالك والشافعي: إذا شرط أن لا يشتري إلا من رجل بعينه أو سلعة بعينها أو ما لا يعم وجوده، كالياقوت الأحمر والخيل البلق لم يصح؛ لأنه يمنع مقصود المضاربة، وهو التقليب، وطلب الربح، فلم يصح. ولنا، أنها مضاربة خاصة لا تمنع الربح بالكلية فصحت، كما لو شرط أن لا يتّجر إلا في نوع يعم وجوده، ولأنه عقد يصح تخصيصه بنوع، فصح تخصيصه برجل بعينه وسلعة بعينها، انتهى. وفي ((الهداية))(١): إن خصّ له رب المال التصرف في بلد بعينه أو في سلعة بعينها لم يجز له أن يتجاوزها؛ لأنه توكيلٌ، وفي التخصيص فائدة، فیتخصص، انتھی. (قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً واشترط عليه) أي على العامل (فيه) أي في المال (شيئاً من الربح) معيناً (خالصاً) لنفسه (دون) شركة (صاحبه) في ذلك الربح (فإن ذلك) الشرط (لا يصلح وإن) وصلية (كان) ذاك الربح الخالص (درهماً واحداً) بل ولو أقل منه إذ لعل ذلك المقدار يستغرق الربح، فلا يبقى للعامل شيء (إلا أن) بحرف الاستثناء في النسخ المصرية، وهو أوجه مما في جميع النسخ الهندية بلفظ لا (يشترط) ربحاً مشاعاً بينهما فهذا جائز، مثل أن يشترط (نصف الربح له) للعامل (ونصفه) الآخر (لصاحبه) (١) (٢٠٢/٢). ٣٢٢ ٣٤ - كتاب القراض (٤) باب (١٤٠٢) حدیث أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ. أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذُلِكَ أَوْ أَكْثَر. فَإِذَا سَمَّى شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ، قَلِيلاً أَوْ كَثِيراً. فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَمَّى مِنْ ذُلِكَ حَلَالٌ وَهُوَ قِرَاضُ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَلُكِنْ إِنِ اشْتَرَطَ أَنَّ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ دِرْهَماً وَاحِداً. فَمَا فَوْقَهُ. خَالِصاً لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ. وَمَا بَقِيَ مِنَ الرِّبْحِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. فَإِنَّ ذُلِكَ لَا يَصْلُحُ. وَلَيْسَ عَلَى ذُلِكَ قِرَاضُ اَلْمُسْلِمِينَ. أي لرب المال (أو ثلثه) أي ثلث الربح (أو ربعه أو أقل من ذلك) أي من الربع، كالسدس والثمن وغيرهما (أو أكثر) من النصف أيضاً، فهذا كله جائز (فإذا سمى شيئاً من ذلك) أي عَيَّنَ من الربح ربحاً مشاعاً (قليلاً) كان ذلك (أو كثيراً فإن كل شيء من ذلك) القليل والكثير فهو (حلالٌ) لهما (وهو قراض المسلمين) الجاري بينهم من زمن خير القرون. (قال مالك) وليس هذا اللفظ في أكثر النسخ المصرية، بل الكلام الآتي ملحق بما سبق، وهو الأوجه، فإن الكلام الآتي مرتبط بما سبق (ولكن إن اشترط أن له من الربح درهما واحداً فما فوقه) أي أكثر من الواحد (خالصاً له دون صاحبه) أي يختص بذلك (وما بقي من الربح) بعد إخراج الربح الخالص الدرهم وغيره (فهو) أي الباقي (بينهما نصفين، فإن ذلك) أيضاً (لا يصلح) أي لا يجوز (وليس على ذلك) الطريق (قراض المسلمين). قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من اشترط من المتعاملين شيئاً من الربح على الآخر، فإن ذلك جائز؛ لأن ذلك يقتضي أن لا يخلو واحد منهما من حصته من الربح، ولو اشترط أحدهما عدداً لم يجز؛ لأنه قد يمكن ذلك العدد أن يستغرق جميع الربح، فلا يكون للآخر حظّ من الربح، وهو لم يدخل في القراض إلا على حظٍ من الربح، فلذلك كان الربح على الأجزاء لا على (١) ((المنتقى)) (١٦٠/٥). ٣٢٣ ٣٤ - كتاب القراض (٤) باب (١٤٠٢) حديث العدد، فإن اشترط أحدهما مع الأجزاء شيئاً من الربح مقدراً بالعدد ولو درهماً واحداً، فإن ذلك يفسد عقد القراض؛ لأن القراض مبنيٌّ على الأجزاء، فإذا اشترط فيه عدداً مستثنى أدخل الجهالة في الأجزاء، انتهى. وقال الموفق(١): والربح على ما اصطلحا عليه في جميع أقسام الشركة، ولا خلاف في ذلك في المضاربة المحضة، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه أو ما يجتمعان عليه بعد أن يكون ذلك معلوماً جزءاً من أجزاء، ولأن استحقاق المضارب الربح بعمله، فجاز ما يتفقان عليه من قليل وكثير، كالأجرة في الإجارة، ولا يجوز أن يجعل لأحد من الشركاء فضل دراهم، يعني متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة أو جعل مع نصيبه دراهم، مثل أن يشترط لنفسه جزءاً وعشرة دراهم بطلت الشركة. