النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٤ - كتاب القراض
(٢) باب
(١٤٠٠) حديث
مِنَ السِّلَعِ. إِذَا كَانَ ذُلِكَ صَحِيحَاً. عَلَى غَيْرِ شَرْطِ.
قَالَ مَالِكٌ، فِيمَنْ دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ وَإِلَى غُلَامٍ لَّهُ
رب المال (من السلع) جمع سلعة بيان لما (إذا كان ذلك) الشراء (صحيحاً على
غير شرط) من رب المال يعني بشرط أن لا يشترط في المضاربة أنه يشتريه،
قال الزرقاني(١): إذا كان صحيحاً على غير شرط بأن لا يتوصل به إلى أخذ
شيء من الربح قبل المقاسمة، أو لغير ذلك، سواء اشترى بنقد أو إلى
أجل، اهـ.
قال الدردير (٢): جاز اشتراء ربه من العامل شيئاً من مال القراض إن صحَّ
القصدُ بأن لا يتوصل به إلى أخذ شيء من الربح قبل المفاصلة بأن يشتري منه
كما يشتري من الناس بغير محاباة، قال الدسوقي: قوله: إن صحَّ أي ولم
يشترط ذلك عند العقد وإلا منع، اهـ.
قال الباجي(٣): وهذا كما قال: إنه لا بأس أن يشتري رب المال من
العامل بعض ما ابتاعه من السلع إذا كان ذلك على وجه الصحة ما لم يكن
على وجه الهدية لإبقاء المال بيده، أو ليتوصل بذلك إلى أخذ شيء من الربح
قبل المقاسمة، وسواء اشترى منه بنقد أو إلى أجل، ووجه ذلك أنه اشتراها منه
بما يتبايع به الناس فقد سلما من التهمة ووجوه الفساد، فجاز ذلك بينهما، اهـ.
وقال الموفق(٤): إذا اشترى رب المال من مال المضاربة شيئاً لنفسه لم
يصح في إحدى الروايتين، وهو قول الشافعي، ويصح في الأخرى، وبه قال
مالك والأوزاعي وأبو حنيفة؛ لأنه تعلق حق المضارب به، فجاز له شراؤه، اهـ.
(قال مالك في رجل دفع إلى رجل) أجنبي (وإلى غلام له) أي لرب المال
(١) (شرح الزرقاني)) (٣٤٧/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٥٢٦/٣).
(٣) ((المنتقى)) (١٥٣/٥).
(٤) ((المغني)) (١٦٦/٧).
٣٠١

٣٤ - كتاب القراض
(٢) باب
(١٤٠٠) حدیث
مَالاً قِرَاضاً، يَعْمَلَانِ فِيهِ جَمِيعاً: إِنَّ ذُلِكَ جَائِزٌ. لَا بَأْسَ بِهِ. لِأَنَّ
الرِّبْحَ مَالٌ لِغُلَامِهِ. لَا يَكُونُ الرِّبْحُ لِلسَّيِّدِ. حَتَّى يَنْتَزِعَهُ مِنْهُ. وَهُوَ
بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ كَسْبِهِ.
(مالاً قراضاً) أي للمضاربة (يعملان فيه جميعاً) أي يعمل الأجنبي وغلام رب
المال في المال (إن ذلك) العقد (جائز لا بأس به لأن الربح) الذي يحصل من
العمل (مال لغلامه) يعني الغلام يملكه و(لا يكون الربح للسيد حتى ينتزعه منه)
أي حتى يأخذ السيد هذا الربح من الغلام (وهو) الربح (بمنزلة غير ذلك) من
الأموال التي تحصل للعبد (من كسبه) قال الباجي(١): وهذا كما قال: إنه إذا
دفع إلى عبده مال القراض ورجل آخر ليكون الربح بينهما، فإنه جائز، وهما
بمنزلة الأجنبيين. والعبد يكون مع العامل على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون عاملاً معه والربح بينهما، والثاني: أن يكون خادماً
للمال ولا شيء له من الربح، والثالث: أن يكون أميناً عليه وحافظاً له، فإن
كان عاملاً فيه والربح بينهما وهما تاجران أمينان فهو جائز، خلافاً لأبي ثور
في منعه ذلك، وأما إن كان العبد لخدمة المال فهو جائز إذا كان المال كثيراً
يحتاج إلى من يخدمه ويعينه، وأما إن كان معه من يحفظ المال منه فذلك غير
جائز.
وقال في موضع آخر: أما معونة الغلام فإن كان شرط العامل خدمته في
المال الكثير الذي يحتاج إلى المعونة فيه، فاختلف فيه قول مالك، فإذا قلنا :
إن ذلك جائز، فالفرق بينه وبين رب المال أن العامل إذا عمل في ماله نظر فيه
بالحفظ له، وذلك غير جائز، كما لو جعل غلامه أو وكيله معه لیحفظ علیه،
فإن ذلك غير جائز، وإنما يجوز إذا كان بمجرد الخدمة والمعونة، ولو أعانه
بغلامه من غير شرط فلا بأس بذلك على القولين، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١٥٤/٥).
٣٠٢

