النص المفهرس
صفحات 81-100
٣٣ - كتاب البيوع (٣٣) باب (١٣٦٩) حديث ٧٣/١٣٦٩ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَجُل: ابْتَعْ لِي هذَا الْبَعِيرَ بِنَقْدٍ. حَتَّى أَبْتَاعَهُ مِنْكَ إِلَى أَجَلٍ. فَسُئِلَ عَنْ ذُلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. فَكَرِهَهُ وَنَهَى عَنْهُ. والبزار والطبراني في ((الأوسط)) من حديث ابن مسعود، وأخرجه أبو عبيد وابن حبان والطبراني والعقيلي عن ابن مسعود موقوفاً، قال العقيلي: وهو أصح، كذا في ((الدراية))، وفي ((المحلى)): النهي عن صفقتين في صفقة، أعَمُّ من حديث الباب، فإنه يفهم منه النهي عن شرط الاستخدام في بيع العبد، والسكنى في بيع الدار، كذا استدل به صاحب ((الهداية)). ٧٣/١٣٦٩ - (مالك أنه بلغه أن رجلاً قال لرجل) آخر (ابتع) اشتر (لي هذا البعير) مثلاً (بنقدٍ حتى أبتاعه منك) بعد ذلك بأزيد من الثمن الذي اشتريته به (إلى أجلٍ) أي نسيئةً (فسُئِل) ببناء المجهول (عن ذلك عبد الله بن عمر فكرهه) أي كره ابن عمر - رضي الله عنهما - هذا البيع (ونهى عنه). قال الباجي(١): أدخله في باب بيعتين في بيعة، ولا يمتنع أن يوصف بذلك من جهة أنه انعقد بينهما أن المبتاع للبعير بالنقد إنما يشتريه على أنه قد لزم مبتاعه بأجل بأكثر من ذلك الثمن، فصار قد انعقد بينهما عقد بيع تَضَمَّنَ بيعتين، إحداهما: الأولى، وهي بالنقد، والثانية: المؤجلة، وفيها مع ذلك بيع ما ليس عنده؛ لأن المبتاع بالنقد قد باع من المبتاع بالأجل البعير قبل أن يملكه، وفيها سلف بزيادة؛ لأنه يبتاع له البعير بعشرة على أنه يبيعه منه العشرين إلى أجل، يتضمن ذلك أنه سلفه عشرة في عشرين إلى أجل، وهذه كلها معان تمنع جواز البيع، والعينة فيها أظهر من سائرها، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٣٨/٥). ٨١ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٣) باب (١٣٧٠) حديث ٧٤/١٣٧٠ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَشَرَةٍ دَنَانِيرَ نَقْداً. أَوْ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَاراً إِلَى أَجَلٍ. فَكَرِهَ ذُلِكَ وَنَهَى عَنْهُ. قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ ابْتَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلِ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْداً . ٧٤/١٣٧٠ - (مالك أنه بلغه أن القاسم بن محمد) بن أبي بكر (سئل) ببناء المجهول (عن رجل اشترى سلعة بعشرة دنانير نقداً أو بخمسة عشر ديناراً إلى أجل) يعني بالتردد بين الثمنين (فكره ذلك ونهى عنه) وهذا هو المعروف في معنى بيعتين في بيعة، قال أبو عبيد: ومعنى صفقتان في صفقة أن يقول الرجل للرجل: أبيعك هذا نقداً بكذا ونسيئةً بكذا، ويفترقان عليه، كذا في ((نصب الراية»(١) . قال الموفق(٢): وقد رُوي في تفسير ((بيعتين في بيعة)) وجهٌ آخر، وهو أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرة نقداً أو بخمسة عشر نسيئةً، أو بعشرة مكسَّرة أو تسعة صحاحاً، هكذا فسره مالك والثوري وإسحاق، وهو أيضاً باطل، وهو قول الجمهور؛ لأنه لم يجزم له ببيع واحد، فأشبه ما لو قال: بعتك هذا أو هذا، ولأن الثمن مجهول، فلم يصح، ولأن أحد العوضين غير معين فلم يصح، كما لو قال: بعتك أحد عبيدي، وقد روي عن طاووس والحكم وحماد أنهم قالوا: لا بأس أن يقول: أبيعك بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا، فيذهبُ على أحدِهما، وهذا محمول على أنه جرى بينهما بعد ما يجري في العقد، فكأن المشتري قال: أنا آخذه بالنسيئة بكذا، فقال: خذه أو قد رضيت ونحو ذلك، فیکون عقداً كافياً، انتهى. (قال مالك في رجل ابتاع سلعة من رجل) آخر (بعشرة دنانير نقداً (١) (٢٠/٤). (٢) («المغني)) (٦/ ٣٣٣). ٨٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٣) باب (١٣٧٠) حديث أَوْ بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَاراً إِلَى أَجَلٍ. قَدْ وَجَبَتْ لِلْمُشْتَرِي بِأَحَدِ الثَّمَنَينِ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي ذُلِكَ. لِأَنَّهُ إِنْ أَخَّرَ الْعَشَرَةَ كَانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ إِلَى أَجَلٍ. وَإِنْ نَقَدَ الْعَشَرَةَ كَانَ إِنَّمَا اشْتَرَى بِهَا الْخَمْسَةَ عَشَرَ الَّتِي إِلَى ءَ أَجَلٍ. أو بخمسة عشر ديناراً إلى أجل) يعني بالتردد بينهما حال كون السلعة (قد وجبت للمشتري بأحد الثمنين) ولم يقع التعيين. (فقال مالك: إنه لا ينبغي ذلك) أي لا يجوز هذا البيع (لأنه) دليل عدم الجواز (إن أخَّرَ العشرة) يعني لم ينقدها (كانت) أي صارت العشرة (خمسة عشر إلى أجل) لأن القيمة في النسيئة كانت خمسة عشر، وهذا لم ينقد العشرة، فكأنه اشترى العشرة بخمسة عشر نسيئة (وإن) كان (نقد العشرة) في الحال (كان) الناقد كأنه (إنما اشترى بها) أي بالعشرة (الخمسة عشر التي) كانت (إلى أجل). قال الباجي(١): وهذا على ما قاله: إنه إذا اختلف الثمنان