النص المفهرس

صفحات 641-660

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٢) باب
(١٣٤٨) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ صَبَّرَ صُبْرَةَ طَعَامٍ. وَقَدْ عَلِمَ كَيْلَهَا. ثُمَّ بَاعَهَا
جِزَافاً. وَكَتمِ الْمُشْتَرِيَ كَيْلَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ.
أما إذا بيع بعضها ببعض مع اتحاد الجنس، فهذا لا يجوز بداهةً؛ لأن
العوضين مجهولُ القدر، فلا يصحُّ فيهما البيعُ الذي يشترط فيه التساوي.
(قال مالك: ومن صَبَّر) بتشديد الموحدة (صبرةَ طعام) أي جعله صبرة
(وقد علم كيلها) هكذا في جميع النسخ المصرية بتقديم اللام على الميم يعني
كيلها معلوم للمشتري، وفي النسخ الهندية: عمل كيلها بتقديم الميم على اللام
يعني كالها المشتري، والأول أوضح (ثم باعها) المشتري (جزافاً) مع العلم
بالكيل (وكتم المشتري كيلها) أي أخفى المشتري مقدار الصبرة عن البائع (فإن
ذلك) البيع (لا يصلح) لأن من شرط جواز بيع الجزاف عند الإمام مالك أن لا
يعرف مقداره أحد المتبايعين .
قال الموفق(١): من عرف مبلغ شيءٍ لم يبعه صبرةً، نَصَّ عليه أحمد في
مواضع، وكرهه عطاءٌ، وابن سيرين، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، وبه قال مالك
وإسحاق، وروي ذلك عن طاووس، قال مالكٌ: لم يزل أهل العلم ينهون عن
ذلك، وعن أحمد: أن هذا مكروه غير مُحَرَّم، فإن بكر بن محمد روى عن أبيه
أنه سأله عن الرجل يبيع الطعام جُزافاً، وقد عرف كيله، وقلت له: إن مالكاً
يقول: إذا باع الطعام ولم يعلم المشتري، فإن أحبَّ أن يردّه ردّه، قال: هذا
تغليظُ شدیدٌ، ولکن لا يُعْجِبُني إذا عرف کیله إلا أن یخبره، فإن باعه فهو جائز
عليه، وقد أساء، ولم ير أبو حنيفة والشافعي بذلك بأساً؛ لأنه إذا جاز البيع
مع جهلهما بمقداره، فمع العلم من أحدهما أولى.
ووجه الأول، ما روى الأوزاعي أن النبي ◌َّلتر قال: ((من عرف مبلغ شيء
فلا يبعه جزافاً حتى يُبَيِّنَه))(٢)، والنهي يقتضي التحريم، وأيضاً الإجماع الذي
(١) ((المغني)) (٢٠٣/٦).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في ((باب المجازفة)) من كتاب البيوع (١٣١/٨).
٦٤١

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٢) باب
(١٣٤٨) حديث
فَإِنْ أَحبَّ الْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ ذُلِكَ الطَّعَامَ عَلَى الْبَائِعِ، رَدَّهُ بِمَا كَتَمَهُ
كَيْلَهُ، وَغَرَّهُ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا عَلِمَ الْبَائِعُ كَيْلَهُ وَعَدَدَهُ مِنَ الطَّعَامِ
وَغَيْرِهِ، ثُمَّ بَاعَهُ جِزَافاً. وَلَمْ يُعْلِمِ الْمُشْتَرِي ذُلِكَ. فَإِنَّ الْمُشْتَرِي إِنَّ
أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ ذُلِكَ عَلَى الْبَائِعِ رَدَّهُ. وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْ
ذُلِكَ .
نقله مالك، ولأن الظاهر أن البائع لا يعدل إلى البيع جزافاً مع علمه بقدر
الكيل، إلا للتغرير بالمشتري، اهـ. وليس بظاهر، فإن التجار إذا أرادوا بيع
الصبرة كلها لا يقيدونها بالمكيلات حتى يحتاجوا إلى الكيل، وما ورد في
الروايات في بيع الجزاف، كما تقدم عن ابن عمر ليس في واحدة منها أنهم
يسألون عن البائع هل يعلم مقدارها أم لا .
(فإن أحب المشتري أن يرد ذلك الطعام) الذي اشتراه (على البائع) متعلق
بيرد (ردّه بما) أي بسبب ما (كتمه) ضمير الفاعل إلى البائع، وضمير المفعول
إلى المشتري (كيله، وغَرَّه) هكذا في جميع النسخ المصرية، وفي الهندية بدله:
غيره، والظاهر أنه تحريف، والصواب الأول وهو بتشديد الراء أي غَرَّ البائع
المشتري على ما تقدم من كلام الموفق أن الظاهر من الكتمان عندهم التغرير.
