النص المفهرس

صفحات 101-120

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٥) باب
(١٣٧٢) حديث
طرح الثوب، كما وقع تفسيره في الحديث المذكور، وقيل: هو نبذ الحصاة،
والصحيح أنه غيره، وقد روى مسلم النهي عن بيع الحصاة من حديث أبي
هريرة.
واختلف في تفسير بيع الحصاة على أقوال، وقوله في الحديث: («لمس
الثوب لا ينظر إليه)) استدل به على بطلان بيع الغائب، وهو قول الشافعي في
الجديد، وعن أبي حنيفة يصح مطلقاً ويثبت الخيار إذا رآه، وحكي عن مالك
والشافعي أيضاً، وعن مالك يصحّ إن وصفه وإلا فلا، وهو قول الشافعي في
القديم وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأهل الظاهر، وفي الاستدلال لذلك وفاقاً
وخلافاً طول، انتهى.
قال الباجي(١): وإنما سمي ملامسة ومنابذة؛ لأنه لاحَظَّ له من النظر
والمعرفة لصفاته إلا لمسه، أو أن يكون بيد صاحبه حتى ينبذه إليه، واللمس لا
يعرف به المبتاع ما يحتاج إلى معرفته من صفات المبيع الذي يختلف ثمنه
باختلافها، ومعنى ذلك أن البيع انعقد على هذا الشرط، أما لو أمكنه البائع من
تقليبه والنظر إليه، ولم يشترط عليه الامتناع من ذلك، فاقتنع المبتاع بلمسه،
فإنه لا يكون بيع ملامسة، ولا يمنع ذلك صحة العقد، انتهى.
وقال الموفق(٢): ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في فساد هذين البيعين،
والملامسة أن يبيعه شيئاً، ولا يشاهده على أنه متى لمسه وقع البيع، والمنابذة
أن يقول: أيّ ثوبٍ نبذته إلي فقد اشتريتُه بكذا، هذا ظاهر كلام أحمد، ونحوه
قال مالك والأوزاعي.
وفي ((الهداية))(٣): لا يجوز البيع بإلقاء الحجر والملامسة والمنابذة،
(١) ((المنتقى)) (٤٤/٥).
(٢) («المغني)) (٢٩٧/٦).
(٣) (٤٥/٢).
١٠١

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٥) باب
(١٣٧٢) حدیث
قَالَ مَالِكٌ، فِي السَّاجِ الْمُدْرَجِ فِي جِرَابِهِ. أَوِ الثَّوْبِ الْقُبْطِيِّ
الْمُدْرَجِ فِي طَيِّهِ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا حَتَّى يُنْشَرَا. وَيُنْظَرَ إِلَى مَا فِي
أَجْوَافِهَمَا. وَذُلِكَ أَنَّ بَيْعَهُمَا مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ. وَهُوَ مِنَ الْمُلَامَسَةِ.
وهذه بيوع كانت في الجاهلية، وهو أن يتراوض الرجلان على سلعة، أي
يتساومان. فإذا لمسها المشتري أو نبذها إليه البائع أو وضع المشتري عليها
حصاةً لزم البيع، فالأول: بيع الملامسة، والثاني: بيع المنابذة، والثالث: إلقاء
الحجر، وقد نهى النبي (١) وَّر عن بيع الملامسة والمنابذة، ولأن فيه تعليقاً
بالخطر، وفي ((الحاشية)): أي تعليقاً للتمليك بالخطر، والتمليكات لا تحتمله
لأدائه إلى معنى القمار؛ لأنه بمنزلة أن يقول البائع للمشتري: أي ثوب ألقيت
عليه الحجر، فقد بعتُه، وأيَّ ثوب لمستَه بيدك فقد بعتُه، وأي ثوب نبذتَه إلي
فقد اشتریتُه، انتھی.
(قال مالك في الساج) بمهملة، وجيم: الطيلسان الأخضر، أو الأسود،
قاله المجد، وقيل: هو ثوب صوف، كما في ((المحلى)) (المدرج في جرابه)
بكسر الجيم، ولا تفتح أو فتحها لغية فيما حكاه عياض وغيره المِزْوَدُ أو الوعاء
(أو الثوب القبطي) بضم القاف، ثياب تنسب إلى القبط بالكسر، نصارى مصر
على غير قياس، وقد تكسر القاف في النسبة على القياس (المدرج في طيه) أي
في كوره وثنيه (إنه لا يجوز بيعهما) أي بيع الساج والْقُبْطِيّ (حتى ينشرا) ببناء
المجهول على التثنية أي يخرجهما من الوعاء، وينشر طيّهما.
(وينظر) ببناء المجهول على الإفراد في جميع النسخ أي يسرح النظر (إلى
ما في أجوافهما) جمع جوف، أي ما لم يظهر منهما حالة البطن المطوي تشبيهاً
بجوف الحيوان (وذلك) أي وجه عدم الجواز (أن بيعهما) في تلك الحالة
المطوية (من بيع الغرر) لاشتباه حالة البطن (وهو من) فروع بيوع (الملامسة)
المنهيّ عنها .
(١) انظر: ((نصب الراية)) (١٢/٤).
١٠٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٥) باب
(١٣٧٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَبَيْعُ الْأَعْدَالِ عَلَى الْبَرْنَامِجِ،
قال الزرقاني(١): فيمنع اتفاقاً، فإن عرف طوله وعرضه ونظر إلى شيء
منه واشترى على ذلك جاز، فإن خالف كان له القيام كالعيب.
وقال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن الثوب المدرج في جرابه كالساج
وما أشبهه مما يصان بغلاف أو جراب يكون فيه، فلا يظهر شيء منه أو الثوب
القبطي الذي درج على طيه، وإن ظهر ظاهره، فإنه لا يجوز بيعهما بالصفة،
قاله ابن المواز عن مالك.
وقال الموفق(٣): وفي بيع الغائب روايتان: أظهرُهما: أن الغائب الذي
لم يُوصف ولم تتقدم رُؤْيَتُه لا يصِحُ بيعُه، وبهذا قال الشعبيُّ، والنخعيُّ،
والحسن، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وهو أحد قَوْلَي الشافعيِّ، وفي رواية
أخرى أنه يصح، وهو مذهب أبي حنيفة، والقول الثاني للشافعي.