٣٤ - كتاب القراض
(٢) باب
(١٤٠٠) حديث
قال: وقوله: لأن الربح لغلامه لا يكون الربح للسید حتی ینتزعه، يريد
أن ما أبرزته للغلام القسمة من الربح فهو ملك له، ولا يملكه السيد بعد
القسمة إلا بالانتزاع، ولو كانت حصته من الربح للسيد لم يؤثر ذلك فساداً في
القراض من جهة الجهل؛ لأنه لو دفع رجل مالاً قراضاً إلى عامل على أي
جزء اتفقا عليه جاز ذلك، فلا يبطل القراض بإضافة حصة أحد العاملين إلى
حصة رب المال، وإذا قلنا: إن العبد يملك حصته من الربح حتى ينتزعها منه
السيد، فإنما ينوب عن نفسه، وعمله له، وهو وغيره من العاملين يملكون
حصتهم من الربح بالقسمة، وهذا هو المشهور من مذهب مالك، وبه قال
الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يملك بالظهور، وقد روى ابن القاسم عن مالك مسائل
تقتضي ذلك، وقوله: هو بمنزلة غير ذلك من كسبه يريد أنه في ملك العبد دون
السيد، وإنما ينتقل إلى السيد بالانتزاع، وهو مذهب مالك في أن العبد يملك،
خلافاً للشافعي في قوله: لا يملك العبد، اهـ.
وقال الموفق(١): إن شرط أن يعمل معه غلام رب المال صح، وهذا
ظاهر كلام الشافعي وقول أكثر الصحابة، ومنعه بعضهم وهو قول القاضي؛ لأن
يد الغلام كيد سيده، وقال أبو الخطاب: فيه وجهان؛ أحدهما: الجواز لأن
عمل الغلام مال لسيده، فصحَّ ضَمُّه إليه، كما يصح أن يضم إليه بهيمة يعمل
عليها، اهـ. وقال أيضاً في موضع آخر: أما ملك العامل نصيبه من الربح
بمجرد الظهور قبل القسمة، فظاهر المذهب أنه يثبت هذا الذي ذكره القاضي
مذهباً. وبه قال أبو حنيفة، وحكى أبو الخطاب رواية أخرى أنه لا يملكه إلا
بالقسمة، وهو مذهب مالك، وللشافعي قولان كالمذهبين، اهـ.
(١) ((المغني)) (١٣٦/٧).
٣٠٣

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
(٣) باب ما لا يجوز في القراض
٤/١٤٠١ - قَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلِ دَيْنٌ. فَسَأْلَهُ
أَنْ يُقِرَّهُ عِنْدَهُ قِرَاضاً: إِنَّ ذُلِكَ يُكْرَهُ حَتَّى يَقْبِضَ مَالَهُ. ثُمَّ يُقَارِضُهُ
بَعْدُ،
وفي ((الهداية)) (١): إذا شرط المضارب لرب المال ثلث الربح ولعبد رب
المال ثلث الربح على أن يعمل معه ولنفسه ثلث الربح فهو جائز؛ لأن للعبد
يداً معتبرة خصوصاً إذا كان مأذوناً له، واشتراط العمل إذن له بخلاف اشتراط
العمل على رب المال، - إذ يفسد - لأنه مانع من التسليم أي المال، وإذا
صحت المضاربة يكون الثلث للمضارب بالشرط والثلثان للمولى؛ لأن كسب
العبد للمولى إذا لم يكن عليه دين، وإن كان عليه دين فهو للغرماء، اهـ.
وقال ابن رشد(٢): اختلفوا في اشتراط العامل على رب المال غلاماً
بعينه على أن يكون للغلام نصيب من المال، فأجازه مالك والشافعي وأبو
حنيفة، وقال أشهب من المالكية: لا يجوز ذلك، فمن أجازه شَبّه بالرجل
يقارض الرجلين، ومن منعه رأى أنها زيادة ازدادها العامل على رب المال، اهـ.
(٣) ما لا يجوز من القراض
هكذا بلفظ ((من)) في النسخ الهندية، وبلفظ ((في القراض)) في النسخ
المصرية، والمقصود بيان القراض الفاسد.
٤/١٤٠١ - (قال مالك: إذا كان لرجل على رجل) أي لزيد على عمرو مثلاً
(دينٌ فسأله) أي سأل عمرو زيداً (أن يقره) بضم أوله وكسر القاف، أي يبقي زيد
هذا الدين (عنده) أي عند عمرو (قراضاً) أي يضارب فيه عمراً (إن ذلك يكره) أي
لا يجوز (حتى يقبض) زيد (ماله) من عمرو (ثم يقارضه) أي عمراً (بعدُ) بالضم
(١) (٢٠٦/٢).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٢٣٩/٢).
٣٠٤

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
أَوْ يُمْسِكُ. وَإِنَّمَا ذُلِكَ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ أَعْسَرَ بِمَالِهِ. فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ
يُؤَخِّرَ ذُلِكَ. عَلَى أَنْ يَزِيدَهُ فِيهِ.
أي بعد القبض إن شاء (أو يمسك) عنده إن شاء (وإنما ذلك) أي عدم الجواز
(مخافة) أي لخوف (أن يكون) عمرو (أعسر بماله) أي تعذر عليه أداؤه (فهو)
أي عمرو (يريد أن يؤخر) زيد(ذلك) أي الأداء (على أن يزيده) أي يزيد عمرو
زيداً (فيه) أي في ماله، فيكون ذريعة للربا .
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إنه لا يجوز أن يُقِرَّ الدينَ بيد من هو
عليه على وجه القراض، ويدخله ما قال من الزيادة في الدين للتأخير به؛ لأنه
قد يرضى بالجزء اليسير من أجل بقاء الدين عنده فيفتضح بإحضاره، ولولا ذلك
لما رضي بمثله، اهـ.
قال الزرقاني(٢): ووافق مالكاً الشافعي على الحكم. وعلَّله بأن ما في
الذمة لا يعود أمانة حتى يقبض، اهـ.
وقال ابن رشد (٣): جمهور العلماء مالك والشافعي وأبو حنيفة على أنه
إذا كان لرجل على رجل دين لم يجز أن يعطيه له قراضاً قبل أن يقبضه، أما
العلة عند مالك فمخافة أن يكون أعسر بماله فهو يريد أن يؤخره عنه على أن
يزيد فيه، فيكون الربا المنهي عنه، وأما العلة عند الشافعي وأبي حنيفة، فإن ما
في الذمة لا يتحول ويعود أمانة، اهـ.
وقال الموفق(٤): لا يجوز أن يقال لمن عليه دين: ضَارِبْ بالدين الذي
عليك، نص عليه أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه مخالفاً. قال
ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنه لا يجوز أن يجعل
(١) ((المنتقى)) (١٥٥/٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٨/٣).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٢٣٧/٢).
(٤) («المغني)) (٧/ ١٨٢).
٣٠٥
٠٠

