النص المفهرس
صفحات 201-220
٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٤) حدیث فَإِنَّ الْجَارِيَةَ أَوِ الدَّابَّةَ وَوَلَدَهَا لِلْبَائِعِ. إِلَّا أَنْ يَرْغَبَ الْغُرَمَاءُ فِي ذُلِكَ. فَيُعْطُونَهُ حَقَّهُ كَامِلاً. وَيُمْسِكُونَ ذُلِكَ. لإفلاس المشتري (فإن الجارية أو الدابة وولدها) كلتيهما (للبائع إلا أن يرغب الغرماء في ذلك) أي في أخذ الجارية وولدها، وكذا الدابة وولدها (فيعطونه) أي البائع (حقه كاملاً) وهو أوضح مما في النسخ الهندية من لفظ حقا كاملاً (ويمسكون ذلك) المبيع عندهم، فذلك جائز لهم. قال الموفق(١): أما الزيادة المنفصلة، كالولد والثمرة والكسب، فلا تمنع الرجوع بلا خلاف بين أصحابنا، وهو قول مالك والشافعي، سواء نقص بها المبيعُ أو لم ينقص إذا كان نقص صفةٍ، والزيادةُ للمفلس، هذا ظاهر كلام الخرقي؛ لأنه منع الرجوع بالزيادة المتصلة لكونها للمفلس، فالمنفصلةُ أولى، وهو مذهب الشافعي، وهو الصحيح إن شاء الله، وقال أبو بكر: الزيادة للبائع، وهو مذهب مالك، ونقل حنبل عن أحمد في ولد الجارية ونتاج الدابة هو للبائع؛ لأنها زيادة، فكانت للبائع كالمتصلة. ولنا، أنها زيادة انفصلت في ملك المشتري فكانت له، كما لو ردّه بعيب، وقول النبي ◌ّ ((الخراج بالضمان)) يدل على أن النماء للمشتري لكون الضمان عليه، وكلام أحمد في رواية حنبل يحمل على أنه باعهما في حال حملها، فيكونان مَبيعين، ولهذا خص هذين بالذكر دون بقية النماء، انتهى. هذا، وقد عرفت فيما سبق أن هذه الفروع كلها لا يجري فيها خلاف الحنفية، ولذا لم يذكر خلافهم في تلك المسائل؛ لأن البائع عندهم أسوةُ الغرماء، لا حق له في الرجوع، سواء كانت السلعة باقيةً، أو تغيّرت، زادت أو نقصت. (١) (٥٥٠/٦). ٢٠١ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٣) باب (٤٣) باب ما يجوز من السلف (٤٣) ما يجوز من السلف لفظ ((من)) بيانٌ لما يعني بيان القرض الذي هو جائز، قال الموفق(١): يجوز قرض المكيل والموزون بغير خلافٍ، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن استقراضَ مَالَهُ مِثْلٌ من المكيل والموزون والأطعمة جائزٌ، ويجوز قرض كل ما يثبت في الذمة سلماً سوى بني آدم، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز قرض غير المكيل والموزون؛ لأنه لا مِثْلَ له أشبَهَ الجواهِرَ. ولنا، أن النبي ◌َل# استسلف بَكْراً، وليس بمكيل ولا موزون، ولأن ما يثبت سلماً يملك بالبيع ويُضْبَط بالوصف، فجاز قرضه كالمكيل والموزون، فأما بنو آدم، فقال أحمد: أكره قرضهم، فيحتمل كراهة تنزيه، ويصح قرضهم، وهو قول ابن جريج والمزني؛ لأنه مال يثبت في الذمة سلماً فصحّ قرضه كسائر الحيوان، ويحتمل أنه أراد كراهة تحريم، فلا يصح قرضهم اختاره القاضي؛ لأنه لم ينقل قرضهم ولا هو من المرافق، ويحتمل صحة قرض العبيد دون الإماء، وهو قول مالك والشافعي، ويجب رَدُّ المثل في المكيل والموزون، لا نعلم فيه خلافاً، وكذا حكي عن ابن المنذر الإجماع على ذلك. فأما غير المكيل والموزون، ففيه وجهان، أحدهما: يجب قيمته يوم القرض، لأنه لا مثل له، فيضمنه بقيمته، والثاني يجب رد مثله؛ لأنه وَ الد استسلف من رجل بكراً، فرد مثله، ويجوز قرض الخبز، ورخص فيه أبو قلابة ومالك، ومنع منه أبو حنيفة، ولنا، أنه موزون، فجاز قرضہ کسائر الموزونات، فإذا أقرضه بالوزن، ورَدَّ مثله بالوزن جاز، وإن أخذه عدداً، فردّه عدداً ففيه روايتان، إحداهما لا يجوز؛ لأنه موزون، والثانية يجوز، انتهى. (١) («المغني)) (٤٣٢/٦). ٢٠٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٣) باب (١٣٨٥) حدیث ٨٩/١٣٨٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِع مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: وقال الأبي(١): منع أهل الظاهر قرض غير المكيل والموزون، انتهى. وقال الدردير (٢): يجوز قرض كل ما يصح أن يسلم فيه من عرض وحيوان ومثلي، دون ما لا يصح فيه السلم، كدار وبستان وصائغ وجوهر نفيس، ولما كان السلم في الجواري جائزاً، ولا يصح قرضهن على الإطلاق، استثناهن بقوله: إلا جارية تحل للمستقرض، فلا يجوز قرضها لما فيه من إعارة الفروج، ولذا انتفى المنع إن حرمت عليه أو كانت المقترض امرأة، قال الدسوقي: قوله: للمستقرض أي الطالب للقرض، وقوله: إن حرمت عليه أي بقرابة أو رضاع أو صهر أو كان المستقرض شيخاً فانياً أو كانت الجارية في سن من لا توطأ مدة القرض، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (٣): صح القرض في مثلي لا في غيره من القيميات، كحيوان وحطب وكل متفاوت لتعذر رد المثل، قال ابن عابدين: قوله: مثلي، كالمكيل والموزون، والمعدود المتقارب، كالجوز والبيض، وحاصله أن المثلي ما لا تتفاوت آحاده تفاوتاً تختلف به القيمة، فإن نحو الجوز تتفاوت آحاده تفاوتاً يسيراً، انتهى. ٨٩/١٣٨٥ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر - رضي الله عنه _ (عن عطاء بن يسار عن أبي رافع) اختلف في اسمه على عشرة أقوال: أشهرها أسلم القبطي، كما قاله ابن عبد البر(٤) (مولى رسول الله وَل أنه قال: (١) ((إكمال الإكمال)) (٢٩٢/٤). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢٢٢/٣). (٣) (٢٨٦/٥). (٤) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٣٣/٣). ٢٠٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٣) باب (١٣٨٥) حديث اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بَكْراً . استسلف) قال الأبي(١): السين للطلب، وقد تكون للتحقيق، وهي ههنا كذلك؛ لأنه إخبار عن ماضٍ (رسول الله ( 18) قال الباجي: يدل على جواز ثبوت الحيوان في الذمة، وإنما يضبط بالصفة، ولولا ذلك لما جاز ثبوته في الذمة عوضاً عما يستقرضه المستقرض؛ لأنه لا خلاف أن عليه رد مثل ما استقرض، انتھی. (بكراً) بفتح الموحدة وسكون الكاف، الفتى من الإبل، وفيه جواز أخذ الدين للضرورة، وقد كان يكرهه وَ ل﴾ه وإلا فقد خُيِّر، فاختار التقليل من الدنيا والقناعة، قاله في ((الإكمال)). وفي ((المفهم)): فإن قيل: كيف عمر ذمته بالدين، وقد كان يكرهه، وقال في حديث: ((إياكم والدَّيْن فإنه شين)) وفي آخر: ((الدَّيْنُ هَمٌّ بالليل ومذلة بالنهار))، وكان ◌َ ﴿ كثيراً ما يَتَعَوَّذ منه، حتى قيل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ قال: ((إن الرجل إذا غرم حدّث فكذب))، أجيب بأنه إنما تداين لضرورة، ولا خلاف في جوازه لها . فإن قيل: لا ضرورة؛ لأن الله خَيّره أن تكون بطحاء مكة له ذهباً، رواه الترمذي، ومن هو كذلك فأين الضرورة؟ أجيب بأنه لما خَيَّرَه اختار الإقلال من الدنيا والقناعة وما عدل عنه زهداً فيه لا يرجع إليه، فالضرورة لازمة، وأيضاً فإن الدين إنما هو مذموم لتلك اللوازم المذكورة، وهو معصوم منها، وقد يجب، وإن كان لغير ضرورة كره للأحاديث المذكورة، ولما فيه من تعريض النفس للمذلة، كذا في ((الزرقاني)). قال الحافظ (٢): استعاذ والجل من الدَّيْنِ، لأنه في الغالب ذريعة إلى (١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٩١/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٦١/٥). ٢٠٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٣) باب (١٣٨٥) حديث الكذب، والخلف في الوعد، مع ما لصاحب الدين عليه من المقال، ويحتمل أن يراد بالاستعاذة من الدين الاستعاذة من الاحتياج إليه، حتى لا يقع في هذه الغوائل أو من عدم القدرة على وفائه، حتى لا تبقى تبعته. وفي ((حاشية ابن المنير)): لا تعارض بين الاستعاذة من الدين وجواز الاستدانة؛ لأن الذي استعيذ منه غوائلُ الدَّيْن، فمن أدان وسلم منها، فقد أعاده الله، وفَعَلَ جائزاً، انتهى. قال الزرقاني: وأما السلف بالنسبة إلى معطيه فمستحبٌ؛ لأنه إعانة على الخير، وأخرج البزار عن ابن مسعود: قرض مرة يعدل صدقة مرتين، وفي حديث آخر: درهم الصدقة بعشرة ودرهم القرض بسبعين، انتهى. وفي ((جمع الفوائد))(١) عن أبي أمامة رفعه: دخل رجل الجنة، فرأى على بابها مكتوباً الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، للكبير بلِيْن، زاد القزويني بضعف عن أنس: فقلت: يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة، انتهى. وعزا الموفق حديثي ابن مسعود وأنس إلى ابن ماجه، واستدل بهما على الندب في حق المقرض، واستدل بالحديث على جواز استسلاف الحيوان، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، كما تقدم قريباً . قال العيني(٢): مذهب أبي حنيفة والكوفيين والثوري والحسن بن صالح، وروي عن ابن مسعود وحذيفة وعبد الرحمن بن سمرة منعه، وأجابوا عن حديث الباب بأنه منسوخ بآية الربا، وكذلك أجابوا عن كل حديث يُشْبه حديث أبي رافع بأنه كان قبل الربا . (١) (٤٣/٢). (٢) ((عمدة القاري)) (٨/ ٦٨٠). ٢٠٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٣) باب (١٣٨٥) حديث فَجَاءَتْهُ إِيلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ. قَالَ أَبُو رَافِعِ: فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ. فَقُلْتُ: لَمْ أَجِّدْ فِي الْإِبِلِ إِلَّا جَمَلاً خِيَاراً رَبَاعِياً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «أَعْطِهِ إِيَّاهُ. وبسط الشيخ في ((البذل))(١) نقلاً عن الطحاوي في وجه الاستدلال على نسخ ذلك بالربا، وفي ((التعليق الممجد))(٢): منعه