واختلف البيعتان بالنقد والتأجيل فقد وضح أنهما بيعتان تضمنتهما بيعة، وذلك يمنع صحة العقد. وفسر ذلك مالك بأن من له الخيار منهما إن أنفذ البيع بعشرة نقداً، فقد أخذ ذلك بخمسة عشر مؤجلة يتركها، وإن أنفذ البيع بخمسة عشر مؤجلة، فقد أخذها بعشرة نقداً تركها ولا يجوز ذلك، وهذا إنما هو من باب الذريعة لتجويز أن يكون الذي له الخيار قد اختار أولاً إنفاذ ذلك العقد بأحد الثمنين، ثم بداله فلم يظهر ذلك، وعدل إلى الآخر، وهذا مما لا يكاد أن يسلم منه مع الترجيح في أفضل الأمرين، وحاجتهما إليهما أو إلى أحدهما، انتھی . (١) ((المنتقى)) (٣٩/٥). ٨٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٣) باب (١٣٧٠) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ اشْتَرَى مِنْ رَجُلِ سِلْعَةً بِدِينَارٍ، نَقْداً. أَوْ بِشَاةٍ مَوْصُوفَةٍ، إِلَى أَجَلٍ. قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِأُحَدِ الثَّمَنَيْنِ: إِنَّ ذُلِكَ مَكْرُوهُ لَا يَنْبَغِي. لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ قَدْ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. وَهُذَا مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ . قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ قَالَ لِرَجُلٍ: أَشْتَرِي مِنْكَ هُذِهِ الْعَجْوَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعاً، أَوِ الصَّيْحَانِيَّ عَشَرَةً أَصْوُع. أَوِ الْحِنْطَةَ الْمَحْمُولَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعاً. أَوِ الشَّامِيَّةَ عَشَرَةَ أَصْوُعِ بِدِينَارٍ. قَدْ وَجَبَتْ لِي إِحْدَاهُمَا: إِنَّ ذُلِكَ مَكْرُوهُ لَا يَحِلُّ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ لَهُ عَشَرَةَ أَصْوُع صَيْحَانِيًّا. فَهَوَ يَدَعُهَا وَيَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعاً مِنَ الْعَجْوَةِ. (قال مالك في رجل اشترى من رجل سلعة بدينار نقداً أو بشاة موصوفة إلى أجل) يعني لم تكن الشاة نقداً، بل تكون نسيئة حال كونه (قد وجب عليه البيع) أي لزمه (بأحد الثمنين) من الدينار نقداً أو الشاة نسيئة (إن ذلك) البيع بالتردد في الثمن (مكروة لا ينبغي) أي لا يجوز (لأن رسول الله وَل قد نهى عن بيعتين في بيعة وهذا) البيع (من) جملة (بيعتين في بيعة) بداهة، فيمنع. (قال مالك في رجل قال لرجل: أشتري منك هذه العجوة) نوع من التمر. معروف (خمسة عشر صاعاً) مثلاً (أو الصيحانيَّ) نوع آخر من التمر أجود (عشرة أصوع) جمع صاع، يعني بدينار (أو) قال: أشتري منك (الحنطة المحمولة) قال المجد: المحمولة حنطة غبراء كثيرة الحب (خمسة عشر صاعاً أو الشامية) وهي أجود من المحمولة (عشرة آصع بدينار) والحال أنه (قد وجبت) أي لزمت (لي إحداهما) أي إحدى البيعتين من نوعي التمر في المثال الأول وإحدى الحنطتين في المثال الثاني، فقال مالك: (إن ذلك) البيع (مكروه لا يحلّ وذلك) أي سبب الكراهة (أنه كأنه قد أوجب له عشرة آصع صيحانيًا) إذا اختارها (فهو) بعد ذلك (يدعها) أي يترك العشرة (ويأخذ) بدلها (خمسة عشر صاعاً من العجوة) لأن من ٨٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٣) باب (١٣٧٠) حديث أَوْ تَجِبُ عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعَاً مِنَ الْحِنْطَةِ الْمَحْمُولَةِ. فَيَدَعُهَا وَيَأْخُذُ عَشَرَةَ أَصْوُع مِنَ الشَّامِيَّةِ. فَهَذَا أَيْضاً مَكْرُوهٌ لَا يَحِلُّ. وَهُوَ أَيْضاً يُشْبِهُ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. وَهُوَ أَيْضاً مِما نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يُبَاعَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الطَّعَامِ. اثْنَانِ بِوَاحِدٍ . خُيِّرَ بين الأمرين يُعَدُّ منتقلاً عند المالكية، كما تقدم في القول السابق. (أو يجب له) يعني في المثال الثاني (خمسة عشر صاعاً من الحنطة المحمولة) في الاختيار الأول (فيدعها) ويتركها (ويأخذ) بدلها (عشرة أصوع من الشامية) فكأنه باع خمسة عشر من الحنطة بدل العشرة لجواز أنه اختار إحداهما أولاً، ثم الأخرى ثانياً (فهذا) أيضاً (مكروه لا يحل وهو) أي البيع المذكور في المثالين (أيضاً يشبه ما نهي عنه من بيعتين في بيعة وهو أيضاً) يعني في هذا البيع المذكور وجه آخر لعدم الجواز، وهو أنه (مما نهي عنه) أي من جملة المنهي عنه من (أن يباع من صنف واحد من الطعام) متفاضلاً بأن يباع (اثنان) منه (بواحد) لأن المخير لما كان عند مالك منتقلاً، فكأنه باع إحدى النوعين من الحنطة بالأخرى، وأحد النوعين من التمر بالآخر، قال الباجي(١): يعني لما كان أحد التمرين صيحانياً وعشرة أصوع، والآخر عجوة وخمسة عشر صاعاً دخله الفساد من وجهين: من جهة القدر المقصود ومن جهة الجنس، انتھی. قال ابن رشد في ((البداية))(٢): اتفق الفقهاء على القول بموجب حديث النهي عن بيعتين في بيعة، واختلفوا في التفصيل أعني في الصورة التي