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ مَالاَ قِرَاضاً. فَهَلَكَ بَعْضُهُ
قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ. ثُمَّ عَمِلَ فِيهِ فَرَبِحَ. فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ رَأْسَ الْمَالِ
بَقِيَّةَ الْمَالِ. بَعْدَ الَّذِي هَلَكَ مِنْهُ، قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ. قَالَ مَالِكٌ: لَا
يُقْبَلُ قَوْلُهُ. وَيُجْبَرُ رَأْسُ الْمَالِ مِنْ رِبْحِهِ. ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بَعْدَ
رَأْسِ الْمَالِ عَلَى شَرْطِهِمَا مِنَ الْقِرَاضِ.
الرجل ديناً له على رجل مضاربة، وممن حفظنا ذلك عنه: عطاء والحكم
وحماد ومالك والثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، وبه قال الشافعي.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن تصح المضاربة؛ لأنه إذا اشترى شيئاً
للمضاربة، فقد اشتراه بإذن رب المال، ودفع الدين إلى من أذن له في دفعه إليه
فتبرأ ذمته، والمذهب الأول؛ لأن المال الذي في یدي من علیه الدین له،
وإنما يصير لغريمه بقبضه، ولم يوجد القبض ههنا، اهـ.
(قال مالك في رجل دفع إلى رجل) أي في زيد دفع إلى عمرو مثلاً (مالاً
قراضاً) أي ليضارب فيه (فهلك بعضه) أي بعض المال عند عمرو (قبل أن يعمل
فيه) عملاً (ثم عمل) عمرو (فيه) أي فيما بقي (فربح) فيه (فأراد) عمرو (أن
يجعل) زيد (رأس المال بقية المال) يعني الذي بقي (بعد الذي هلك منه، قبل
أن يعمل فيه، قال مالك: لا يقبل قوله) أي قول عمرو، ولا يعمل بهواه في
ذلك (ويجبر) بالجيم والموحدة في جميع النسخ المصرية والنسخ الهندية
القديمة، فما في بعض النسخ الهندية الجديدة بالخاء والياء تحريف من الناسخ
أي يكمل (رأس المال من ربحه) أولاً.
(ثم يقتسمان) أي رب المال والمضارب (ما بقي بعد رأس المال) أي ما
بقي من الربح بعد تكميل رأس المال (على شرطهما من القراض) متعلق
بيقتسمان، يعني على ما شرطا من النصف والثلث وغير ذلك.
قال الباجي(١): هذا على ما قال: إن هلاك بعض المال قبل أن يعمل به
(١) ((المنتقى)) (١٥٦/٥).
٣٠٦

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
لا يغير حكم رأس المال، بل هو على ما عقدا عليه، وقبض العامل من
المال؛ لأن القراض على ذلك انعقد بينهما، فمتى ربح بعد ذلك جبر ما نقص
من المال بالربح، فإن فضلت بعد ذلك الجبر فضلة، فذلك جميع الربح، ولو
اتفقا بعد النقص على إسقاط ما هلك من رأس المال، واستئناف القراض بما
بقي منه فقد اختلف فيه أصحابنا، فالذي رواه ابن القاسم عن مالك أنه لا
يصح ذلك إلا بعد أن يقبض رب المال بقية ماله قبضاً صحيحاً، ثم يدفعه بعد
ذلك إليه قراضاً مستأنفاً.
وروى ابن حبيب عن مالك وابن الماجشون أنهما إذا تحاسبا، فأقرًّا ما
بقي بعد الخسارة رأس مال القراض، فإن ذلك يكون تقاضيا صحيحاً، وما
عقداه من القراض عقداً مستأنفاً أحضر المال أو لم يحضره، وأما إن كان على
وجه الإجبار لا على وجه المفاصلة فإن حكم القراض الأول باقٍ، اهـ.
وقال الزرقاني(١): لو صحّ التلف قبل الشروع في العمل لم يكن رأس
المال إلا ما بقي، وهو ما نقله ابن حبيب عن أصحاب مالك كلهم، وقال
عيسى: هو أحبُّ إلى ابن عبد البر، وعليه جمهور الفقهاء وهو أولى بالصواب،
وفي ((المدونة)) عن ابن القاسم: لا يكون كذلك حتى يقبض منه المال ثم يَردُّه
قراضاً ثانياً، وإلا فهو على الأول يجبر التلف بالربح، اهـ. وهذا كله في تلف
البعض .
أما في تلف الكل فلا يجبر بربح الثاني التالف الأول، قال الدردير(٢):
يجبر ما تلف منه بسماوي أو أخذ لصٍ إن حصل التلف بعد العمل، بل وإن
حصل تلف بعضه قبل العمل، ومعنى الجبر بالربح أنه يكمل منه أصل المال،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٨/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٥٢٩/٣).
٣٠٧