أصحابنا قائلين بأن التفاوت في الحيوانات فاحش في المالية باعتبار المعاني الباطنية، فلا يمكن توصيفه بحيث لا يفضي إلى المنازعة، ولا ثبوته في الذمة، ولا أداء مثله، وهذا معنى دقيق قويٌ يجب اعتباره لولا ورود النص بخلافه، انتهى. (فجاءته) وَل ◌ٍ (إيل من الصدقة) أي الزكاة (قال أبو رافع: فأمرني رسول الله ◌َ أن أقضي الرجل) لم يُسَمَّ الرجل، وفي ((مسند أحمد)» أنه أعرابي، وفي ((معجم الطبراني الأوسط)) عن العرباض بن سارية ما يفهم أنه هو، لكن روى النسائي والحاكم الحديث المذكور، وفيه ما يقتضي أنه غيره، وأن القصة وقعت لأعرابي، ووقع للعرباض نحوها، كذا في ((الفتح))(٣) (بكره) أي مثل بكره الذي تسلّف منه (فقلت: لم أجد في الإبل) الموجودة (إلا جملاً خياراً رباعياً) بتخفيف الياء والأنثى رباعية، وهو ما دخل في السنة السابعة، قال الهروي: إذا ألقى البعير رباعيته في السنة السابعة فهو رباعي، ورباعيات الأسنان الأربعة التي تلي الثنايا، وفي أبي داود: إذا طعن في السابعة سُمِّي الذكر رباعياً والأنثى رباعية إلى تمام السابعة. (فقال رسول الله وَير أعطه) بهمزة قطع وكسر الطاء (إياه) قال الباجي(٤): (١) ((بذل المجهود)) (٣١٢/١٥). (٢) (٣٠٣/٣). (٣) ((فتح الباري)) (٥٦/٥). (٤) ((المنتقى)) (٩٦/٥). ٢٠٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٣) باب (١٣٨٥) حديث لا يخلو أن يكون النبي وهو يقترض البكر لنفسه أو لغيره من أهل الصدقة، فإن كان لنفسه، فإنه لا تحلّ له الصدقة، فأمره وَلو أن يقضي الرجل بكره، يحتمل وجوهاً: أحدها: أن ما كان من إبل الصدقة قد بلغ محلّه، ثم صار إلى النبي وَ لّر بابتياع أو غيره، وإن أقرضه لأحد من أهل الصدقة جاز أن يقضيه منها، كما يستقرض والي اليتيم على ماله، غير أنه لا يجوز أن يعطي من أموال المساكين ما هو أفضل مما أخذ لهم، إلا أن يكون المقرض من أهل الصدقة، فیکون فضل الشيء صدقة علیه، انتھی. ويؤيد الابتياع من إبل الصدقة ما في البخاري عن أبي هريرة، أن رجلاً تقاضى رسول الله وَله، فأغلظ له، فَهَمَّ به أصحابه، فقال: دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً، واشتروا له بعيراً، فأعطوه إياه، فقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه، قال: اشتروه فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء. قال الحافظ(١): ويجمع بينه وبين حديث أبي رافع أنه أمر بالشراء أولاً، ثم قدمت إبل الصدقة، فأعطاه منها، أو أنه أمر بالشراء من إبل الصدقة ممن استحق منها شيئاً، وقال أيضاً: لا يُعَكِّر عليه أنه أوفاه أزيد من حقه من مال الصدقة لاحتمال أن يكون المقترض منه كان أيضاً من أهل الصدقة إما من جهة الفقر أو التألف أو غير ذلك بجهتين، جهة الوفاء في الأصل، وجهة الاستحقاق في الزائد، وقيل: كان اقتراضه في ذمته، فلما حل الأجل، ولم يجد الوفاء صار غارماً، فجاز له الوفاء من الصدقة، وقيل: كان اقتراضه لنفسه، فلما حل الأجل اشترى من إبل الصدقة بعيراً ممن استحقه، أو اقترضه من آخر من مال الصدقة؛ ليوفيه بعد ذلك، انتھی . (١) ((فتح الباري)) (٥/ ٥٧). ٢٠٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٣) باب (١٣٨٦) حديث فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً». أخرجه مسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، ٢٢ - باب من استسلف شيئاً فقضى خيراً منه، حديث ١١٨. ٩٠/١٣٨٦ - وحدّثني مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسِ الْمَكِّيّ، عَنْ مُجَاهِدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَسْلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ. ثُمَّ قَضَاهُ دَرَاهِمَ خَيْراً مِنْهَا. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمِّنِ، هَذِهِ خَيْرٌ مِنْ دَرَاهِمِي الَّتِي أَسْلَفْتُكَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَدْ عَلِمْتُ. وَلْكِنْ نَفْسِي بِذْلِكَ طَيِّةٌ. (فإن خيار الناس أحسنهم قضاء) للدين، قال البوني: أظنه أراد أن الله يوفق لهذا خيار الناس، وقال بعض العارفين: هو الكرم الخفي اللاحق بصدقة السر، فإن المعطى له لا يشعر بأنه صدقة سر في العلانية، ويورث ذلك صحبة ووداداً في نفس المقضى له، ففي حسن القضاء فوائد جمة، انتهى(١). ٩٠/١٣٨٦ - (مالك عن حميد) مصغراً (ابن قيس المكي عن مجاهد) بن جبر الفقيه (أنه قال: استسلف) أي أخذ ديناً (عبد الله بن عمر من رجل دراهم ثم قضاه) ابن عمر من أسلفه (دراهم خيراً منها) أي أفضل من الدراهم التي أخذها ابن عمر (فقال الرجل) الذي أسلف (يا أبا عبد الرحمن) كنية ابن عمر - رضي الله عنهما - بحذف الهمزة من