النص المفهرس

صفحات 241-260

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حدیث
وفي كتب أصحابنا الحنفية: ليس له أن يردّ المصراة؛ لأنه وجد ما يمنع
الرد، وهو الزيادة المنفصلة عنها، وفي الرجوع بالنقصان روايتان عن أبي
حنيفة، وفي رواية شرح الطحاوي: يرجع على البائع بالنقصان من الثمن،
لتعذر الرد، وفي رواية ((الأسرار)): لا يرجع؛ لأن اجتماع اللبن وجمعه لا
یکون عيباً، انتهى.
وقال الباجي(١): قال ابن القاسم: قلت لمالك: أتأخذ بحديث المصراة؟
قال: نعم، وقال ابن المواز: لم يأخذ به أشهب، وقال: جاء ما يضعفه أن
الغلة بالضمان، وسألت عنه مالكاً، فكأنه ضعفه، قال أشهب: وهو لو ردها
بعیب وقد أکل منها فلا شيء عليه، انتھی.
وقال الأبي(٢): أخذ مالك في المشهور عنه بهذا الحديث، ولم يأخذ به
في قوله الآخر الذي له في ((العتبية)) و(مختصر ابن عبد الحكم)) وقال: قد جاء
حديث ((الخراج بالضمان))، انتهى. والفروع المختلفة في الباب عند القائلين
بذلك كثيرة جداً، كما أشار إليه الحافظ.
١ - منها: ما قال الموفق(٣): إنه إذا رَدَّ المصرّاة لزمه ردُّ بدل اللبن،
وهذا قول كل من جوز ردها، وهو مقدر في الشرع بصاع من تمر، كما في
الحديث الصحيح، وهذا قول الليث وإسحاق والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور،
وذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن الواجب صاع من غالب قوت البلد؛ لأن
في بعض الأحاديث ((ورَدَّ معها صاعاً من طعام))، وفي بعضها ((ورَدَّ معها مثل
أو مثلي لبنها قمحاً)).
(١) ((المنتقى)) (١٠٥/٥).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤/ ١٨٤).
(٣) ((المغني)) (٢١٧/٦).
٢٤١

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
فجمع بين الأحاديث، وجعل تنصيصه على التمر؛ لأنه غالب قوت البلد
في المدينة، ونص على القمح؛ لأنه غالب قوت بلد آخر، وقال أبو يوسف:
يرد قيمة اللبن؛ لأنه ضمان متلف، فكان مقدراً بقيمته كسائر المتلفات، وحكي
ذلك عن ابن أبي ليلى، وحكي عن زفر أنه يرد صاعاً من تمر أو نصف صاع
من بر بناء على قولهم في الفطرة والكفارة، ولنا، الحديث الذي أوردناه، وهو
المعتمد في هذه المسألة، وقد نص فيه على التمر، انتهى.
قلت: وما قال: إن هذا قول كل من جَوَّزَ الرد ليس بصحيح، فقد قال
الأبي: المشهور أنه لا بد من رد الصاع معها، ولمالك وأشهب أنه لا يرد معها
شيئاً، وهو خلاف نص الأحاديث، وإذا تعين الصاع فالمشهور أنه من غالب
عيش أهل البلد، انتهى.
قال الباجي(١): ومما ذا يكون الصاع، قال ابن القاسم عن مالك: من
غالب قوت البلد، وبه قال أبو علي عن أبي هريرة من أصحاب الشافعي، وقال
زياد بن عبد الرحمن عن مالك: وجدته في كتابي، من اشترى شاة مصراة أو
ناقة فله إذا حلبها أن يردها ومكيلة ما حلب من اللبن تمراً أو قيمته، وقال أكثر
أصحاب الشافعي: لا يكون إلا من التمر، وقد تعلق أصحابنا في ذلك بما
روى ابن سيرين عن أبي هريرة في هذا الحديث ((وصاعاً من طعام))، ووجه
ذلك على الرواية المشهورة في صاع التمر أنه خصه بالذكر؛ لأنه كان أغلب
قوت ذلك البلد فيجب أن يكون لغيره من البلاد غالب قوتهم، كزكاة الفطر،
انتھی .
٢ - ومنها: ما قال الحافظ(٢): ظاهر الحديث أن الخيار لا يثبت إلا بعد
(١) ((المنتقى)) (١٠٦/٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٣٦٢).
٢٤٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
الحلب، والجمهور على أنه إذا علم بالتصرية ثبت له الخيار، ولو لم يحلب،
لكن لمّا كانت التصرية لا تعرف غالباً إلا بعد الحلب ذكر قيداً في ثبوت
الخيار، فلو ظهرت التصرية بغير الحلب، فالخيار ثابت.
قال الموفق: إن علم بالتصرية قبل حلبها، مثل أن أقرّ به البائع، أو شهد
به من تقبل شهادته، فله ردُّها، ولا شيء معها؛ لأن التمر إنما وجب بدلاً للبن
المحتلب، ولذا قال ◌َّير: ((ففي حلبتها صاع من تمر))، ولم يأخذ لها لبناً ههنا،
فلم يلزمه ردُّ شيء معها، وهذا قول مالك، قال ابن عبد البر: هذا ما لاخلاف
فيه، انتهى.
٣ - ومنها: ما قال الموفق(١): لو احتلبها وترك اللبن بحاله، ثم ردَّها ردَّ
لبنها، ولا يلزمه شيء؛ لأن المبيع إذا كان موجوداً فردّه لم يلزمه بدله، فإن
أبى البائع، وطلب التمر لم يكن له ذلك إذا كان بحاله لم يتغير، وقيل: لا
يلزمه قبوله؛ لظاهر الخبر، ولأنه نقص بالحلب، وكونه في الضرع أحفظ له.