وهل يثبت للمشتري خيار الرؤية؟ على روايتين: أشهرهما ثبوته، وهو
قول أبي حنيفة، وإذا ثبت هذا، فإنه يشترط رؤية ما هو مقصود بالبيع، كداخل
الثوب وشعر الجارية ونحوهما، فلو باع ثوباً مطويًّا أو عيناً حاضرة لا يشاهد
منها ما يختلف الثمن لأجله كان كبيع الغائب، وإن حكمنا بالصحة فللمشتري
الخيار عند رؤية المبيع في الفسخ والإمضاء، انتهى.
(قال يحيى: قال مالك: وبيع الأعدال) جمع عدل بكسر العين، وسكون
الدال، أصله نصف الحمل على أحد شقي الدابة، ومنه نعم العدلان، والعلاوة
في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ الآية، ثم وسع إطلاقه على
الحقب الكبير. (على البرنامج) بفتح الموحدة، وكسر الميم، وبكسرهما، قال
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٦/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٤٤/٥).
(٣) ((المغني)) (٣١/٦).
١٠٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٥) باب
(١٣٧٢) حديث
مُخَالِفٌ لِبَيْعِ السَّاجِ فِي جِرَابِهِ. وَالثَّوْبِ فِي طَيِّهِ. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَرَقَ، بَيْنَ ذُلِكَ، الْأَمْرُ الْمَعْمُولُ بِهِ. وَمَعْرِفَةُ ذُلِكَ فِي صُدُورِ النَّاسِ.
وَمَا مَضَى مِنْ عَمَلِ الْمَاضِينَ فِيهِ. وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مِنْ بُيُوعِ النَّاسِ
الْجَائِزَةِ. وَالتِّجَارَةِ بَيْنَهُمْ. الَّتِي لَا يَرَوْنَ بِهَا بَأُساً. لِأَنَّ بَيْعَ الْأَعْدَالِ
عَلَى الْبَرْنَامِج، عَلَى غَيْرِ نَشْرٍ، لَا يُرادُ بِهِ الْغَرَرُ. وَلَيْسَ يُشْبِهُ
الْمُلَامَسَةَ.
الفاكهاني: رويناه بفتح الميم، ولم يذكر عياض غير الكسر معرب برنامه
بالفارسية معناه الورقة المكتوب فيها ما في العدل، سيأتي بيانه قريباً في باب
مستقل (مخالف) في الحكم (لبيع الساج في جرابه والثوب في طيه) المذكورين
في القول السابق (وما أشبه ذلك) أي أشبه الجراب والطيّ (فَرق) بصيغة
الماضي وفاعله ما سيأتي من قوله: الأمر المعمول والمعطوفات عليه (بين
ذلك) أي بين بيع الساج وبين بيع الأعدال (الأمر المعمول به) فإن العمل السابق
على جواز ذلك دون هذا .
(ومعرفة ذلك) عطف على الأمر المعمول، وذلك إشارة إلى جواز بيع
الأعدال (في صدور الناس) الذين يقتدى بهم (وما مضى) عطف على الأمر
المعمول به أي فرق بينهما ما سلف (من عمل الماضين) أي عمل السلف
الصالحين (فيه وأنه) أي بيع الأعدال (لم يزل) أي استمر عليه (من بيوع الناس
الجائزة) صفة البيوع (بينهم) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك ((والتجارة بينهم))،
والتجارة عطف على البيوع أي لم يزل من التجارة بينهم (التي لا يرون بها
بأساً)
ثم نبّه على وجه الفرق بينهما إذ أباحوا بيع الأعدال دون الساج في
الجراب بقوله: (لأن بيع الأعدال على البرنامج) المذكور (على غير نشر)
الأعدال (لا يراد به الغرر) والمخاطرة (وليس يشبه الملامسة) لأن الملامسة فيها
الغرر.
١٠٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(٣٦) باب بيع المرابحة
قال الباجي(١): الثوب المدرج في جرابه أو الثوب القبطي على طيه لا
يجوز بيعهما بالصفة، ويخالف ذلك بيع الأعدال على البرنامج، بأن بيعها على
ذلك جائز، قال ابن حبيب: لكثرة ثياب الأعدال وعظم المؤنة في فتحها
ونشرها، ويصح الفرق بينهما من وجهين، أحدهما: أن يكون الساج المدرج
في جرابه، والثوب القبطي في طيه يمنع المبتاع من نشرهما، ولا يوصفان له
بصفتهما، وإنما يشترى كل واحد منهما على ما هو عليه دون صفة يلزمها
البائع .
وبيع الأعدال على البرنامج إنما هو بيعها على ما تضمنه البرنامج من
صفتها المستوعبة لما يحتاج إلى معرفة من صفاتها التي تختلف الأثمان
والأغراض باختلافها، فلذلك جاز بيع الأعدال على البرنامج، لأنه بيع على
صفة، ولم يجز بيع الساج في الجراب والقبطي المطوي؛ لأنه بيع على غير
صفة ولا رؤية، انتهى.
ولا يتمشى هذا الاختلاف على مسلك الحنفية ومن معهم، كما عرفت
قريباً؛ لأن بيع الغائب عندهم جائز، وللمشتري خيار الرؤية بعد ذلك، فلا فرق
عندهم بين بيع الأعدال والساج في الجراب.
(٣٦) بيع المرابحة
مصدر رابح، قال الدردير(٢): هو بيع السلعة بالثمن الذي اشتراها به
وزيادة ربح معلوم لهما، قال الدسوقي: هذا يقتضي أن البيع بالوضيعة
والمساواة لا يقال له: مرابحة، والظاهر أن إطلاق المرابحة عليهما حقيقةٌ
عرفيةٌ، وأجيب بأن هذا تعريف للنوع الغالب في المرابحة الكثير الوقوع، لا أنه
تعريف لحقيقة المرابحة الشاملة للوضيعة، والمساواة.
(١) ((المنتقى)) (٤٤/٥).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٥٩/٣).
١٠٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
وقد عَرَّفَ ابنُ عرفة المرابحة بأنها بيع مرتب ثمنه على ثمن بيع تقدمه،
غير لازم مساواته له، فخرج بالأول المساومة والمزايدة، والاستئمان، وخرج
بالثاني الإقالة والتولية والشفعة والرد بالعيب على القول بأنها بيع، وإطلاق
المرابحة على الوضيعة والمساواة. إما مجرد اصطلاح في التسمية أي اصطلاح
مجرد عن المناسبة أو أن الوضيعة ربح للمشتري، كما أن الزيادة ربح للبائع،
وإطلاق المرابحة على المساواة باعتبار ربح البائع بالثمن لانتفاعه به، إذ قد
يشتري به سلعة أخرى يتتفع بها، انتهى.
