النص المفهرس

صفحات 121-140

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٧) باب
(٣٧) باب البيع على البرنامج
الغير، فلا يقبل رجوعُه ولا بَيِّنَتُه لإقراره بكذبها، وقول الخرقي: له أن يُحَلِّفُه
صحيحٌ، فإنه لو باعها بهذا الثمن عالماً بأن ثمنها عليه أكثرُ لزمه البيع بما عقد
عليه؛ لأنه تعاطى شيئاً عالماً بالحال، فلزمه، كمشتري المعيب عالماً بعيبه،
وإذا كان البيع يلزمه بالعلم فادّعى عليه، لزمته اليمينُ، فإن نكل قُضِي عليه،
وإن حلف خُيِّرَ المشتري بين قبوله بالثمن والزيادة التي غَلِط بها، وحظّها من
الربح، وبين فسخ العقد.
ويحتمل أنه إذا باع بمائة وربح عشرةٍ، ثم إنه غلط بعشرة، لا يلزمه حظٌ
العشرة من الربح؛ لأن البائع رضي بربح عشرة في هذا المبيع، فلا يكون له
أكثر منها، وكذلك إن تَبَيَّن له أنه زاد في رأس ماله، لا ينقص الربح من
عشرة، لأن البائع لم يبعه إلا بربح عشرة؛ فأما إن قال: وأربح في كل عشرة
درهماً، أو قال: ده يازده، لزمه حطّ العشرة من الربح في الغلط والزيادة على
الثمن في الصورتين، انتهى.
(٣٧) البيع على البرنامج
تقدم قريباً أنه بفتح الموحدة وكسر الميم وبكسرهما معربُ برنامه
بالفارسية معناه الورقة المكتوب فيها ما في العِدْلِ، والمعروف الآن في
اصطلاح تجار الهندية بلفظ ((بل)) - بكسر الموحدة - و((چك)).
وقال الدردير (١): هو بفتح الموحدة وكسر الميم الدفتر المكتوب فيه
أوصاف ما في العِدْل من الثياب المبيعة لتُشْتَرى على تلك الصفة للضرورة، قال
الدسوقي: لما في حلِّ العِدْل من الحرج والمشقة على البائع من تلويثه ومؤنة
شدة إن لم يرضه المشتري فأقيمت الصفة مقام الرؤية، انتهى.
(١) ((الشرح الكبير)) (٢٥/٣).
١٢١

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٧) باب
قال الدردير: جاز بيع شراء معتمداً فيه على أوصاف مكتوبة في
البرنامج، فإن وجد على الصفة لزوم وإلا خُيِّرَ المشتري، انتهى.
وقال الموفق (١): في بيع الغائب روايتان، أظهرهما أن الغائب الذي لم
يوصف، ولم تتقدم رؤيته لا يصحُّ بيعه، وبهذا قال الشعبي والنخعي والحسن
والأوزاعي ومالك وإسحاق، وهو أحد قولَي الشافعي، وفي رواية أخرى أنه
يصح، وهو مذهب أبي حنيفة، والقول الثاني للشافعي، وهل للمشتري خيار
الرؤية؟ أشهرها ثبوته، وهو قول أبي حنيفة.
وإذا وصف المبيعَ للمشتري(٢)، فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة
السلم صحَّ بيعه في ظاهر المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم، وعن أحمد، لا
يصحُ حتى يراه؛ لأن الصفة لا تحصل بها معرفة المبيع فلم يصح البيع بها،
کالذي لا يصح السلم فيه.
ولنا، أنه بيعٌ بالصفة، فصحّ كالسلم، ولا نسلِّم أنه لا تحصل به معرفة
المبيع، فإنها تحصل بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهراً، وهذا
يكفي بدليل أنه يكفي في السلم، وما لا يصحُّ السلم فيه، فلا يصح بيعه
بالصفة؛ لأنه لا يمكن ضبطه بها، وإذا ثبت هذا، فإنه متى وجده على الصفة
لم يكن له الفسخ، وبهذا قال ابن سيرين، وأيوب، ومالك، والعنبري،
وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: له
الخيار بكل حال؛ لأنه يسمى بيع خيار الرؤية، ولأن الرؤية من تمام العقد،
فأشبه غير الموصوف، ولأصحاب الشافعي وجهان، كالمذهبين.
ولنا، أنه سَلَّمَ له المعقود عليه بصفاته، فلم يكن له الخيار کالمسلم فيه،
(١) («المغني)) (٣١/٦).
(٢) انظر: ((المغني)) (٣٣/٦).
١٢٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٧) باب
(١٣٧٤) حدیث
٧٨/١٣٧٤ - قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْقَوْمِ يَشْتَرُونَ
السِّلْعَةَ. الْبَزَّ أَوِ الرَّقِيقَ. فَيَسْمَعُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ: الْبَزّ
الَّذِي اشْتَرَيْتَ مِنْ فُلَانٍ قَدْ بَلَغَتْنِي صِفَتُهُ وَأَمْرُهُ. فَهَلْ لَكَ أَنْ أُرْبِحَكَ
فِي نَصِيبِكَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُرْبِحُهُ وَيَكُونُ شَرِيكاً لِلْقَوْمِ
مَكَانَهُ. فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ رَآهُ قَبِيحاً
ولأنه مبيع موصوف، فلم يكن للعاقد فيه الخيار في جميع الأحوال کالسلم،
وقولهم: إنه يسمى بيع خيار الرؤية. لا نعرف صحته، فإن ثبت فيحتمل أن
يسميه من يرى ثبوت الخيار، ولا يحتَجُّ به على غيره، فأما إن وجده بخلاف
الصفة فله الخيار، ويسمى خيار الخُلف في الصفة؛ لأنه وجد الموصوف
بخلاف الصفة، فلم يلزمه كالسلم، انتهى.