ولنا، أنه قدر على رد المبدل، فلم يلزمه البدل، والحديث المراد به ردُّ
التمر حال عدم اللبن، وإن كان اللبن قد تغير، ففيه وجهان، أحدهما: لا
يلزمه قبوله، وهذا قول مالك للخبر، ولأنه قد نقص بالحموضة، والثاني: يلزمه
قبوله؛ لأن النقص حصل بتغرير البائع وتسليطه على حلبه، فلم يمنع، انتهى.
قلت: في الصورة الأولى أيضاً خلاف مالك، قال الباجي(٢): فإن إراد
أحدهما أن يكون اللبن بدلَ الصاع لم يلزم الآخر، فإن اتفقا على ذلك، فقد
قال ابن القاسم في ((المدونة)): لا يجوز ذلك، واحتج بأني أخاف أن يكون من
بيع الطعام قبل استيفائه؛ لأنه وَّل فرض عليه صاعاً من تمر، فصار ثمناً قد
(١) ((المغني)) (٢١٩/٦).
(٢) ((المنتقى)) (١٠٦/٣).
٢٤٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
وجب للبائع، فلا يفسخه في اللبن قبل القبض، ووجه آخر أن الذي يجب رده
ما كان موجوداً من اللبن حين البيع، وذلك لا يتميز من غيره، فلا يمكن رده،
وقال سحنون: لا بأس به؛ لأنه يكون إقالة، وما ذكرناه يمنع منه، انتهى.
وقال الدردير(١): حرم ردّ اللبن الذي حلبه منها بدلاً عن الصاع ولو
بتراضيهما؛ لما فيه من بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنه برد المصراة وجب الصاع
على المشتري عوضاً عن اللبن، فلا يجوز أخذ اللبن عوضاً عنه. انتهى.
٤ - ومنها: متى يثبت له الخيار؟ قال الحافظ(٢): في حديث مالك بلفظ
((إن سخطها ردّها))، ظاهره اشتراط الفور وقياساً على سائر العيوب، لكن
الرواية التي فيها أن الخيار ثلاثة أيام مقدمة على هذا الإطلاق، ونقل فيه نص
الشافعي، وهو قول الأكثر، وأجاب من صحَّح الأول، بأن هذه الرواية محمولة
على ما إذا لم يعلم أنها مصراة إلا في الثلث؛ لكون الغالب أنها لا تعلم فيما
دون ذلك، قال ابن دقيق العيد: والثاني أرجح؛ لأن حكم التصرية قد خالف
القياس في أصل الحكم لأجل النص، فيطرد ذلك ويتبع في جميع موارده،
انتهى.
وفي ((المنتقى))(٣): قال محمد: له الرد بعد أن يحلب مرتين، فإن حلب
ثلاثاً لزمته، وقال ابن القاسم لما سئل أيردُّها بعد الثلاثة؟ قال: إذا رأى من
ذلك ما يعلم أنه قد اختبرها قبل ذلك، فما حلب بعد ذلك منع الرد، قال
الباجي: والأظهر عندي أنه يكون الخيار بعد الثلاثة، وقد روي عن أبي هريرة
في هذا الحديث، فهو بالخيار بعد أن يحلبها ثلاثاً، ومن جهة المعنى أن الحلبة
(١) ((الشرح الكبير)) (١١٦/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٦٢/٤).
(٣) ((المنتقى)) (١٠٥/٥).
٢٤٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
الثانية لا يعلم بها حالها، لجواز أن يكون نقص اللبن لاختلاف المرعى، ولأن
التحفيل يقلل لبنها في الحلبة الثانية، فإنما يعلم حقيقة أمرها بالثالثة، فيجب أن
يكون له الخيار بعدها؛ لأنه بها يتبين أمرها، انتهى.
وقال الموفق(١): اختلف أصحابنا في مدة الخيار، فقال القاضي: هو
مُقَدَّرٌ بثلاثة أيام، ليس له الرد قبل مضيها، ولا إمساكها بعدها، فإن أمسكها
بعد ذلك ليس له الرد، قال: هو ظاهر كلام أحمد، وهو قول بعض أصحاب
الشافعي؛ لرواية أبي هريرة بلفظ: ((فهو بالخيار ثلاثة أيام)) رواه مسلم(٢)،
قالوا: فهذه الثلاثة قَدَّرَها الشارع لمعرفة التصرية، فإنها لا تعرف قبل مضيها؛
لأنها في اليوم الأول لبنها لبن تصرية، وفي اليوم الثاني يجوز أن يكون لبنها
نقص؛ لتغير المكان واختلاف العلف، فإذا مضت الثلاثة استبانت التصرية،
وثبت الخيار على الفور، ولا يثبت قبل انقضائها .
وقال أبو الخَطَّاب: متى ثبتت التصرية جاز له الردُّ قبل الثلاثة وبعدها؛
لأنه تدليسٌ يثبت الخيار، فملك الرد به إذا تَبَيَّنَه، كسائر التدليس، وهذا قول
بعض المدنيين، فعلى هذا يكون فائدة التقدير في الخبر بالثلاثة؛ لأن الظاهر
أنه لا يحصل العلم إلا بها، فاعتبر بها؛ لحصول العلم ظاهراً، فإن حصل
العلم بها أو لم يحصل بها، فالاعتبار به دونها كما في سائر التدليس.