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض، إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة، وممن حفظنا ذلك عنه مالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، والجواب فيما لو قال: ولك نصف الربح إلا عشرة دراهم أو نصف الربح وعشرة دراهم، كالجواب فيما إذا شرط دراهم مفردة، انتهى. وفي ((الهداية))(٢): من شرطها أن يكون الربح بينهما مشاعاً لا يستحق أحدهما دراهم مسماة من الربح، فإن شرط زيادة عشرة فله أجر مثله لفساده، فلعله لا يربح إلا هذا القدر، انتهى. (١) ((المغني)) (١٣٨/٧). (٢) (٢٠٠/٢). ٣٢٤ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث (٥) باب ما لا يجوز من الشرط في القراض ٦/١٤٠٣ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ شَيْئاً مِنَ الرِّبْحِ خَالِصاً. دُونَ الْعامِلِ. (٥) ما لا يجوز من الشرط في القراض قال ابن رشد(١): جملة ما لا يجوز من الشروط عند الجميع هي ما أَدَّىُ عندهم إلى غرر أو إلى مجهلة زائدة، ولا خلاف بين العلماء أنه إذا اشترط أحدهما لنفسه من الربح شيئاً زائداً غير ما انعقد عليه القراض أن ذلك لا يجوز؛ لأنه يصير ذلك الذي انعقد عليه القراض مجهولاً، وهذا هو الأصل عند مالك في أن لا يكون مع القراض بيعٌ ولا كراءٌ ولا سلف ولا عمل ولا مرفق يشترطه أحدهما لصاحبه مع نفسه، فهذه جملة ما اتفقوا عليه، وإن اختلفوا فى التفصيل. ثم ذكر تفصيل اختلافهم في ذلك، وتقدم في أول الترجمة السابقة ما قال الموفق(٢): إن الشروط في المضاربة تنقسم قسمين: صحيح وفاسد، ثم قال: والشروط الفاسدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما ينافي مقتضى العقد، مثل أن يشترط لزوم المضاربة أو لا يبيع إلا برأس المال أو أقل أو غير ذلك، والثاني: ما يعود بجهالة الربح، مثل أن يشترط للمضارب جزءاً من الربح مجهولاً أو ربح أحد الكسبين أو أحد السفرين أو غير ذلك، والثالث: اشتراط ما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه مثل أن يشترط على المضارب المضاربة له في مال آخر أو يأخذه بضاعة أو قرضاً أو يرتفق ببعض السلع، مثل أن يلبس الثوب ويركب الدابة وغير ذلك، انتهى مختصراً. ٦/١٤٠٣ - (قال مالك: لا ينبغي) أي لا يجوز (لصاحب المال أن يشترط لنفسه شيئاً) معيناً (من الربح خالصاً) لنفسه (دون) شركة (العامل) فيه كما تقدم (١) ((بداية المجتهد)) (٢٣٨/٢). (٢) ((المغني)) (١٧٧/٧). ٣٢٥ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ شَيْئاً مِنَ الرِّبْحِ خَالِصاً. دُونَ صَاحِبِهِ. وَلَا يَكُونُ مَعَ الْقِرَاضِ بَيْعٌ، وَلَا كِرَاءٌ، وَلَا عَمَلٌ، وَلَا سَلَفٌ، وَلَا مَرْفِقٌ يَشْتَرِطُهُ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ صَاحِبِهِ. في القول السابق من آخر الباب الماضي (و) كذلك (لا ينبغي للعامل) أيضاً (أن يشترط لنفسه شيئاً من الربح خالصاً) لنفسه (دون صاحبه) وتقدم في الباب السابق إجماع الفقهاء على ذلك. قال الزرقاني(١): فإن وقع ذلك، فقال مالك وأصحابه في ((الموازية)): إن ترك ذلك مشترطه قبل العمل جاز، وأما بعده فروى يحيى عن ابن القاسم إن أسقطه مشترطه صَحَّ، وتماديا عليه، وأنكره يحيى بعد العمل، انتهى. وقد تقدم البسط في القراض الفاسد قريباً، (ولا يكون) أي لا يجوز أن يكون (مع القراض) عقد آخر. وذكر بعض العقود مثالاً، فقال: (بيع ولا كراء ولا عمل) آخر شرطه أحدهما، وليس في النسخ الهندية لفظ ولا عمل (ولا سلف) أي لا يجوز أن يشترط مع القراض أن يقرض أحدهما الآخر (ولا مرفق) بفتح الميم وكسر الفاء وعكسه ما يرتفق به (يشترط أحدهما) شيئاً مما ذكر (لنفسه دون صاحبه). قال الباجي (٢): لا يكون مع القراض بيع وغيره، يريد أنه لا يجوز أن يشتمل عليهما عقد واحد، وجه ذلك أن هذه عقود لازمة. وعقد القراض عقد جائز، فلما تنافى مقتضاهما لم يصح أن يجتمعا في عقد؛ لأن ذلك يخرج أحدهما عن مقتضاه، ويوجب فساده، وإذا فسد أحدهما فسد الآخر لاشتمال العقد عليهما، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٠/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٦٠/٥). ٣٢٦ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حدیث إِلَّا أَنْ يُعِينَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى غَيْرِ شَرْطِ. عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ. إِذَا