أول ((أبا)) في النسخ الهندية وبإثباتها في المصرية (هذه) الدراهم التي أعطيتني (خير من دراهمي التي أسلفتك، فقال عبد الله بن عمر: قد علمت ذلك) أي أن هذه خير منها (ولكن نفسي بذلك) أي بأداء الأفضل (طيبة) لا إكراه عليه فيه. قال الباجي(٢): قضى ابن عمر - رضي الله عنهما - من أسلفه الدراهم خيراً منها، الظاهر أنها أفضل في الصفة، وهذا لا خلاف في جوازه، سواء (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٣٤/٣). (٢) ((المنتقى)) (٩٦/٥). ٢٠٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٣) باب (١٣٨٦) حديث كانت قيمة تلك الفضيلة كثيرة أو قليلة، وهذا ما لم يكن في مقابل تلك الفضيلة نقص من وجه آخر، مثل أن يسلفه عشر دنانير مسكوكة رديئة الذهب، فيقضيه عشرة دنانير من التبر جيدة الذهب؛ لأنه من باب المعاوضة، فيؤدي إلى بيع الذهب بالذهب إلى أجل لما كان من جنسين، وإن كانت الفضيلة في القدر، فلا يخلو أن يكون إقراضه وزناً أو عدداً، فإن كان إقراضه وزناً فلا اعتبار بالعدد، ولا يجوز أن يقضيه أكثر من ذلك الوزن، إلا أن يكون اليسير، فإن كان أقرضه عدداً جاز له أن يقضيه مثل ذلك العدد أفضل وزناً، ولا يجوز أن يزيده في العدد إلا الزيادة اليسيرة، انتهى. قال الحافظ(١): في الحديث جواز وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد، فيحرم حينئذٍ اتفاقاً، وبه قال الجمهور، وعن المالكية تفصيل في الزيادة، إن كانت بالعدد منعت، وإن كانت بالوصف جازت، انتهى. قال الموفق(٢): كل قرض شرط فيه أن يزيده، فهو حرام بغير خلاف، فإن أقرضه مطلقاً من غير شرط، فقضاه خيراً منه في القدر أو الصفة أو دونه برضاهما جاز، ورخص في ذلك ابن عمر وابن المسيب والحسن والنخعي والشعبي والزهري ومكحول وقتادة ومالك والشافعي وإسحاق، وقال أبو الخطاب: إن قضاه خيراً منه، أو زاده زيادة بعد الوفاء من غير مواطأة، فعلى روايتين، وروي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن عمر أنه يأخذ مثل قرضه ولا يأخذ فضلاً؛ لأنه إذا أخذ فضلاً كان قرضاً جرَّ منفعةً، ولنا، حديث الباب، ولأنه لم يجعل تلك الزيادة عوضاً في القرض ولا وسيلة إليه ولا إلى استيفاء دينه، فحلت، كما لو لم يكن قرض، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (٥٧/٥). (٢) ((المغني)) (٤٣٦/٦). ٢٠٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٣) باب (١٣٨٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُقْبِضَ مَنْ أُسْلِفَ شَيْئاً مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ أَوِ الطَّعَامِ أَوِ الْحَيَوَانِ، مِمَّنْ أَسْلَفَهُ ذُلِكَ، أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفَهُ. إِذَا لَمْ يَكُنْ ذُلِكَ عَلَى شَرْطِ مِنْهُمَا. أَوْ عَادَةٍ. فَإِنْ كَانَ ذُلِكَ عَلَى شَرْطِ. أَوْ وَأَي. أَوْ عَادَةٍ. فَذْلِكَ مَكْرُوهٌ. وَلَا خَيْرَ فِيهِ. قَالَ: وَذُلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَضَى جَمَلاً رَبَاعِياً خِيَاراً. مَكَانَ بَكْرِ اسْتَسْلَفَهُ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اسْتَسْلَفَ دَرَاهِمَ. فَقَضَى خَيْراً مِنْهَا . (قال مالك: لا بأس بأن يقبض) بفتح أوله من المجرد عندي، وضبطه الزرقاني بضم أوله من أقبض (من أسلف) فاعل يقبض ببناء المعروف، وضبطه الزرقاني ببناء المجهول (شيئاً) مفعول أسلف (من الذهب أو الورق أو الطعام أو الحيوان) أو غير ذلك (ممن أسلفه ذلك) متعلق بـ يقبض (أفضل مما أسلفه) مفعول يقبض (إذا لم يكن ذلك) أي قبض الأفضل (على شرط منهما أو) على (عادة) جارية بذلك في العرف، زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (أو وأي) وليس هذا في النسخ المصرية، والأولى وجوده لتقابل الثلاثة الآتية، وهو بفتح الواو وسكون الهمزة آخره تحتية: الوعد (فإن كان ذلك) أي قضاء الأفضل (على شرط أو وأي) بفتح الواو أي على مواعدة (أو) على (عادة) جارية في العرف (فذلك مكروه) تحريماً (ولا خير فيه) أصلاً. قال الزرقاني(١): قال أبو عمر: لا ربا في الزيادة إلا أن تشترط، والوأي والعادة من قطع الذرائع، وفي الحديث ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) وقال أبو عمر: اتركوا الربا والريبة، فالوأي والعادة ههنا من الريبة، انتهى. (قال مالك: وذلك) أي وجه جواز قضاء الأفضل بدون الشرط (أن رسول الله ◌َّ قضى جملاً رباعياً خياراً مكان بكر استسلفه) كما تقدم في أول الباب (وأن عبد الله بن عمر استسلف دراهم فقضى خيراً منها) كما تقدم قريباً . (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٦/٣). ٢١٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٤) باب (١٣٨٧) حديث فَإِنْ كَانَ ذُلِكَ عَلَى طِيبٍ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْتَسْلِفِ. وَلَمْ يَكُنْ ذُلِكَ عَلَى شَرْطِ وَلَا وَأُىٍ وَلَا عَادَةٍ. كَانَ ذُلِكَ حَلَالاً لَا بَأْسَ بِهِ. (٤٤) باب ما لا يجوز من السلف ٩١/١٣٨٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي رَجُلِ أَسْلَفَ رَجُلاً طَعَاماً. عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ. فَكَرِهَ ذُلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَقَالَ: فَأَيْنَ الْحَمْلُ؟ يَعْنِي حُمْلَانَهُ. (فإن كان ذلك على طيب نفس من المستسلف ولم يكن ذلك على شرط ولا وأي ولا عادة، كان ذلك حلالاً لا بأس به) قال المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المتسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا، انتهى. وكذا حكى الإجماع على ذلك غير واحد من نقلة المذاهب. (٤٤) ما لا يجوز من السلف يعني بيان السلف الذي لا يجوز. ٩١/١٣٨٧ - (مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال في رجل أسلف رجلاً) يعني أسلف زيدٌ عمراً (طعاماً على أن يعطيه إياه) أي أن يقضي عمرو زيداً دينه (في بلد آخر فكره ذلك) القرض لشرط فيه (عمر بن الخطاب وقال: فأين الحمل؟) بفتح الحاء وسكون الميم (يعني حملانه). قال الباجي(١): هذا تبيين لوجه المنع ومقتضى التحريم، لأنه إذا شرط عليه زيادة في قرضه، وذلك متفق على فساده لا سيما فيما له حمل، كالطعام وسائر المتاع، ولو لم يكن بينهما شرط، فلقيه في بلد غير بلد القرض جاز أن (١) ((المنتقى)) (٩٧/٥). ٢١١ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٤) باب (١٣٨٧) حديث يتفقا على القضاء حيث التقيا، رواه عبد الحكم عن مالك، وذلك أن هذه زيادة المقترض من غير شرط، وقد تقدم أن ذلك جائز. وقوله: ((أين الحمل)) يريد أنه قد ازداد عليه بالقرض الحمل إذا شرط ذلك، وروى ابن المزين عن مالك أنه قال: أراد به الضمان والحمل، يريد - والله أعلم - مؤنة الحمل، والضمان في مدته مع ما في ذلك من الغرر، ولم يمنع الضمان في مدة الاقتراض من صحة القرض؛ لأن ذلك مقتضى الانتفاع بما اقترضه المقترض، وأما ضمانه في مدة الحمل من بلد إلى بلد، فأمر ثابت بالشرط وزيادة لها قدر، انتهى. وسيأتي في أول القراض من كلام الباجي أن السفاتج لا تجوز في المشهور من مذهب مالك، وروي عنه الجواز. وقال الموفق(١): إن شرط أن يعطيه إياه في بلد آخر، وكان لحمله مؤنة لم يجز؛ لأنه زيادة وإن لم يكن لحمله مؤنة جاز، وحكاه ابن المنذر عن علي وابن عباس والحسن بن علي وابن الزبير وابن سيرين وعبد الرحمن بن الأسود وأيوب السختياني والثوري وأحمد وإسحاق، وكرهه الحسن البصري وميمون ومالك والأوزاعي والشافعي؛ لأنه قد يكون في ذلك زيادة. وقد نص على من شرط أن يكتب له بها سفتجة(٢) لم يجز، ومعناه اشتراط القضاء في بلد آخر، وروي عنه جوازها لكونها مصلحة لهما جميعاً، وقال عطاء: وكان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم، ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فيأخذونها منه، فسئل عن ذلك ابن عباس، فلم ير (١) ((المغني)) (٤٣٦/٦). (٢) السفتجة: أن يعطي مالاً لآخر وللآخر مال في بلد المعطي، فيوفيه إياه ثَمَّ، فيستفيد أمن الطريق. ٢١٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٤) باب (١٣٨٨) حدیث ٩٢/١٣٨٨ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ. فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ، إِنِّي أَسْلَفْتُ رَجُلاً سَلَفاً. وَاشْتَرَظْتُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتُهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ: فَذْلِكَ الرِّبَا. قَالَ: فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: السَّلَفُ عَلَى ثَلاَثَةِ وُجُوهٍ: سَلَفْ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ. وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ، فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ به بأساً، وروي عن علي رضي الله عنه؛ أنه سُئِلَ عن مثل هذا فلم ير به بأساً، وممن لم ير به بأساً ابن سيرين والنخعي، رواه كله سعيد، والصحيح جوازه؛ لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (١) عن ((الخلاصة)): القرض بالشرط حرام، والشرط لغو بأن يقرض على أن يكتب به إلى بلد كذا ليوفي دينه، وفي ((الأشباه)»: كل قرض جَرَّ نفعاً حرامٌ، انتھی. ٩٢/١٣٨٨ - (مالك أنه بلغه أن رجلاً أتى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن) بحذف