وظاهر قول ابن أبي موسى أنه متى علم التصرية ثبت له الخيار في الأيام
الثلاثة إلى تمامها، وهذا قول ابن المنذر وأبي حامد من أصحاب الشافعي،
وحكاه عن الشافعي نصاً؛ لظاهر الحديث، فإنه يقتضي ثبوت الخيار في الأيام
الثلاثة كلها، وعلى قول القاضي لا يثبت الخيار في شيء منها، وإنما يثبت
(١) ((المغني)) (٢٢٠/٦).
(٢) ((صحيح مسلم)) (١١٥٨/٣، ١١٥٩).
٢٤٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
عقيبها، وقول أبي الخطاب يسوي بين الأيام الثلاثة وبين غيرها، والعمل
بالخبر أولى، والقياس ما قال أبو الخطاب؛ لأن الحكم كذلك في العيوب
وسائر التدلیس، انتھی.
٥ - ومنها: ما قال الحافظ (١) إن ابتداء هذه المدة من وقت بيان
التصرية، وهو قول الحنابلة، وعند الشافعية أنها من حين العقد، وقيل: من
التفرق ويلزم عليه أن يكون الغرر أوسع من الثلاث في بعض الصور، وهو ما
إذا تأخر ظهور التصرية إلى آخر الثلاث، ويلزم عليه أيضاً أن تحسب المدة قبل
التمكن من الفسخ، وذلك يفوت مقصود التوسع بالمدة، انتهى.
قلت: وتقدم في البحث الماضي أن بعضهم ذهب إلى اشتراط الفور بعد
الحلبة، وبعضهم إلى أن الرد في الحلبتين فقط، ولزم البيع في الحلبة الثالثة،
قال الدردير (٢): إن حلبت المصراة حلبة ثالثة في يوم ثالث، فحلبها ثلاث
مرات في يوم بمنزلة حلبة واحدة، فإن حصل الاختبار بالثانية فحلبها ثالثة رضا
فلا رد له، وفي ((الموازية)): له ردها بعد الثالثة مع حلفه أنه لم يرض.
قال الدسوقي: قوله: في يوم ثالث، فيه أن الذي يفيده النقل، كما في
((طفي))، أن المراد بالحلبات المرات لا الأيام ((عدوي))، وفي ((بن)) تقييده
بالحلبات المعتادة، كبكرة وعشية، انتهى.
٦ - ومنها: أن لا يكون عالماً بالتصرية، قال الموفق: إنما يثبت الخيار
بشرط أن لا يكون المشتري عالماً بالتصرية، فإن كان عالماً لم يثبت له
الخيار، وقال أصحاب الشافعي: يثبت له الخيار في وجه للخبر، ولأن انقطاع
اللبن لم يوجد وقد يبقى على حاله فلم يجعل ذلك رضا، كما لو تزوجت
عِنِّيْناً، ثم طلبت الفسخ.
(١) ((فتح الباري)) (٤/ ٣٦٢).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١١٧/٣).
٢٤٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
ولنا، أنه اشتراها عالماً بالتدليس، فلم يكن له خيار، ولأنه دخل على
بصيرة، فلم يثبت له الرد، كما لو اشترى معيباً يعلم عيبه، وبقاء اللبن على
حاله نادر بعيد، لا يعلق عليه حكم، انتهى.
وسيأتي كلام الحافظ في هذه المسألة في البحث الآتي، وقال الدردير:
إن علمها المشتري مصراة فلا رد له، انتهى.
٧ - ومنها: ما قال الموفق(١): لو اشترى مُصَرَّاةً، فصار لبنُها عادةً،
واستَمَّر على كثرته لم يكن له الردُّ، وقال أصحاب الشافعي: له الردُّ في أحد
الوجهين للخبر، ولأن التدليس كان موجوداً حال العقد، فأثبت الرد، كما لو
نقص اللبن، ولنا، أن الرد جعل لدفع الضرر بنقص اللبن، ولم يوجد، فامتنع
الرد، ولأن العيب لم يوجد، ولم تختلف صفة المبيع عن حالة العقد، فلم
يثبت التدليس، ولأن الخيار ثبت لدفع الضرر ولم يوجد ضرر، انتهى.
وقال الحافظ (٢): واختلف القائلون في أشياء، منها لو كان عالماً
بالتصرية، هل يثبت له الخيار؟ فيه وجه للشافعية، ويرجح أنه لا يثبت رواية
عكرمة عن أبي هريرة في هذا الحديث عند الطحاوي بلفظ: ((من اشترى
مصراة، ولم يعلم أنها مصراة))، الحديث. ولو صار اللبن عادة واستمر على
كثرته، هل له الرُّد؟ فيه وجه لهم أيضاً، خلافاً للحنابلة في المسألتين، انتهى.
٨ - ومنها: ما قال الحافظ: لو اطلع على عيب بعد الرضا بالتصرية
فردها، هل يلزمه الصاع؟ فيه خلاف، والأصح عند الشافعية وجوب الرد،
ونقلوا نص الشافعي على أنه لا يرد، وعند المالكية قولان، انتهى.
(١) ((المغني)) (٢١٧/٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٦٧/٤).
٢٤٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
وقال الموفق: (١) إذا رضي بالتصرية فأمسكها، ثم وجد بها عيباً آخر
ردها به؛ لأن رضاه بعيب لا يمنع الرد بعيب آخر، وإذا رد لزمه صاع من تمر
عوض اللبن؛ لأنه قد جعل عوضاً له فيما إذا ردها بالتصرية، فيكون عوضاً له
مطلقاً، انتهى.
وقال الدردير(٢): إن رد مصراة بغير عيب التصرية فلا يرد معها صاعاً
على الأحسن، قال الدسوقي: أي على ما استحسنه التونسي، وهو قول ابن
القاسم، وروى أشهب يرد معها صاعاً؛ لأنه صدق عليه أنه رد مصراة، انتهى.