ينطلق عليها هذا الاسم من التي لا ينطلق عليها، واتفقوا أيضاً على بعضها، وذلك يتصور على وجوه ثلاثة، في مثمونين بثمنين، أو في مثمون واحد بثمنين، أو في مثمونين بثمن واحد؛ على أن أحد البيعين قد لزم. (١) ((المنتقى)) (٤٠/٥). (٢) ((بداية المجتهد)) (١٥٣/٢، ١٥٤). ٨٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٣) باب (١٣٧٠) حديث أما في مثمونين بثمنين، فإن ذلك يتصور على وجهين، أحدهما: أن يقول له: أبيعك هذه السلعة بثمن كذا على أن تبيعني هذه الدار بثمن كذا، والثاني: أن يقول له: أبيعك هذه السلعة بدينار أو هذه الأخرى بدينارين، وأما بيع مثمون واحد بثمنين، فإن ذلك يتصور أيضاً على وجهين: أحدهما: أن يكون أحد الثمنين نقداً والآخر نسيئة، والثاني: أن يقول له: أبيعك هذا الثوب نقداً بثمن كذا على أن أشتريه منك إلى أجل كذا بثمن كذا، وأما مثمونان بثمن واحد، فمثل أن يقول له: أبيعك أحد هذين بثمن كذا . فأما الوجه الأول، وهو أن يقول: أبيعك هذه الدار بكذا على أن تبيعني هذا الغلام بكذا، فنصّ الشافعي على أنه لا يجوز؛ لأن الثمن في كليهما يكون مجهولاً؛ لأنه لو أفرد المبيعين لم يتفقا في كل واحد منهما على الثمن الذي اتفقا عليه في المبيعين في عقد واحد، وأصل الشافعي في رد بيعتين في بيعة إنما هو جهل الثمن أو المثمون. وأما الوجه الثاني، وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بدينار أو هذه الأخرى بدينارين على أن البيع قد لزم في أحدهما، فلا يجوز عند الجميع، وخالف فيه عبد العزيز بن أبي سلمة، فأجازه، وعلة المنع عند الجميع الجهل، وعند مالك من باب سد الذرائع؛ لأنه ممكن أن يختار في نفسه أحد الثوبین، فیکون قد باع ثوباً ودیناراً بثوب ودینار. وأما الوجه الثالث، وهو أن يقول: أبيعك هذا الثوب نقداً بكذا أو نسيئة بكذا، فهذا إذا كان البيع فيه واجباً، فلا خلاف في أنه لا يجوز، وأما إذا لم يكن البيع لازماً في أحدهما، فأجازه مالك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي؛ لأنهما افترقا على ثمن غير معلوم، وجعله مالك من باب الخيار، فعلة امتناع هذا الوجه الثالث عند الشافعي، وأبي حنيفة من جهة جهل الثمن، وعلة امتناعه عند مالك سد الذريعة الموجبة للربا لإمكان أن يكون الذي له الخيار قد اختار ٨٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٤) باب (٣٤) باب بيع الغرر أولاً إنفاذ العقد بأحد الثمنين المؤجل أو المعجل، ثم بداله، ولم يظهر ذلك، فيكون قد ترك أحد الثمنين للثمن الثاني، فكأنه باع أحد الثمنين بالثاني، فيدخله ثمن بثمن نسيئة أو نسيئة ومتفاضلاً. وأما إذا قال: أشتري منك هذا الثوب نقداً بكذا على أن تبيعه مني إلى أجل، فهو عندهم لا يجوز بإجماع؛ لأنه من باب العينة، ويدخله أيضاً علة جهل الثمن، وأما إذا قال: أبيعك أحد هذين الثوبين بدينار، وقد لزمه أحدهما أيهما اختار، وافترقا قبل الخيار، فإن كان الثوبان من صنفين وهما مما يجوز أن يسلم أحدهما في الثاني، فإنه لا خلاف بين مالك والشافعي، في أنه لا يجوز، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يجوز، وعلة المنع الجهل والغرر. وأما إذا كانا من صنف واحد فيجوز عند مالك، ولا يجوز عند أبي حنيفة والشافعي، وأما مالك فإنه أجازه؛ لأنه يجيز الخيار بعد عقد المبيع في الأصناف المستوية لقّة الغرر عنده في ذلك، وأما من لا يجيزه، فيعتبره بالغرر الذي لا يجوز؛ لأنهما افترقا على بيع غير معلوم. (٣٤) بيع الغرر قال صاحب ((المجمع))(١): هو ما كان له ظاهرٌ يَغُرُّ المشتري، وباطنٌ مجهول؛ الأزهري: هو ما كان على غير عهدةٍ ولا ثقةٍ، ويدخل فيه بيوع لا يحيط بكنهها المتبايعان من كل مجهول، وهو يتناول بيع الآبق والمعدوم والمجهول وغير مقدور التسليم وحبل الحبلة والملامسة والمنابذة، وأفردت بعضها لكونه من مشاهير بيوع الجاهلية، وقد يحتمل الجهل ضرورةً كجهل أساس الدار المبيعة وبحشو الجُبَّةِ، وقد يحتمل تبعاً كدخول الحمام مع اختلافهم في صبّ الماء والشرب من السقاء، انتهى. (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٤/٤). ٨٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٤) باب (١٣٧١) حديث ٧٥/١٣٧١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنَ الْمُسَيَّبِ؛ وقال الباجي(١): هو ما كثر فيه الغرر، وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر، فهذا الذي لا خلاف في المنع منه، وأما يسير الغرر، فإنه لا يؤثر في فساد عقد بيع فإنه لا يكاد يخلو عقد منه، وإنما يختلف العلماء في فساد أعيان العقود لاختلافهما فيما فيه من الغرر، وهل هو من حيز الكثير الذي يمنع الصحة أو من حيز القليل الذي لا يمنعها؟ وإذا ثبت ذلك، فالغرر يتعلق بالمبيع من ثلاثة أوجه، من جهة العقد والعوض والأجل، فأما المبيع والثمن، فأن يكون أحدهما مجهول الصفة حين العقد كشراء الأجِنَّة، واشتراطها، أو أنه غير مقدور التسليم، كالعبد الآبق، والجمل الشارد، والسلم في ثمر حائطه بعينه وما يشبه ذلك. وقد يكون مقدوراً على التسليم، ويكون الغرر فيه من أجل حاله كالعبد أو غيره من الحيوان لمرض يخاف منه الموت، قال ابن حبيب: هو من الغرر، ويفسخ البيع ما لم يفت بيد المبتاع، فتكون عليه قيمته يوم قبضه. ومن الجهالة في الثمن أن يبيعه السلعة بقيمتها أو بما يعطى فيها، وأما تعلق الغرر بالأجل فأن يكون مجهولاً أو بعيداً، وكره ابنُ القاسم البيع إلى أجل بعيد، مثل عشرين سنة أو أكثر، ولا يفسخه إلا مثل الثمانين والتسعين، انتھی . ١٣٧١/ ٧٥ - (مالك عن أبي حازم) سلمة (بن دينار) التمار (عن سعيد بن المسيب) مرسلاً باتفاق رواة مالك فيما علمت، ورواه أبو حذافة عن مالك عن نافع عن ابن عمر، وهذا منكر، والصحيح ما في ((الموطأ))، ورواه ابن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد، وهو خطأ، وليس ابن أبي حازم بحجة إذا (١) ((المنتقى)) (٤١/٥). ٨٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٤) باب (١٣٧١) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ. قَالَ مَالِكٌ: وَمِنَ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ، خالفه غيره، والحديث محفوظ عن أبي هريرة، ومعلوم أن ابن المسيب من كبار رواته، قاله ابن عبد البر. وقد رواه مسلم(١) من طريق عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. (أن رسول الله وَ لقر نهى عن بيع الغرر) لأنه من أكل أموال الناس بالباطل على تقدير أن لا يحصل المبيع، وقد نبَّه وَلّ على هذه العلة في بيع الثمار قبل بدو الصلاح، بقوله: أرأيت إن منع الله الثمر فبم يأكل أحدكم مال أخيه؟ قاله المازري . وقيل: علته ما يؤدي إليه من التنازع بين المتبايعين، ورُدَّ بأن كثيراً من صور بيع الغرر عُرِي من التنازع كبيع الآبق، وقيل: علته عجز البائع عن التسليم، وهو ما أشار إليه المازري من ذهاب المال باطلاً، قال المازري: أجمعوا على فساد بيع الغرر كجنين، والطير في الهواء، والسمك في الماء، وعلى صحة بعضها، كبيع الجبة المحشوة، والشرب من فم السقاء مع اختلاف الشرب. واختلفوا في بعضها، فوجب أن يفهم أنهم منعوا ما أجمعوا على منعه لقوة الغرر، وكونه مقصوداً، وإنما أجازوا ما أجمعوا على جوازه ليسارته مع أنه لم يقصد، وتدعو الضرورة إلى العفو عنه، وإذا ثبت ما استنبطناه من هذين الأصلين وجب رد المسائل المختلف فيها بين فقهاء الأمصار إليها، فالمجيز رأى الغرر قليلاً لم يقصد، والمانع رآه كثيراً مقصوداً(٢). (قال مالك: ومن الغرر والمخاطرة) عطف تفسير، يعني الغرر في هذه (١) أخرجه مسلم في ((البيوع)) (٥١/١٣)، وانظر ((التمهيد)) (١٣٤/٢١، ١٣٥). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣١٣/٣). ٨٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٤) باب (١٣٧١) حدیث أَنْ يَعْمِدَ الرَّجُلُ قَدْ ضَلَّتْ دَابَّتُهُ، أَوْ أَبَقَ غُلَامُهُ. وَثَمَنُ الشَّيْءٍ مِنْ ذُلِكَ خَمْسُونَ دِينَاراً. فَيَقُولُ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُ مِنْكَ بِعِشْرِينَ دِينَاراً. فَإِنْ وَجَدَهُ الْمُبْتَاعُ، ذَهَبَ مِنَ الْبَائِعِ ثَلاثُونَ دِينَاراً. وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، ذَهَبَ الْبَائِعُ مِنَ الْمُبْتَاعِ بِعِشْرِينَ دِينَازاً. قَالَ مَالِكٌ: وَفِي ذَلِكَ عَيْبٌ آخَرُ. إِنَّ تِلْكَ الضَّالَّةَ إِنْ وُجِدَتْ لَمْ يُدْرَ أَزَادَتْ أَمْ نَقَصَتْ. أَمْ مَا حَدَثَ بِهَا مِنَ الْعُيُوبِ. فَهَذَا أَعْظَمُ الْمُخَاطَرَةِ. الصورة كونها مخاطرة وقماراً دائراً بين النفع والضرر (أن يعمد) بكسر الميم أي يقصد (الرجل) حال كونه (قد ضلت دابته أو أبق غلامه وثمن الشيء من ذلك) المذكور من الدابة والغلام (خمسون ديناراً) مثلاً (فيقول رجل) أراد شراءه (أنا آخذه منك) أي أشتري الدابة أو الغلام (بعشرين ديناراً) فإذا اشتراه في العشرين (فإن وجده) أي الضالّة أو الآبق (المبتاع) المشتري (ذهب) ضاع (من البائع ثلاثون ديناراً) لأن قيمته كان خمسين، وفي النسخ الهندية ((ذهب من البائع بثلاثين ديناراً)) يعني كان المشتري أخذ من البائع ثلاثين (وإن لم يجده) المشتري (ذهب البائع) أي أخذ (من المبتاع بعشرين ديناراً) فدار بين النفع والضرر. (قال مالك) وليس هذا اللفظ في بعض النسخ المصرية، والكلام الآتي ملحق بما سبق (وفي ذلك) البيع المذكور (أيضاً عيب آخر) وهو (إن تلك الضالّة) والآبق في المثالين المذكورين (إن وجدت) ببناء المجهول وكذا قوله (لم يُذْر) أي لم يُعْلم (أَزَادَتْ) على حالها التي كانت عليها أولا عند البيع (أم نقصَتْ) عنها (أم مَا حدث بها) بعد الغيبة (من العيوب) الأخرى بيان لما، فهل بقي الآن على قيمة خمسين ديناراً أم لا (فهذا أعظم المخاطرة) فإن فيه مع تعذر التسليم جهالة الثمن في الحال، وأيضاً لم يدر أم هو موجود وحي في الحال أو قد مات، فإن مات فلم يبق المبيع. ٩٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٤) باب (١٣٧١) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا، أَنَّ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ وَالْغَرَرِ اشْتِرَاءَ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ. مِنَ النِّسَاءِ وَالدَّوَابِّ. لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَيَخْرُجُ أَمْ لَا يَخْرُجُ. فَإِنْ خَرَجَ لَمْ يُدْرَ أَيَكُونُ حَسَناً أَمْ قَبِيحاً. أَمْ تَامًّا أَمْ نَاقِصاً. أَمْ ذَكَراً أَمْ أُنْثَى. وَذُلِكَ كُلُّهُ يَتَفَاضَلُ. إِنْ كَانَ عَلَى كَذَا. فَقِيمَتُهُ كَذَا. وَإِنْ كَانَ عَلَى كَذَا، فَقِيمَتُهُ كَذَا . (قال مالك: والأمر عندنا أن من المخاطرة والغرر) أيضاً (اشتراء) الرجل (ما في بطون الإناث) مفعول مصدر مضاف إليه (من النساء) أي الإماء بيان لما (والدواب) جمع دابة، وفي حكمهما غيرهما من الحيوان (لأنه لا يدرى) أي لا يعلم (أيخرج) من البطن شيء (أم لا يخرج) بل يكون ما في البطن مرض غير الجنين (فإن خرج) فأيضاً (لم يدر أيكون) ذلك الخارج (حسناً أم قبيحاً) وبالحسن والقبح تتفاوت القيمة تفاوتاً فاحشاً، لا سيما في النساء وأيضاً لم يدر (أم) يكون الخارج (تاماً) أي تام الخلقة (أم ناقصاً) وكذلك لم يدر (أم) يكون (ذكراً أم أنثى وذلك) الاختلاف المذكور (كله يتفاضل) باعتبار القيمة؛ لأنه دليل للتفاضل في القيمة. (إن كان) الخارج (على كذا) أي تام الخلقة مثلاً (فقيمته كذا) أي مائة مثلاً (وإن كان على) صفة (كذا) أي ناقص الخلقة مثلاً (فقيمته كذا) أي عشرون مثلاً أو أقل منه أيضاً، فإن ما في بطن المرأة إن كانت جارية تامة الخلقة جميلة رائقة فقيمتها مائة أو أكثر، وإن كانت جارية ناقصة الخلقة، ساقطة الأعضاء، قبيحة المنظر، شهيقة، كريهة المنظر، فلا تكون قيمتها عشرين أيضاً. قال الباجي(١): والأصل في ذلك ((نهى النبي ◌َّ عن المضامين والملاقيح))، قال جماعة من أصحابنا: المضامين ما في بطون الإناث، (١) ((المنتقى)) (٤٢/٥). ٩١ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٤) باب (١٣٧١) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي بَيْعُ الْإِنَاثِ وَاسْتِثْنَاءُ مَا فِي بُطُونِهَا . وَذُلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: ثَمَنُ شَاتِي الْغَزِيرَةِ ثَلاثَةُ دَنَانِيرَ. فَهِيَ لَكَ بِدِينَارَيْنِ. وَلِي مَا فِي بَطْنِهَا. فَهُذَا مَكْرُوهٌ. لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَمُخَاطَرَةٌ . والملاقيح ما في ظهور الذكور، وقال ابن حبيب: المضامين ما في ظهور الفحول، والملاقيح ما في بطون الإناث، ووجهه من جهة المعنى ما احتجّ به من أنه مجهول الصفة متعذر التسليم، وأحد الأمرين يُفْسِد العقد، وإفسادهما إذا اجتمعا أوكد، انتهى. (قال مالك: ولا ينبغي) أي لا يجوز (بيع الإناث واستثناء ما في بطونها، وذلك) أي مثال الاستثناء (أن يقول الرجل) البائع (للرجل) المشتري مثلاً (ثمن شاتي الغزيرة) بالغين والزاي المعجمتين أي كثيرة اللبن صفة لشاة (ثلاثة دنانير) مثلاً (فهي) الشاة (لك بدينارين) ونقص الدينار من قيمتها لاستثناء ما في بطنها، فقال: (ولي ما في بطنها) من الجنين (فهذا) البيع (مكروه) (١) أيضاً (لأنه غرر ومخاطرة) قال الباجي: أما على قولنا: إن المستثنى من المبيع مبيع معه، ثم يخرج بالاستثناء من جملته، فظاهرٌ؛ لأنه مجهول الصفة، فإذا تناوله البيع فسد البيع. وقال الزرقاني(٢): وأما على أنه مبقى، فلأن الجملة المرئية، إذا استثني منها مجهول متناهي الجهالة أثر ذلك في باقي الجملة جهالة تمنع صحة العقد، قاله الباجي، انتهى. وتقدم قول مالك بنحو هذا القول المذكور ههنا في أول ((كتاب البيوع))، وتقدم هناك البسط في ذلك، وتقدم أيضاً اتفاق الأئمة الأربعة في ذلك إلا ما في رواية لأحمد من جواز ذلك. (١) وفي ((شرح الزرقاني)) (٣١٤/٣) أي حرام. (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣١٤/٣). ٩٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٤) باب (١٣٧١) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ؛ وَلَا الْجُلْجُلَانِ بِدُهْنِ الْجُلْجُلَانِ. وَلَا الزُّبْدِ بِالسَّمْنِ. لِأَنَّ الْمُزَابَنَةَ تَدْخُلُهُ. وَلِأَنَّ الَّذِي يَشْتَرِي الْحَبَّ وَمَا أَشْبَهَهُ، بِشَيْءٍ مُسَمَّى مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ، لَا يَدْرِي أَيَخْرُجُ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَكْثَرُ. فَهَذَا غَرَرٌ وَمُخَاطَرَةٌ. (قال مالك: ولا يحل بيع الزيتون بالزيت) وهو دهن الزيتون (ولا الجلجلان) بضم الجيمين بينهما لام ساكنة ثم ألف فنون، السمسم في قشره قبل أن يحصد (بدهن الجلجلان) أي لا يجوز بيع السمسم بدهنه (ولا الزبد بالسمن) إذ السمن يخرج من الزبد (لأن المزابنة تدخله) أي يدخل هذا البيع في أنواع المزابنة، والنهي عن المزابنة معروف. ثم أوضح وجه النهي بقوله: (ولأن الذي يشتري الحب وما أشبهه) أي يشبه الحب في أن يخرج منه شيء من الدهن