وفي (الدر المختار)) (١): المرابحة شرعاً بيعُ ما ملكه من العروض، ولو
بهبة أو إرث أو وصية أو غصب، فإنه إذا ثمنه بما قام عليه وبفضل مؤنة، ثم
باعه مرابحة على تلك القيمة جاز، قال ابن عابدين: قوله: ثم باعه مرابحة أي
بزيادة ربح على تلك القيمة التي قوّم بها الموهوب، ونحوه مع ضم المؤنة
إليها، بخلاف ما كان اشتراه بثمن، فإنه يرابح على ثمنه لا على قيمته، انتهى.
قال ابن رشد(٢): أجمع جمهور العلماء على أن البيع صنفان، مساومة
ومرابحة، والمرابحة هي أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشترى به
السلعة، ويشترط عليه ربحاً ما للدينار أو الدرهم، واختلفوا من ذلك بالجملة
في الموضعين؛ أحدهما: فيما للبائع أن يَعُدَّه من رأس مال السلعة مما أنفق
على السلعة بعد الشراء مما ليس له أن يَعُدَّه من رأس المال، والثاني: إذا
كذب البائع للمشتري، فأخبر أنه اشتراه بأكثر مما اشترى به السلعة، أو وهم،
فأخبر بأقل مما اشترى به السلعة، فذكر اختلافهم في هذين.
وقال الموفق(٣): هو البيعُ برأس المال وربح معلوم، ويُشْتَرط علمُهما
(١) (٢٥٦/٥).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٢١٣/٢).
(٣) ((المغني)) (٢٦٦/٦).
١٠٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حديث
٧٧/١٣٧٣ - حدّثني يَحْيَىُ: قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ
عِنْدَنَا فِي الْبَزِّ يَشْتَرِيِهِ الرَّجُلُ بِبَلَدٍ. ثُمَّ يَقْدَمُ بِهِ بَلَداً آخَرَ. فَيَبِيعُهُ
مُرَابَحَةً: إِنَّهُ لَا يَحْسِبُ فِيهِ أَجْرَ السَّمَاسِرَةِ. وَلَا أَجْرَ الطَّيِّ وَلَا
الشَّدِّ. وَلَا النَفَقَةَ. وَلَا كِرَاءَ بَيْتٍ.
برأس المال، فيقول: رأس مالي فيه، أو هو عليّ بمائةٍ بعتُك بها وربحُ عشرةٍ،
فهذا جائز لا خلاف في صحّته، ولا نعلم فيه عند أحد كراهةً، وإن قال : بعتك
برأس مالي فيه وهو مائة، وأربح في كل عشرة درهماً، أو قال: ده يازده، أوده
دوازده، فقد كرهه أحمد، وقد رويت كراهته عن ابن عمر وابن عباس ومسروق
والحسن وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء بن يسار، وقال إسحاق: لا يجوز؛ لأن
الثمن مجهول حال العقد، فلم يجز؛ كما لو باعه بما يخرج به في الحساب.
ورخص فيه سعيد بن المسيب وابن سيرين وشريح والنخعي والثوري
والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر؛ لأن رأس المال معلوم، والربح
معلوم، فأشبه ما لو قال: وربح عشرة دراهم، ووجه الكراهة أن ابن عمر وابن
عباس كرهاه، ولم نعلم لهما في الصحابة مخالفاً، ولأن فيه نوع جهالة،
والتحرز عنها أولى، وهذه كراهة تنزيه، والبيع صحيح لما ذكرنا، انتهى.
٧٧/١٣٧٣ - (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا في البز) بموحدة
مفتوحة وزاي الثياب أو متاع البيت من الثياب وغيرها (يشتريه الرجل ببلد ثم
يقدم به بلداً آخر فيبيعه مرابحة) أي بالثمن الأول وزيادة ربح (إنه) أي البائع (لا
يحسب فيه) أي في الثمن (أجر السماسرة) جمع سمسار، وهو المتوسط بين
البائع والمشتري (ولا أجر الطيّ) أي أجرة طيّ الثياب إن أعطاه (ولا) أجرة
(الشدّ) أي شدّ الأحمال (ولا النفقة) التي أنفق على المبيع (ولا كراء بيت) أي
الذي حفظه فيه.
قال الباجي(١): يريد بأجر السماسرة من كلفة شراء المتاع، وكذلك أجر
(١) ((المنتقى)) (٤٥/٥).
١٠٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حديث
فَأَمَّا كِرَاءُ الْبَزِّ فِي حُمْلَانِهِ، فَإِنَّهُ يُحْسَبُ فِي أَصْلِ الثَّمَنِ. وَلَا يُحْسَبُ
فِيهِ رِبْحٌ. إِلَّا أَنْ يُعْلِمَ الْبَائِعُ مَنْ يُسَاوِمُهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ. فَإِنْ رَبَّحُوهُ عَلَى
ذُلِكَ كُلِّهِ. بَعْدَ الْعِلْم بِهِ. فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الْقِصَارَةُ وَالْخِيَاطَةُ وَالصِّبَاغُ. وَمَا أَشْبَهَ ذُلِكَ.
فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَزِّ. يُحْسَبُ فِيه الرِّبْحُ. كمَا يُحْسَبُ فِي الْبَزِّ. فَإِنْ بَاعَ
الْبَزّ وَلَمْ يُبَيِّنْ شَيْئاً مِمَّا سَمَّيْتُ.
طيه وشدّه أعدالاً، ونفقة التأجير، وكراء بيته، قال ابن حبيب: وكراء ركوبه لا
يحسب شيء من ذلك في ثمن المتاع دون أن يبين، وذلك أن يقول: قامت
علي بكذا ولو بَيَّنَ وقال: لا بيع مرابحة إلا أن أَعُدَّها في الثمن، وآخذ له ربحاً
لجاز ذلك، انتهى.