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ الْقِرَاضُ إِلَّ فِي الْعَيْنِ مِنَ الذَّهَب أَوِ
الْوَرِقِ وَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعُرُوضِ وَالسِّلَع،
ثم إن زاد شيء يقسم بينهما على ما شرطا، ومعلوم أن الجبر إنما يكون إذا
بقي شيء من المال، فإن تلف جميعُه، فأتاه ربه ببدله، فربح الثاني، فلا يجبر
ربحه الأول، وهو ظاهر، لأنه قراض ثانٍ، اهـ.
وقال الموفق(١): إذا دفع إلى المضارب ألفين، فتلف أحد الألفين قبل
الشراء به، والتصرف فيه، أو تلف بعضه انفسخت المضاربة فيما تلف، وكان
رأس المال الباقي خاصّةً، وقال بعض الشافعية: مذهب الشافعي أن التالف من
الربح، ورأس المال ألفان معاً؛ لأن المال إنما يصير قراضاً بالقبض، فلا فرق
بین هلاكه قبل التصرف وبعده.
ولنا، أنه مال هلك قبل التصرف فيه، فكان رأس المال الباقي، كما لو
تلف قبل القبض، وفارق ما بعد التصرف؛ لأنه دَارَ في التجارة، وشَرَعَ فيما
قُصِدَ بالعقد من التصرفات المؤدية إلى الربح، اهـ.
وقال السرخسي في ((المبسوط)): لو دفع إليه ألف درهم مضاربةً
بالنصف، فضاعت قبل أن يشتري بها شيئاً فقد بطلت المضاربة لفوات محلها،
بخلاف ما إذا ضاعت بعد الشراء بها؛ لأن حكم المضاربة بالشراء تحول إلى
المشتري، فبهلاك الألف بعد ذلك لا يفوت محل المضاربة، اهـ.
(قال مالك: لا يصلح) بضم اللام أي لا يجوز (القراض) المضاربة (إلا
في العين من الذهب أو الورق) قال الزرقاني(٢): لأنها قيم المتلفات وأصول
الأثمان، ولا يدخل أسواقها تغير، وما يدخله تغير الأسواق لا يجوز القراض
به (و) لذا (لا يكون في شيء من العروض والسلع) كالعنب، جمع سلعة، وهو
(١) ((المغني)) (١٦٨/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٨/٣).
٣٠٨

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
المتاع، قال صاحب ((المحلى)): وبه قال أبو حنيفة أيضاً: إنه لا يصح إلا
بالدراهم والدنانير، وكذا بالتبر والنقرة إن تعاملوا بهما عند الإمام الأعظم وأبي
يوسف، وكذا بالفلوس الرائجة عند محمد، وعند الشافعي يجوز بالدراهم
والدنانير فقط .
وقال ابن رشد (١): أجمعوا على أنه جائز بالدنانير والدراهم، واختلفوا
في العروض، فجمهور فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز بالعروض، وجَوَّزه ابنُ
أبي ليلى، أما إن كان رأس المال ما به يباع العروض. فإن مالكاً منعه،
والشافعي أيضاً، وأجازه أبو حنيفة، وعمدة مالك أنه قارض على ما بيعت به
السلعة، وعلى بيع السلعة نفسها، فكأنه قراض ومنفعة مع أن ما يبيع به السلعة
مجهول، فكأنه إنما قارض على رأس مال مجهول، اهـ.
وقال الباجي(٢): هذا كما قال: إنه لا يجوز القراض بغير الدنانير
والدراهم؛ لأنها أصول الأثمان وقيم المتلفات، ولا يدخل أسواقها
تغيير، فلذلك يصح القراض بها، فأما ما يدخله تغير الأسواق من العروض، فلا
يجوز القراض به، ووجه ذلك أنه قد يأخذ العامل العرض قراضاً، وقيمته مائة
دينار. فيتّجر في المال، فيربح مائة، فيرده وقيمته مائتان، فيصير الربح كله
لرب المال، ولا يحصل للعامل شيء، وقد لا يربح، فيرده وقيمته خمسون،
فيبقى بيده من رأس المال خمسون، فيأخذ نصفها، وهو لم يربح شيئاً. وأما
بالفلوس فقد قال ابن القاسم: لا يجوز ذلك، وروي عن أشهب في ((الأمهات))
أنه أجاز القراض بها .
وجه القول الأول أن الفلوس ليست بأصل في الأثمان، ولذا لا تجري
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٣٦/٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٥٦/٥).
٣٠٩

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
مجرى العين في تحريم التفاضل، وبيعها بالعين نسْأ، فلم يجز القراض بها
كالعروض، ووجه القول الثاني أنه لا يتعين بالعقد، فصح القراض بها،
کالدنانیر والدراهم، اهـ.
وقال الموفق(١): لا خلاف في أنه يجوز جَعْلُ رأس المال الدراهم
والدنانير، فإنها(٢) قيم الأموال وأثمان البياعات، والناس يشتركون بها من لدن
النبي ◌َّ إلى زماننا من غير نكير، فأما العروض فلا تجوز الشركة فيها في
ظاهر المذهب، نصَّ عليه أحمدُ في رواية أبي طالب وحرب، وكره ذلك ابن
سيرين ويحيى بن أبي كثير والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب
الرأي، لأن الشركة إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها، ولا
يجوز وقوعها على أعيانها؛ لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس
المال، أو بمثله، وهذه لا مثل لها، فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما
دون الآخر، فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص قیمته،
فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح، ولا على قيمتها؛
لأن القيمة غير متحققة القدر، فيفضي إلى التنازع، وقد يقوم الشيء بأكثر من
قيمته، ولا يجوز وقوعها على أثمانها؛ لأنها معدومة حال العقد، ولا
يملكانها، ولأنه إن أراد ثمنها الذي اشتراها به، فقد خرج عن مكانه، وصار
للبائع، وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به، فإنها تصير شركة معلقة على شرط،
وهو بيع الأعيان، ولا يجوز ذلك، وعن أحمد رواية أخرى، أن الشركة
والمضاربة تجوز بالعروض، وتُجْعَل قيمتُها وقت العقد رأس المال.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المضاربة بالمتاع؟ فقال:
جائز، فظاهر هذا صحة الشركة بها، اختار هذا أبو بكر وأبو الخطاب، وهذا
(١) ((المغني)) (١٢٣/٧).
(٢) في نسخة: فإنهما .
٣١٠