(وكذلك كل ما علم) أي كل شيء علم (البائع كيله) ووزنه (وعدده من
الطعام وغيره، ثم باعه جزافاً ولم يُعْلِم) بضم أوله أي لم يخبر (المشتري ذلك)
أي مقداره (فإن المشتري إن أحَبَّ أن يردّ ذلك) المبيع (على البائع ردّه) وإن
أحبَّ إن لم يردّه لم يردّه (ولم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك) أي عن بيع
الجزاف مع العلم بالمقدار.
قال الباجي(١): إن لبيع الجزاف ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون البيع
يتأتى فيه الحرز، وقد ذكرناه، والثاني: أن لا يعلم المتبايعان أن أحدهما ينفرد
(١) ((المنتقى)) (٨/٥).
٦٤٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٢) باب
(١٣٤٨) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا خَيْرَ فِي الْخُبْزِ، قُرْصٍ بِقُرْصَيْنِ.
بمعرفة مقداره، والثالث: أن يكون من الكثرة بحيث يخفى أمره ومبلغه على
التحقيق.
فإن علم ذلك خرج عن الجزاف، وصار معلوماً، فيجب أن يكال أو
يعرف، فإن انفرد أحدهما بمعرفته دون الآخر، وعقد البيع على ذلك، فقد
دخل الغرر، ولا يجوز هذا البيع، فإن انعقد البيع على هذا، فإن ابن حبيب
روى عن مالك أنه قال: یفسخ.
وقال الموفق(١): فإن باع ما علم كيله صبرة، فظاهر كلام أحمد في رواية
محمد بن الحكم أن البيع صحيح لازم، وهو قول مالك والشافعي؛ لأن المبيع
معلوم لهما، ولا تغرير من أحدهما، فأشبه ما لو علما كيله أو جهلاه، ولم
يثبت ما روي من النهي فيه، وإنما كرهه أحمد كراهة تنزيه، لاختلاف العلماء
فيه، ولأن استواءهما في العلم والجهل أبعد من التغرير، وقال القاضي
وأصحابه: هذا بمنزلة الغِشّ والتدليس إن علم به المشتري فلا خيار له؛ لأنه
دخل على بصيرة، فهو كما لو اشترى مُصَرَّةً يعلم تصريتَها، وإن لم يعلم أن
البائع كان عالماً بذلك، فله الخيار في الفسخ والإمضاء، وهذا قول مالك؛ لأنه
غش وغرر من البائع، فصَحَّ العقدُ معه، ويثبت للمشتري الخيار، وذهب قوم من
أصحابنا إلى أن البيع فاسد؛ لأنه منهيٌ عنه، والنهي يقتضي الفساد، اهـ.
(قال مالك: ولا خير) أي لا يجوز (في الخبز) أي في بيعه (قرص) أي
قطعة واحدة منه (بقرصين) منهما، وفي ((المجمع)) (٢): قِرَصَةٌ كعنبة جمع قرص،
الرغيف، والقُرَصُ جمع الجمع. وفي (مختار الصحاح)): القرصة من الخبز،
وجمع القرصة قرص كصبرة وصبر، وقال المجد: القُرْصة الخبزة كالقرص
(١) («المغني)) (٢٠٤/٦).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٥٠/٤).
٦٤٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٢) باب
(١٣٤٨) حدیث
وَلَا عَظِيمٍ بِصَغِيرِ. إِذَا كَانَ بَعْضُ ذُلِكَ أَكْبَرَ مِنْ بَعْضٍ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ
يُتَحَرَّى أَنَّ يَكُونَ مِثْلاً بِمِثْلٍ. فَلَا بَأُسَ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ.
جمعه قِرَصةٌ وأَقْراص وقُرَصٌ (ولا عظيم) أي لا يجوز كبير الخبز (بصغير) أي
بعوض الصغير وأكَّده بقوله: (إذا كان بعض ذلك أكبرَ من بعض) في البسط أو
العمق (فأما إذا كان يتحرَّى) ويغلب على الظن (أن ذلك يكون مثلاً بمثل) بكسر
ميم وسكون مثلثة فيهما (فلا بأس به) أي يجوز (وإن لم يوزن) وصلية مبالغة.