(قال مالك) وليس هذا اللفظ في بعض النسخ، بل الكلام الآتي ملحق بالقول
السابق وهو الأوجه (فأما كراء البز في حملانه) بضم الحاء أي في حمله (فإنه
يحسب) ببناء المجهول (في أصل الثمن ولا يحسب فيه) أي في كراء البز (ربح)
يعني لا يؤخذ الربح على أجرة الكراء (إلا أن يُعْلم) بضم أوله أي يخبر (البائعُ)
فاعل يخبر (من يساومه) مفعول، والمراد المشتري (بذلك كله) من أجرة السماسرة
والطي وغيرهما (فإن ربحوه) بتثقيل الموحدة وضمير الجمع باعتبار من، يعني إن
رضي المشترون بإعطاء الربح (علی ذلك کله بعد العلم به فلا بأس به) أي يجوز.
(قال مالك: فأما القصارة) قال المجد: القَصَّارُ كشدّاد ومحدِّثٍ: مُحَوِّرُ
الثياب، وحرفته: القصارة، انتهى. والمراد أجرة تحوير الثياب (والخياطة)
مصدر خاط الثوب يخيطه، أي أجرة الخياطة إن خاطه (والصباغ) ككتاب (وما
أشبه ذلك) كطرز وفتل وغيرها من كل ماله عينٌ قائمةٌ (فهو بمنزلة البز) يعني
بمنزلة أصل البز لظهور أثر الصنع فيه (يُحسب) ببناء المجهول (فيه الربح كما
يحسب في البز) يعني كما يحسب الربح في ثمن البز.
(فإن باع البز ولم يبين شيئاً مما سَمَّيْتُ) بصيغة المتكلم من التسمية، وفي
١٠٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حديث
إِنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ فِيهِ رِبْحٌ. فَإِنْ فاتَ الْبَزُّ، فَإِنَّ الْكِرَاءَ يُحْسَبُ وَلَا
يُحْسَبُ عَلَيْهِ رِبْحٌ. فَإِنْ لَمْ يَفْتِ الْبَزُ، فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ بَيْنَهُمَا. إِلَّا أَنْ
يَتَرَاضيا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا .
بعض النسخ مما سمعت بصيغة الخطاب من السمع، فالحكم فيه (إنه لا يحسب
له فيه ربح) لعدم بيانه (فإن فات البز) بأن باعه المبتاع مثلاً أوضاع عنده (فإن
الكراء يحسب) عليه (ولا يحسب عليه ربح) على الكراء (فإن لم يفت البز) بل
يكون باقياً عند المشتري (فالبيع مفسوخ بينهما) يَرُدُّ المشتري البز ويأخذ ثمنه؛
لأن البائع يقول: لا أبيع إلا بما سميت من الثمن والربح، والمشتري يقول: لا
أحسب في رأس المال شيئاً مما سميت (إلا أن يتراضيا) أي البائع والمبتاع
(على شيء مما يجوز) التراضي عليه (بينهما) فلا يفسخ.
قال الباجي(١): أما كراء البزِّ في حمله، فإنه يُحْسَبُ في أصل الثمن،
ولا يُحْسب فيه رِبْحٌ إلا أن يعلم البائع من يساومه بذلك كله، يريد أن حمل
البز من بلد ابتياعه إلى بلد بيعه مما يحسب في ثمنه، ولا يجعل له حصةٌ من
الربح فيما باع لربح للعشرة أحد عشر، وهذا حكم نفقة الرقيق في ذلك إلا أن
يبين ذلك، فيكون على ما شرط، وذلك جائز.
وقوله: القصارة وما أشبه ذلك، قال في ((الواضحة)): والفتل والكماد
والتطوية، وقال غيره: والطراز فهو بمنزلة البز يحسب له الربح، كما يحسب
للبز، فيجعل ذلك على ثلاثة أقسام، قسم: لا يحسب في رأس المال ولا
يقسم له من الربح، وقسم: يحسب في رأس المال ولا يقسم له من الربح،
وقسم: يحسب في رأس المال ويقسم له من الربح.
والفرق بينهما أن ما ليس له عين قائمة فهو على ضربين، ضرب: لا
يتخذ بسبب البزّ غالباً، وإنما جرت العادة أن يتخذ لغيره ككراء بيت، وضرب:
(١) ((المنتقى)) (٤٥/٥).
١٠٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حديث
جرت عادة المبتاع أن يباشره بنفسه ولا يستنيب فيه غالباً بأجرة كأجرة
السمسار، وهو أن يستأجره على أن يبتاع له المتاع، وعلى أن يطويه له ويشدّه؛
لأن هذا مما جرت العادة أن يفعله التاجر بنفسه، فالعوض عنه داخل في ربح
رأس المال.
فإن استأجر من ينوب عنه في ذلك لم يلزم المبتاع ذلك، كما لو باشر
بنفسه، فأراد أن يحسب في الثمن أجرته، وأما ما ليست له عين قائمة، ولكنه
أمر يختصُّ بالمبيع، وعادته أن لا يكون ذلك إلا بأجرة ككراء حمله ونفقة
الرقيق، فهذا يُحْسب في الثمن، ولا حظ له في الربح؛ لأنه ليس له في المبيع
عين قائمة، وأما ماله عين قائمة في المبيع كالقصارة والصبغ والطراز، فهذا
يحسب في الثمن، وله حظه من الربح لما كانت له عين قائمة كنفس المتاع.
وقد قال أبو محمد: فإن كان المبتاع مما يعلم أنه لا يشتري إلا بواسطة
أو سمسار، والعادة جارية بذلك، فيحسب من رأس المال، ولا يحسب له
ربح؛ لأنه ليست له عين قائمة، وأما كراء المنازل، فإن كان اكتراها ليسكن
فيها، ويأوي إليها، فالمتاع تبع، ولا يحسب، وإن كان اكتراه ليحرز فيه
المتاع، ولولا ذلك لم يحتج إلیه، فإنه یحسب بغیر ربح، انتهى.
وقال ابن رشد(١): أما ما يُعَدُّ في الثمن مما لا يُعَدُّ، فإن تحصيل مذهب
مالك في ذلك أن ما ينوب البائع على السلعة زائداً على الثمن ينقسم ثلاثة
أقسام، قسم: يُعَدُّ في أصل الثمن ويكون له حظ من الربح، وقسم: يُعَدُّ في
أصل الثمن ولا حظ له من الربح، وقسم: لا يُعَدُّ في أصل الثمن، ولا له حظ
من الربح.