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
قول مالك وابن أبي ليلى، وبه قال في المضاربة طاووس والأوزاعي وحمادُ بن
أبي سليمان؛ لأن مقصود الشركة جواز تصرفها في المالين، وكون ربح المالين
بينهما، وهذا يحصل في العروض كحصوله في الأثمان، فيجب أن تصح
الشركة والمضاربة بها كالأثمان، ويرجع كل واحد منهما عند المفاصلة بقيمة
ماله عند العقد.
وقال الشافعي: إن كانت العروض من ذوات الأمثال، كالحبوب
والأدهان جازت الشركة بها في أحد الوجهين؛ لأنها من ذوات الأمثال أشبهت
النقود، ويرجع عند المفاصلة بمثلها، وإن لم تكن من ذوات الأمثال لم يجز،
وجهاً واحداً.
ولنا، أنه نوعُ شركةٍ، فاستوى فيها ماله مِثْلٌ، وما لا مِثْل له،
كالمضاربة، وقد سَلَّم أن المضاربة لا تجوز بشيء من العروض، ثم الحكم في
النقرة كالحكم في العروض؛ لأن قيمتها تزيد وتنقص، وكذلك الحكم في
المغشوش من الأثمان قَلَّ الغش أو كَثُر، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة:
إن كان الغش أقل من النصف جاز، وإن كثر لم يجز؛ لأن الاعتبار بالغالب في
کثیر من الأصول.
ولنا، أن قيمتها تزيد وتنقص أشبهت العروض، اللَّهم إلا أن يكون الغش
قليلاً جداً لمصلحة النقد، فلا اعتبار به؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، ولا يؤثر
في الربا ولا في غيره، ولا تصحّ الشركة بالفلوس، وبهذا قال الشافعي وأبو
حنيفة وابن القاسم صاحب مالك.
ويتخرَّجُ الجوازُ إذا كانت نافقةً، وهذا قول محمد بن الحسن وأبي ثور؛
لأنها ثمنٌ، فجازت الشركة بها، كالدراهم والدنانير، ويحتمل جواز الشركة بها
على كل حال، نافقةً كانت أو غير نافقةٍ، بناءً على جواز الشركة بالعروض،
اهـ. قلت: وما حكي من مذهب مالك جواز المضاربة بالعروض يأبى عنه ما
تقدم من تصريح ((الموطأ)) وغيره من الباجي وغيره.
٣١١

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
وَمِنَ الْبُيُوعِ، مَا يَجُوزُ إِذَا تَفَاوَتَ أَمْرُهُ وَتَفَاحَشَ رَدُّهُ. فَأَمَّا الرِّبَا،
فَإِنَّهُ لَا يَكُوَنُ فِيهِ إِلَّ الرَّدُّ أَبَداً، وَلَا يَجُوزُ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. وَلَا
يَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ ﴿وَإِن
تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ
وقال الدردير(١): القراض توكيل على تجرٍ في نقد ذهب أو فضة مضروب
لا بعروض ولا بِتبْر، ونقار فضة، قال الدسوقي في قوله: لا بعروض، منها
الفلوس الجدد، وظاهره عدم الصحة، إذا كان رأس المال عرضاً، ولو كان
يتعامل به ولو انفرد التعامل به قصراً للرخصة على موردها، لكن قال بعضهم:
إن الدراهم والدنانير ليست مقصودة لذاتها حتى يمتنع القراض بغيرها حيث
انفرد التعامل به، اهـ. وسيأتي أوضح من ذلك في (باب القراض في العروض))
إذ ردَّه مالك مدللاً .
(قال مالك) هكذا في نسخة ((المنتقى)) وليس في غيرها من جميع النسخ
المصرية والهندية هذا اللفظ، بل في جميعها ألحق الكلام الآتي بالقول
السابق، وسيأتي وجه ذكر هذا الكلام ههنا في آخر الكلام (ومن البيوع)
الممنوعة أي من أنواعها خبر مقدم (ما يجوز) أي يمضي ولا يُرَدُّ، وفي بعض
النسخ المصرية بدل ذلك ((ما لا يجوز)) وهو ليس بوجيه، وتحريف من الناسخ
(إذا تفاوت أمره) بأن فات المبيع مثلاً بالبيع وغيره (وتفاحش ردّه) يعني يكون
في رد البيع فحش ومضرة أخرى (فأما الربا) المحرم وما في معناه من البيوع
المحرمة (فإنه لا يكون فيه إلا الرد أبداً) سواء تفاوت أمره وتفاحش رده أو لا .
(ولا يجوز منه) أي لا يمضي (قليل ولا كثير) بل يرد بكل حال (ولا
يجوز فيه) أي في الربا والبيوع المحرمة (ما يجوز في غيره) من البيوع المكروهة
(لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه) المجيد في أمر الربا: (﴿وَإِن تُبْتُمْ﴾) أي
رجعتم عن الربا (﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ﴾) جمع رأس أي أصول (﴿أَمَوَلَكُمْ﴾) أي رأس
(١) ((الشرح الكبير)) (٥١٧/٣).
٣١٢