قال الباجي(١): وهذ كما قال: إنه لا خير في قرصٍ بقرصين عدداً، ولا
عظيم بصغير على الجزاف، كأن التساوي معدوم فيهما، وأما التحري فيهما
فيصح إذا تحرّى تساويهما، ووجه ذلك على الظاهر من المذهب أن يتحرَّى ما
في كل واحد منهما من الدقيق، إلا أن ظاهر هذا اللفظ يقتضي تحري الخبز
دون الدقيق؛ لأنه قال: ولا بأس بذلك وإن لم يوزنا، انتهى. وسيأتي الكلام
على مسألة التحري في باب: ((بيع اللحم باللحم)).
وفي ((المحلى)) بعد قول الإمام مالك: وبه قال الشافعي وأحمد لتحقق
العلة وهو الطعم، وهو قول أبي حنيفة؛ لكونه وزنيا عنده، وقال محمد:
يجوز؛ لأنه عدديٌّ، ولذا يجوز عنده استقراضه، اهـ.
وقال الموفق(٢) في بيع فروع الحنطة: إنها نوعان: أحدهما: ما ليس فيه
غيره كالدقيق والسويق، والثاني(٣): ما فيه غيره، وهو أيضاً نوعان: أحدهما:
ما فيه غيره مما هو مقصود كالهريسة والخزبرة، والثاني: ما فيه من غيره غير
مقصود في نفسه، إنما جعل فيه لمصلحته كالخبز والنشاء، فيجوز بيع كل واحد
منها بنوعه، إذا تساويا في النشافة والرطوبة، ويعتبر التساوي في الوزن؛ لأنه
(١) ((المنتقى)) (١٠/٥).
(٢) ((المغني)) (٨١/٦).
(٣) انظر: ((المغني)) (٨٣/٦).
٦٤٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٢) باب
(١٣٤٨) حديث
يُقَدَّرُ به في العادة، ولا يمكن كيله، وقال مالك: إذا تحرَّى أن يكون مثلاً بمثل
فلا بأس به، وإن لم يوزن، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور، وحُكِي عن أبي حنيفة
لا بأس به قرصاً بقرصین.
وقال الشافعي: لا يجوز بيع بعضه ببعض بحالٍ إلا أن ييبس، ويُدَقَّ
ناعماً ويباع بالكيل، فيه قولان؛ لأنه مكيلٌ يجب التساوي فيه، ولا يمكن كيله
فتعذرت المساواة فيه، ولنا على وجوب التساوي أنه مطعومٌ موزونٌ، فحُرِّم
التفاضل فيها، ومتى وجب التساوي، وجبت معرفة حقيقة التساوي، وهذا
بالمعيار الشرعي، كالحنطة بالحنطة، والدقيق بالدقيق، ولنا على الشافعي، أن
معظم نفعه في حال رطوبته، فجاز بيعه كاللَّن باللَّبن، ولا يمتنع أن يكون
موزوناً، أصلُه غيرُ موزون كاللحم والأَدْهان، ولا يجوز بيع الرطب باليابس
لانفراد أحدهما بالنَّقص في ثاني الحال، فأشبه الرطب بالتمر، وقال ابن
عقيل: فيه وجه آخر أنه يباع بالوزن؛ لأنه انتقل إليه، اهـ.
وقال(١) أيضاً في القرض: يجُوزُ قَرْض الخبز، ورَخَّص فيه أبو قِلابة
ومالكٌ، ومنع منه أبو حنيفة، ولنا: أنه موزونٌ، فجاز قرضُه كسائر الموزونات،
وإذا أقرضه بالوزن، ورَدَّ بالوزن جاز، وإن أخذه عدداً فردّه عدداً، ففيه
روايتان؛ إحداهما، لا يجوز؛ لأنه موزونٌ أشبه سائر الموزونات، والثانية:
يجوز، قال ابنُ أبي موسى: إذا كان يتحَرَّى أن يكون مثلاً بمثل فلا يحتاج إلى
الوزن، والوزنُ أحبُّ إليّ.
ووجهُ الجواز ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قلت: يا رسول الله
إن الجيران يستقرِضُون الخبزَ والخمير، ويردُّون زيادةً ونقصاناً؟ فقال: ((لا
بأس، إن ذلك من مرافق الناس، لا يراد به الفضل))، ذكره أبو بكر في
(١) ((المغني)) (٤٣٥/٦).
٦٤٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٢) باب
(١٣٤٨) حديث
((الشافي)) بإسناده، وفيه أيضاً بإسناده عن معاذ بن جبل أنه سُئِل عن استقراض
الخبز والخمير؟ فقال: سبحان الله إنما هذا من مكارم الأخلاق، فخذ الكبير،
وأعط الصغير، وخذ الصغير، وأعط الكبير، ((خيركم أحسنكم قضاءً)) سمعت
رسول الله ◌َلل يقول ذلك(١)، ولأن هذا مما تدعو إليه الحاجة، ويشق اعتبار
الوزن فيه، وتدخله المسامحة، اهـ.