صَحَّ ذُلِكَ مِنْهُمَا. وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُتَقَارِضَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ زِيَادَةً، مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَلَا طَعَام، وَلَا شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ. يَزْدَادُهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. قَالَ: فَإِنْ دَخَلَ الْقِرَاضَ شَيْءٌ مِنْ ذُلِكَ، وقال الموفق (١): القسم الثالث من الشروط الفاسدة: اشتراط ما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه، مثل أن يشترط على المضارب المضاربة له في مال آخر، أو يأخذه بضاعةً أو قرضاً، أو أن يخدمه في شيء بعينه، أو يرتفق ببعض السلع، مثل أن يلبس الثوب، ويستخدم العبد، ويركب الدابة، أو شرط المضارب على رب المال شيئاً من ذلك، فهذه كلها شروط فاسدة، انتهى. وتقدم حكم القراض الفاسد بالشروط الفاسدة، وما قال صاحب ((الهداية))(٢): إن كل شرط يوجب جهالةً في الربح يفسده لاختلال مقصوده وغير ذلك من الشروط الفاسدة لا يفسدها، ويَبْطُلُ الشرط كاشتراط الوضيعة على المضارب، اهـ. (إلا أن يعين) مضارع من الإعانة (أحدهما) أي أحد المتعاقدين (صاحبه) أي الآخر منهما (على غير شرط) في العقد بل (على وجه المعروف) والتبرع (إذا صح ذلك منهما) كما تقدم في أول باب ما يجوز من القراض. (ولا ينبغي) أي لا يجوز إجماعاً (للمتقارضين أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة) مسماة معدودة (من ذهب ولا فضة ولا طعام ولا شيء) آخر (من الأشياء يزداده أحدهما على صاحبه) غير الربح المشاع (قال: فإن دخل القراض) مفعول دخل وفاعله (شيء من ذلك) الذي ذكر من الشروط الفاسدة المذكورة (١) («المغني)) (١٧٩/٧). (٢) (٢٠١/٢). ٣٢٧ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث صَارَ إِجَارَةً. وَلَا تَصْلُحُ الْإِجَارَةُ إِلَّا بِشَيْءٍ ثَابِتٍ مَعْلُومٍ. وَلَا يَنْبَغِي لِلَّذِي أَخَذَ الْمَالَ أَنْ يَشْتَرِطَ، مَعَ أَخْذِهِ الْمَالَ، أَنْ يُكَافِئِّ. بطل القراض و(صار) العقد المذكور (إجارة) فاسدة (و) وجه كونه فاسدة أنه (لا تصلح الإجارة) أي لا تكون الإجارة صحيحة (إلا بشيء ثابت) في الذمة (معلوم) القدر؛ لأن الإجارة بيع منافع، فيشترط لها شروط البيع، وههنا لم تثبت على ذمة رب المال أجرة معلومة، فتصير إجارة فاسدة، وهذا أوجه عندي في معنى قول مالك، وهذا مبنيٌ على أحد الأقوال المتقدمة عن مالك أن القراض الفاسد يُرَدُّ إلى أجرة المثل، وتقدم هناك أقوال الفقهاء في ذلك. وقال الباجي(١): قوله: فإن دخل القراض شيء من ذلك يريد إن اشترطه العامل فهو إجارة؛ لأن من حكم القراض أن يكون عوض العمل حقه مقصور على ما يترقب خروجه من النماء، فإذا اشترطه العامل ذهباً من غيره أو غير ذهب، فقد خرج عن سنة القراض إلى ما لا يجوز فيه، وإنما يجوز في الإجارة إلا أن من شرط الإجارة أن يكون جميع عوضها معلوماً، فإذا كان بعض عوضها مجهولاً مترقباً من النماء لم تصح الإجارة أيضاً. والفرق بين الإجارة على التجارة بالمال، وبين القراض أن في الإجارة يستأجره على أن يتّجر له في ماله بشيء معلوم معين مقبوض أو مقدر في الذمة بعقد لازم، فإن جعل شيء منه في النماء المترقب لم يجز، ومعنى القراض أن يعامله معاملة جائزة، ليعمل في ماله بجزء من نمائه المترقب، فإن صرف شيء من عوض العمل إلى غير ذلك لم يجز، انتهى. (ولا ينبغي) أي لا يجوز (للذي أخذ المال) وهو العامل (أن يشترط مع أخذه المال) عن رب المال (أن يكافئ) أحداً ممن أسدى إليه معروفاً أي يتبرع ويجزئ أحداً من مال المضاربة جزاء إحسانه، قال الزرقاني تبعاً للباجي: فلو (١) ((المنتقى)) (١٦١/٥). ٣٢٨ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث وَلَا يُوَلِّيَ مِنْ سِلْعَتِهِ أَحَداً. وَلَا يَتَوَلَّى مِنْهَا شَيْئاً لِنَفْسِهِ. فَإِذَا وَفَرَ الْمَالُ. وَحَصَلَ عَزْلُ رَأْسِ الْمَالِ. ثُمَّ اقْتَسَمَا الرِّبْحَ عَلَى شَرْطِهِمَا. كافى لمعروف أسدي إليه في مال القراض على وجه التجارة والنظر جاز (ولا يولي) من التولية (من سلعته) أي من السلعة المشتراة بمال القراض (أحداً) يعني لا يبيعه بالتولية لشركة رب المال في الربح، فلا يضيع ربحه بالتولية. قال الزرقاني: هذا إذا كان يرجو فيها