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ:
المال فقط بدون الزيادة (﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾) بزيادة (﴿وَلَا نُظْلَمُونَ﴾)(١) بنقصان فلم
يبح فيه شيئاً من القليل والكثير.
قال الباجي(٢): وهذا كما قال: إن من البيوع بيوعاً مكروهة، فإن فات
أمضى عقده، ولم ينتقض، ولم يغير كبيع الحَبِّ بعد أن أفرك، وقبل أن ییبس،
وبيع الثمر بعد أن أزهى، قال ذلك عيسى، وزاد فيه إن من البيوع المكروهة
التي تجري ما تقدم ذكره ما إذا فات نظر فيه إلى أن قال: وأما الذي لا
يفوت، فالبيع الحرام يفسخ ما لم يفت، فإذا فات رد إلى القيمة، اهـ.
قال ابن رشد(٣): اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم
تفت بإحداث عقد فيها أو نماء أو نقصان أو حوالة سوق أن حكمها الرد،
أعني أن يرد البائع الثمن والمشتري المثمون، واختلفوا إذا قبضت وتصرف فيها
بعتق أو هبة أو بيع أو غير ذلك من سائر التصرفات.
هل ذلك فوت يوجب القيمة؟ وكذلك إذا نمت أو نقصت. فقال
الشافعي: ليس ذلك كله فوتاً ولا شبهة ملك في البيع الفاسد، وإن الواجب
الرد، وقال مالك: كل ذلك فوت يوجب القيمة إلا ما رَوَىُ عنه ابنُ وهب في
الربا أنه ليس بفوت، ومثل ذلك قال أبو حنيفة.
والبيوع الفاسدة عند مالك تنقسم إلى محرمة، وإلى مكروهة، فأما
المحرمة فإنها إذا فاتت مضت بالقيمة، وأما المكروهة فإنها إذا فاتت صَحَّتْ
عنده، وربما صحّ عنده بعض البيوع الفاسدة بالقبض لخفة الكراهة عنده في
ذلك، فالشافعية تشبه البيع الفاسد لمكان الربا والغرر بالفاسد لمكان تحريم
(١) سورة البقرة: الآية ٢٧٩.
(٢) ((المنتقى)) (١٥٧/٥).
(٣) ((بداية المجتهد)) (١٩٣/٢).
٣١٣

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
عينه، كبيع الخمر والخنزير، فليس عندهم فيها فوت، ومالك يرى أن النهي في
هذه الأمور إنما هو لمكان عدم العدل فيها، فإذا فاتت السلعة، فالعدل فيها،
الرجوع بالقيمة؛ لأنه قد تقبض السلعة، وهي تساوي ألفاً، وترد، وهي تساوي
خمسمائة، أو بالعكس، ولذلك يرى مالك حوالة الأسواق فوتاً في المبيع
الفاسد، ومالك في هذه المسألة أفقه من الجميع، اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (١): كل ما أورث خللاً في ركن البيع فهو مبطل،
وما أورثه في غيره فمفسد، قال ابن عابدين: قوله: في ركن البيع هو
الإيجاب والقبول، بأن كان من مجنون أو صبي لا يعقل، وكان عليه أن يزيد
أو في محله أعني المبيع، فإن الخلل فيه مبطلٌ بأن كان المبيع ميتةً أو دماً،
وفي ((شرح مسكين)): الضابط فيه أن أحد العوضين إذا لم يكن مالاً في دين
سماوي فالبيع باطل، سواء كان مبيعاً أو ثمناً، فبيع الميتة والدم والحر
باطل، وكذا البيع به وإن كان في بعض الأديان مالاً دون البعض، إن أمكن
اعتباره ثمناً فالبيع فاسد. فبيع العبد بالخمر فاسد، وإن تعين كونه مبيعاً،
فالبيع باطل، فبيع الخمر بالدراهم باطل.
وقوله: وما أورثه في غيره أي في غير الركن، وكذا غير المحل، وذلك
بأن كان في الثمن بأن يكون خمراً مثلاً أو بأن كان من جهة كونه غير مقدور
التسليم، أو فيه شرط مخالف لمقتضى العقد، فيكون البيع بهذه الصفة فاسداً لا
باطلاً، اهـ.
ثم قال صاحب ((الدر)): وحكم البيع الباطل عدم ملك المشتري إياه إذا
قبضه، وإذا قبض المشتري المبيع برضا بائعه في مجلس العقد في البيع الفاسد
بخلاف الباطل ملكه، اهـ.
(١) (١٦٧/٥).
٣١٤

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
وفي ((الهداية)) (١): إذا قبض المشتري المبيع في البيع الفاسد بأمر البائع
ملك المبيع ولزمته قيمته، وقال الشافعي: لا يملكه وإن قبضه؛ لأنه محظور،
فلا ينال به نعمة الملك، ولأن النهي نسخٌ للمشروعية للتضاد، ولهذا لا يقيده
قبل القبض، ولنا، أن ركن البيع صدر من أهله مضافاً إلى محله، فوجب القول
بانعقاده، وإنما المحظور ما يجاوره، كما في البيع وقت النداء، إلى آخر ما
بسطه .
قال الزرقاني(٢): قال أبو عمر: هذه المسألة وقعت ههنا من رواية
يحيى، وهو قول صحيح، وقال الباجي(٣): قال ابن المزين: إنما خرج مالك
من مقالته في صدر المسألة في القراض إلى ذكر البيوع، وما اختلف من ذكر
مكروهها وحرامها، وإنما هو مثل ضربه اعتزى فيه أن للقراض مكروهاً
وحراماً. كالبيوع لها مكروه وحرام، فمكروه القراض ما كان منه إذا فات
بالعمل يرد فيه العامل إلى قراض مثله، مثل المقارض بالسلعة، والمقارض
على الضمان، والمقارض يشرط، أو يشترط عليه أن لا يردّ المال إلى أجل
مسمى، فهذا وشبهه مكروه القراض، ويرد إلى قراض مثله.
وحرام القراض ما كان منه يرد المقارض بعد العمل إلى أجرة مثله،
ويخرج عن ربح القراض، كما أن البيع في البيوع الحرام ويرجع عند فوات
السلعة إلى قيمتها، وإن كان ذلك دون الثمن الذي باع به، أو أكثر، فهذا
تأويل هذه المقالة التي قالها مالك، وهذا الذي ذكره ابن مزين في إيراد مسألة
البيوع الفاسدة بإثر مسائل القراض لا بأس به في أن المراد به تمثيل القراض
الفاسد بالبيوع الفاسدة.
(١) (٥١/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٩/٣).
(٣) ((المنتقى)) (١٥٨/٥).
٣١٥