وفي ((الفتاوى الهندية)): قال أبو حنيفة: لا بأس بالخبز قرصٌ بقرصين يداً
بيد، وإن تَفَاوَتَا كبراً، فهذا نصٌّ على أن بيع الخبز يجوز كيفما كان عنده كذا
في ((القنية))، اهـ.
وهذا يخالف ما تقدم عن ((المحلى)) في مذهب أبي حنيفة، والأصل يؤيد
الجواز، وقد صرح به قاضي خان أيضاً إذ قال في ((فتاواه)»: باع الخبز بالخبز
متفاضلاً عدداً أو وزناً، جاز في قول أبي حنيفة، ومحمد يداً بيد، ولا خير في
نسيئة عند أبي حنيفة؛ لأن الخبز بالخبز ليس بوزني ولا عددي، وقال محمد:
هو عدديٌّ، وقال أبو يوسف: هو وزنيٌّ إلا أن يكون قليلاً لا يدخل تحت
الوزن، فيجوز بيع الواحد بالاثنين. وإن كان كثيراً لا يجوز، اهـ.
وفي ((الهداية)): لا خير في استقراض الخبز عدداً أو وزناً عند أبي
حنيفة؛ لأنه يتفاوت بالخبز والخباز والتنور والتقدم والتأخر، وعند محمد يجوز
بهما للتعامل، وعند أبي يوسف يجوز وزناً، ولا يجوز عدداً للتفاوت في
آحاده، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٢): يستقرض الخبز وزناً وعدداً عند محمد، وعليه
الفتوى، ((ابن ملك)) واستحسنه الكمال، واختاره المصنف تيسيراً، قال ابن
(١) أخرجه مسلم (١٦٠٠).
(٢) (٣١١/٥).
٦٤٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٢) باب
(١٣٤٨) حديث
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ مُدُّ زُبْدٍ وَمُدُّ لَبَنِ بِمُدَّي زُبْدٍ .
٠
عابدين: قوله: استحسنه الكمال حيث قال: ومحمد يقول: قد أهدر الجيران
تفاوته، وبينهم يكون اقتراضه غالباً، والقياس يترك بالتعامل، وجعل المتأخرون
الفتوى على قول أبي يوسف، وأنا أرى أن قول محمد أحسن، اهـ.
(قال مالك: لا يصلح) أي لا يجوز (مُدُّ زُيْدٍ) بضم الزاي وسكون
الموحدة نوع من جياد التمر كذا في ((المحلى)) وليس عندي بوجيه، والصواب
أنه زبد اللبن، قال المجد (١): الزبد بالضم، وكَرُمَّان: زُبد اللبن.
وقال الراغب(٢): الزبد زيد الماء قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّدُ فَيَذْهَبُ جُفَأَةٍ﴾
والزبد اشتق منه لمشابهته إياه في اللون، اهـ. ولم أجد في اللغة أن الزبد نوعٌ
من التمر (ومد لبن) بالباء الموحدة في جميع النسخ المصرية، وهو الصواب
عندي، وفي النسخ الهندية بالتحتية بعد اللام، قال صاحب ((المحلى)): بكسر
اللام وسكون التحتية ألوان التمر ما خلا العجوة والبرنية، وياؤه واو قلبت
لكسرة ما قبلها، اهـ.
والظاهر عندي أن الشارح حمل اللفظين على أنواع التمر لمناسبة المشبّه
به في كلام الإمام مالك، والظاهر عندي أن الإمام شَبَّهَ ذلك بمسألة التمر لما
أن مسألة مد عجوة معروفةٌ عند العلماء، فَشبّه ذلك بها لشهرتها (بمدي زبد)
تثنية المد.
قال الباجي(٣): وهذا كما قال: إن اللبن والزبد مما يحرم فيه التفاضل؛
لأن كل واحد منهما مقتاتٌ، ولأن السمنَ يُدَّخر، وهو منها، فلا يجوز لذلك
بيع مُدَّيْ زبد بمُدِّ زبدٍ ومُدّ لبن؛ لأنه لا يعلم تساوي مدي الزبد، مع ما في
(١) ((القاموس المحيط)) (٣٦٣/١).
(٢) ((مفردات القرآن)) (ص ٣٧٧).
(٣) ((المنتقى)) (١١/٥).