النماء لتعلق حق رب المال بالربح فيها، وقيد بما لم يخف الوضيعة وإلا جاز (ولا يتولى شيئاً منها) أي من السلعة المذكورة (لنفسه) أي يأخذها لنفسه بالتولية. قال الباجي(١): وهذان الفصلان أي المكافاة والتولية إذا كانا على وجه المتاجرة فللعامل فعله، ولا يحتاج إلى اشتراطها، ولو اشترطها لما فسد بذلك القراض، وإن كانا على وجه المعروف فلا يجوز اشتراطهما ويفسد ذلك العقد، وإن فعلها من غير شرط كان ذلك موقوفاً على إجازة صاحب العامل، وأما أن يتولى من ذلك سلعة، فإن ذلك غير جائز؛ لأنه ليس له أن يذهب ببعض النماء الحاصل في المال، ولا يجوز اشتراطه، فإن فعل ذلك من غير شرط، فلرب المال الخيار بين أن يمضيه ويلزمه العامل وبين أن يرده، انتهى. وعدّه الموفق في القسم الأول من الأقسام الثلاثة في الشروط الفاسدة، وهو ما ينافي مقتضى العقد مثل أن يشترط أن لا يبيع إلا برأس المال أو أقل أو أن يوليه ما اختاره من السلع أو نحو ذلك، قال: فهذه شروط فاسدة؛ لأنها تُفَوِّتُ المقصود من المضاربة وهو الربح، انتھی. (قال) مالك: (فإذا وفر) بفتح الفاء (المال) أي زاد (وحصل) الربح في التجارة (عزل) أولاً (رأس المال) ويسلمه إلى ربه (ثم اقتسما الربح) وهو المال الباقي بعد إخراج الأصل، فيقتسمانه بينهما (على شرطهما) من النصف والثلث وغير ذلك على ما شرطا الربح. (١) ((المنتقى)) (١٦٢/٥). ٣٢٩ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حدیث فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِ رِبْحٌ. أَوْ دَخَلَتْهُ وَضِيعَةٌ. لَمْ يَلْحَقِ الْعَامِلَ مِنْ ذُلِك شَيْءٌ. لَا مِمَّا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ. وَلَا مِنَ الْوَضِيعَةِ. وَذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِي مَالِهِ. قال الباجي: يريد الذي يجب أن يبدأ بالإخراج في قسمة القراض رأس المال؛ لأنه لا ربح لواحد منهما حتى يسلم إلى صاحبه، ويصير في قبضه، فإن اقتسما الربح دون أن يحضر رأس المال، أو حضر، فلم يقبضه صاحبه، فإن تلك قسمة فاسدة، فإن دخل المال نقصٌ ردّ من الربح ما يجبر به رأس المال، وإن أتى على جميعه، قاله عيسى، انتهى. (فإن لم يكن للمال ربح) أي لم يزد على رأس المال شيء (أو دخلته) أي دخل في رأس المال (وضيعة) أي نقص وخسران (لم يلحق العامل) بالنصب (من ذلك) الخسران (شيء) فاعل لم يلحق (لا مما أنفق) العامل (على نفسه) بشرائطه (ولا من الوضيعة) لأنه لا ضمان على العامل كما سيأتي قريباً (وذلك) أي المذكور من النفقة والوضيعة كلها (على رب المال في ماله) وسيأتي بيان النفقة والضمان قريباً . قال الباجي(١): يريد أنه إن لم يكن للمال ربحٌ يُقْسم فلا شيء للعامل، ولا شيء عليه، إن كان في ذلك خسران، ولا عليه أن يجبره، لأنه ليس بمضمون عليه، ولا عليه رد شيء مما أنفقه على نفسه، إن كان سافر فيه سفراً، يقتضي الإنفاق على العامل؛ لأن ذلك بمنزلة سائر المؤن اللازمة لمال القراض من کراء حمل وإجارة نشر. وقوله: على رب المال في ماله يريد مال القراض، وليس ذلك فيما بيده من المال؛ لأنه لم يأذن له في التصرف إلا في مال القراض، فليس له أن يتصرف تصرفاً يتعدى إلى غير ذلك من ماله، انتهى. (١) ((المتقى)) (١٦٢/٥). ٣٣٠ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث وَالْقِرَاضُ جَائِزٌ عَلَى مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ. مِنْ نِصْفٍ الرِّبْح، أَوْ ثُلُثِهِ، أَوْ رُبُعِهِ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذُلِكَ، أَوْ أَكْثَرَ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِلَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ قِرَاضاً أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ سِنِينَ لَا يُنْزَعُ مِنْهُ. قَالَ: وَلَا يَصْلُحُ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّكَ لَا تَرُدُّهُ إِلَّ سِنِينَ، لِأَجَلٍ يُسَمِّيَانِهِ. (والقراض جائز على ما تراضى) وفي النسخ المصرية: ((على ما تراضيا)) (عليه) الضمير إلى ((ما)) (رب المال والعامل من) بيان لما (نصف الربح أو ثلثه أو ربعه أو أقل من ذلك أو أكثر) بشرط أن يكون مشاعاً كما تقدم أعاده كالخلاصة للكلام. (قال مالك: ولا يجوز للذي يأخذ المال قراضاً) وهو العامل (أن يشترط) على رب المال (أن يعمل فيه) أي في المال (سنين) عديدة (لا ينزع) بيناء المجهول (منه) أي لا يرجع منه المال (قال) مالك: (و) كذلك (لا يصلح) أي لا يجوز (لصاحب المال أن يشترط) على المضارب (أنك لا ترده) أي المال (إلى سنين) عديدة (لأجل يسميانه) أي يعينان السنين المشترطة، قال صاحب ((المحلى)): وبه قال الشافعي وأحمد: إنه لا يجوز إلى مدة معلومة لا يفسخها قبلها، وقال أبو حنيفة: يجوز، كذا في ((الرحمة في اختلاف الأمة))(١)، انتهى. قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إنه لا يجوز أن يوقت القراض بمدة معلومة لا يجوز فسخه قبلها، وإن عاد المال عيناً وإن انقضت المدة فقد كمل القراض، فلا يكون للعامل ولا عليه أن يبيعه، ولا يعمل به إذا كان عرضاً عند انقضاء المدة، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: إن ذلك جائز، والدليل على ما نقوله أنه عقد جائز، قلم يتوقف بمدة (١) (ص١٨٧). (٢) ((المنتقى)) (١٦٢/٥). ٣٣١ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث من الزمان كالشركة، ومعنى ذلك أن لكل واحد من المتعاقدين فسخه متى شاء، والتوقيت يمنع ذلك، انتهى. وقال الموفق(١): يصح تأقيتُ المضاربة، مثل أن يقول: ضاربتك على هذه الدراهم سنة، فإذا انقضت فلا تبع، ولا تشتر، قال مُهَنّا (٢): سألت أحمد عن رجل أعطى رجلاً ألفاً مضاربة شهراً، قال: إذا مضى شهر يكون قرضاً، قال: لا بأس به، قلت: إن جاء الشهر وهي متاع؟ قال: إذا باع المتاع يكون قرضاً، وقال أبو الخطاب: في صحة شرط التأقيت روايتان: إحداهما: هو صحيح، وهو قول أبي حنيفة، والثانية: لا يصح، وهو قول الشافعي ومالك واختيار أبي حفص العكبري لثلاثة معانٍ: أحدها: أنه عقد يقع مطلقاً، فإذا شرط قطعه لم يصح كالنكاح، الثاني: أن هذا ليس من مقتضى العقد، ولا له فيه مصلحة، وبيان أنه ليس من مقتضى العقد أنه يقتضي أن يكون رأس المال ناضّاً، فإذا منعه البيع لم ينض، الثالث: أن هذا يؤدي إلى ضرر بالعامل؛ لأنه قد يكون الربح والحظ في تبقية المتاع وبيعه بعد السنة، فيمتنع ذلك بمضيها . ولنا، أنّه تصرف يتوقف بنوع من المتاع، فجاز توقيته في الزمان كالوكالة، والمعنى الأول يبطل بالوكالة، والمعنى الثاني والثالث يبطل تخصيصه بنوع من المتاع، ولأن لرب المال منعه من البيع والشراء في كل وقت إذا رضي أن يأخذ بماله عرضاً، فإذا شرط ذلك فقد شرط ما هو من مقتضى العقد فصح، كما لو قال: إذا انقضت السنة فلا تشتر شيئاً وقد سلموا صحة ذلك، انتھی . (١) («المغني)) (١٧٧/٧). (٢) أبو عبد الله مهنا بن يحيى الشامي السلمى، من كبار أصحاب الإمام أحمد، من رجال القرن الثالث. ((طبقات الحنابلة)) (٣٤٥/١). ٣٣٢ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حدیث لِأَنَّ الْقِرَاضَ لَا يَكُونُ إِلَى أَجَل. وَلَكِنْ يَدْفَعُ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ إِلَى الَّذِي يَعْمَلُ لَهُ فِيهِ. فَإِنْ بَدَا لِأَحَّدِهِمَا أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ. وَالْمَالُ نَاضٌّ لَمْ يَشْتَرِ بِهِ شَيْئاً، تَرَكَهُ. وَأَخَذَ صَاحِبُ الْمَالِ مَالَهُ. وَإِنْ بَدَا لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَقْبِضَهُ، بَعْدَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ سِلْعَةً. فَلَيْسَ ذُلِكَ لَهُ. حَتَّى يُبَاعَ الْمَتَاعُ وَيَصِيرَ عَيْناً. فَإِنْ بَدَا لِلْعَامِلِ أَنْ يَرُدَّهُ، وَهُوَ عَرْضٌ، لَمْ يَكُنْ ذُلِكَ لَهُ. حَتَّى يَبِيعَهُ، فَيُرَدَّهُ عَيْناً كَمَا أَخَذَهُ. وفي ((الهداية))(١): إن وقت للمضارب وقتاً بعينه يبطل العقد بمضيه؛ لأنه تو کیل فیتوقت بما وقته، انتهى. . ثم بَيَّنَ الإمام مالك الدليل على ما اختاره من عدم جواز التأقيت، فقال: (لأن القراض لا يكون إلى أجل) ولا يجوز تأقيته (ولكن) يكون القراض بأنه (يدفع رب المال ماله إلى الذي يعمل له فيه) وهو المضارب (فإن بدا لأحدهما) أي لأحد المتعاقدين (أن يترك ذلك) العقد ويفسخه (والمال) بعد (ناض) أي نقد (لم يشتر به) إلى الآن (شيئاً تركه) قال الزرقاني: لأن عقده غير لازم بالإجماع (وأخذ) بعد الفسخ (صاحب المال ماله) الذي أعطاه قراضاً. (وإن بدا لرب المال أن يقبضه) أي ماله (بعد أن يشتري به) العامل (سلعة فليس ذلك له) أي لا يجوز ذلك لرب المال لدخول عمل المضارب فيه (حتى يباع المتاع) وهو ما اشتراه (ويصير) العرض (عيناً) لتعلق حق العامل في الربح (فإن بدا للعامل أن يرده) أي يرد المال ويفسخ العقد (وهو عرض، لم يكن ذلك له حتى يبيعه، فيرده عيناً كما أخذه). قال الزرقاني(٢) تبعاً للباجي حاصله: أن لكل فسخه قبل العمل لا بعده حتى يعود عيناً كما أخذه. (١) (٢٠٣/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥١/٣). ٣٣٣ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث وقال الموفق(١): المضاربة من العقود الجائزة تنفسخ بفسخ أحدهما أيهما كان، وبموته، وجنونه، والحجر عليه، ولا فرق بين ما قبل التصرف وبعده، فإذا انفسخت والمال ناض لا ربح فيه أخذه ربه، وإن كان فيه ربح قسما الربح على ما شرطاه، وإن انفسخت، والمال عرض، فاتفقا على بيعه أو قسمه جاز، وإن طلب العامل البيع، وأبى رب المال، وقد ظهر في المال ربح أجبر رب المال على البيع، وهو قول إسحاق والثوري، وإن لم يظهر الربح لم يجبر، وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وقال بعضهم: فيه وجه آخر أنه يجبر على البيع؛ لأنه ربما زاد فيه زائد، ورغب فيه راغب، فزاد على ثمن المثل، فيكون للعامل فيه حظ، ولنا، أن العامل استحق الربح إلى حين الفسخ، وذلك لا يعلم إلا بالتقويم، وما ذكروه من احتمال الزيادة إنما حدث بعد الفسخ. وإن طلب رب المال البيع وأبى العامل، ففيه وجهان: أحدهما: يجبر العامل على البيع، وهو قول الشافعي، لأن عليه رد المال ناضّاً كما أخذه، والثاني: لا يجبر إذا لم يكن في المال ربح أو أسقط حقه من الربح؛ لأنه بالفسخ زال تصرفه، وصار أجنبياً من المال، وإذا نَضّ رأس المال جميعه لم يلزم العامل أن ينض له الباقي، لأنه شركة بينهما ولا يلزم الشريك أن ينض مال شريكه، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٢): وينعزل بعزله، لأنه وكيل إن علم به وإلا لا، فإن علم بالعزل، والمال عروض باعها ولو نسيئة ثم لا يتصرف في ثمنها، ولا يملك المالك فسخها في هذه الحالة، بخلاف أحد الشريكين إذا فسخ الشركة، (١). ((المغني)) (٧/ ١٧٢). (٢) (٢١٨/٦). ٣٣٤ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَصْلُحُ لِمَنْ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً، أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ فِي حِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ خَاصَّةً. لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ، إِذَا اشْتَرَطَ ذُلِكَ، فَقَدِ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ، فَضْلاً مِنَ الرِّبْحِ ثَابِتّاً. ومالها أمتعة صَحَّ، قال ابن عابدين: قوله: في هذه الحالة أي حال كون المال عروضاً؛ لأن للمضارب حقاً في الربح، انتهى. (قال مالك) هكذا في النسخ الهندية، وأكثر المصرية وهو الأوجه، وليس هذا في نسخة الزرقاني، بل ذكر القول الآتي ملحقاً بما سبق، وليس بوجيه، فإن المسألة الآتية مسألة مستأنفة، وأعجب منه ما في نسخة ((المنتقى)) إذ ترجم ههنا زكاة القراض، وليس بمحله، فإن الأقوال الآتية لا تعلق لجميعها بالزكاة، بل يتعلق كلها بالشروط، ومن جملتها شرط الزكاة، فالصحيح إدخال هذه الأقوال في ترجمة الشروط (ولا يصلح لمن دفع إلى رجل مالاً قراضاً أن يشترط عليه الزكاة) . اختلفوا في مراد المصنف من الزكاة، وظاهر كلام الباجي أنه أراد زكاة رأس المال، وعليه بنى شرحه، كما سيأتي في كلامه، وظاهر كلام ابن رشد أنه أراد زكاة الربح كما سيأتي من كلامه. وقال الدردير(١): جاز اشتراط زكاة الربح على أحدهما أي رب المال والعامل، وأما رأس المال فزكاته على ربه، ولا يجوز اشتراطه على العامل، قال الدسوقي: ما ذكره المصنف من جواز اشتراط زكاة الربح على أحدهما، هو المشهور في المذهب، خلافاً لما في ((الأسدية)) من المنع عن ذلك، انتهى. (في حصته) أي العامل (من الربح خاصة) دون حصة رب المال من الربح (لأن رب المال إذا اشترط ذلك فقد اشترط) رب المال (لنفسه فضلاً) أي زيادة (من الربح) معيناً (ثابتاً) بالموحدة والفوقية في جميع النسخ الهندية والمصرية (١) ((الشرح الكبير)) (٥٢٢/٣). ٣٣٥ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث فِيمَا سَقَطَ عَنْهُ مِنْ حِصَّةِ الزَّكَاةِ. الَّتِي تُصِيبُهُ مِنْ حِصَّتِهِ. صفة لقوله: فضلاً، وفي نسخة ((المنتقى)) ثانياً بالنون والتحتية، فإن صح فيكون المعنى مرة