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
وما ذكره في ثبوت الحكم في القراض الحرام والمكروه متنازع، وذلك
أن القراض الفاسد اختلف أصحابنا في الواجب به إذا فات، قال القاضي أبو
محمد: الظاهر أنه يُرَدُّ إلى قراض المثل، وبه قال أشهب وابن الماجشون من
رواية ابن حبيب عنه، وروي عن مالك يرد في ذلك كله إلى أجرة المثل، ذكر
هذه الرواية القاضي أبو محمد، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وروي عن مالك
يرد بعض القراض الفاسد إلى قراض المثل، وبعضه إلى أجرة المثل، حكاها
عنه ابن حبيب، وقال بهذا ابن القاسم وابن عبد الحكم وابن نافع ومطرف
وأصبغ.
واختلف أصحابنا في تفسير ذلك، فقال ابن حبيب: أصل ذلك أن كل
زيادة يشترطها أحدهما في المال داخلة فيه ليست بخارجة عنه، ولا خالصة
لمشترطها، فذلك يرد إلى قراض المثل، وكل زيادة ازدادها خارجة من المال،
أو خالصة لأحدهما، فإن هذا يرد إلى إجارة المثل، وكل خطر وغرر يتعاملان
عليه خرجا فيه عن سنة القراض، فهو في ذلك أجير، وحكى أبو محمد عن
ابن القاسم أن معنى ذلك إن طال الفساد من جهة العقد، فإنه يرد إلى قراض
المثل، وإن كان من جهة زيادة ازدادها أحدهما على الآخر، فإنه يرد إلى إجارة
المثل.
فهذا الذي ذكره ابن حبيب في التقسيم غير ما ذهب إليه ابن مزين، وإنما
كان يجب على ما ذكره مالك في البيوع الفاسدة أن لو قال: كل قرض أوقع
على وجه مكروه، ووجدت فيه شروط الصحة، فإنه يترك إذا وقع وفات، وما
كان حراماً لم يوجد فيه شروط الصحة، فإنه يرد أبداً وإن فات كان فيه قراض
المثل ولكن مالكاً إنما قصد إلى أن حكم القراض المكروه مخالف لحكم
القراض الفاسد، كما أن حكم البيع المكروه مخالف لحكم البيع الفاسد، ولم
يقصد إلى التسوية بين المكروه منها، اهـ.
٣١٦

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
وقال الموفق(١): الشروط الفاسدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما
يُنَافي مقتضى العقد، مثل أن يشترط لزوم المضاربة أو لا يبيع إلا برأس المال
أو أقل أو لا يبيع إلا ممن اشترى منه أو شرط أن يوليه ما اختاره من السلع أو
نحو ذلك، فهذه شروط فاسدة؛ لأنها تفوت المقصود من المضاربة، وهو
الربح.
الثاني: ما يعود بجهالة الربح، مثل أن يشترط للمضارب جزءاً من الربح
مجهولاً أو ربح أحد الكسبين، أو ما يربح في هذا الشهر، أو يشترط لأحدهما
دراهم معلومة، أو يشترط جزءاً من الربح لأجنبي، فهذه شروط فاسدة؛ لأنها
تفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح، أو إلى فواته بالكلية، ومن
شرط المضاربة كون الربح معلوماً .
الثالث: اشتراط ما ليس من مصلحة العقد، ولا مقتضاه، مثل أن يشترط
على المضارب المضاربة له في مال آخر أو يأخذه بضاعة أو قرضاً أو يرتفق
ببعض السلع، مثل أن يلبس الثوب، ويستخدم العبد، ويركب الدابة، أو يشترط
على المضارب ضمان المال، أو شرط المضارب على رب المال شيئاً من
ذلك، فهذه كلها شروط فاسدة.
ومتى اشترط شرطاً فاسداً يعود بجهالة الربح فسدت المضاربة، وما عدا
من ذلك من الشروط الفاسدة، فالمنصوص عن أحمد في أظهر الروايتين عنه،
أن العقد صحيح؛ لأنه عقد يصحّ على مجهول، فلم تبطله الشروط الفاسدة،
كالنكاح، وذكر القاضي رواية أخرى أنها تفسد العقد.
وفي المضاربة الفاسدة ثلاثة فصول: أحدها: أنه إذا تصرف نفذ تصرفه؛
لأنه أذن له في التصرف، فإذا بطل العقد بقي الإذن، فملك به التصرف
کالوكيل.
(١) ((المغني)) (١٧٩/٧).
٣١٧