٦٤٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٢) باب
(١٣٤٨) حديث
اللبن من الزبد، والزبد الذي معه، والجهل بالتساوي فيما يجري فيه الربا يمنع
صحة العقد، فكيف وقد تبين فضل مدي الزبد على ما في اللبن من الزبد، وما
معه من الزبد، ويحرم أيضاً من وجه آخر، وهو أن ما يجري فيه الربا لا يجوز
بيعه بأصله الذي فيه منه، فلا يجوز بيع الزبد باللبن، اهـ.
وفي ((الشرح الكبير))(١) لابن قدامة: لا يجوز بيع اللبن بالزبد ولا بالسمن
ولا بشيء من فروعه كاللِّبَأٍ(٢) والمخيض، وسواء كان فيه من غيره أو لا؛ لأنه
مستخرج من اللبن، فلم يجز بيعه بأصله الذي فيه منه، كالسمسم بالشيرج،
وهذا مذهب الشافعي، وعن أحمد أنه يجوز بيع اللبن بالزبد إذا كان الزبد
المنفرد أكثر من الزبد الذي في اللبن، وهذا يقتضي جواز بيعه به متفاضلاً ومنع
جوازه متماثلاً .
وقال القاضي: هذه الرواية لا تخرج على المذهب؛ لأن الشيئين إذا
دخلهما الربا لم يجز بيع أحدهما بالآخر، ومعه من غير جنسه كَمُدّ عجوةٍ،
والصحيح أن هذه الرواية دالةٌ على جواز البيع في مسألة مُدِّ عجوة، وكونها
مخالفة لروايات أخر لا يمنع كونها رواية كسائر الروايات، اهـ.
وفي ((الهداية))(٣): لا يجوز بيع الزيتون بالزيت والسمسم بالشيرج، حتى
يكون الزيت والشيرج أكثر مما في الزيتون والسمسم، فيكون الدهن بمثله،
والزيادة بالثجير؛ لأن عند ذلك يعرى عن الربا، وهذا؛ لأن ما فيه لو كان أكثر
أو مساوياً له، فالثجير وبعض الدهن أو الثجير وحده فضل، ولو لم يعلم مقدار
ما فيه لا يجوز لاحتمال الربا، والشبهة فيه كالحقيقة، والجوز بدهنه، واللبن
بسمنه، والعنب بعصيره، والتمر بدبسه على هذا الاعتبار، اهـ.
(١) (٤/ ١٤٧).
(٢) اللِّبأ: كضِلَع، أول اللبن.
(٣) (١٩٧/٥) طبع باكستان.
٦٤٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٢) باب
(١٣٤٨) حديث
وَهُوَ مِثْلُ الَّذِي وَصَفْنَا مِنَ الثَّمْرِ الَّذي يُبَاعُ صَاعَيْنٍ مِنْ كَبِيسٍ،
وَصَاعَاً مِنْ حَشَفٍ، بِثَلَاثَةِ أَصْوُع مِنْ عَجْوَةٍ، حِينَ قَالَ لِصَاحِبِهِ: إِنَّ
صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ بِثَلَاثَةِ أَصْوُعَّ مِنَ الْعَجْوَةِ لَا يَصْلُحُ. فَفَعَلَ ذُلِكَ
لِيُجِيزَ بَيْعَهُ. وَإِنَّمَا جَعَلَ صَاحِبُّ اللَّبَنِ اللَّبَنَ مَعَ زُبْدِهِ. لِيَأْخُذَ فَضْلَ
زُبْدِهِ عَلَى زُبْدِ صَاحِبِهِ. حِينَ أَدْخَلَ مَعَهُ اللَّبَنَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالدَّقِيقُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلاً بِمِثْلٍ. لَا بَأْسَ بِهِ، وَذُلِكَ
لِأَنَّهُ أَخْلَصَ الدَّقِيقَ
(وهو) أي بيع الزبد باللبن (مثل الذي وصفنا) أي ذكرنا مفصلاً في باب
المراطلة (من) مسألة (التمر الذي يباع صاعين من كبيس) كرئيس (وصاعاً من
حَشَف) محركة (بثلاثة أصوع) جمع صاع (من عجوة حين قال) أحدهما
(لصاحبه: إن صاعين من كبيس بثلاثة أصوع من العجوة لا يصلح) أي لا يجوز
للربا، وقد أرادا ذلك البيع كما تقدم في المراطلة (ففعل ذلك) يعني إضافة
صاع من حشف مع الكبيس (ليجيز بيعه) المقصود لهما، وهو بيع صاعين من
كبيس بثلاثة من العجوة، فأضاف صاع الحشفة حيلةً للجواز، فلا ينفعه هذا
الفعل.