٧٨/١٣٧٤ - (قال مالك: الأمر عندنا في القوم يشترون السلعة) ثم مثَّلَها
بقوله: (البَزّ أو الرقيقَ) أو غيرهما (فيسمَعُ به) أي بهذا البيع (الرجُلُ) الآخر
(فيقول لرجلٍ منهم) أي من المشترين (البز الذي اشتريتَ) بصيغة الخطاب (من
فلان قد بلغتني صفتُه وأمرُه) أي حاله، قال الباجي(١): فيه اختصار، ولا بد أن
يتصل به أن يذكر تلك الصفة، وأما إن اقتصر على هذا القول لم يصحّ؛ لأن
للمبتاع أن يدعي من الصفة إذا نظر إلى المتاع ما شاء، ولم يقع بينهما بيع على
صفة معينة فلم يجز ذلك، انتهى. (فهل لك) رغبة في (أن أربحك) أي أعطيك
ربحها (في نصيبك كذا وكذا) لشيء معين سمّاه (فيقول) المشتري الأول:
(نعم، فيُزْبِحُه) أي يعطي المشتري الثاني الأول الربح الذي سماه (ويكون هذا
شريكاً للقوم) المشترين (مكانه) أي مكان المشتري الأول الذي باع حصته،
وذلك قبل فتح العِدْل.
(فإذا نظر إليه) أي إلى ما في العِدْل بعد فتحه (رآه قبيحاً) ولم يرض عنه.
(١) ((المنتقى)) (٥٤/٥).
١٢٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٧) باب
(١٣٧٤) حديث
وَاسْتَغْلَاهُ.
قَالَ مَالِكٌ: ذُلِكَ لَازِمٌ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ. إِذَا كانَ ابْتَاعَهُ عَلَى
بَرْنَامِجٍ وَصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ .
(واستغلاه) أي عَدَّه غالياً (قال مالك) في الصورة المذكورة: (ذلك) البيع (لازمٌ
له) إذا كان على الصفة المذكورة (ولا خيار له) أي للمشتري (فيه إذا كان ابتاعه
على برنامج وصفة معلومة) مذكورة في برنامج.
قال الباجي(١): قوله في أول المسألة: القوم يشترون، يريد - والله أعلم -
أن الرقيق غيّب غيبة بعيدة يشُقُّ على المبتاع غالباً التوجهُ إليهم، ولو كانوا
حاضرين لم يجز لهم ذلك؛ لأن النظر إليهم ممكن لا مشقة فيه، فلا ينوب
عنها الوصف، وإنما ينوب عنها إذا كان يمنع من النظر إليها مانعٌ من بُعد
مسافة أو تغير طيٍّ وشدٍّ يلحق فيه مؤنة، ويؤدي إلى تغير نضارة الثوب وهيئته
التي تزيد في ثمنه .
وأما الثياب فيجوز ذلك فيها على وجهين، أحدهما: أن تكون غائبة،
والثاني: أن تكون حاضرة مشدودة في أعدالها، بحيث يشقّ في حلِّها مع ما
يلحقها في تكرار ذلك في كل مشترٍ، يريد رؤيتها من الابتذال لها وإذهاب كثير
من حسنها، ولا بد في الوجهين من تقدم رؤية أو صفة، وروي جواز ذلك عن
عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، ومنع عن ذلك الشافعي في أحد
قوليه، وقال: لا يجوز بيع عين غير مرئية، وروي ذلك عن ابن عباس وابن
عمر .
وإذا ثبت ما قلنا من أنه يجوز بيع الأعيان الغائبة على الصفة، فإن البيع
لازم، وليس لهم ردّه، وإن استغلّوه إذا افتتحوا المتاع، خلافاً لأبي حنيفة في
قوله: للمبتاع الخيار، وإن وجد المتاع على تلك الصفة.
(١) ((المنتقى)) (٥٣/٥).
١٢٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٧) باب
(١٣٧٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَقْدَمُ لَهُ أَصْنَافٌ مِنَ الْبَزِّ. وَيَحْضُرُهُ
السُّؤَامُ. وَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ بَرْنَامِجَهُ. وَيَقُولُ: فِي كُلِّ عِدْلٍ كَذَا وَكَذَا مِلْحَفَةً
بَصْرِيَّةً، وَكَذَا وَكَذَا رَيْطَةً سَابِرِيَّةً. ذَرْعُهَا كَذَا وَكَذَا. وَيُسَمِّي لَهُمْ أَصْنَافاً
مِنَ الْبَزِّ بِأَجْنَاسِهِ. وَيَقُولُ: اشْتَرُوا مِنِّي عَلَى هذِهِ الصِّفَةِ. فَيَشْتَرُونَ
الْأَعْدَالَ عَلَى مَا وَصَفَ لَهُمْ. ثُمَّ يَفْتَحُونَهَا فَيَسْتَغْلُونَهَا وَيَنْدَمُونَ.
وقوله: فإذا نظروا إليه رأوه قبيحاً، يريد أنهم رأوه مع موافقة البرنامج من
أقبح ما تقع عليه تلك الصفات التي تضمنها البرنامج، فإن الصفات قد تتفق،
ويكون بعضها أمثل من بعض، ومثل هذا يعتري المرئي فقد يرى المتاع فيحسن
عنده، ثم يراه مرة أخرى فيقبح عنده، ولا يثبت ذلك للمبتاع خياراً، انتهى(١).
(قال مالك، في الرجل يقدم) بفتح الدال (له أصناف) مختلفة (من البز
ويحضره السوام) جمع سائم (ويقرأ عليهم برنامجه، ويقول) مثلاً (في كل عدل)
خبر مقدم مبتدأه (كذا وكذا ملحفة) بكسر ميم فسكون لام ملاءة يلتحف بها
(بصرية) بفتح الباء وكسرها نسبة إلى البصرة البلد المعروف وهذه صفتها (وكذا
وكذا ريطة) بفتح الراء وسكون التحتية وفتح الطاء المهملة كل ملاءة ليست
لفقتين أي قطعتين، والجمع رياط مثل كلبة وكلاب وريط، كتمرة وتمر، وقد
يسمى كل ثوب رقيق ريطة (سابِرِيَّةً) - بسين مهملة فألف فموحدة مفتوحة - نوع
رقيق من الثياب، قيل: إنه نسبة إلى سابرية كُوْرةٌ من كور فارس، (ذرعها) أي
مقدارها بالذراع (كذا وكذا) ذراعاً .