٣٤ - كتاب القراض
(٣) باب
(١٤٠١) حديث
الثاني: أن الربح كله لرب المال؛ لأنه نماء ماله، وإنما يستحق العامل
بالشرط، فإذا فسدت المضاربة فسد الشرط فلم يستحق منه شيئاً، وكان له أجر
مثله، نص عليه أحمد، وهو مذهب الشافعي، واختار الشريف أبو جعفر أن
الربح بينهما، قال أبو يعلى: والمذهب ما حكينا، وحكي عن مالك أنه يرجع
إلى قراض المثل، وحكي عنه أنه إن لم يربح فلا أجر له، ومقتضى هذا أنه إن
ربح فله الأقل مما شرط له أو أجر مثله، ويحتمل أنه يثبت عندنا مثل هذا؛
لأنه إذا كان الأقل ما شرط له فقد رضي بالأقل فلا يستحق أكثر منه.
ولنا: أن تسمية الربح من توابع المضاربة، فإذا فسدت فسدت أركانها
وتوابعها، وإذا لم يجب له المسمى وجب أجر المثل؛ لأنه إنما عمل ليأخذ
المسمى، فإذا لم يحصل له المسمی وجب رد عمله إليه.
الثالث: أنه لا ضمان عليه فيما يتلف بغير تعدّيه؛ لأن ما كان القبض في
صحيحه مضموناً، كان مضموناً في فاسده، وما لم يكن مضموناً في صحيحه
لم يضمن في فاسده، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو يوسف ومحمد: يضمن،
انتهى مختصراً.
وفي ((الهداية)) (١): كل شرط يوجب جهالة في الربح يفسده لاختلاف
مقصوده وغيرذلك من الشروط الفاسدة لا يفسدها، ويبطل الشرط كاشتراط
الوضيعة على المضارب، انتهى.
قال ابن رشد (٢): اتفقوا على أن حكم القراض الفاسد فسخه، وردُّ المال
إلى صاحبه ما لم يفت بالعمل، واختلفوا إذا فات بالعمل ما يكون للعامل فيه
في واجب عمله على أقوال:
(١) (٢٠١/٢).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٢٤٢/٢).
٣١٨

٣٤ - كتاب القراض
(٤) باب
(٤) باب ما يجوز من الشرط في القراض
أحدها: أنه يُرَدُّ جميعه إلى قراض مثله، وهي رواية ابن الماجشون عن
مالك، وهو قوله وقول أشهب.
والثاني: أنه يردّ جميعه إلى إجارة مثله، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة
وعبد العزيز بن أبي سلمة من أصحاب مالك، وحكى عبد الوهاب أنه رواية
عن مالك.
والثالث: أنه يرد إلى قراض مثله ما لم يكن أكثر مما سماه، وإنما له
الأقل مما سماه، أو من قراض مثله إن كان رب المال هو مشترط الشرط على
المقارض، أو الأكثر من قراض مثله، أو من الجزء الذي سمى له إن كان
المقارض هو مشترط الشرط الذي يقتضي الزيادة التي من قبلها فسد القرض،
وهذا القول يتخرج رواية عن مالك.
والرابع: أنه يردّ إلى قراض مثله في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين
على صاحبه في المال مما ليس ينفرد أحدهما بها عن صاحبه، وإلى إجارة مثله
في كل منفعة اشترطها أحد المتقارضين خالصة لمشترطها مما ليست في المال،
وفي كل قراض فاسد من قبل الجهل والغرر، وهو قول مطرف وابن نافع وابن
عبد الحكم وأصبغ، واختاره ابن حبيب، وأما ابن القاسم، فاختلف قوله في
القراضات الفاسدة، فبعضها وهو الأكثر، قال: إن فيها أجرة المثل، وفي
بعضها قال: فيها قراض المثل، واختلف الناس في تأويل قوله إلى آخر ما
بسط من تأويل قوله.
(٤) ما يجوز من الشرط في القراض
هكذا في جميع النسخ المصرية (١) والهندية القديمة، وهو الصواب، فما
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٤٠/٢١).
٣١٩

٣٤ - كتاب القراض
(٤) باب
(١٤٠٢) حدیث
٥/١٤٠٢ - قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَفَعَ إِلَى رَجُلِ
مَالاَ قِرَاضاً. وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا تَشْتَرِيَ بِمَالِي إِلَّا سِلْعَةً كَذَا وَكَذَا .
أَوْ يَنْهَاهُ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً بِاسْمِهَا .
قَالَ مَالِكٌ: مَنِ اشْتَرَطَ عَلَى مَنْ قَارَضَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ حَيَوَاناً
أَوْ سِلْعَةً بِاسْمِهَا، فَلَا بَأُسَ بِذْلِكَ. وَمَنِ اشْتَرَطَ عَلَى مَنْ قَارَضَ أَنْ
لَا يَشْتَرِيَ إِلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ ذُلِكَ مَكْرُوهٌ. إِلَّا أَنْ تَكُونَ
السِّلْعَةُ، الَّتِي
في بعض النسخ الهندية الجديدة بلفظ: ما لا يجوز، تحريف من الناسخ، فإن
المقصود ههنا بيان الشروط الجائزة، وأما التي لا تجوز، فسيأتي بيانها في
الترجمة الآتية.
٥/١٤٠٢ - (قال مالك في رجل دفع إلى رجل مالاً قراضاً) أي على سبيل
المضاربة (وشرط) رب المال (عليه) أي على المضارب (أن لا يشتري بماله)
وفي النسخ المصرية: ((أن لا تشتري بمالي)) (إلا سلعة كذا وكذا) أي سلعة
يسميها بعينها (أو ينهاه أن يشتري) بماله (سلعة) عينها (باسمها) فقال: لا تشتر
سلعة فلانة.
(قال مالك) في الصورتين المذكورتين: إنّ (من اشترط على من قارض أن
لا يشتري حيواناً) مثلاً (أو سلعة) أخرى سماها (باسمها فلا بأس بذلك)
الشرط؛ لأنه قد بقي كثير من السلع مما يمكن له أن يتجر فيها .
(قال مالك) هكذا في النسخ الهندية، وليس هذا اللفظ في النسخ
المصرية، والأولى حذفه، فإن الكلام الآتي متعلق بالصورتين المذكورتين فيما
سبق (ومن اشترط على من قارض أن لا يشتري إلا سلعة كذا وكذا) خاصة
سماها، ولا يشتري غير ما سماه (فإن ذلك مكروه) للتحجير على المضارب
فطالما لا يجد المضارب في السوق ما سماه (إلا أن تكون السلعة التي) عينها
٣٢٠