(وإنما جعل صاحبُ اللبن) فاعل جعل بالموحدة في المصرية، والتحتية
في الهندية كما سبق، وهكذا فيما سيأتي من الموضعين (اللبنَ) مفعول جعل
(مع زبده) إذا جعل مُدَّ اللبن ومُدَّ الزبد (ليأخذ فضل زبده) أي زيادته (على زبد
صاحبه) الذي له مُدَّا زبدٍ (حين أدخل معه) أي مع زبده (اللبن) مفعول أدخل،
وتقدم اختلاف العلماء في مسألة مد عجوة في آخر باب الصرف.
(قال مالك: والدقيق بالحنطة) أي بيع أحدهما بالآخر (مثلاً بمثل) يعني
متساوياً (لا بأس به) فإنه جائز (وذلك) أي سبب الجواز (أنه) أي صاحب
الدقيق (أخلص الدقيق) أي لم يجعل معه غيره وهو عين الحنطة، فرقت
أجزاؤها، وفي بعض النسخ، وذلك إذا أخلص الدقيق، ومعناه أن الجواز مقيد
٦٤٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٢) باب
(١٣٤٨) حديث
فَبَاعَهُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلاً بِمِثْلٍ .
بالحالة التي لم يكن فيها مع الدقيق شيء آخر (فباعه) أي الدقيق (بالحنطة مثلاً
بمثل) فهو جائز.
قال صاحب ((المحلى)): لأن الدقيق نفس الحنطة، فُرِّقَتْ أجزاؤها، فأشبه
بيع حنطة صغيرة جداً بكبيرة جداً، وبه قال أحمد في أظهر قوليه، وقال أبو
حنيفة(١): لا يجوز بيع الحنطة بالدقيق، ولو متساوياً؛ لأن الاعتبار فيه للكيل،
وهو غير مستوٍ بينهما لاكتناز الدقيق، وتخلخل البر، وهو قول الشافعي،
وروایة لأحمد، اهـ.
وقال ابن رشد(٢): بيع الدقيق بالحنطة مثلاً بمثل، الأشهر عن مالك
جوازه، وهو قول مالك في ((الموطأ))، وروي عنه أنه لا يجوز، وهو قال
الشافعي، وأبي حنيفة، وابن الماجشون من أصحاب مالك، وقال بعض
أصحاب مالك: ليس هو اختلافاً من قوله، وإنما رواية المنع إذا كان اعتبار
المثلية بالكيل؛ لأن الطعام إذا صار دقيقاً اختلف كيله، ورواية الجواز إذا كان
الاعتبار بالوزن، اهـ.
وقال الموفق(٣): لا يجوز بيع الحنطة بشيءٍ من فروعها، وهو ثلاثة
أقسام: أحدها: السويق فلا يجوز بيعه بالحنطة، وبهذا قال الشافعي، وحُكِي
عن مالك وأبي ثور جوازُ ذلك متماثلاً ومتفاضلاً، ولنا؛ أنه بيع الحنطة ببعض
أجزائها متفاضلاً، فلم يجز كبيع مَكُوكِ(٤) حنطةٍ بمكوكي دقيق، ولا سبيل إلى
التماثل؛ لأن النار قد أخذت من أحدهما دون الآخر، فأشبهت المقلية.
(١) في ((الاستذكار)) (٢٠/ ٥٠) قال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: لا يجوز بيع الدقيق
بالحنطة، لا متماثلاً ولا متفاضلاً.
(٢) ((بداية المجتهد)) (١٣٧/٢).
(٣) ((المغني)) (٨١/٦).
(٤) المكُّوك: مكيال قديم يختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد.
٦٥٠

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٢) باب
(١٣٤٨) حديث
وَلَوْ جَعَلَ نِصْفَ الْمُدِّ مِنْ دَقِيقٍ، وَنِصْفَهُ مِنْ حِنْطَةٍ، فَبَاعَ ذَلِكَ بِمُدِّ
مِنْ حِنْطَةٍ، كَانَ ذُلِكَ مِثْلَ الَّذِي وَصَفْنَا. لَا يَصْلُحُ. لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرادَ
أَنْ يَأْخُذَ فَضْلَ حِنْطَتِهِ الْجَيِّدَةِ، حَتَّى جَعَلَ مَعَهَا الدَّقِيقَ. فَهُذَا لَا
يَصْلُحُ.
والقسم الثاني: ما معه غيره، فلا يجوز بيعها به أيضاً، وقال أصحاب أبي
حنيفة: يجوز ذلك بناء على مسألة مدِّ عجوةٍ.