(ويسمي لهم) أي للسوام (أصنافاً) أخر (من البز بأجناسه) وصفاته
(ويقول: اشتروا مني على هذه الصفة) التي ذكرتها، ولا بد من كون البيع
مرابحة كما سيأتي (فيشترون) أي السوامُّ تلك (الأعدال على) وفق (ما وصف
لهم) البائع (ثم يفتحونها) أي الأعدال (فيستغلونها) أي يستكثرون ثمنها
(ويندمون) على شرائهم.
(١) انظر: ((المنتقى)) (٥٤/٥).
١٢٥

٣٣ - کتاب البيوع
(٣٧) باب
(١٣٧٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ: ذُلِكَ لَازِمٌ لَهُمْ إِذَا كانَ مُوَافِقاً لِلْبَرْنَامِجِ الَّذِي
بَاعَهُمْ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَنَا.
يُجِيزُونَهُ بَيْنَهُمْ. إِذَا كَانَ الْمَتَاعُ مُوَافِقاً لِلْبَرْنَامِجِ. وَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفاً
لَهُ.
(قال مالك) في الصورة المذكورة: إن (ذلك) البيع (لازم لهم إذا كان
المتاع) أي ما في الأعدال (موافقاً للبرنامج الذي باعهم عليه) قال الباجي(١):
وهذا على ما قال: إن من قدم بأصناف من البز، فيقرأ برنامجه على السوام،
ويذكر عدد ما في كل عدل من ثيابه، وأجناسها، وذرعها، قال القاضي أبو
محمد: ونوعها، وثمنها، قال الباجي: والذي عندي أنه يجب عليه أن يذكر مع
الثمن ما يجب أن يذكره من الصفات في السلم، فإن وافق المتاع تلك
الصفات، لزم المبتاع، وقال أبو محمد في بيع الأعيان الغائبة: إن الذي يحتاج
إليه من ذكر الصفات، كل صفة مقصودة تختلف الأغراض باختلافها، وتتفاوت
الأثمان لأجلها .
وقوله: اشتروا مني على هذه الصفة، يريد - والله أعلم - على وجه
المرابحة، فأما إن باعه منهم على غير المرابحة، ففي ((العتبية)) من رواية ابن
القاسم عن مالك: لا أحب ذلك، وهذا تدخله الخديعة، انتهى. وتقدم مذاهب
الأئمة في ذلك في أول الباب.
(قال مالك: وهذا) الذي ذكر هو (الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا)
بالمدينة المنورة (يُجيزونه) أي البيع على البرنامج (بينهم إذا كان المتاع موافقاً
للبرنامج) يعني موافقاً لما كتب فيه (ولم يكن) المتاع (مخالفاً له) أي للبرنامج.
(١) ((المنتقى)) (٥٤/٥).
١٢٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(٣٨) باب بيع الخيار
(٣٨) بيع الخيار
بكسر الخاء اسم من الاختيار أو التخيير، وهو طلب خير الأمرين من
إمضاء البيع أو فسخه، كذا في ((الفتح)) (١)، ذكر في ((الشرح الكبير)) (٢) لابن
قدامة: أن الخيار في المبيع على سبعة أقسام: أحدها: خيار المجلس، ويثبت
في البيع. والصلح، والإجارة، والسبق، وغيرها، الثاني: خيار الشرط، وهو
أن يشترط في العقد خيار مدة معلومة، الثالث: خيار الغبن، ويثبت في ثلاث
صور في تلقي الركبان، والنجش، والمسترسل، وهو الجاهل بقيمة السلعة ولا
يحسن المبايعة، والرابع: خيار التدليس بما يزيد الثمن كتصرية اللبن في
الضرع، والخامس: خيار العيب، السادس: خيار يثبت في التولية والشركة
والمرابحة والمواضعة، ولا بد في جميعها معرفة المشتري برأس المال، فيثبت
فيها الخيار إذا أخبره بزيادة في الثمن، ونحو ذلك، والسابع: خيار يثبت
لاختلاف المتبايعين في قدر الثمن.
والمعروف في كتب فقهاء الحنفية ثلاثة خيارات، خيار الشرط، والرؤية،
والعيب، لكن في الشروح وغيرها أكثر من ذلك، فقد ذكرها ابن نجيم ثلاثة
عشر.
وفي ((الدر المختار))(٣) عن أحكام الفسوخ من ((الأشباه)): أن الخيارات
بلغت سبعة عشر، الثلاثة المذكورة، ٤ - وخيار تعيين بأن يشتري أحد الشيئين
أو الثلاثة على أن يعين أياً شاء، ٥ - وخيار غبن في المرابحة، ٦ - وخيار نقد
الثمن، ٧ - وخيار كمية، ٨ - وخيار استحقاق، ٩ - وخيارُ تغرير فعلي
(١) ((فتح الباري)) (٣٢٦/٤).
(٢) (٤ / ٦١).
(٣) (٧٤/٥).
١٢٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(١٣٧٥) حديث
٧٩/١٣٧٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ◌ّهِ قَالَ: ((الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ. مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا
كالتصرية، وأما القولي، فقد دخل في الغبن، ١٠ - وخيار كشف حال، ١١
و١٢ - وخيار خيانة مرابحة، وتولية، ١٣ - وخيار فوات وصف مرغوب فيه،
١٤ - وخيار تفريق الصفقة بهلاك بعض المبيع قبل القبض، ١٥ - وخيار إجازة
عقد الفضولي، ١٦ و١٧ - وخيار ظهور المبيع مستأجراً أو مرهوناً، انتهى
بزيادة من الشامي، وغيره.
وزاد في ((الدر المختار)) خيار الإقالة وخيار التحالف، فبلغت تسعة عشر،
قال ابن عابدين عن ((الأشباه)): وكلها يباشرها العاقدان إلا التحالف، فإنه لا
ينفسخ به، وإنما يفسخه القاضي، وكلها تحتاج إلى الفسخ، ولا ينفسخ شيء
منها بنفسه، انتهى.