الهمزة من أول أبا في النسخ الهندية، وهو كنية ابن عمر (إني أسلفت رجلاً سلفاً واشترطت عليه أفضل مما أسلفته) أي شرطت عليه أن يقضي الأفضل مما أخذ (فقال عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه -: (فذلك الربا) لشرط الأفضل. (فقال: فكيف تأمرني يا أبا عبد الرحمن؟) ماذا أفعل إذاً (فقال عبد الله بن عمر) الأصل في السلف أن (السلف على ثلاثة أوجه) أحدها (سلف تسلفه) رجلاً (تريد به وجه الله) عز اسمه لا غرض لك غير هذا (فلك وجه الله) تعالى وثوابه الذي يعطيك لكونه خالصاً لوجهه (و) الثاني (سَلَفٌ تُسْلِفهُ) رجلاً (تريد به وجه صاحبك) أي المتسلف تبتغي رضاه والتحبب إليه (فلك وجه صاحبك) (١) (٢٩١/٥). ٢١٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٤) باب (١٣٨٨) حديث وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ لِتَأْخُذَ خَبِيثاً بِطَيِّب، فَذَلِكَ الرِّبا. قَالَ: فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ. فَإِنْ أَعْطَاكَ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ قَبِلْتَهُ. وَإِنْ أَعْطَاكَ دُونَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ فَأَخَذْتَهُ أُجِرْتَ. وَإِنْ أَعْطَاكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتَهُ طَيِّةً بِهِ نَفْسُهُ فَذْلِكَ شُكْرٌ. شَكَرَهُ لَكَ وَلَكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرْتَهُ. يعني يحصل لك رضاه وطيب نفسه، فإن كان ابتغاء رضاه للآخرة يحصل الأجر، وإن كان للدنيا يحصل الدنيا، فيدار حكم الثواب على القصد برضا الصاحب (و) الثالث (سلف تسلفه) رجلاً (لتأخذ خبيثاً بطيب) أي لتأخذ حراماً بدل حلال (فذلك الربا) المحرم في القرآن. (قال) السائل: (فكيف تأمرني يا أبا عبد الرحمن؟) أعاد السؤال طلباً للخروج عما وقع فيه من الحرام، يعني كيف أفعل حينئذٍ لأخرج من الحرمة (قال) ابن عمر: (أرى أن تشقّ الصحيفة) التي كتبت على المتسلف، وشرطت فيه الأفضل وتخبر المتسلف ببطلان الشرط (فإن أعطاك) المتسلف بعد ذلك (مثل الذي أسلفته) بدون الزيادة (قبلته) قال عز اسمه: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾(١) (وإن أعطاك دون الذي أسلفته) أي الأقل من سلفك (فأخذته) يعني قبلته في حقك (أجرت) عليه ببناء المجهول، يعني تكون مأجوراً؛ لأنه حسن اقتضاء، وما بقي لك عليه يكون صدقة منك على المتسلف (وإن أعطاك) المتسلف (أفضل مما أسلفته) بعد علمه ببطلان الشرط الزيادة (طيبة به نفسه) بدون إجبار وإكراه عليه (فذلك شكر) من المتسلف (شكره لك) على إحسانك في التسليف (ولك أجر ما أنظرته) أي أخرته في الأداء. قال الباجي: من شرط زيادة في السلف وكان مؤجلاً فله أن يبطل (١) سورة البقرة: الآية ٢٧٩. ٢١٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٤) باب (١٣٨٩ - ١٣٩٠) حدیث ١٣٨٩/ ٩٣ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِع؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: مَنْ أَسْلَفَ سَلَفاً فَلَا يَشْتَرِظُ إِلَّا قَضَاءَهُ. ٩٤/١٣٩٠ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَسْلَفَ سَلَفاً فَلَا يَشْتَرِظْ أَفْضَلَ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَتْ قَبْضَةً مِنْ عَلَفٍ، فَهُوَ رِباً . قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. أَنَّ مَنِ اسْتَسْلَفَ شَيْئاً مِنَ الْحَيَوانِ بِصِفَةٍ وَتَحْلِيَةٍ مَعْلُومَةٍ . القرض جملة، ويتعجَّلُ قبضَ ماله، والأفضل له أن يسقط الشرط ويبقيه على أجله دون شرط، كذا في ((الزرقاني))(١) . ٩٣/١٣٨٩ - (مالك عن نافع أنه سمع عبد الله بن عمر يقول من أسلف) أحداً (سلفاً فلا يشترط إلا قضاءه) أي لا يجوز أن يشترط فيه شرطاً آخر غير أداء ما أخذ لا زيادةً ولا نقصاً ولا شرطاً آخر. ٩٤/١٣٩٠ - (مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: من أسلف سلفاً فلا يشترط) فيه (أفضل منه) أي أفضل مما أخذ (وإن كان) الواو وصلية (قبضة من علف) هو ما يعلف للبهائم، فإن شرط الزيادة ولو قليلًا (فهو ربا)، لأن الربا هو الزيادة على السلف قليلًا كان أو كثيراً. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن من استسلف) عن رجل (شيئاً من الحيوان بصفة) معلومة (وبحلية معلومة) عطف تفسير على قوله: بصفة، وهو في النسخ الهندية بزيادة باء الجارة على لفظ ((حلية))، وفي النسخ المصرية(٢) بلفظ ((تحلية)) مصدر تفعيل من حَلَّى شيئاً وصفه، وهو في جميع النسخ (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٦/٣). (٢) كذا في نسخة ((الاستذكار)) (٥٦/٢١) أيضاً. ٢١٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٤) باب (١٣٩٠) حديث فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ. إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْوَلَائِدِ. فَإِنَّهُ يُخَافُ، فِي ذُلِكَ، الذَّرِيعَةُ إِلَى إِحْلَالِ مَا لَا يَحِلُّ. فَلَا يَصْلُحُ. وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذُلِكَ. أَنْ يَسْتَسْلِفَ الرُجُلُ الْجَارِيَةَ. فَيُصِيبُهَا مَا بَدَا لَهُ. ثُمَّ يَرُدُّهَا إِلَى صَاحِبِهَا بِعَيْنِهَا. فَذُلِكَ لَا يَصْلُحُ وَلَا يَحِلُّ. وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ. وَلَا يُرَخِّصُونَ فِيهِ لِأَحَدِ . الموجودة عندي بالحاء المهملة، وقال صاحب ((المحلى)): وتجلية بالجيم، أي علامة معلومة، انتهى. (فإنه لا بأس بذلك) يعني يجوز هذا السلف، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، خلافاً للحنفية، كما تقدم في أول الباب (وعليه) أي على المتسلف (أن يرد) في القضاء (مثله) أي مثل الذي أخذ سواء (إلا ما كان من الولائد) أي الإماء جمع وليدة بمعنى الأمة (فإنه يخاف) ببناء المجهول (في ذلك) أي في سلف الإماء (الذريعة) أي الوسيلة (إلى إحلال ما لا يحلُّ) من استعمال الفروج (فلا يصلح) ذلك أي سلف الإماء. (وتفسير ما كره من ذلك) يعني توضيح الكراهة في الإماء (أن يستسلف الرجل الجارية فيصيبها) أي يجامعها (ما بدا له) لأن الرجل إذا يأخذ شيئاً قرضاً يدخل هذا في ملكه وضمانه (ثم يردها) أي الجارية (إلى صاحبها) الذي تسلف منه (بعينها) لأن السلف رد العين المتسلف (فذلك لا يحل ولا يصلح ولم يزل أهل العلم) من السلف (ينهون عنه ولا يرخصون فيه لأحد). قال الباجي(١): يريد لا يحل قرض الجواري، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء، ووجه ذلك ما احتجّ به من حظر الفروج، ومعلوم أن من استقرض شيئاً كان له أن يردّه متى شاء بعد أخذه بساعة أو أكثر من ذلك، فمن أراد الاستمتاع بجارية غيره اقترضها منه فوطئها، ثم ردها إليه من ساعته، وهذه إباحة للفروج المحظورة، وقال محمد بن عبد الحكم: يجوز (١) ((المنتقى)) (٩٩/٥). ٢١٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٤) باب (١٣٩٠) حديث ذلك إذا كانت ذات محرم للمستقرض، لأنه يسلم مما قاله، وعلى هذا، يجوز للنساء استقراض الجواري، وإنما يحرم ذلك على الرجال. قلت: وهذا هو المرجح عند المالكية، كما تقدم عن الدردير، وحكى العيني عن ((شرح المهذب)): استقراض الحيوان فيه ثلاثة مذاهب، مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء جوازه إلا الجارية لمن ملك وطأها، فإنه لا يجوز ويجوز إقراضها لمن لا يجوز له وطؤها كمحرمها وللمرأة والخنثى، الثاني: مذهب ابن جرير وداود يجوز قرض الجارية وسائر الحيوان لكل أحد، والثالث: مذهب أبي حنيفة والكوفيين منعه، أي منع قرض الحيوان مطلقاً، وتقدم في أول الباب عن الموفق اختلاف الروايات عن الإمام أحمد في قرض بني آدم، ورجح الموفق الجواز. وقال الزرقاني(١): قال أبو عمر: يمنع قرض الإماء. به قال الجمهور ومالك والشافعي؛ لأن الفروج لا تُستباح إلا بنكاح أو ملك بعقد لازم، والقرض ليس بعقد لازم؛ لأن المقترض يرد متى شاء، فأشبه الجارية المشتراة بالخيار، ولا يجوز وطؤها بإجماع حتى تنقضي أيام الخيار، وأجاز داود والمزني استقراض الإماء؛ لأن ملك المقترض صحيح يجوز له فيه التصرف كله، وكما جاز بيعه جاز قرضه، انتهى. قال الباجي: فإن اقترض رجل فلا خلاف عن مالك، ومن قال بقوله في المنع من ذلك: إن الجارية تُردُّ بعينها ما لم يطأها، ويفسخ القرض، واختلفوا إذا وطئها، فقال مالك: تفوت بالوطء وتكون الجارية للمستقرض، وتلزمه قيمتها، وقال الشافعي: يَرُدُها، ويَردُّ معها عقرها، وإن حملت رَدَّها بعد الولادة وقيمة ولدها حياً يوم الولادة، ويَرُدُّ معها ما نقصتها الولادة. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٧/٣). ٢١٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩١) حديث (٤٥) باب ما ينهى عنه من المساومة والمبايعة ٩٥/١٣٩١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ ﴿ قَالَ: ((لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ غَلَى بَيْعٍ بَعْضٍ)). أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٥٨ - باب لا يبيع على بيع أخيه. ومسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ٤ - باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، حديث ٧. والدليل على ما نقوله أن عقود التمليك تفوت عندنا مع بقاء الأعيان، ولما دفع صاحب الجارية