القسم الثالث: الدقيق، فلا يجوز بيعها به في التصحيح، وهو مذهب ابن
المسيّب والحسن والحكم وحماد والثوري وأبي حنيفة ومكحول، وهو المشهور
عن الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى أنه جائز، وبهذا قال ربيعة ومالك،
وحكي ذلك عن النخعي وقتادة وابن شُبرمة وإسحاق وأبي ثور؛ لأن الدقيق
نفس الحنطة، وإنما تكسرت أجزاؤها، فجاز بيع بعضها ببعض، كالحنطة
المكسرة بالصحاح، فعلى هذا إنما تباع الحنطة بالدقيق وزناً؛ لأنها قد تفرقت
أجزاؤها بالطحن، وانتشرت، فتأخذ من المكيال مكاناً كبيراً، والحنطة تأخذ
مكاناً صغيراً، والوزن يسوي بينهما، وبهذا قال إسحاق.
ولنا؛ أن بيع الحنطة بالدقيق بيعٌ للحنطة بجنسها متفاضلاً، فحرم كبيع
مكيلة بمكيلتين؛ لأن الطحن قد فَرَّقَ أجزاءها، فيحصل في مكيالها دون ما
يحصل في مكيال الحنطة، وإن لم يتحقق التفاضل فقد جهل التماثل، والجهل
بالتماثل كالعلم بالتفاضل فيما يشترط التماثل فيه، ولذلك لم يجز بيعُ بعضها
ببعض جُزافاً، اهـ.
(ولو جعل) البائع (نصف المُدِّ من دقيق) مفعول (ونصفه) أي نصف الْمُدِّ
(من حنطة فباع ذلك) الْمُدَّمن اثنين (بمُدِّ من حنطة، كان ذلك) البيع (مثل الذي
وصفنا) أي ذكرنا قريباً من مُدِّ زبدٍ ولبنٍ بمُدَّي لبنٍ (لا يصلح) أي لا يجوز،
(لأنه) أي البائع (إنما أراد أن يأخذ فضل حنطته الجيدة حين جعل معها الدقيق)
كما فعل صاحب اللبن اللبن مع زبدة (فهذا لا يصلح) أي لا يجوز بناء على مدِّ
عجوةٍ، وبناءً على بيع مُدِّ زبدٍ ولبن بمُدَّيْ لبنٍ.
٦٥١

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٣) باب
(١٣٤٩) حديث
(٢٣) باب جامع بيع الطعام
٥٥/١٣٤٩ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ؛ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ
أَبْتَاعُ الطَّعَامَ. يَكُونُ مِنَ الصُّكُوكِ بِالْجَارِ. فَرْبَّمَا ابْتَعْتُ مِنْهُ بِدِينَارٍ
وَنِصْفِ دِرْهَم. فَأَعْطَى بِالنِّصْفِ طَعَاماً. فَقَالَ سَعِيدٌ: لَا. وَلَكِنْ أَعْطِ
أَنْتَ دِرْهَماً. وَخُذْ بَقِيَتَهُ طَعَاماً.
(٢٣) جامع بيع الطعام
أي المسائل المختلفة في بيع الطعام.
٥٥/١٣٤٩ - (مالك عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم) الخزاعي (أنه سأل
سعيد بن المسيّب فقال: إني رجل أبتاع الطعام) أي أشتريه (يكون) الطعام المذكور
(من الصكوك) جمع صك (بالجار) بالجيم موضع معروفٌ بساحل البحر، وتقدم
توضيح صكوك الجار قريباً في ((باب العينة))، وقال الزرقاني: قوله: يكون من
الصكوك بالجار ساقط للأكثر وابن القاسم والقعنبي، قاله أبو عمر (١)، اهـ.
قلت: وهو موجود في جميع النسخ الهندية والمصرية (فربما ابتعتُ منه)
أي من البائع وهو صاحب الصك (بدينار ونصف درهم) طعاماً يخرج من
الصكوك بالجار (أفأعطي(٢) بالنصف) أي بعوض نصف درهم، (طعاماً فقال
سعيد: لا) تفعل كذا (ولكن أعطِ أنت درهماً) كاملاً (وخُذْ بقيته) أي بقيةً
الدرهم نصب بحذف الجار أي خذ ببقيته وهو النصف الباقي من الدرهم
(طعاماً) مفعول خذ.
ولفظ محمد في ((موطئه))(٣): مالك عن رجل أنه سأل سعيد بن المسيب
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٩٦/٣).
(٢) كذا في نسخة الشارح ((أفأعطي)).
(٣) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٩٨/٣).