وآل المالكية بهذه الخيارات إلى نوعين فقط، قال الدردير(١): فصل في
أحكام الخيار، وهو قسمان، خيار تروِّ أي تأمل ونظر للبائعين أو لغيرهما،
ويقال له: خيار شرطيّ، وهو الذي ينصرف له لفظ الخيار عند الإطلاق،
وخيار نقيصة، وهو ما كان موجبه نقصاً في المبيع من عيب أو استحقاق،
ويسمى الحكمي؛ لأنه جرّ إليه الحكم، انتهى بزيادة من الدسوقي، وذكر
المصنف في الباب من ذلك ثلاثة خيارات، خيار الشرط، وخيار المجلس،
وخيار اختلاف المتبايعين في قدر الثمن.
٧٩/١٣٧٥ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَ الأول قال:
المتبايعان) تثنية متبايع، وفي رواية لغير مالك ((البيّعان)) تثنية بَيِّع (كل واحد
منهما) مبتدأ محكوم له (بالخيار على صاحبه) خبر، والجملة خبر لقوله:
المتبايعان (ما لم يتفرقا).
(١) ((الشرح الكبير)) (٩١/٣).
١٢٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(١٣٧٥) حديث
قال الباجي(١): اختلف العلماء في تأويله، فذهب مالك إلى أن
المتبايعين هما المتساومان؛ لأن المتبايعين إنما يوصفان بذلك حقيقة حين
مباشرة البيع ومحاولته، ولذلك روي عن النبي ◌َّ أنه قال: ((لا يَبِعْ بعضكم
على بيع بعض)) يريد - والله أعلم - لا يَسُمْ على سومه، فعلى هذا يكونان
بالخيار ما لم يتفرقا بالقول، ومعنى تفرقهما على هذا كمال البيع بإتمام
الإيجاب والقبول، ويكون معناه أن تفرقهما قد حصل بأن استبدّ المبتاع بما
ابتاعه والبائع بثمنه.
وقد يكون التفرق بالانحياز إلى المعاني والتباين فيها، قال تعالى: ﴿وَمَا
نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جََّ فَهُمُ الْبَيْنَةُ ﴾﴾(٢) يريد - والله أعلم -
تفرقهم في الأديان، فعلى هذا يكون معنى الحديث المتساومان لهما الخيار ما
لم يكملا البيع، وبهذا قال أبو حنيفة والنخعي وربيعة بن أبي عبد الرحمن،
وذهب ابن حبيب إلى أن المتبايعين هما من قد وجد منهما التبايع، وانقضى
بينهما بإتمام الإيجاب والقبول، وأنهما قبل ذلك لا يوصفان بأنهما متبايعان.
ومعنى ((ما لم يتفرقا)» بالأبدان، فيكون معنى الحديث على ذلك أنهما
بالخيار بعد وجود الإيجاب والقبول ما داما في المجلس، وبهذا قال الشافعي،
وهو مذهب ابن عمر وابن المسيب والحسن البصري، والدليل على ما نقوله أن
هذا عقد معاوضة فلم يثبت فيه خیار المجلس کالنكاح، انتھی.
وقال الموفق(٣): في هذه المسألة يعني خيار المجلس ثلاثة فصول:
أحدها: أن البيع يقع جائزاً، ولكل واحدٍ من المتبايعين الخيار في فسخ البيع
(١) ((المنتقى)) (٥٥/٥).
(٢) سورة البينة: الآية ٤.
(٣) ((المغني)) (١٠/٦).
١٢٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(١٣٧٥) حديث
ماداما مجتمعين ولم يتفرقا، وهو قول أكثر أهل العلم، ويروى ذلك عن عمر
وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي برزة، وبه قال ابن المسيب وشريح
والشعبي وعطاء وطاووس والزهري والأوزاعي وابن أبي ذئب والشافعي
وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور.
وقال مالك، وأصحاب الرأي: يلزم العقد بالإيجاب والقبول ولا خيار
لهما؛ لأنه روي عن عمر - رضي الله عنه - البيع صفقة أو خيار، ولنا، ما روى
ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله وَليل أنه قال: ((إذا تبايع الرجلان
فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعاً، أو يُخَيّرُ أحدُهما الآخر،
فإن خَيّر أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن
تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع)) متفق عليه، وبسط الكلام على
طرق الحديث، والجواب عن القائلين بتفرق الأبدان.
ثم قال: الفصل الثاني: أن البيع يلزم بتفرقهما لدلالة الحديث عليه، ولا
خلاف في لزومه بعد التفرق، والمرجع في التفرق إلى عُرف الناس وعادتهم
فيما يعدّونه تفرقاً؛ لأن الشارع عَلَّق عليه حكماً، ولم يُبَيِّنْه، فدل ذلك على أنه
أراد ما يعرفه الناس، فإن كانا في واسع كالمسجد الكبير والصحراء، فبأن
يمشي أحدهما مستدبراً لصاحبه خطوات، وقيل: هو أن يبعد منه بحيث لا
يسمع كلامه الذي يتكلم به في العادة، وهذا كله مذهب الشافعي.
الفصل الثالث: أن ظاهر كلام الخرقي أن الخيار يمتدُّ إلى التفرق، ولا
يبطل بالتخاير قبل العقد ولا بعده، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن أكثر
الروايات عن النبي ◌َله: ((البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا))، من غير تقييد ولا
تخصيص، والرواية الثانية أن الخيار يبطل بالتخاير، وهو مذهب الشافعي، وهو
أصح لقول النبي و 8﴿ل في حديث ابن عمر، ((فإن خيّر أحدهما صاحبه فتبايعا
على ذلك فقد وجب البيع)) يعني لزم، والأخذ بالزيادة أولى، والتخاير في
ابتداء العقد وبعده في المجلس واحد.