أما الأول: فهو ما كان مؤثراً في عين السلعة كالخياطة، والثاني: ما لا
يؤثر في عين السلعة مما لا يمكن البائع أن يتولاه بنفسه كحمل المتاع من بلد
(١) ((بداية المجتهد)) (٢١٤/٢).
١١٠

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْمَتَاعَ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْوَرِقِ .
وَالصَّرْفُ يَوْمَ اشْتَرَاهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ فَيَقْدَمُ بِهِ بَلَداً فَيَبِيعُهُ مُرَابَحَةً.
أَوْ يَبِیعُهُ حَيْثُ
إلى بلد، والثالث: ما ليس له تأثير في عين السلعة مما يمكن أن يتولاه صاحب
السلعة بنفسه، كالسمسرة والطي والشدّ، وقال أبو حنيفة: بل يجعل على ثمن
السلعة كل ما نابه عليها، وقال أبو ثور: لا تجوز المرابحة إلا بالثمن الذي
اشترى به السلعة فقط إلا أن يفصل ويفسخ عنده إن وقع؛ لأنه كذب، انتهى
مختصراً .
وفي ((الدر المختار)) (١): يضم البائع إلى رأس المال أجر القَصَّار،
والصبغ، وحمل الطعام، وأجرة السمسار، وغيرها، وضابطه كل ما يزيد في
المبيع أو في قيمته يُضَمُّ، واعتمد العيني وغيره عادة التجار بالضَمِّ، ويقول:
قام علي بكذا، ولا يقول: اشتريتُه؛ لأنه كذب، قال ابن عابدين: قوله:
وضابطه فإن الصبغ وأخواته يزيد في عين المبيع، والحمل والسوق يزيد في
قيمته؛ لأنها تختلف باختلاف المكان، فتلحق أجرتها برأس المال.
وأورد أن السمسار لا يزيد في عين المبيع ولا في قيمته، وأجيب بأن له
دخلاً في الأخذ بالأقل، فيكون في معنى الزيادة في القيمة، قال في (الفتح))
بعد ذكره الضابط المذكور: قال في ((الإيضاح)): هذا المعنى ظاهرٌ، ولكن لا
يتمشى في بعض المواضع، والمعنى المعتمد عليه عادة التجار حتى يعم
المواضع كلها، انتهى.
(قال مالك في الرجل يشتري المتاع بالذهب أو بالورق) أي الفضة.
(والصرف يوم اشتراه) أي المتاع (عشرة دراهم بدينار) خبر لقوله: الصرف،
يعني الصرف يومئذ كل دينار بعشرة دراهم (فيقدم به) أي بالمتاع (بلداً) آخر
(فيبيعه) في هذا البلد (مرابحة) أي بالربح المعلوم على الثمن (أو يبيعه حيث
(١) (٢٥٩/٥، ٢٦٠).
١١١

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حديث
اشْتَراهُ. مُرَابَحَةً عَلَى صَرْفِ ذُلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي بَاعَهُ فِيهِ. فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ
ابْتَاعَهُ بِدَرَاهِمَ. وَبَاعَهُ بِدَنَانِيرَ. أَوِ ابْتَاعَهُ بِدَنَانِيرَ، وَبَاعَهُ بِدَرَاهِمَ.
وَكَانَ الْمَتَاعُ لَمْ يَفْتْ. فَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ. إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ. وَإِنْ شَاءَ
تَرَكَهُ. فَإِنْ فَاتَ الْمَتَاعُ، كَانَ لِلْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ الْبَائِعُ.
وَيُحْسَبُ لِلْبَائِعِ الرِّبْحُ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ. عَلَى مَا رَبَّحَهُ الْمُبْتَاعُ.
اشتراه به) أي في البلد الذي اشتراه فيه (مرابحة على صرف ذلك اليوم الذي
باعه فيه) وقد اختلف صرف يوم الشراء ويوم البيع، مثلاً يكون صرف ذلك
اليوم أو صرف هذا البلد الآخر كل دينار بعشرين درهماً.
(فإنه) أي المشتري (إن كان ابتاعه بدراهم وباعه بدنانير أو) بالعكس مثلاً
(ابتاعه بدنانير، وباعه بدراهم، وكان المتاع) كذا في الهندية، وفي المصرية:
المبتاع (لم يفت) أي المبيع كان موجوداً عند المشتري بدون التغير الذي يمنع
الرد (فالمبتاع بالخيار إن شاء أخذه) بالثمن الذي يعينه البائع (وإن شاء تركه)
لاختلاف الصرف، ولیس للبائع أن يلزمه إياه.
(وإن فات المبتاع) يعني فات المبيع من عند المشتري بالبيع أو بالتغير
(كان) المبيع (للمشتري بالثمن) الأول (الذي ابتاعه به البائع، ويحسب) أي يزيد
(البائع الربح) المعين، كذا في النسخ الهندية، فيكون الفعل ببناء الفاعل،
والبائع فاعله، والربح مفعوله، وفي النسخ المصرية: يحسب للبائع، فيكون
الفعل ببناء المفعول، والربح نائب الفاعل (على ما) أي الثمن الذي (اشتراه به)
البائع (على) وفق (ما ربحه المبتاع) وهو الربح الذي تقرر عند البائع
والمشتري.
قال الباجي(١) في الذي يشتري المتاع بالذهب: هذا السؤال يحتمل
وجهين: أحدهما: أن يشتري بذهب ويبيع بذهب، وقد اختلف الصرف في
(١) ((المنتقى)) (٤٩/٥).
١١٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حديث
وقُتَي البيع والشراء، فهذا لا يمنع صحة البيع مرابحة، ولا يحتاج إلى بيان.
والثاني: ما أجاب عنه أن يبتاع بذهب، فيبيع بورق أو بالعكس، فهذه المسألة
التي أجاب عنها، فهذا لا يجوز أن يبيع مرابحةً، حتى يُبَيِّنَ سواء تغير الصرف
أو لم يتغير؛ لأنهما جنسان تختلف الأغراض فيهما .
فإن وقع ذلك فالمبتاع بالخيار بين الأخذ والرد ما لم يفت، وليس للبائع
أن يلزمه إياه بما نقد فيه؛ لأن المبتاع لم يُرِد الشراءَ بهذه العين، وإنما اشترى
بغيرها، لكنه يثبت له الخيار لما ظهر من أن البائع ابتاع بغير ما أظهر إليه.