٩ - ومنها: ما قال الحافظ: لو تحفلت بنفسها أو صرها المالك لنفسه،
ثم بدا له فباعها، فهل يثبت ذلك الحكم؟ فيه خلاف، فمن نظر إلى المعنى
أثبته؛ لأن العيب مثبت للخيار، ولا يشترط فيه تدليس للبائع، ومن نظر إلى أن
حكم التصرية خارج عن القياس خصه بمورده وهو حالة العمد، فإن النهي إنما
تناولها فقط، انتهى.
١٠ - ومنها: هل يجوز التحفيل لغير البيع؟ وترجم البخاري في صحيحه
(باب النهي للبائع أن لا يحفل))، قال الحافظ: لا زائدة، ولا يحفل بيان
للنهي، وقيد النهي بالبائع إشارة إلى أن المالك لو حفل، فجمع اللبن للولد أو
لعياله أو لضيفه لم يحرم، وهذا هو الراجح، انتهى.
وقال أيضاً في قوله وَلجر: ((لا تصروا الإبل والغنم))، الحديث: ظاهره
تحريم التصرية، سواء قصد التدليس أم لا، وفي الشروط من البخاري بلفظ:
((نهى عن التصرية))، وبهذا جزم بعض الشافعية وعلله بما فيه من إيذاء الحيوان،
لكن أخرج النسائي من طريق الأعرج بلفظ: ((لا تصروا الإبل والغنم للبيع))،
(١) («المغني)) (٢٢٠/٦).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١١٧/٣).
٢٤٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
وله من طريق أبي كثير عن أبي هريرة ((إذا باع أحدكم الشاة أو اللقحة فلا
يحفلها))، وهذا هو الراجح، وعليه يدل تعليل الأكثر بالتدليس، ويجاب عن
التعليل بالإيذاء بأنه ضرر يسير لا يستمر، فيغتفر للمصلحة، انتهى.
١١ - ومنها: هل يعم الحكم كل محفلة أو يختص بنوع منها؛ وترجم
البخاري في صحيحه، ((باب النهي للبائع أن لا يُحفِّلَ الإبل والبقر والغنم وكل
محفلة))، قال الحافظ (١): ذكر البقر في الترجمة، وإن لم يذكر في الحديث
إشارة إلى أنها في معنى الإبل والغنم في الحكم، خلافاً لداود، وإنما اقتصر
عليهما لغلبتهما عندهم، وقوله: ((كل محفلة)) من عطف العام على الخاص
إشارة إلى إلحاق غير النعم من مأكول اللحم بالنعم للجامع بينهما، وهو تغرير
المشتري، وقال الحنابلة وبعض الشافعية: يختص ذلك بالنعم، واختلفوا في
غير المأكول كالأتان والجارية، فالأصح لا يرد للبن عوضاً، وبه قال الحنابلة
في الأتان دون الجارية، انتهى.
وقال الموفق(٢): جمهور أهل العلم على أنه لا فرق في التصرية بين
الشاة والناقة والبقرة، وشَذَّ داودُ، فقال: لا يثبت الخيار بتصرية البقرة؛ لأن
الحديث ((لا تصروا الإبل والغنم)) دل على أن ما عداهما بخلافهما، ولأن
الحكم ثبت فيهما بالنص، والقياس لا تثبت به الأحكام، ولنا، عموم قوله:
((من اشترى مصراة فهو بالخيار))، الحديث. وفي حديث ابن عمر: من اشترى
محفلة، ولم يفصل، والخبر فيه تنبيه على تصرية البقر؛ لأن لبنها أغزر وأكثر
نفعاً .
وقولهم: إن الأحكام لا تثبت بالقياس ممنوع، ثم هو ههنا ثبت بالتنبيه،
(١) ((فتح الباري)) (٣٦١/٤).
(٢) ((المغني)) (٢٢١/٦).
٢٤٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
وهو حجة عند الجميع، فإن اشترى مصراة من غير بهيمة الأنعام، كالأمة
والأتان والفرس، ففيه وجهان، أحدهما: يثبت له الخيار، اختاره ابن عقيل،
وهو ظاهر مذهب الشافعي، لعموم قوله: ((من اشترى مصراة ومحفلة))، ولأنه
تصرية بما يختلف الثمن به، فأثبت الخيار كتصرية بهيمة الأنعام، وذلك أن لبن
الآدمية يراد للرضاع، ويرغب فيها ظئراً، ويحسن ثديها، والأتان والفرس
يرادان لولدهما، والثاني: لا يثبت به الخيار؛ لأن لبنها لا يعتاض عنه في
العادة، ولا يقصد قصد لبن بهيمة الأنعام، والخبر ورد في بهيمة الأنعام، ولا
يصح القياس عليه؛ لأن قصد لبن بهيمة الأنعام أكثر، واللفظ العام أريد به
الخاص، بدليل أنه أمر في ردها بصاع من تمر، ولا يجب في لبن غيرها،
ولأنه ورد عاماً وخاصاً في قضية واحدة، فيحمل العام على الخاص، ويكون
المراد بالعام في أحد الحديثين الخاص في الحديث الآخر، وعلى الوجه الأول
إذا ردها لم يلزم بدل لبنها ولا يرد معها شيئاً؛ لأن هذا اللبن لا يباع عادة ولا
یعاوض عنه، انتهى.