أخرى، يعني الربح الأول ما شرطا في المضاربة، والربح الثاني ما حصل له بخلاصه عن الزكاة (فيما سقط عنه) أي عن رب المال (من حصة الزكاة التي تصيبه) أي تلزمه (من حصته). قال الباجي(١): وهذا كما قال: إنه لا يجوز لرب المال أن يشترط على العامل زكاة رأس المال؛ لأن ذلك يعود إلى أن يشترط عليه عدداً من الربح ينفرد به، ثم تطرأ القسمة بعد ذلك، وربما استغرق ذلك جميع الربح، فيسقط حظ العامل من الربح مع وجوده واشتراطه له، وذلك ينافي الجواز لما فيه من الجهالة، انتهى. قال ابن رشد(٢): أما اختلافهم في جواز اشتراط رب المال زكاة الربح، فقال مالك في ((الموطأ)): لا يجوز، ورواه عنه أشهب، وقال ابن القاسم: ذلك جائز، ورواه عن مالك، وبقول مالك قال الشافعي، وحجة من لم يجزه، أنه تعوض حصة العامل، ورب المال مجهولة؛ لأنه لا يدري كم يكون المال في حين وجوب الزكاة فيه، وتشبيهاً باشتراط زكاة أصل المال عليه أعني على العامل، فإنه لا يجوز باتفاق. وحجة ابن القاسم، أنه يرجع إلى جزء معلوم النسبة، وإن لم يكن معلوم القدر؛ لأن الزكاة معلومة النسبة من المال المزكى، فكأنه اشترط عليه في الربح الثلث إلا ربع العشر أو النصف إلا ربع العشر، وذلك جائز، وليس مثل اشتراطه زكاة رأس المال؛ لأن ذلك معلوم القدر غير معلوم النسبة، فكان ممكناً أن يحيط بالربح فيبقى عمل المقارض باطلاً. (١) ((المنتقى)) (١٦٣/٥). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٣٩/٢). ٣٣٦ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث وهل يجوز أن يشترط ذلك المقارض على رب المال؟ في المذهب قولان، قيل: بالفرق بين العامل ورب المال، وقيل: يجوز أن يشترطه العامل على رب المال، ولا يجوز أن يشترطه رب المال على العامل، وقيل: عكس ذلك، انتھی. وقال الموفق(١): إذا دفع إلى رجل ألفا مضاربة على أن الربح بينهما نصفان، فحال الحول، وقد صار ثلاثة آلاف، فعلى رب المال زكاة ألفين؛ لأن ربح التجارة حوله حول أصله، وقال الشافعي في أحد قوليه: عليه زكاة الجميع؛ لأن الأصل له والربح نماء ماله ولا يصح؛ لأن حصة المضارب له، وليست ملكاً لرب المال، وأما العامل فليس عليه زكاة في حصته حتى يقتسما، ويستأنف حولاً من حينئذ، نَصَّ عليه أحمد في رواية صالح وابن منصور، وقال أبو الخطاب: يحتسب حوله من حين ظهور الربح، يعني إذا كمل نصاباً، قال: ولا يجب إخراج زكاته حتى يقبض المال؛ لأن العامل يملك الربح بظهوره، ولنا، أن ملك المضارب غير تام؛ لأنه يعرض أن تنقص قيمة الأصل أو یخسر، انتهى. وقال السرخسي: وأما مال المضاربة، فعلى رب المال زكاة رأس المال وحصته من الربح، وعلى المضارب زكاة حصته من الربح، إذا وصلت يده إليه إن كان نصاباً، أو كان له من المال ما يتم به النصاب عندنا، وللشافعي ثلاثة أقاويل في نصيب المضارب: قول مثل قولنا، وقول: إن زكاة ذلك على رب المال؛ لأنه موقوف لحقه حتى لا يظهر الربح ما لم يصل إليه رأس المال، ولأن الربح تبع، وزكاة الأصل عليه، فكذلك التبع. وقول آخر: إنه لا زكاة في نصيب المضارب على أحد؛ لأنه متردد بينه (١) ((المغني)) (٢٦٠/٤). ٣٣٧ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث وَلَا يَجُوزُ لِرَجُلِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى مَنْ قَارَضَهُ، أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إِلَّ مِنْ فُلَانٍ. لِرَجُلِ يُسَمِّيهِ. فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. لِأَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ أَجِيراً بِأَجْرٍ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ. وبين رب المال، يسلم له إن بقي كله، ويكون لرب المال إن هلك بعضه، فهو نظير كسب المكاتب، فليس فيه زكاة على أحد؛ لأنه متردد بينه وبين المولى. وفي الحقيقة هذه المسألة بناء على أصله أن استحقاق المضارب الربح بطريق الجعالة لا بطريق الشركة، إذ ليس له رأس مال ولا بطريق الأجرة؛ لأن عمله غير معلوم عند العقد، والجعالة لا تملك إلا بالقبض، كالعمالة لعامل الصدقات، ولنا، أن المضارب شريكه في الربح فكما يملك رب المال نصيبه من الربح في الزكاة، فكذلك المضارب؛ لأن مطلق الشركة يقتضي المساواة، وبيان الوصف أن رأس ماله العمل ورأس مال الثاني المال، والربح يحصل بهما، فقد تحققت الشركة، وقد نصا في العقد على هذا، وتنصيصهما