وإن فاتت السلعة ما ثبت في الأصل أنها للمشتري بالثمن الذي ابتاعها
به، وقد قال في ((كتاب ابن المواز)): إلا أن يجيء أكثر مما رضي به، ولم
يجعل مالكٌ في هذا قيمة، كما فعل في مسألة الزيادة في الثمن، وحوالةُ
الأسواق في مثل هذا فوتٌ، وقد قال مالك في ((المدونة)): إن فاتت ضُرِبَ
الربحُ على ما هو أفضل للمشتري، انتهى.
وقد عرفت أن لفظ ((الموطأ)) مقيد بتغير الصرف وهكذا قيده به ابن رشد
في ((البداية))(١) إذ قال: أما صفة رأس الثمن الذي يجوز أن يخبر به، فإن مالكاً
والليث قالا فيمن اشترى سلعة بدنانير والصرف يوم اشتراها صرف معلوم تَغَيَّر
إلى زيادة: إنه ليس له أن يعلم يوم باعها بالدنانير التي اشتراها؛ لأنه من باب
الكذب والخيانة، وكذلك إن اشتراها بدراهم، ثم باعها بالدنانير وقد تغير
الصرف، انتهى.
وعَمَّمَ الباجي الحكم سواء تَغَيَّر الصرف أم لا، والتعميم هو المعروف
في فروع المالكية، قال الدردير(٢): يجب على بائع مرابحة بيان ما نقده وعقد
(١) ((بداية والمجتهد)) (٢١٤/٢).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٦٤/٣).
١١٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً قَامَتْ عَلَيْهِ بِمَائَةِ دِينَارٍ،
لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ.
عليه حيث اختلف ما نقده مطلقاً، سواء عقد بذهب ونقد فضة أو عكسه أو
على أحدهما ونقد عرضاً أو عكسه، وأما إن نقد ما عقد عليه فلا يحتاج لبيان،
انتھی.
وقال الموفق(١): إن ابتاعه بدنانير، فأخبر أنه اشتراه بدراهم أو بالعكس
أو اشتراه بعرض، فأخبر أنه اشتراه بثمن أو بالعكس، وأشباه هذا، فللمشتري
الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن، وبين الرضى به بالثمن الذي تبايعا به،
انتھی.
وقال ابنُ نجيم(٢): إن المعتبر في المرابحة ما وقع العقد الأول عليه دون
ما وقع عوضاً عنه، حتى لو اشترى بعشرة، فدفع عنها ديناراً أو ثوباً قيمته
عشرة أو أقل أو أكثر، فإن رأس المال هو العشرة، لا الدينار والثوب، انتهى.
وفي ((البدائع))(٣): لو اشترى ثوباً بعشرة هي خلاف نقد البلد، ثم باعه
مرابحة، فإن ذكر الربح مطلقاً بأن قال: أبيعك بالثمن الأول وربح درهم كان
على المشتري الثاني عشرة من جنس ما نقد، والربح من نقد البلد؛ لأن
المرابحة بيع بالثمن الأول، وهو الواجب بالعقد الأول، وهو عشرة، وهي
خلاف نقد البلد، فيجب بالعقد الثاني مثلها، والربح من نقد البلد؛ لأنه أطلق
الربح، والمطلق ينصرف إلى المتعارف، انتهى.
(قال مالك: وإذا باع رجل سلعة قامت عليه بمائة دينار) مثلاً صفة لسلعة
ثم باعها مرابحة (للعشرة أحد عشر) يعني بربح دينار على عشرة، فباعها على
(١) ((المغني)) (٢٧٤/٦).
(٢) ((البحر الرائق)) (١١٨/٦).
(٣) ((بدائع الصنائع)) (٢٢٠/٥).
١١٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حديث
ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذُلِكَ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِتِسْعينَ دِينَاراً. وَقَدْ فَاتَّتِ
السِّلْعَةُ. خُيِّرَ الْبَائِعُ. فَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ قِيمَةُ سِلْعَتِهِ يَوْمَ قُبِضَتْ مِنْهُ. إِلَّا
أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بِهِ الْبَيْعُ أَوَّلَ يَوْمٍ.
مائة وعشرة (ثم جاءه) أي تحقق للمشتري (بعد ذلك أنها) أي السلعة (قامت
عليه) أي على البائع (بتسعين ديناراً) وقد غلط البائع إذ قال: قامت عليّ بمائة
دینار .
قال الباجي(١): يحتمل أن يريد بذلك أن البائع غلط، وظن أنها قامت
عليه بمائة فباع بذلك، ثم جاءه العلم بأنها قامت عليه بتسعين، ويحتمل أن
يريد بذلك أن البائع قال: قامت عليه بمائة، ثم جاء المبتاع العلمُ بأنها قامت
عليه بتسعين، فلا يخلو أن يكون هذا الخبر ورد قبل أن تفوت السلعة أو بعد
أن فاتت، فإن كان ذلك قبل أن تفوت فللمبتاع أن يأخذها بجميع الثمن، فيلزم
ذلك البائع أو يردها فيلزم البائع، وليس للمبتاع أن يقول: آخذها بتسعين
وربحها إلا أن يرضى البائع، قاله ابن القاسم في ((المدونة))، انتهى.
١
أو جاءه العلم وقد فاتت، فذكره المصنف في قوله (وقد فاتت السلعة)
من عند المشتري، فحينئذ (خُيِّرَ البائع) ببناء المجهول من التخيير (فإن أحَبَّ)
البائع (فله قيمة سلعته) بإضافة القيمة إلى السلعة، يعني يكون له القيمة لا الثمن
الذي باعها عليه (يوم قبضت) السلعة ببناء المجهول يعني يوم قبضها المشتري
(منه) لأنه يشبه البيع الفاسد، كما روي عن مالك تعليله بذلك، ووافقه ابن
القاسم في ((المدونة)).
وروى فيها عليّ عن مالك له قيمتها يوم باعها أي لأنه عقد صحيح، قاله
الزرقاني (٢). (إلا أن تكون القيمة أكثر من الثمن الذي وجب له به البيع أول يوم)
(١) ((المنتقى)) (٥١/٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣١٨/٣).