الجارية على وجه التمليك فاتت بالوطء، فلو أجزنا له ردَّها لكنا أتممنا القرض الفاسد، فلما وجد معنى المنع، وفات ردها بذلك أوجبنا له قيمتها، وإذا وجبت قيمتها بطل جميع ما أوجبه بعد الوطء من قيمة الولد وغير ذلك؛ لأن القيمة تلزمه يوم قبضها، انتهى. وقال الزرقاني(١): إن وقع قرض الجارية على الوجه الممنوع، فإن لم يطأ فسخ، ورُدَّتْ إلى ربها، وإن وطئت، فقيل: تجب القيمة، وقيل: المثل، قاله الأبي، واقتصر أبو عمر عن مالك على القيمة، انتهى. (٤٥) ما ينهى عنه من المساومة والمبايعة يعني بيان المساومة والمبايعة المنهية عنهما . ٩٥/١٣٩١ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أن رسول الله صلى قال: لا يبع) بالجزم على النهي، وفي رواية ((لا يبيع)) بإثبات الياء على الخبر مراداً به النهي، وهو أبلغ في النهي من النهي الصريح، قال الحافظ(٢): ويحتمل أن تكون ناهية وأشبعت الكسرة كقراءة من قرأ: ﴿إِنَّهُ مَن يتقي وَيَصْبِرْ﴾ الآية، انتهى. (بعضكم على بيع بعض) عدّي بعلى، لأنه ضمن معنى الاستعلاء. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٧/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٣٥٣/٤). ٢١٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩١) حديث وفي الحديث أربعة أبحاث، الأول: في معنى البيع، والثاني: في المراد بالبعض، والثالث: في شرط النهي، والرابع: فيمن خالف الحديث، فباع على البيع، أما الأول فقد قال الباجي: يريد - والله أعلم - لا يشتر، والعرب تقول: اشتريت بمعنى بعت، قال ابن حبيب: إنما النهي للمشتري دون البائع، ونحو هذا روى أبو عبيد عن أبي عبيدة وأبي زيد، قال أبو عبيدة: ليس للحديث وجهٌ غير هذا عندي، لأن البائع لا يكاد يدخل على البائع، وإنما المعروف أن يزيد المشترى على المشتري. قال الباجي(١): وعندي يحتمل أن يحمل اللفظ على ظاهره فيمنع البائع أيضاً من أن يبيع على بيع أخيه إذا كان قد ركن إليه المشتري، وإنما حمل ابن حبيب على ما قاله؛ لأن الإرخاص مستحب، مشروع، فإذا أتى من يبيع بأرخص من بيع الأول، فلا منع في ذلك عنده، انتهى. وقال عياض: الأولى حمله على ظاهره، وهو أن يعرض سلعته على المشتري يُرَخِّصُ ليزهده في شراء سلعة الآخر الراكن إلى شرائها، انتهى. وسيأتي في كلام الإمام مالك أنه فسره بالسوم على سوم أخيه. وقال الحافظ(٢): قال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء، وهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار: افسخ لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيد، وأما السوم، فصورته أن يأخذ شيئاً ليشتريه فيقول له: رده لأبيعك خيراً منه بثمنه أو مثله بأرخص منه، أو يقول للمالك: استرده لأشتريه منك بأكثر، انتهى. وفي ((المحلى)): لا يبع إلخ بالجزم على النهي بأن يتراضيا على ثمن (١) ((المنتقى)) (١٠٠/٥). (٢) ((فتح الباري)) (٣٥٣/٤). ٢١٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٥) باب (١٣٩١) حديث سلعة، فيجيء الآخر، فيقول: أنا أبيعك مثله، بأنقص من هذا الثمن، فيضر لصاحب السلعة، ويحتمل أن يكون المراد بالبيع الشراء، فيكون في معنى حديث ((نهى أن يستام الرجل على سوم أخيه))، ويحتمل أن يراد به كلاهما على سبيل عموم المجاز، وأما عموم المشترك فلا يصح إرادتهما معاً، وقد استثنى بعض الشافعية من تحريم البيع والسوم على سوم الآخر ما إذا لم يكن مغبوناً غبناً فاحشاً، وبه قال ابن حزم، كما سيأتي. وأما الثاني: فقد قيل: إن المراد بالبعض المسلم خاصة، ويؤيده ما في لفظ البخاري عن ابن عمر: ((لا يبع بعضكم على بيع أخيه))، قال الحافظ(١) ظاهر التقييد بأخيه أن يختص ذلك بالمسلم، وبه قال الأوزاعي وأبو عبيد بن حربويه من الشافعية، وأصرح من ذلك رواية مسلم عن أبي هريرة بلفظ: ((لا يسوم المسلم على سوم المسلم))، وقال الجمهور: لا فرق في ذلك بين المسلم والذمي، وذكر الأخ خرج للغالب، فلا مفهوم له. وقال الباجي (٢): المراد بالأخ المسلم، ولم يجعل ذلك شرطاً فيما يمنع من البيع على بيعه، وإنما ذلك لإظهار قبح فعله، ولذلك ذكره بالأخوة التي تمنع المقابحة، ولو كان الذي ركن إلى بيعه يهودياً أو نصرانياً، فإنه لا يزاد عليه، قاله مالك في ((كتاب ابن الموّاز))، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وجوّز ذلك الأوزاعي، والدليل على ما نقوله أن هذا له عهد وذمة كالمسلم أيضاً، فإن كل حكم بين مسلم وذمي، فإنه يكون على حكم الإسلام، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (٣): كره السوم على سوم غيره ولو ذمياً أو مستأمناً، (١) ((فتح الباري)) (٣٥٣/٤). (٢) ((المنتقى)) (١٠٠/٥). (٣) (٢٢٣/٥). ٢٢٠