١٣٠

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(١٣٧٥) حديث
فالتخاير في ابتدائه أن يقول: بعتك، ولا خيار بيننا، ويقبل الآخر على
ذلك، فلا يكون لهما خيار، والتخاير بعده أن يقول كل واحد منهما بعد
العقد: اخترت إمضاء العقد أو اخترت العقد أو أسقطت خياري، فيلزم العقد
من الطرفين، وإن اختار أحدهما دون الآخر، لزم في حقه وحده، كما لو كان
خيار الشرط لهما، فأسقط أحدهما خياره دون الآخر، وقال أصحاب
الشافعي: في التخاير في ابتداء العقد قولان، أظهرهما لا يقطع الخيار؛ لأنه
إسقاط للحق قبل سببه، فلم يجز كخيار الشفعة، وعلى هذا هل يبطل العقد
بهذا الشرط على وجهين، بناء على الشروط الفاسدة، انتهى.
قلت: والأوجه عندي في معنى الحديث إن كان صحيحاً فمن الله، وإن كان
خطأ فمني ومن الشيطان، أن المراد بالتفرق هو التفرق بالأبدان، والمراد
بالمتبايعين المتساومان، والحديث من باب خيار القبول في المجلس، والمعنى أن
كل واحد منهما بالخيار إلى المجلس، البائع في النكول عن الإيجاب، والمشتري
في القبول، فإذا انقضى المجلس فلم يبق الإيجاب ولا حق القبول، فتأمل.
ثم رأيت الحافظ(١) قد حكاه عمن سلف - فللَّه الحمد والمنة -، فقال:
وقالوا: وقت التفرق في الحديث هو ما بين قول البائع: قد بعتُك، وبين قول
المشتري: اشتريتُ، قالوا: فالمشتري بالخيار في قوله: اشتريت، أو تركه،
والبائع بالخيار إلى أن يوجب المشتري، هكذا حكاه الطحاوي عن عيسى بن
أبان منهم، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، انتهى.
قال ابن عبد البر (٢): أجمع العلماء على ثبوت هذا الحديث، وقال به
أكثرهم، وردّه مالك وأبو حنيفة وأصحابهما ولا أعلم أحداً ردّه غيرهم، وقال
بعض المالكية: دفعه مالك بإجماع أهل المدينة على ترك العمل به، وذلك
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٣١/٤).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٢١/٣).
١٣١

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(١٣٧٥) حديث
إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ)).
أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٤٤ - باب البيِّعان بالخيار ما لم
يتفرقا. ومسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ١٠ - باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين،
حدیث ٤٣.
عنده أقوى من خبر الواحد، وقيل: لا تصح هذه الدعوى؛ لأن ابن المسيب
وابن شهاب روي عنهما العمل به، وهما من أجل فقهاء المدينة، ولم يرو عن
أحد من أهلها نصاً ترك العمل به إلا عن مالك وربيعة بخلف عنه، وفي قوله:
لا أعلم من ردَّه غيرُهم قصورٌ كبيرٌ من مثله، فقد نقل عياض وغيره عن معظم
السلف وأكثر أهل المدينة وفقهائها السبعة، وقيل: إلا ابن المسيب، وقيل: له
قولان، ونقل ابن التين عن أشهب أنه مخالف لعمل أهل مكة أيضاً، وتُعُقِّبَ
بأنه لا يعرف عن أحد منهم القول بخلافه، وقد قال به عطاء وطاووس
وغيرهما من أهل مكة إلى آخر ما بسط في ذلك الزرقاني والحافظ في ((الفتح)).
(إلا بيع الخيار) مستثنى من قوله: ما لم يتفرقا، قال الباجي(١): يقتضي
- والله أعلم - على تأويل مالك وأصحابه إلا أن يشترط أحدهما الخيار على
صاحبه مدة مقررة، ولا يقدر الخيار بمدة يقتضي فيها بالواجب، فيكون
الاستثناء على هذا أنهما بالخيار ما لم يتفرقا، فإنه لا خيار بينهما بعد التفرق
إلا في بيع الخيار، ومعناه على تأويل ابن حبيب، أن كل واحد منهما بالخيار
ما داما في المجلس، إلا بيع الخيار، وذلك أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر
الإمضاء أو الرد فيختار فينقطع بذلك الخيار.
واللفظ في الأول أظهر من وجهين: أحدهما: أن بيع الخيار إذا أطلق
في الشرع، فإنه يفهم منه إثبات الخيار فيه لا قطعه، والثاني: إذا قال له بعد
كمال العقد: أَجِزْ أو رُدَّ، لا يجب أن يوصف بذلك البيع بأنه بيع خيار؛ لأن
قطع الخيار إنما يطرأ بعد كمال العقد، وعلى تأويل مالك يوصف بيعها بأنه بيع
(١) ((المنتقى)) (٥٥/٥).
١٣٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(١٣٧٥) حديث
خيار؛ لأنه مشترط فيه، ومنعقد على حكمه، انتهى.
وقال النووي(١): أما قوله ◌َّ: إلا بيع الخيار، ففيه ثلاثة أقوال؛ ذكرها
أصحابنا وغيرهم من العلماء، أصحّها: التخيير بعد تمام العقد قبل مفارقة
المجلس، وتقديره يثبت لهم الخيار ما لم يتفرَّقا إلا أن يتخايرا في المجلس،
ويختارا إمضاء البيع، فيلزم البيع بنفس التخاير، ولا يدوم إلى المفارقة.
القول الثاني: [أن معناه] إلا بيعاً شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو
دونها، فلا ينقضي الخيار فيه بالمفارقة، بل يبقى بعده، حتى تنقضي المدة
المشروطة .
والثالث: معناه إلا بيعاً شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس، فيلزم
البيع بنفس البيع، ولا يكون فيه خيار، وهذا تأويل من يصحح البيع على هذا
الوجه، والأصح عند أصحابنا بطلانه بهذا الشرط، انتهى. كذا في ((البذل))(٢)،
والقائلون بتصحيح البيع على هذا الشرط الحنابلة، كما تقدم في كلام
((المغني)).