١١٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حديث
فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذُلِكَ. وَذُلِكَ مَائَةُ دِينَارٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ. وَإِنْ
أَحَبَّ ضُرِبَ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى الْتِّسْعِينَ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي بَلَغَتْ سِلْعَتُهُ
مِنَ الثَّمَنِ أَقَلَّ مِنَ الْقِيمَةِ. فَيُخَيَّرُ فِي الَّذِي بَلَغَتْ سِلْعَتُهُ. وَفِي رَأْسٍ
مَالِهِ وَرِبْحِهِ. وَذُلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِينَاراً.
وهو يوم عقد البيع مع المشتري (فلا يكون له أكثر من ذلك، وذلك) أي الثمن
الذي وجب له أول يوم، وهو (مائة دينار وعشرة دنانير) إذ كان باعه بعشرةٍ أحدَ
عشرَ (وإن أحبّ) البائع (ضُرِبَ له الربحُ على التسعين) وهو الذي جاءه العلم
بأنها قامت عليه (إلا أن يكون الذي بلغت سلعتُه من الثمن) بيان للموصول يعني
إلا أن يكون ثمنها (أقل من القيمة) فحينئذ (يُخَيَّرُ في الذي بلغت سلعتُه وفي
رأس ماله وربحِه، وذلك) أي رأس ماله وربحه (تسعة وتسعون ديناراً) لأن قيمته
تحققت تسعين، وربح لكل عشرة ديناراً.
وذكر المسألة في ((المدونة))(١) بأوضح من ذلك، فقال: أرأيت إن
اشتريتُ سلعة مرابحةً فأتلفتُها أو لم أتلفها، ثم اطّلْعتُ على البائع أنه زاد عليّ
أو كذب لي، قال مالك: إن كان لم يُتْلِفها المشتري كان بالخيار إن شاء
أخذها بجميع الثمن، وإن شاء تركها، وليس زيادته وظلمه بالذي يحمل عليه
بأن يؤخذ بما لم يبع به، وإن فاتت السلعة قُوِّمَتْ، فإن كانت قيمتها أقل من
رأس المال والربح لم ينقص من ذلك، وإن كانت قيمتها أكثر مما ابتاعها به
المبتاع وربحه لم يزد على ذلك؛ لأنه قد رضي بذلك أولاً، انتهى.
وقال الدردير(٢): إن كذب البائع أي زاد في إخباره كأن يُخْبِر أنه اشتراها
بخمسين، وقد كان اشترى بأربعين، سواء كان إخباره بالزيادة عمداً أو خطأ
لزم المشتري إن حظّ البائع الزائد المكذوب به وربحه، فإن لم يحظّه لم يلزم
(١) ((المدونة الكبرى)) (٣/ ٢٥٠).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٦٨/٣).
١١٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حدیث
المشتري، وخُيِّرَ بين التماسك والرد، ويعني بالتماسك بجميع ما دفع من
الثمن، والرد بأن يأخذ ثمنه من البائع بخلاف الغش، فلا يلزمه، ويثبت له
الخيار بين التماسك والرد، هذا على قيام السلعة.
وإن فاتت السلعة ولو بحوالة سوق، ففي الغش يلزم المشتري الأقل من
الثمن الذي بيعت به، ومن القيمة يوم قبضها، ولا يضرب الربح عليها، وفي
الكذب خُيِّرَ المشتري بين دفع الثمن الصحيح وربحه أو قيمتها ما لم تزد على
الكذب وربحه، فإن زادت خُيِّرَ بین دفع الصحيح وربحه أو الكذب وربحه.
انتهى بزيادة من الدسوقي.
وقال أيضاً: الغش أن يوهم وجود مفقود مقصود وجوده في المبيع أو
يكتم فقد موجود مقصود فقده، كأن يرقم على السلعة أكثر من ثمنها، ويبيع
بالثمن الأصلي؛ ليُوهم المشتري الغلط على نفسه أو ينفخ اللحم لإيهام أنه
سمين، وجعل المداد في يد العبد أو ثوبه لإيهام أنه كاتب، انتهى.
ونص كلام الدردير أن الخيار في ذلك للمشتري، وظاهر ((الموطأ)) أن
الخيار للبائع. وذكر الدسوقي اختلاف فقهاء المالكية في أن التخيير للمشتري
أو البائع، انتھی.
وقال ابن رشد(١): اختلفوا فيمن ابتاع سلعة مرابحة على ثمن ذكره، ثم
ظهر بعد ذلك إما بإقراره، وإما ببيِّنة أن الثمن كان أقل، والسلعة قائمة. فقال
مالك وجماعة: المشتري بالخيار إما أن يأخذ بالثمن الذي صح أو يترك إذا لم
يلزمه البائع أخذها بالثمن الذي صح، وإن ألزمه لزمه، وقال أبو حنيفة وزفر:
بل المشتري بالخيار على الإطلاق، ولا يلزمه الأخذ بالثمن الذي إن ألزمه
البائع لزمه، وقال الثوري وابن أبي ليلى وأحمد وجماعة: بل يبقى البيع لازماً
(١) ((بداية المجتهد)) (٢١٥/٢).
١١٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حديث
لهما بعد حطّ الزيادة، وعن الشافعي القولان: القول بالخيار مطلقاً، والقول
باللزوم بعد الحط .
وقال الموفق(١): متى باع شيئاً برأس ماله وربح عشرة، ثم علم ببيّنة أو
إقرار أن رأس ماله تسعون، فالبيع صحيح؛ لأنه زيادة في الثمن، فلم يمنع
صحة العقد كالعيب، وللمشتري الرجوع على البائع بما زاد في رأس المال،
وهو عشرة، وحظّها من الربح وهو درهم، فبقي على المشتري بتسعة وتسعين
درهماً، وبهذا قال الثوري وابن أبي ليلى، وهو أحد قولي الشافعي، وقال أبو
حنيفة: وهو مُخَيَّرٌ بين الأخذ بكل الثمن أو يترك قياساً على المعيب، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢): إن ظهر خيانته في مرابحة بإقرار أو برهان أو
بنكوله عن اليمين، أخذه المشتري بكل الثمن أو ردّه لفوات الرضا، وله الحظ
في التولية بقدر الخيانة، قال ابن عابدين: أي إن ظهر خيانة البائع بأن ضم إلى
الثمن ما لا يجوز ضمه، أو أخبره بأنه اشتراه بعشرة، وتبين أنه اشتراه بتسعة
أخذه بكل ثمنه ولا حط ههنا، بخلاف التولية، وهذا عنده، وقال أبو يوسف:
يحط فيهما، وقال محمد: يخير فيهما، انتهى.