وقال الدردير(١): وتصريةُ الحيوان ولو آدمياً كأمة لرضاع، كالشرط
المصرح به، فله الرد بذلك؛ لأنه غررٌ فعليٍّ فَيَرُدُّه أي ما وقع فيه التغرير من
الحيوان بصاع من غالب القوت، والصاع خاص بالأنعام، قال الدسوقي:
قوله: تصرية الحيوان، أي ولو حمارة؛ لأن زيادة لبنها يزيد في ثمنها لتغذية
ولدها، وقوله: خاص بالأنعام، أي لو رد أمة أو حمارة، فلا يَرُدُّ معها صاعاً،
انتهى .
١٢ - ومنها: ما قال الموفق(٢): إذا اشترى مصراتين أو أكثر في عقد
واحد فردهن رد مع كل مصراة صاعاً، وبهذا قال الشافعي وبعض أصحاب
(١) ((الشرح الكبير)) (١١٥/٣).
(٢) ((المغني)) (٢٢٢/٦).
٢٥٠

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
مالك، وقال بعضهم: في الجميع صاع واحد، لقوله وَل: ((من اشترى غنم
مصراة)) الحديث. وفيه ((ففي حلبتها صاع))، انتهى.
ووجه الاستدلال أن الغنم اسم جنس يتناول الواحد والجميع، ثم قال
فيه: وفي حلبتها صاع، قال الحافظ: (١) ظاهره أن صاع التمر في مقابلة
المصراة، سواء كانت واحدة أو أكثر، ونقله ابن عبد البر عمن استعمل
الحديث، وابن بطال عن أكثر العلماء، وابن قدامة عن الشافعية والحنابلة،
وعن أكثر المالكية: يرد عن كل واحدة صاعاً، حتى قال المازري: من
المستشبع أن يغرم متلف لبن ألف شاة، كما يغرم متلف لبن شاة واحدة.
وأجيب بأن ذلك مغتفر بالنسبة إلى ما تقدم من أن الحكمة في اعتبار
الصاع قطع النزاع، فجعل حداً يرجع إليه عند التخاصم، فاستوى القليل
والكثير، ومن المعلوم أن لبن الشاة الواحدة أو الناقة الواحدة يختلف اختلافاً
متبايناً، ومع ذلك فالمعتبر الصاع، سواء قل اللبن أم كثر، فكذلك هو معتبر،
سواء قلت المصراة أو كثرت، انتهى.
وقال الموفق: ولنا، قوله ◌َّلة: ((من اشترى مصراة ومحفلة))، وهذا يتناول
الواحدة، ولأن ما جعل عوضاً عن الشيء صفقتين، وجب إذا كان في صفقة
واحدة، وأما الحديث فإن الضمير فيه يعود إلى الواحدة، انتهى.
قال العيني(٢): واستغنت الحنفية عن مثل هذه التعسفات، ومذهبهم كما
مَرَّ أن المصراة لا تُرَدُّ، ولكنه يرجع بنقصان العيب، على أن فيه روايتين عن
أبي حنيفة، كما تقدم، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (٣٦٨/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٥٤/٨).
٢٥١

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، فِيمَا نُرَى وَاللَّهُ
أَعْلَمُ: لَا يَبْعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ
عَلَى سَوْم أَخِيهِ.
وقال الدردير(١): تعدد الصاع بتعدد المصراة المشتراة في عقد واحد على
المختار والأرجح، وقال الأكثر: يكتفي بصاع واحد لجميعها؛ لأن غاية ما
يفيده التعدد كثرة اللبن، وهو غير منظور إليه بدليل اتحاد الصاع في الشاة
وغيرها، فإن كان بعقود تعدد اتفاقاً، انتهى.
١٣ - ومنها: ما ترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب إن شاء ردّ المصراة
وفي حلبتها صاع من تمر))، قال الحافظ(٢): حلبتها بسكون اللام على أنه اسم
الفعل، ويجوز الفتح على إرادة المحلوب، وظاهره أن التمر مقابل للحلبة،
وزعم ابن حزم أن التمر في مقابلة الحلب لا في مقابلة اللبن؛ لأن الحلبة
حقيقة في الحلب مجاز في اللبن، والحمل على الحقيقة أولى، فلذلك قال:
يجب رد اللبن والتمر معاً، وشذَّ بذلك عن الجمهور، انتهى.
(قال مالك: وتفسير قول رسول الله مَله) الذي مضى في الحديث السابق
وسيأتي بيانه (فيما نرى) أي نظن أو نعتقد (والله أعلم) بحقيقة مراد رسوله وَلخلقه
(لا يبع بعضكم على بيع بعض) هذا بيان لقوله {وَلچور، وفي ((المحلى)): هو في
محل الجر بدل من القول، ثم ذكر التفسير بقوله (أنه إنما) أراد بالبيع السوم،
فالمراد (نهى) ◌َّير (أن يسوم الرجل على سوم أخيه).
وقد تقدم فيما مضى في أول الباب أنهم اختلفوا في المراد بالبيع على
ثلاثة أقوال: أحدها: أنه في معناه المعروف، والثاني: الشراء، والثالث:
السوم، وقد ورد بلفظ ((لا يسوم أحدكم على سوم أخيه))، والنهي المذكور مقيد
(١) ((الشرح الكبير)) (١١٧/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٦٨/٤).
٢٥٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
إِذَا رَكَنَ الْبَائِعُ إِلَى السَّائِمِ. وَجَعَلَ يَشْتَرِطُ وَزْنَ الذَّهَبِ. وَيَتَبَرَّأُ مِنَ
الْعُيُوبِ وَمَا أَشْبَهَ هُذَا. مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَرَادَ مُبَايَعَةً
السَّائِمِ فَهْذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بشرط، وهو أنه (إذا ركن) أي مال (البائع إلى السائم) أي المشتري (و) يظهر
ركونه بأنه (جعل يشترط وزن الذهب) أو الفضة مثلًا (ويتبرأ من العيوب) في
العيوب، فهذا أيضاً أمارة الرضا بالبيع (وما أشبه هذا) الذي ذكر (مما) بيان لما
أشبه (يعرف به) ببناء المجهول (أن البائع قد أراد مبايعة السائم) ورضي بهذا
السوم الذي سام به المشتري (فهذا الذي نهى عنه، والله أعلم) بحقيقة مراد
رسوله گچڑ .