وأما خيار الشرط، فقد قال ابن رشد(٣): النظر في أصول هذا الباب،
أما أولاً فهل يجوز أم لا؟ وإن جاز فكم مدة الخيار؟، وهل يشترط النقد فيه
أم لا؟ وممن ضمان المبيع في مدة الخيار؟، وهل يورث الخيار أم لا؟ ومن
يصح خياره ممن لا يصح؟ وما يكون من الأفعال خياراً كالقول؟ انتهى. فهذه
سبع مسائل في أصول هذا الباب، بسط الكلام على أكثرها ابن رشد، فارجع
إليه لو شئت التفصيل، وسيأتي ذكر بعضها في كلام المصنف أيضاً.
(١) ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (١٧٤/١٠/٥).
(٢) انظر: ((بذل المجهود)) (١٢٦/١٥).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٢٠٩/٢).
١٣٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(١٣٧٥) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِهِذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ. وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ
فیهِ .
أما جواز شرط الخيار، فقد قال ابن رشد: أما الجواز فعليه الجمهور،
إلا الثوري وابن أبي شبرمة وطائفة من أهل الظاهر، وعمدة الجمهور حديث
الباب، وحديث حبان بن منقذ، وفيه: ((ولك الخيار ثلاثاً))، وعمدة من منعه أنه
غرر، وأن الأصل هو اللزوم في البيع إلا أن يقوم دليل على جواز البيع على
الخيار من كتاب الله وسنة ثابتة أو إجماع.
قالوا: وحديث حبان، إما أنه ليس بصحيح، وإما أنه خاص لما شُكِيَ
إليه وقيم أنه يخدع في البيوع، وأما حديث ابن عمر وقوله فيه: إلا بيع الخيار،
فقد فسر المعنى المراد بهذا اللفظ، وهو ما ورد فيه من لفظ آخر، وهو أن
يقول أحدهما لصاحبه: اختر، انتهى.
والجملة أن الجمهور منهم الأئمة الأربعة على جواز خيار الشرط في
البيع، حتى حكى بعضهم الإجماع على ذلك، ففي ((الشرح الكبير)) لابن قدامة:
لا نعلم خلافاً في ثبوت خيار الشرط في البيع الذي لا يشترط فيه القبض في
المجلس، انتھی.
(قال مالك: وليس لهذا) أي لخيار الشرط (عندنا حدٍّ معروفٌ) لا يجوز
الزيادة عليه، كما حَدَّه بعضهم بثلاثة أيام فقط (ولا) ذاك، أي التحديد (أمر
معمول به) أي عمل به العلماء المدنيون (فيه) أي في خيار الشرط، وهذه هي
المسألة الثانية من المسائل المذكورة في كلام ابن رشد، فقال(١): وأما مدة
الخيار عند الذين قالوا بجوازه، فرأى مالك أن ذلك ليس له قدر محدود في
نفسه، وأنه إنما يتقدَّر بقدر الحاجة إلى اختلاف المبيعات، وذلك يتفاوت
بتفاوت المبيعات، فقال: مثل اليوم واليومين في اختيار الثوب، والجمعة
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٠٩/٢).
١٣٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(١٣٧٥) حديث
والخمسة الأيام في اختيار الجارية، والشهر ونحوه في اختيار الدار.
وبالجملة فلا يجوز عنده الأجل الطويل الذي فيه فضل عن اختيار
المبيع، وقال الشافعي وأبو حنيفة: أجل الخيار ثلاثة أيام، لا يجوز أكثر من
ذلك، وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد: يجوز الخيار لأيّ مدةٍ اشترطت، وبه
قال داود، انتهى.
وترجم البخاري في (صحيحه)): ((كم يجوز الخيار؟)) قال الحافظ(١):
الترجمة معقودة لبيان مقداره وليس في حديثي الباب بيان لذلك، قال ابن
المنير: لعله أخذ من عدم تحديده في الحديث أنه لا يتقيد، بل يفوض الأمر
فيه إلى الحاجة لتفاوت السلع في ذلك، قال الحافظ: وقد روى البيهقي (٢) عن
ابن عمر مرفوعاً: ((الخيار ثلاثة أيام))، وكأنه مختصر من الحديث الذي أخرجه
أصحاب السنن في قصة حبان بن منقذ، وبه احتجّ للحنفية والشافعية في أن أمد
الخيار ثلاثة أيام، وأنكر مالك التوقيت في خيار الشرط ثلاثة أيام بغير زيادة،
وإن كانت في الغالب يمكن الاختيار فيها، لكن لكل شيء أمد بحسبه يتخير
فيه، فللدابة مثلاً وللثوب يوم أو يومان، وللجارية جمعة، وللدار شهر، وقال
الأوزاعي: يمتدُّ الخيار شهراً وأكثر بحسب الحاجة إليه، وقال الثوري: يختص
الخيار بالمشتري ويمتد إلى عشرة أيام وأكثر، ويقال: إنه انفرد بذلك، وقد
صح القول بامتداد الخيار عن عمر وغيره، انتهى.
وقال الموفق(٣): يجوز الخيار ما يتفقان عليه من المدة المعلومة، قلّت
أو كثُرت، وبذلك قال أبو يوسف ومحمد وابن المنذر، وحكي ذلك عن
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٢٦/٤).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٢٧٤/٥).
(٣) («المغني)) (٣٨/٦).
١٣٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(١٣٧٥) حديث
الحسن بن صالح والعنبري وابن أبي ليلى وإسحاق وأبي ثور، وأجازه مالك
فيما زاد على الثلاث بقدر الحاجة مثل قرية لا يصل إليها في أقل من أربعة
أيام؛ لأن الخيار لحاجته فيقدر بها، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز أكثر
من ثلاث لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ما أجد لكم أوسع مما
جعل رسول الله وَلو لحبان، جعل له الخيار ثلاثة أيام، إن رضي أخذ، وإن
سخط ترك، ولأن الخيار ينافي مقتضى البيع؛ لأنه يمنع الملك واللزوم، وإنما
جاز لموضع الحاجة، فجاز القليل منه، وآخر حد القلة ثلاث، قال تعالى:
﴿تَمَتَّعُواْ فِىِ دَارِكُمْ ثَثَةَ أَيَّامٍ﴾ بعد قوله: ﴿فَأْخُذَّكُ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ .
ولنا، أنه حق يعتمد الشرط، فرجع في تقديره إلى مشترطه كالأجل، ولا
يثبت عندنا ما روي عن عمر - رضي الله عنه -، وقد روي عن أنس - رضي الله
عنه - خلافه، وتقدير مالك بالحاجة لا يصحّ، فإن الحاجة لا يمكن ربط
الحكم بها لخفائها واختلافها، وإنما يربط بمظِنَّتِهَا، وهو الإقدام، فإنه يصلح
أن يكون ضابطاً، انتهى.
قال الباجي(١): الخيار بقدر ما يحتاج إليه من مدة النظر إليه، والاختيار
له، والسؤال عنه مع تسرع استحالة المبيع وإبطاء ذلك، ففي ((المدونة)): هو في
الدار الشهر ونحوه، وفي ((الواضحة)) عن ابن الماجشون: الشهر والشهران،
ووجهه أنه يحتاج من النظر إلى حيطانها وأسسها ومرافقها واختبار جيرانها
ومكانها إلى ما يحتاج فيه إلى المهلة مع كونها مأمونة لا تسرع إليها
الاستحالة، ثم هكذا ذكر الوجوه في العبد والدابة والثوب وغيرها، ثم ليس
المراد بقول مالك أنه لا يُحَدُّ في خيار الشرط بحدٍّ، بل المعنى أنه لا توقيت
في تحديده، أما إذا شرط الخيار بدون التحديد، فجواز البيع مختلف فيه عند
الأئمة.
(١) ((المنتقى)) (٥٦/٥).
١٣٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(١٣٧٦) حديث
١٣٧٦/ ٨٠ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَِّ قَالَ: «أَيُّمَا بَيِّعَيْنَ تَبَايَعَا. فَالْقَوْلُ مَا
قَالَ الْبَائِعُ. أَوْ يَتَرَادَّانِ)).
قال الباجي: إذا شرط الخيار، ولم يقرر المدة لم يبطل البيع، وحكم في
ذلك بمقدار ما تختبر به تلك السلعة في غالب العادة، وقال أبو حنيفة
والشافعي: يبطل العقد، والدليل على ما نقوله أن هذا الخيار له قدر في
الشرع، وذلك قدر الحاجة إليه في كل نوع من المبيع، فإذا أخلى بذكره، فقد
دخلا على المعروف، انتهى.
وقال الموفق(١): إذا شرطا الخيار أبداً، أو متى شِئنا، أو قال أحدهما:
وَلي الخيار، ولم يذكر مدته، أو شرطاه إلى مدة مجهولة، كقدوم زيد أو
مشاورة إنسان، ونحو ذلك، لم يصحّ في الصحيح من المذهب، وهو مذهب
الشافعي، وعن أحمد أنه يصح، وهما على خيارهما أبداً، أو يقطعاه، أو
تنتهي مدته إن كان مشروطاً إلى مدةٍ، وهو قول ابن شُبْرُمة، وقال مالك:
يصِحُّ، وتُضْرب لهما مدةٌ يُخْتَبَرُ المبيع في مثلها في العادة؛ لأن ذلك مُقَدَّرٌ في
العادة، فإذا أطلقا، حُمِل عليه، وقال أبو حنيفة: إن أسقطا الشرط قبل مضي
الثلاث أو حذفا الزائد عليها وبينا مدته، صحّ؛ لأنهما حذفا المفسد قبل اتصاله
بالعقد، فوجب أن يصح، كما لو لم يشترطاه، انتهى.
٨٠/١٣٧٦ - (مالك أنه بلغه) وقد روي موصولاً بطرق يأتي ذكرها (أن
عبد الله بن مسعود كان يُحَدِّثُ أن رسول الله وَّ قال: أيما) زيدت ما على لفظ
أيّ لزيادة التعميم، قاله الكرماني (بَيِّعَيْن) بفتح الموحدة وتشديد التحتية تثنية
بَيِّع (تبايعا) ثم تختلفا (فالقول ما قال البائع أو يترادَان)، يردّ هذا المبيع وهذا
الثمن، قال ابن عبد البر(٢): جعل مالك حديث ابن مسعود كالمفسِّر لحديث
(١) ((المغني)) (٤٣/٦).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٢٢/٣)، و((الاستذكار)) (٢٢٠/٢٠).
١٣٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(١٣٧٦) حديث
ابن عمر إذ قد يختلفان قبل الافتراق، والترادّ إنما يكون بعد تمام البيع، فكأنه
عنده منسوخ؛ لأنه لم يدرك العمل عليه، وقد ذكر له حديث ابن عمر فقال:
لعله مما ترك ولم يعمل به، قال: وحديث ابن مسعود منقطع لا یکاد یتصل،
خرجه أبو داود(١) وغيره بأسانيد منقطعة، انتهى. وسبقه إلى ذلك الترمذي.
ففي ((المحلى)): هذا حديث مرسل عن مالك، وصله الشافعي والترمذي(٢)
من طريق ابن عون عن ابن مسعود، قال الترمذي: مرسل، وعون لم يدرك ابن
مسعود، وروى الإمام أبو حنيفة في ((مسنده)) (٣) عن القاسم بن عبد الرحمن بن
عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده أن الأشعث بن قيس اشترى من ابن مسعود من
رقيق الإمارة، فتقاضاه عبد الله، فقال الأشعث: اشتريتُ منك بعشرة آلاف درهم،
وقال عبد الله: بعت بعشرين ألفاً، فقال عبد الله: اجعل بيني وبينك رجلاً، فقال
الأشعث: فإني أجعلك بيني وبين نفسك، قال عبد الله: فإني سأقضي بيني وبينك
بقضاء سمعته من رسول الله وَ له يقول: ((إذا اختلف البيعان ولم تكن بَيِّنَةٌ لهما،
فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع)). وروى أصحاب السنن الأربعة نحوه.
وللدارمي وابن ماجه(٤) من طريق ابن أبي ليلى عن القاسم عن أبيه عن
عبد الله قال: سمعته وَّله يقول: ((البيعان إذا اختلفا والمبيع قائم فالقول ما قال
البائع أو يترادان)) قال المنذري: روي هذا الحديث من طرق عن ابن مسعود
كلها لا يثبت، وقال ابن الجوزي في ((التحقيق)): أحاديث هذا الباب فيه مقال،
لكن قال صاحب ((التنقيح)): والذي يظهر لي أن الحديث بمجموع طرقه له
أصل، بل حديث حسن، انتهى.
(١) أخرجه أبو داود في ((البيوع)) (٣٥١١) باب ((إذا اختلف البيِّعان والمبيع قائم)) (٢٨٥/٣).
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٢٧٠).
(٣) (ص١٢٨).
(٤) أخرجه الدارمي (٢٥٤٩)، وابن ماجه (٢١٨٦).
١٣٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(١٣٧٦) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِيمَنْ بَاعَ مِنْ رَجُلِ سِلْعَةً. فَقَالَ الْبَائِعُ عِنْدَ مُوَاجَبَةٍ
الْبَيْعِ: أَبِيعُكَ عَلَى أَنْ أَسْتَشِيرَ فُلَاناً. فَإِنْ رَضِيَ فَقَدْ جَازَ الْبَيْعُ. وَإِنْ
كَرِهَ فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا. فَيَتَبَايَعَانِ عَلَى ذُلِكَ. ثُمَّ يَنْدَمُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ
يَسْتَشِيرَ الْبَائعُ فُلَاناً: إِنَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُمَا. عَلَى مَا وَصَفَا. وَلَا
خِيَارَ لِلْمُبْتَاعِ. وَهُوَ لِازِمٌ لَهُ. إِنْ أَحَبَّ الَّذِي اشْتَرَطَ لَهُ الْبَائِعُ أَنْ يُجِيزَهُ.
وقد بسط الكلام على طرقه في هامش ((مسند أبي حنيفة))، وقد عرفت ما
قال ابن عبد البر: إن هذا الحديث بمنزلة التفسير لابن عمر - رضي الله عنه -.
والأوجه عندي أن الإمام مالكاً - رحمه الله - ذكره في هذا الباب لما أن
فيه خيار التحالف، وهو الخيار السابع من (الشرح الكبير))، والتاسع عشر من
((الدر المختار)) في الخيارات المذكورة في أول الباب، وسيأتي الفقه في ذلك
في القول الثاني لمالك الآتي قريباً .
(قال مالك فيمن) أي في حكم رجل (باع من رجل) أي بيده (سلعة، فقال
البائع عند مواجبة البيع) أي عند لزومه (أبيعك) هذه السلعة (على) شرط (أن
أستشير فلاناً) رجلاً سماه زيداً مثلاً (فإن رضي) زيد (فقد جاز البيع) أي يكون
نافذاً بيننا (وإن كره) زيد هذا البيع (فلا بيع بيننا) فرضي بذاك المشتري
(فيتبايعان على ذلك) الشرط (ثم يندم المشتري) على شرائه (قبل أن يستشير
البائع فلاناً) أي زيداً.
فقال مالك في هذه الصورة: (إن ذلك البيع) الذي ذكر (لازم لهما على)
شرط (ما وصفا) وهو أن للبائع خيار الاستشارة (ولا خيار للمبتاع) إذ لم يجعل
هو لنفسه خياراً عند مواجبة البيع (وهو) البيع (لازم له) أي للمشتري (إن أحبّ)
البائع (الذي اشترط له) أي لنفسه (الخيار) هكذا في النسخ الهندية، وفي النسخ
المصرية بدله: إن أحبَّ الذي اشترط له البائع، فيكون ضمير («أحَبَّ)) وضمير
المجرور في ((له)) كلاهما إلى زيد المستشار (أن يجيزه).
١٣٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٨) باب
(١٣٧٦) حديث
قال الباجي(١): وهذا على ما قاله: إن البائع له أن يشترط مشورة فلان
وخياره وكذلك المبتاع، خلافاً لأحمد، وأحد وجهي أصحاب الشافعي،
والدليل على ذلك أن الخيار وضع لتأمل المبيع واختباره، وقد يكون هو ممن
لا يبصر، فيشترط خيار غيره أو يكون هو يبصر، ويشترط استعانته به، وهذا إذا
كان المشترط مشورته واختياره حاضراً أو قريب الغيبة، وإن كان بعيد الغيبة
فسد البيع، فإذا باع البائع واشترط مشورة فلان، فإن ذلك يلزم المبتاع، وللبائع
أن يمضي البيع أو يردّه قبل نظر فلان المذكور.
وكذلك من ابتاع على أن يستأمر فلاناً، فقد قال مالك: للمبتاع أن يردّ
البيع، ولا يستأمر هذا، وبسط الباجي اختلاف أصحابهم في أن مشورة فلان
ولفلان الخيار سواء في الحكم أم لا؟ وفي أنه يجوز ذلك لأجنبي أم لا بد
للخيار لأحد المتعاقدين؟ وهي المسألة السادسة من مسائل الأصول التي ذكرها
ابن رشد.
فقال(٢): إنهم اتفقوا على صحة خيار المتبايعين، واختلفوا في اشتراط
خيار الأجنبي، فقال مالك: يجوز ذلك، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا
يجوز إلا أن يُوَكِّله الذي جعل له الخيار، ولا يجوز الخيار عنده على هذا
القول لغير العاقد، وهو قول أحمد، وللشافعي قول آخر مثل قول مالك،
وبقول مالك قال أبو حنيفة، واتفق المذهب على أن الخيار للأجنبي إذا جعله
له المتبايعان، وأن قوله لازم لهما .
واختلف المذهب إذا جعله أحدهما، فاختلف البائع ومن جعل له البائع
الخيار أو المشتري، ومن جعل له المشتري الخيار، فقيل: القول في الإمضاء
(١) ((المنتقى)) (٥٩/٥).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٢١٢/٢).
١٤٠