وفي ((البدائع)) (٣): هذا إذا كان المبيع عند ظهور الخيانة بمحل الفسخ،
فأما إذا لم يكن بأن هلك أو حدث به ما يمنع الفسخ بطل خياره، ولزمه جميع
الثمن؛ لأنه إذا لم يكن بمحل الفسخ لم يكن في ثبوت الخيار فائدة، فيسقط،
كما في خيار الشرط وخيار الرؤية، انتهى.
(١) ((المغني)) (٢٦٦/٦).
(٢) ((الدر المختار)) (٢٦١/٥).
(٣) ((بدائع الصنائع)) (٤٧٠/٤).
١١٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً مُرَابَحَةً. فَقَالَ: قَامَتْ عَلَيَّ
بِمَائَةِ دِينَارٍ. ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذُلِكَ أَنَّهَا قَامَتْ بِمَائَةٍ وَعِشْرِينَ دِيناراً.
خُيِّرَ الْمُبْتَاعُ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الْبَائِعَ قِيمَةَ السِّلْعَةِ يَوْمَ قَبَضَهَا، وَإِنْ شَاءَ
أَعْطَى الثَّمَنَ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ عَلَى حِسَابٍ مَا رَبَّحَهُ. بَالِغَاً مَا بَلَغَ. إِلَّا
أَنْ يَكُونَ ذُلِكَ أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ السِّلْعَةَ. فَلَيْسَ لَهُ أَنْ
يُنَقِّصَ رَبَّ السِّلْعَةِ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ. لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ رَضِيَ
بِذْلِكَ. وَإِنَّمَا جَاءَ رَبُّ السِّلْعَةِ يَطْلُبُ الْفَضْلَ. فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ فِي هُذَا
حُجَّةٌ عَلَى الْبَائِعِ. بِأَنْ يَضَعَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ عَلَى الْبَرْنَامِجِ.
(قال مالك) وهذه الصورة الآتية عكس الصورة الأولى (وإن باع رجل
سلعة مرابحة، فقال: قامت) السلعة (عليّ بمائة دينارٍ) مثلاً والربح عشرة، كما
في الصورة الماضية (ثم جاءه) أي البائع (بعد ذلك) العلم (أنها قامت عليه بمائة
وعشرين ديناراً) فأخبر المشتري به (خُيِّرَ) ببناء المجهول (المبتاع فإن شاء أعطى
البائع قيمة السلعة) غير الثمن (يوم قبضها) أي قيمة يوم قبض السلعة (وإن شاء
أعطى الثمن الذي ابتاع) البائع (به) وهو مائة وعشرون ديناراً (على حساب ما
ربحه) يكون الربح (بالغاً ما بلغ) وهو اثنا عشر ديناراً في الصورة المذكورة (إلا
أن يكون ذلك) أي القيمة يوم القبض (أقلّ من الثمن الذي ابتاع) المشتري (به
السلعة) وهو الثمن المكذوب وربحه (فليس له) أي للمشتري (أن ينقصَ ربَّ
السلعة) مفعول ينقص وفاعله الضمير إلى المشتري (من الثمن الذي ابتاعها) أي
السلعة (به؛ لأنه) أي المشتري (قد كان رضي بذلك) أي الثمن المكذوب
وربحه فیلزمه ما رضي به.
(وإنما جاء رب السلعة) فاعل جاء (يطلب الفضل) أي الزائد على الذي
غلط (فليس للمبتاع في هذا حجة على البائع بأن يضع) أي يسقط (من الثمن
الذي ابتاع به على البرنامج) وتقدم معنى البرنامج قريباً، وسيأتي البسط فيه، قال
١١٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٣٦) باب
(١٣٧٣) حديث
الزرقاني(١): قال الباجي(٢): كذا وقع في ((الموطأ)) ورواية علي في ((المدونة))
على لفظ التخيير، ولا معنى له إلا أن يكون بمعنى أنه يندب للمبتاع أن لا
ينقصه شيئاً، فإن السلعة إن كانت قائمة فللمشتري ردُّها أو يضرب له الربح
على مائة وعشرين، وإن فاتت فالقيمة، إلا أن تكون أقل من المائة وربحها فلا
ينقص، أو يكون أكثر من مائة وعشرين وربحها، فلا يزاد على ذلك، انتهى.
قال ابن رشد (٣): وأما إذا باع الرجل سلعته مرابحة، ثم أقام البينة أن
ثمنها أكثر مما ذكره، وأنه وهم في ذلك وهي قائمة، فقال الشافعي: لا يسمع
تلك البينة؛ لأنه كذبها، وقال مالك: يسمع منها، ويجبر المبتاع على ذلك
الثمن، وهذا بعيد؛ لأنه بيع آخر، انتهى.
وقال الخرقي: إن أخبر بنقصان من رأس ماله كان على المشتري ردّه،
أو إعطاؤه ما غلط به، وله أن يحلفه أن وَقْتَ ما باعها لم يعلم أن شراءها
بأكثر، قال الموفق(٤): جملة ذلك، أنه إذا قال في المرابحة: رأس مالي فيه
مائة، وأربح عشرة، ثم عاد، فقال: غَلِطْتُ، رأس مالي فيه مائة وعشرة، لم
يُقْبَلُ قولُه في الغلط إلا ببينةٍ تشهد أن رأس ماله عليه ما قاله ثانياً، وذكره ابن
المنذر عن أحمد وإسحاق، وروى أبو طالب عن أحمد إذا كان البائع معروفاً
بالصدق قُبِلَ قوله، وإن لم يكن صدوقاً جاز البيع.
وعن أحمد رواية ثالثة، أنه لا يقبل قول البائع، وإن أقام بينةً حتى
يُصَدِّقُه المشتري، وهو قول الثوري والشافعي؛ لأنه أقَرَّ بالثمن، وتعلق به حق
(١) (شرح الزرقاني)) (٣١٩/٣).
(٢) انظر: ((المنتقى)) (٥٢/٥).
(٣) (بداية المجتهد)) (٢١٦/٢).
(٤) («المغني)) (٢٧٥/٦).
١٢٠