قال صاحب ((المحلى)): وهو قول أبي حنيفة والشافعي إنما يكره السوم
على سوم أخيه عند التراضي بالثمن والركون، وتعقبه ابن حزم بأن لفظ الحديث
عام، انتھی.
قال الباجي(١): يعني أن المنع إنما يتعلق بحالة الاتفاق دون أشد
المساومة ووقت الاختلاف، ولا خلاف فيه، ولو منع من السوم على السوم
مطلقاً لفسدت بذلك حال كل بائع، فما كان أحد شاء أن يمنعه من بيع السلعة
إلا ساومه بها وأعطاه عشر ثمنها، وكان فيه ضرر بين للبائع، انتهى مختصراً.
وقال الحافظ(٢): محل النهي بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى
الآخر، فإن كان ذلك صريحاً فلا خلاف في التحريم، وإن كان ظاهراً ففيه
وجهان للشافعية، ونقل ابن حزم اشتراط الركون عن مالك، وقال: إن لفظ
الحديث لا يدل عليه، وتعقب بأنه لا بد من أمر مبين لموضع التحريم في
السوم؛ لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم اتفاقاً، كما نقله ابن
(١) ((المنتقى)) (١٠١/٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٣٥٣).
٢٥٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
عبد البر، فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك، وقد استثنى
بعض الشافعية من تحريم السوم على الآخر ما إذا لم يكن المشتري(١) مغبوناً
غبناً فاحشاً، وبه قال ابن حزم، واحتج بحديث ((الدين النصيحة))، لكن لم
تنحصر النصيحة في البيع والسوم، فله أن يعرفه أن قيمتها كذا، وأنك إن بعتها
بكذا مغبون من غير أن يزيد فيها، فيجمع بذلك بين المصلحتين، انتهى.
وقال الموفق(٢): روي عن أبي هريرة أنه وَ لّ قال: ((لا يسم الرجل على
سوم أخيه)) ولا يخلو من أربعة أقسام:
أحدها: أن يوجد من البائع تصريح بالرضا، فهذا يحرم السوم على سوم
غير ذلك المشتري، وهو الذي تناوله النهي.
الثاني: أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضا، فلا يحرم السوم؛ لأنه وَلـ
باع فيمن يزيد، وهذا أيضاً إجماع المسلمين يبيعون في أسواقهم بالمزايدة.
الثالث: لا يوجد منه ما يدل على الرضا ولا على عدمه، فلا يحرم له
السوم ولا الزيادة، استدلالًا بحديث فاطمة بنت قيس حين ذكرت للنبي وَالر:
أن معاوية وأباجهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة(٣)، وقد نهى عن الخطبة
على خطبة أخيه، فما أبيح في أحدهما أبيح في الآخر.
الرابع: أن يظهر منه ما يدل على الرضا من غير تصريح، فقال القاضي:
لا تحرم المساومة، وذكر أن أحمد نصَّ عليه في الخطبة استدلالا بحديث
فاطمة، ولأن الأصل إباحة الخطبة والسوم، فحرم ما وجد فيه التصريح
بالرضا، وما عداه يبقى على الأصل، ولو قيل بالتحريم ههنا لكان وجهاً
(١) كذا في الأصل والظاهر البائع، انتهى. ش.
(٢) ((المغني)) (٣٠٦/٦).
(٣) أخرجه مسلم (١٤٨٠)، وأبو داود (٢٢٨٤)، والنسائي (٣٢٤٤ - ٣٢٤٥).
٢٥٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ بِالسَّوْمِ بِالسِّلْعَةِ. تُوقَفُ لِلْبَيْعِ. فَيَسُومُ بِهَا
غَيْرُ وَاحِدٍ .
قَالَ: وَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ السَّوْمَ عِنْدَ أَوَّلِ مَنْ يَسُومُ بِهَا. أُخِذَتْ
بِشِبْهِ الْبَاطِلِ مِنَ الثَّمَنِ. وَدَخَلَ عَلَى الْبَاعَةِ، فِي سِلَعِهِمُ، الْمَكْرُوهُ.
وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى هُذَا.
حسناً، فإن النهي عامٌّ خرجت منه الصور المخصوصة بأدلتها، فتبقى هذه
الصورة على مقتضى العموم، ولأنه وجد منه دليل الرضا أشبه ما لو صرح به،
وليس في حديث فاطمة ما يدل على الرضا، لأنها جاءت مستشيرة للنبي وَلّر،
وليس ذلك دليلًا على الرضا، فكيف ترضى؟ وقد نهاها النبي ◌َّ بقوله: ((لا
تفوتينا بنفسك)) والحكم في الفساد كالحكم في البيع على بيع أخيه في الموضع
الذي حكمنا بالتحريم فيه، انتهى.
(قال مالك: ولا بأس بالسوم) على سوم أخيه (بالسلعة) التي (توقف) وتعرض
(للبيع فيسوم بها غير واحد) من الناس، وهذا الذي يسمى بيع المزايدة (قال: ولو
ترك الناس السوم عند أول من يسوم بالسلعة) مطلقاً (أُخِذَت) ببناء المجهول أي
السلعة (بشبه الباطل من الثمن) أي بثمن بخسٍ لا يوازيه بشيء، فيكون كالباطل،
مثلًا أراد رجل بيعَ فرس، فساوم به أحد بدرهم، فلو منع من السوم عليه مطلقاً
لاضطر البائع أن يبيعه بدرهم حيثما لا يزيد عليه أحد (ودخل) حينئذ (على الباعة)
جمع بائع (في سلعهم، المكروهُ) فاعل دخل، والمراد البخس من الثمن.