والعرق (بشيء) متعلق بيشتري (مسمى) أي معين (مما يخرج منه لا يدري أيخرج منه) أي من الحب وغيره (أقل من ذلك) المسمى (أو أكثر) منه (فهذا غرر ومخاطرة). قال الباجي(١): لا يحلّ بيعُ الزيتون بالزيت لما احتجَّ به من أنه من المزابنة. وذلك بيع الشيء مما يخرج منه؛ لأن المقدار الذي يخرج منه مجهول. وهو مما يعتبر فيه التساوي لتحريم الزيادة، وإنما قال؛ لأنه لا يدري أيخرج منه أقل أو أكثر، يريد أنه لا يجوز أن يعطى أحدهما الأكثر مما لا يشك في أنه أكثر لما يأخذ منه، فيخرج بذلك عن المخاطرة؛ لأنه يدخله نوع آخر من الفساد، وهو التفاضل فيما يحرم فيه التفاضل، فلا بد من أن يتحرى التساوي فيهما . ولا يصح التحري فيه؛ لأنه لا يعلم أيخرج من هذا الزيتون أقل من الزيت الآخر أو أكثر؛ لأن مثل هذا لا يبلغ بتحري الزيتون، انتهى. وفي (١) ((المنتقى)) (٤٢/٥). ٩٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٤) باب (١٣٧١) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَمِنْ ذُلِكَ أَيْضاً، اشْتِرَاءُ حَبِّ الْبَانِ بِالسَّلِيخَةِ. فَذْلِكَ غَرَرٌ. لِأَنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ حَبِّ الْبَانِ، هُوَ السَّلِيخَةُ. ((المحلى)): وهو قول الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز إذا كان الزيت أكثر مما في الزيتون والسمسم، انتهى. وقال الموفق(١): لا يجوز بيع شيء من مال الربا بأصله الذي فيه منه، كالسمسم بالشيرج، والزيتون بالزيت، وسائر الأدهان بأصولها والعصير بأصله كعصير العنب، والرُمّان، وقصب السكر، لا يباع شيء منها بأصله، وبه قال الشافعي وابن المنذر، وقال أبو ثور: يجوز؛ لأن الأصل مختلف والمعنى مختلف، وقال أبو حنيفة: يجوز إذا علم يقيناً أن ما في الأصل من الدهن والعصير أقل من المنفرد، وإن لم يعلم لم يجز، انتهى. (قال مالك: ومن ذلك أيضاً) أي في حكم القول السابق (اشتراء حب البان) والبان بالموحدة شجرٌ معروفٌ يوجد في الحجاز والحبش وغيرهما كثيراً، وقيل: يقال له في الهندية: بكائن، وفَرَّقَ بعضهم بينهما. (بالسليخة) بفتح السين المهملة والخاء المعجمة، دهن ثمر البان (فذلك) البيع (غرر؛ لأن الذي يخرج من حب البان هو السليخة) فصار بمنزلة الزيت بالزيتون، قال عيسى: السليخة هي عصارة حب البان، وهو الزيت الذي يخرج منه، فمنع حب البان بما يخرج منه، وإن لم يكن مطعوماً، ولا فيما يجري فيه الربا، لما فيه من الغرر عند تقاربهما، وإن كان لا يحرم التفاضل في السليخة وحب البان؛ لأنه يجوز (٢) بيع الشيء بما يخرج منه، وإن كانا مما لا يحرم فيه التفاضل، ولذا لا يجوز بيع الكَتّان بالغزل جزافاً أو أحدهما جزافاً، وإن كان يداً بيد، كذا في ((المنتقى))(٣). (١) ((المغني)) (٩١/٦). (٢) كذا في الأصل والصواب لا يجوز، ش. (٣) (٤٣/٥). ٩٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٤) باب (١٣٧١) حديث وَلَا بَأْسَ بِحَبِّ الْبَانِ بِالْبَانِ الْمُطَيَّبِ. لِأَنَّ الْبَانَ الْمُطَيَّبَ قَدْ طُيِّبَ وَنُشَّ وَتَحَوَّلَ عَنْ حَالِ السَّلِيخَةِ. (ولا بأس بحبِّ البان) أي بشرائه (بالبان المطيّب؛ لأن البان المطيّب قد طُيِّبَ) ببناء المجهول (ونُشَّ) بضم النون وبالشين المعجمة، أي خلط، يقال: دهن منشوش أي مخلوط (وتحوّل عن حال السَّليخة) أي عن صفتها، فيجوز كلحم طبخ بتابل، فيجوز يداً بيد متساوياً ومتفاضلاً، قاله الزرقاني، قال عيسى بن دينار: النش هو التطبيب، جعل النش في البان صنعة يخرج بها عن جنس السليخة التي ليست بمطيبة؛ لأن هذا نهاية الصناعة فيها، كذا في ((المنتقى)). قال ابن رشد (١): اختلفوا فيما تدخله الصنعة مما أصله منع الربا فيه مثل الخبز بالخبز، فقال أبو حنيفة: لا بأس ببيع ذلك متماثلاً ومتفاضلاً؛ لأنه خرج بالصنعة عن الجنس الذي فيه الربا، وقال الشافعي: لا يجوز متماثلاً فضلاً عن متفاضل؛ لأنه قد غيرته الصنعة تغيراً جُهِلَتْ به مقاديرُه التي تعتبر فيها المماثلة، فأما مالك فالأشهر في الخبز عنده أنه يجوز متماثلاً، وقد قيل فيه: إنه يجوز فيه التفاضل والتساوي. وسبب الخلاف، هل الصنعة تنقله من جنس الربويات أو ليس تنقله؟ وإن لم تنقله، فهل تمكن فيه المماثلة أم لا؟ فقال أبو حنيفة: تنقله، وقال مالك والشافعي: لا تنقله، واختلفوا في إمكان المماثلة فيهما، وأما إذا كان أحد الربويين لم تدخله صنعة، والآخر قد دخلته الصنعة، فإن مالكاً يرى في كثير منها أن الصنعة تنقله من الجنس، أعني من أن يكون جنساً واحداً، فيجيز فيها التفاضل، وفي بعضها لا يرى ذلك. وتفصيل مذهبه في ذلك عسير الانفصال، فاللحم المشويُّ والمطبوخ عنده (١) ((بداية المجتهد)) (١٣٨/٢). ٩٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٤) باب (١٣٧١) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ. عَلَى أَنَّهُ لَا نُقْصَانَ عَلَى الْمُبْتَاعِ: إِنَّ ذُلِكَ بَيْعٌ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ مِنَّ الْمُخَاطَرَةِ. وَتَفْسِيرُ ذُلِكَ: أَنَّهُ كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِرِبْحِ. إِنْ كَانَ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ. وَإِنْ بَاعَ بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِنُقْصَادٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَذَهَبَ عَنَاؤُهُ بَاطِلاً. فَهذَا لَا يَصْلُحُ. وَلِلْمُبْتَاعِ فِي هُذَا أُجْرَةٌ بِمِقْدَارِ مَا عَالَجَ مِنْ ذُلِكَ. وَمَا كَانَ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ مِنْ نُقْصَانٍ أَوْ رِبْحٍ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَعَلَيْهِ. من جنس واحد، والحنطة المقلوة عنده وغير المقلوة جنسان، وقد رام أصحابه التفضيل في ذلك، والظاهر من مذهبه أنه ليس في ذلك قانون من قوله حتى ينحصر فيه أقواله، وقد رام حصرها الباجي في ((المنتقى))، انتهى. (قال مالك في رجل باع سلعة من رجل) أي بيده (على) شرط (أنه لا نقصان على المبتاع) أي المشتري مثلاً باع زيد ثياباً بيد عمرو بخمسين ديناراً، وقال لعمرو: بعها بما شئت، فما يحصل من الربح فهو لك، وإن وقع في ذلك نقصان، فهو عليَّ، ليس عليك منها شيء (إن ذلك بيع غير جائز وهو) البيع بالشرط المذكور (من المخاطرة) والغرر. (وتفسير ذلك) أي توضيح ما ذكر من الصورة (أنه) أي زيداً (كأنه استأجره) أي عمراً (بربح) يحصل في التجارة (إن كان) أي وجد وحصل الربح (في تلك السلعة وإن باع) عمرو الثياب (برأس المال) أي بخمسين ديناراً (أو) باعها (بنقصان) بأربعين ديناراً مثلاً (فلا شيء له) أي لعمرو (وذهب عناؤه) بالمد، أي ضاع تعب عمرو في بيع الثياب (باطلاً) إذا لم يحصل له شيء. فالحكم في هذه الصورة ما ذكره بقوله (فهذا) الشرط (لا يصلح) ولا يجوز (وللمبتاع) أي لعمرو (في هذا) الذي عمل من بيع الثياب (أجره) أي أجرته (بقدر) وفي نسخة ((بمقدار)) (ما عالج من ذلك) العمل أي أجرة المثل بقدر المشقة. (وما كان) أي حصل (في تلك السلعة من نقصان أو ربح فهو للبائع) الأول، أي لزيد في صورة الربح (وعليه) أي على زيد في صورة ٩٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٤) باب (١٣٧١) حديث وَإِنَّمَا يَكُونُ ذُلِكَ، إِذَا فَاتَتِ السِّلْعَةُ وَبِيعَتْ. فَإِنْ لَمْ تَفُتْ فُسِخَ الْبَيْعُ بينهَما . قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا أَنْ يَبِيعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً. يَبُثُّ بَيْعَهَا. ثُمَّ يَنْدَمُ الْمُشْتَرِي فَيَقُولُ لِلْبَائِعِ: ضَعْ عَنِّي. فَيَأْبَى الْبَائِعُ. وَيَقُولُ: بِعْ فَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ فَهُذَا لَا بَأْسَ بِهِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ. وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَضَعَهُ لَهُ. النقصان، وذلك لبقاء السلعة في ملكه لفساد البيع بالغرر، فلم يبق عمرو إلا مجرد الأجير لبيع الثياب. ولما كانت الأجرة مجهولة، فصار له أجر المثل. (وإنما يكون ذلك) أي أجرة المثل لعمرو، والربح والنقصان لزيد (إذا فاتت السلعة) عن يد عمرو بأن (بيعت) بيد آخر (فإن لم تفت) السلعة بعد (فسخ البيع بينهما) قال الباجي (١): لا يجوز هذا البيع لما ذكره من وجه الغرر؛ لأنه استأجره على بيعه بربح، إن كان فيه، ولا يدري قدره ولا جنسه، وإن لم يكن فيه ربح فلا شيء له، وللمبتاع فيه أجرة، يريد أنه يحمل على ما يؤول إليه أمرهما من الإجارة، فإن فاتت السلعة ببيع المبتاع لها، فللذي باعها منه الثمن كان أقل من قيمتها أو أكثر، وكان للمبتاع أجرة ما حاول من بيعها وغير ذلك من حفظها إن كان له أجرة، انتهى. (قال مالك: فأما أن يبيع رجل) زيد مثلاً (من رجل) أي بيد عمرو مثلاً (سلعةً يبتُ) بتشديد التاء (بيعها) أي عقداه على اللزوم والقطع (ثم يندم المشتري) أي عمرو (فيقول للبائع) أي لزيد: (ضع) أمر من الوضع أي أسقط (عني) شيئاً من القيمة (فيأبى البائع) أي يمتنع زيد عن الوضع (ويقول) لعمرو : (بع) سلعتك هذه بيد آخر (فلا نقصان عليك) يعني ما يكون من النقصان أضعه من القيمة، أي [ما] أعطيتني (فهذا لا بأس به) أي جائز (لأنه ليس من المخاطرة) لوقوعه بعد قطع البيع (وإنما هو شيء وضعه له) أي أسقطه لعمرو (١) ((المنتقى)) (٤٣/٥). ٩٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٥) باب (١٣٧٢) حديث وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ عَقَدَا بَيْعَهُمَا. وَذُلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا. (٣٥) باب الملامسة والمنابذة ٧٦/١٣٧٢ - حدّثنا يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ: وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، تبرعاً من زيد (وليس على ذلك) أي على شرط وضع النقصان (عقدا بيعهما) بل عقدا البيع على القيمة المعينة، سواء كان فيه الربح لعمرو أو النقصان، وما وعد من الوضع فيه مجرد عِدَةٍ بعد قطع البيع. (وذلك الذي عليه