معتبر بالإجماع، انتھی. (قال مالك) وليس لفظ ((قال مالك)) إلا في بعض النسخ المصرية، والأولى عندي وجوده لاستئناف المسألة الآتية، (ولا يجوز لرجل أن يشترط على من قارضه أن لا يشتري إلا من فلان لرجل) معين (يسميه فذلك) الشرط (غير جائز لأنه) لم تكن هذه مضاربة بل (يصير) العامل (له) أي لرب المال (أجيراً) وفي نسخة ((رسولاً)) (بأجر) موصوف صفته (ليس بمعروف) لأنه لم يتعين الأجر. قال الزرقاني(١): سواء كان ذلك الرجل موسراً لا تعدم عنده السلع أو معسراً، فإن وقع فسخ، فإن فات صح بما يصح به القراض الفاسد، قاله ابن نافع، وأجازه أبو حنيفة، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥١/٣). ٣٣٨ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إِلَى رَجُلِ مَالاً قِرَاضاً وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ الْمَالَ الضَّمَانَ. قَالَ: لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي مَالِهِ غَيْرَ مَا وُضِعَ الْقِرَاضُ عَلَيْهِ. وَمَا مَضَى مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ. فَإِنْ نَمَا الْمَالُ عَلَى شَرْطِ الضَّمَانِ. كَانَ قَدِ ازْدَادَ فِي حَقِّهِ مِنَ الرِّبْحِ مِنْ أَجْلِ مَوْضِعِ الضَّمَانِ. وَإِنَّمَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى مَا لَوْ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ عَلَى غَيْرِ ضَمَانٍ. وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ لَمْ أَرَ عَلَى الَّذِي أَخَذَهُ ضَمَاناً. لِأَنَّ شَرْطَ الضَّمَانِ فِي الْقِرَاضِ بَاطِلٌ. قلت: ووافق أحمد أبا حنيفة والشافعي مالكاً، وتقدم البسط في ذلك في أول ما يجوز من الشروط في القراض. (قال مالك في الرجل يدفع إلى رجل مالاً قراضاً، ويشترط على الذي دفع إليه المال) وهو العامل (الضمان) أي يكون الضمان على العامل في الخسران، (قال مالك) في الصورة المذكورة: (لا يجوز لصاحب المال أن يشترط في ماله غير ما وضع) ببناء المجهول (القراض عليه و) غير (ما مضى من سنة المسلمين فيه) والذي وضع عليه القراض، ولا خلاف فيه بين المسلمين أن مبنى القراض على الأمانة لا على الضمان. (فإن نما) أي زاد (المال) وربح (على شرط الضمان) على العامل (كان) رب المال كأنه (قد ازداد في حقه من الربح من أجل موضع الضمان) وذاك لا يجوز، (وإنما يقتسمان الربح على) وفق (ما لو أعطاه على غير ضمان، وإن تلف المال) من غير تَعدِّ عن العامل (لم أر على الذي أخذه)، أي المال وهو العامل (ضماناً) وإن شرط ذلك رب المال، وذلك (لأن شرط الضمان في القراض باطل). قال الزرقاني(١): فإن دفع على الضمان فسخ ما لم يعمل، فإن عمل بطل (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٢/٣). ٣٣٩ ٣٤ - كتاب القراض (٥) باب (١٤٠٣) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً. وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبْتَاعَ بِهِ إِلَّا نَخْلاً أَوْ دَوَابَّ. الشرط، ورد إلى قراض مثله عند مالك، وعنه إلى أجرة مثله، وقاله الشافعي، وقال أبو حنيفة: القراض جائز والشرط باطل، انتهى. وقال الموفق(١): متى شرط على المضارب ضمان المال أو سهما من الوضيعة، فالشرط باطل لا نعلم فيه خلافاً، والعقد صحيح، نص عليه أحمد، وهو قول أبي حنيفة، وروي عن أحمد أن العقد يفسد، وحكي عن الشافعي والمذهب الأول، انتهى. وفي ((المحلى)): اختلفوا فيما إذا اشترط رب المال ضمان المال على المضارب، فقال أبو حنيفة وأحمد: يبطل الشرط والمضاربة صحيحة، وقال مالك والشافعي: تبطل المضاربة بهذا الشرط، كذا في ((الرحمة في اختلاف الأمة))(٢)، انتهى. وقال ابن رشد(٣): إذا شرط رب المال الضمان على العامل، فقال مالك: لا يجوز القراض وهو فاسد، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة، وأصحابه: القراض جائز، والشرط باطل، وعمدة مالك أن اشتراط الضمان زيادة غرر في القراض ففسد، وأما أبو حنيفة فشبهه بالشرط الفاسد في البيع على رأيه أن البيع جائز والشرط باطل اعتماداً على حديث بريرة المتقدم. انتھی. (قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً، واشترط عليه أن لا يبتاع به) أي لا يشتري المضارب بمال المضاربة (إلا نخلاً أو دواب) جمع دابة (١) ((المغني)) (١٧٦/٧). (٢) (ص٢٢٧). (٣) ((بداية المجتهد)) (٢٣٨/٢). ٣٤٠