(ولم يزل الأمر عندنا) في المدينة المنورة (على هذا) أي على جواز بيع
المزايدة، فإنه وَّ باع قدحاً وحلساً ببيع من يزيدُ، رواه أصحاب السنن الأربعة
عن أنس، كذا في ((المحلى))، قال الموفق: رواه الترمذي، وقال: حديث
حسن، وهذا إجماع المسلمين يبيعون في أسواقهم بالمزايدة، انتهى.
وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب بيع المزايدة))، وذكر فيه قال عطاء:
أدركت الناس لا يرون بأساً ببيع المغانم فیمن یزید.
٢٥٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٢) حديث
قال الحافظ (١): كأن المصنف أشار بالترجمة إلى تضعيف ما أخرجه
البزار من حديث سفيان بن وهب سمعت النبي ◌ّ﴾ ((ينهى عن بيع المزايدة))،
فإن في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف، وأخرج ابن خزيمة وابن الجارود
والدارقطني من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر ((نهى رسول الله بصير أن يبيع
أحدكم على بيع أحد، حتى يذر إلا الغنائم والمواريث))، وقد أخذ بظاهره
الأوزاعي وإسحاق، فَخصًا الجواز ببيع المغانم والمواريث، وعن إبراهيم
النخعي أنه کره بیع من یزید.
وقال العيني(٢): أما البيع والشراء فيمن يزيد فلا بأس به، لحديث أنس
عند الأربعة، وهو قول مالك والشافعي وجمهور أهل العلم، وكره بعض أهل
العلم الزيادة على أخيه، وضعفه الأزدي بالأخضر بن عجلان في سنده، وحجة
الجمهور على تقدير عدم الثبوت أنه لو ساوم وأعطى فيها ثمناً لم يرض به
صاحب السلعة، ولم يركن إليه ليبيعه فإنه يجوز لغيره طلب شرائها قطعاً، ولا
يقول أحد: إنه يحرم السوم بعد ذلك قطعاً كالخطبة على خطبة أخيه إذا رد
الخاطب الأول؛ لأنه لا فرق بين الموضعين، وذكر الترمذي عن بعض أهل
العلم جواز ذلك يعني بيع من يزيد في الغنائم والمواريث.
قال ابن العربي: الباب واحدٌ، والمعنى مشتركٌ لا يختص به غنيمة ولا
ميراث، وروى الدارقطني(٣) من طريق ابن لهيعة عن حديث ابن عمر قال: ((نهى
رسول الله وَ ليل عن بيع المزايدة، ولا يبع أحدكم على أخيه إلا الغنائم والمواريث))،
ثم رواه من طريقين آخرين؛ أحدهما عن الواقدي مثله، والظاهر أن الحديث خرج
على الغالب وعلى ما كانوا يعتادون فيه مزايدة وهي الغنائم والمواريث، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٣٥٤/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٣٠/٨).
(٣) ((سنن الدارقطني)) (١١/٣).
٢٥٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٣) حديث
١٣٩٣/ ٩٧ - قَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ نَهَى عَنِ النَّجْشِ.
أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٦٠ - باب النجش. ومسلم في:
٢١ - كتاب البيوع، ٤ - باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، حديث ١٣.
قَالَ مَالِكٌ: وَالنَّجْشُ أَنْ تُعْطِيَهُ
٩٧/١٣٩٣ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَل نهى
عن النجش) بفتح النون وسكون الجيم وفتحها وبالشين المعجمة، هو لغةً تنفير
الصيد واستثارته من مكانه ليصاد، يقال: نجشت الصيد نجشاً، ومنه قيل
للصائد: الناجش؛ لأنه يثير الصيد، قال العيني(١): ينجش من باب نصر ينصر،
وفي ((الزاهر)): أصل النجش مدح الشيء وإطراؤه، وفي ((الغريبين)): النجش
تنفير الناس من الشيء إلى غيره، وفي ((الجامع)): أصله الختل، ويقال: أصله
الإثارة، انتهى.
وقال ابن قتيبة: النجش الختل والخديعة، ومنه قيل للصائد: الناجش؛
لأنه يختل الصيد، ويحتال له، وفي الشرع: الزيادة في ثمن السلعة ممن لا
يريد شراءها ليقع غيره فيها، سُمِّيَ بذلك؛ لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة
ويقع ذلك بمواطأة البائع، فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع،
فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر
مما اشتراها ليغر غيره بذلك، كما يظهر من كلام ابن أبي أوفى الصحابي عند
البخاري كذا في ((الفتح))(٢).
(قال مالك) هكذا في النسخ المصرية وليس في النسخة الهندية لفظ قال
مالك، والمراد تفسير النجش، فقال: (النجش أن تعطيه) أي تظهر للبائع أن
(١) ((عمدة القاري)) (٤٢٨/٨).
(٢) (فتح الباري)) (٣٥٥/٤).
٢٥٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٣) حديث
بِسِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا. وَلَيْسَ فِي نَفْسِكَ اشْتِرَاؤُهَا. فَيَقْتَدِيَ بِكَ
غَيْرُكَ .
تريد إعطاءه (بسلعته) أي بعوضها (أكثر من ثمنها وليس في نفسك اشتراؤها) بل
القصد الخداع (فيقتدي بك غيرك) فيعطي البائع هذا الثمن الذي تعطيه أو يزيد
عليه أيضاً.