الأمر عندنا). واختلف قول مالك في القضاء بها، فقال مالك في كتاب ابن المزين: وذلك لازم، ووجهه أنه حمله بما وعده على بيع سلعته، فلزمه ذلك، وقال ابن وهب: ينقصه بحسب ما يشبه من ثمن السلعة إن نقص من ثمنها، وقيل: غير ذلك، كما ذكره الزرقاني(١). قال الباجي(٢): قوله: لا بأس به يريد؛ لأن العقد قد سلم أولاً مما يفسده ابتداء، وقد قال مالك في كتاب ابن مزين: وذلك لازم، ووجه ذلك أنه قد حمله بما غَرَّه على بيع سلعته، فوجب أن يلزمه ما التزم له بذلك، انتهى. (٣٥) الملامسة والمنابذة بيعان من بيوع الجاهلية المعروفة بينهم سيأتي تفسيرهما . ٧٦/١٣٧٢ - (مالك عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح المهملة الموحدة الثقيلة (وعن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان كلاهما (عن الأعرج) عبد الرحمن بن (١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٥/٣). (٢) ((المنتقى)) (٤٣/٥). ٩٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٥) باب (١٣٧٢) حديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَ نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ. أخرجه البخاريّ في: ٤٣ - كتاب البيوع، ٦٣ - باب بيع المنابذة. ومسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ١ - باب إبطال بيع الملامسة والمنابذة، حديث ١. قَالَ مَالِكٌ: وَالْمُلَامَسَةُ أَنْ يَلْمِسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ وَلَا يَنْشُرُهُ. وَلَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهِ. أَوْ يَبْتَاعَهُ لَيْلاً وَلَا يَعْلَمُ مَا فِيهِ. وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ ثَوْبَهُ. وَيَنْبِذَ الآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ. عَلَى غَيْرٍ تَأَمُّلِ مِنْهُمَا. وَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هُذَا بِهِذَا. فَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ. هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله وَّر نهى عن بيع الملامسة) مفاعلة من اللمس (والمنابذة) مفاعلة من النبذ بالذال المعجمة. (قال مالك: والملامسة أن يلمس) بضم الميم وكسرها من بابي نصر وضرب أي يمس (الرجلُ الثوبَ) بيده (ولا ينشره) أي الثوب وفسره بقوله: (ولا يتبين ما فيه، أو يبتاعه ليلاً ولا يعلم ما فيه، والمنابذة أن ينبذ) بكسر الموحدة أي يطرح (الرجل إلى الرجل) الآخر (ثوبه وينبذ إليه الآخر ثوبه على غير تأمل منهما) بنظر ولا نشر (ويقول كل واحد منهما: هذا بهذا) على إلزام البيع بغير خيار (فهذا) تفسير (الذي نهي عنه) في الحديث (من) بيع (الملامسة والمنابذة) وهذا أحد تفاسيرهما . وقد رواه البخاري من حديث أبي سعيد ((أن رسول الله وَّ نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه))، قال الحافظ(١): وفي لباس البخاري بلفظ: والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو (١) ((فتح الباري)) (٣٥٩/٤). ٩٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٣٥) باب (١٣٧٢) حديث بالنهار، ولا يقلبه إلا بذلك، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه، وينبذ الآخر بثوبه، ويكون بيعهما عن غير نظر ولا تراض. ثم قال بعد ما بسط اختلاف الروايات في تفسيرهما: واختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور، وهي أوجهٌ للشافعية، أصحّها: أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة، فيلمسه المستام، فيقول له صاحب الثوب: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا نظرته، وهذا موافق للتفسيرين اللذين في الحديث، الثاني: أن يجعلا نفس اللمس بيعاً بغير صيغة زائدة، الثالث: أن يجعلا اللمس شرطاً في قطع خيار المجلس وغيره، والبيع على التأويلات كلها باطل. ومأخذ الأول عدم شرط رؤية المبيع، واشتراط نفي الخيار، ومأخذ الثاني اشتراط نفي الصيغة في عقد المبيع، فيؤخذ منه بطلان بيع المعاطاة مطلقاً، لكن من أجاز المعاطاة قَيَّدها بالمحقرات أو بما جرت فيه العادة بالمعاطاة، وأما الملامسة والمنابذة عند من يستعملهما، فلا يخصّهما بذلك، فعلى هذا يجتمع بيع المعاطاة مع الملامسة والمنابذة في بعض صور المعاطاة، فلمن يجيز بيع المعاطاة أن يخصَّ النهي في بعض صور الملامسة والمنابذة عما جرت العادة فيه بالمعاطاة، وعلى هذا يحمل قول الرافعي إن الأئمة أجروا في بيع الملامسة والمنابذة الخلاف الذي في المعاطاة، ومأخذ الثالث نفي خيار المجلس، وهذه الأقوال هي التي اقتصر عليها الفقهاء، وتخرج مما ذكرناه من طرق الحديث زيادة على ذلك. وأما المنابذة فاختلفوا فيها أيضاً على ثلاثة أقوال: وهي أوجهٌ للشافعية، أصحها: أن يجعلا نفس النبذ بيعاً كما تقدم في الملامسة، وهو الموافق للتفسير في الحديث المذكور، والثاني: أن يجعلا النبذ بيعاً بغير صيغة، والثالث: أن يجعلا النبذ قاطعاً للخيار، واختلفوا في تفسير النبذ، فقيل: هو ١٠٠