قال الزرقاني (١): وقال الأكثر: هو أن يزيد في السلعة ليغتر به غيره،
وهذا أعم من تفسير مالك لدخول إعطائه مثل ثمنها أو أقل وخروجه من تفسير
مالك، انتهى.
قال الموفق(٢): فإن اشترى مع النجش، فالشراء صحيح في قول أكثر
أهل العلم، منهم الشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد، أن البيع باطل،
اختاره أبو بكر، وهو قول مالك؛ لأن النهي يقتضي الفساد، ولنا، أن النهي
عاد إلى الناجش لا إلى العاقد، فلم يؤثر في البيع، ولأن النهي لحق الأولى
فلم يفسد العقد كتلقي الركبان، لكن إن كان في البيع غبن لم تجر العادة بمثله،
فللمشتري الخيار بين الفسخ والإمضاء، كما في تلقي الركبان، وإن كان يتغابن
بمثله فلا خيار له، وسواء كان النجش بمواطأةٍ من البائع أو لم يكن، وقال
أصحاب الشافعي: إن لم يكن ذلك بمواطأة البائع وعلمه، فلا خيار له.
واختلفوا فيما إذا كان بمواطأة منه، فقال بعضهم: لا خيار للمشتري؛
لأن التفريط منه حيث اشترى ما لا يعرف قيمته، ولنا، أنه تغرير بالعاقد، فإذا
كان مغبوناً ثبت له الخيار، كما في تلقي الركبان، ولو قال البائع: أعطيت بهذه
السلعة كذا وكذا، فصدقه المشتري واشتراها بذلك، ثم بان كاذباً فالبيع
صحيح، وللمشتري الخيار أيضاً؛ لأنه في معنى النجش، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٤١/٣).
(٢) ((المغني)) (٣٠٥/٦).
٢٥٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٥) باب
(١٣٩٣) حديث
وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب النجش ومن قال: لا يجوز ذلك
البيع))، قال الحافظ (١): كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق من طريق عمر بن
عبد العزيز أن عاملًا له باع سبياً، فقال له: لولا أني كنت أزيد، فأنفقه لكان
كاسداً، فقال له عمر: هذا النجش لا يحلُّ، فبعث منادياً ينادي أن البيع مردود
وأن البيع لا يحل.
قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في
البيع إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد
ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك، وهو المشهور عند
الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة البائع وصنعه، والمشهور عند المالكية في مثل
ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم،
وهو قول الحنفية، انتهى.
وحكى الحافظ عن لفظ الشافعي أن البيع جائز لا يفسده معصية رجل
نجش عليه، وكذا قال العيني (٢): إن الأصح عند الشافعية صحة البيع مع
الإثم، وهو قول الحنفية، انتهى.
قال الزرقاني(٣) تبعاً للأبي: المذهب النهي عنه، وقال ابن العربي:
والذي عندي إن بلغها الناجش قيمتها ورفع الغبن عن صاحبها جاز، وهو
مأجور، واستبعده ابن عبد السلام بأنه إتلاف لمال المشتري، وقال ابن عرفة:
كان بسوق الكتبيين من تونس رجلٌ مشهور بالصلاح عارف بقيمة الكتب يستفتح
للدلّالين ما يبنون عليه في الدلالة، ولا غرض له في الشراء، وهذا الفعل جائز
على تفسير مالك، وقول ابن العربي: لا على تفسير الأكثر.
(١) ((فتح الباري)) (٣٥٥/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٣٤/٨).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٤١/٣).
٢٥٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٤) حديث
(٤٦) باب جامع البيوع
٩٨/١٣٩٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن
دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلاً
فيتحصل في إعطاء من لا يريد الشراء ثلاثة أقوال: المنع مطلقاً على
تفسير الأكثر، والجواز إن لم يزد على قيمتها، لظاهر تفسير مالك، واستحبابه
لقول ابن العربي، وعلى المنع، فإن كان بأمر البائع أو بعلمه وسكت، أو كان
الناجش من سبب البائع كعبده أو ولده أو شريكه، فالمشهور أن المبتاع يُخَيَّرُ
في الرد والإمضاء، وعن مالك وابن الجهم يفسخ، وقال ابن العربي: الفسخ
خروج عن طريق النظر، فإن لم يكن الناجش من سبب البائع لزم البيع، ولا
شيء على البائع والإثم على الناجش، وعلى المشهور يُخَيَّرُ، فإن فاتت السلعة،
فقال الباجي والمازري: يلزمه الأقل من ثمن النجش والقيمة، اهـ.
(٤٦) جامع البيوع
أي الأحكام المتفرقة في باب البيع، انتهى.
٩٨/١٣٩٤ - (مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر) - رضي الله
عنهما - (أن رجلاً) هو حبان بفتح المهملة والموحدة الثقيلة ابن منقذ بقاف
مكسورة وذال معجمة، كما رواه ابن الجارود والحاكم وغيرهما، وصدر به
عياض، وجزم به النووي في ((شرح مسلم))، وقيل: وهو أبو منقذ بن عمرو،
كما في ((ابن ماجه)) و((تاريخ البخاري))، قال ابن عبد البر: وهو أصح، وتبعه
النووي في ((مبهماته)) قاله الزرقاني(١).
وفي قوله: قيل: هو أبو منقذ تحريف من الناسخ، والصواب، وقيل: هو
أبوه منقذ، فإن الاختلاف في أن القصة لِحبّان أو لأبيه، ولم يترجم الحافظ في
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٤١/٣).
٢٦٠