٦٥٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٣) باب
(١٣٤٩) حديث
عن رجل اشترى طعاماً من الجار بدينار ونصف درهم أيعطيه ديناراً ونصف
درهم طعاماً؟ قال: لا، ولكن يعطيه ديناراً ودرهما، ويَرُدُّ عليه البائع نصف
درهم طعاماً، قال محمد: هذا الوجه أحبُّ إلينا، والوجه الآخر يجوز أيضاً إذا
لم يعطه من الطعام الذي اشترى أقل مما يصيب نصف الدرهم منه في البيع
الأول، فإن أعطاه منه أقل مما يصيب نصف الدرهم منه في البيع الأول لم
يجز، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، اهـ.
قال الباجي(١): قوله: ابتاع طعاماً يكون في الصكوك بالجار يريد من
الصكوك التي تخرج بالأعطية لأهلها على وجه الهبة والعطية المحضة دون وجهٍ
من المعاوضة، فمنهم من يحتاج فيبيعها، فكان هذا يبتاعها ويتّجر فيها، فربما
ابتاع الجملة منها بدينار ونصف درهم، إما لأنه اشترط على سعرٍ ما، فأدّى
الحساب في الجملة إلى دينار ونصف درهم.
وإما لأن العقد وقع بهذا العدد حين لم يجب البائع إلى البيع بدينار، ولا
رضيه المبتاع بدينار ودرهم، فاتفقا على دينار ونصف درهم، وكانت الدراهم
في ذلك الوقت صحاحاً، فكان من استحق على آخر نصف درهم أخذ به
عرضاً لعدم الإنصاف، فأراد ابن أبي مريم أن يدفع طعاماً بنصف الدرهم،
فنهاه عن ذلك ابن المسيب.
وذلك يكون على وجهين: أحدهما: أن يدفع إليه من ذلك الطعام بعينه،
والثاني: أن يدفع إليه من غيره، وعلى الأول، فلا يخلو أن يقاضيه به قبل
قبضه أو يعطيه بعد استيفائه، فإن أعطاه قبل الاستيفاء، فقد حكى أبو محمد
عبد الحق عن بعض القرويين: لا يجوز ذلك؛ لأنه بيع الطعام قبل استيفائه إلا
أن يعرفا الصرف، ويتقايلا بمقدار النصف درهم، فذلك جائز.
(١) ((المنتقى)) (١٢/٥).
٦٥٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٣) باب
(١٣٤٩) حديث
وإن أعطاه بعد القبض ومغيب المبتاع عليه، وقال: إنه منه، فلا يجوز له
أن يعطيه طعاماً منه، ولا من غيره من جنسه، ولا من غير جنسه، ولفظ
((المدونة)) يمنع من هذا التعليل الذي رواه أبو محمد أن مالكاً قال في
((المدونة)) بأثر قول ابن المسيب: وإنما كره له سعيد أن يعطي ديناراً ونصف
درهم؛ لأن النصف درهم إنما هو طعام، فكره له أن يعطي ديناراً أو طعاماً
بالطعام.
قال مالك: ولو كان النصف درهم ورقاً أو غير الطعام، فما كان بذلك
بأس، فإنما كرهه مالك من وجه التفاضل بين الطعامين من جنس واحد، ولم
يذكر بيع الطعام قبل استيفائه. وفي ((كتاب ابن مزيّن)): إنما كرهه؛ لأنه إذا
أعطاه من تلك الحنطة قبل قبضها. فهو بيع الطعام قبل الاستيفاء، وإن أعطاه
حنطة من غير تلك الحنطة لم يجز؛ لأنه دينار وحنطة بفضة.
قال أبو محمد وابن القاسم: يجيز الإقالة في الطعام قبل أن يفترقا.
ولكن أرى العلة في النهي عن ذلك أن لما أقاله من هذا الطعام حصة من
الذهب والفضة، فأعطاه لما قايل من الذهب فضة قبل قبض الطعام. وأيضاً
فإن ثمن ما يقيله منه لا يعرف إلا بالقيمة.
وأما إذا استوفاه ثم رد عليه منه إلا (١) بقدر نصف الدرهم. فقد قال أبو
محمد وأبو الحسن: إنه لا يجوز ذلك، ولا يصحّ فيه الإقالة؛ لأن الطعام الذي
ردّ له حصة من الدينار، ومن النصف درهم، فلذا لا يجوز أن يقيله منه بفضة.
قال القاضي أبو الوليد: ووجه ذلك عندي في ذلك بيع الطعام بالطعام. ومع
أحدهما ذهب، وذلك غير جائز، اهـ.
قلت: لما أنه صار بمنزلة مُدِّ عجوة. وسكت صاحب ((المحلى)) عن
الكلام على أثر الباب.
(١) كذا في الأصل والظاهر عندي أن لفظ ((إلَّا)) سهو من الناسخ. اهــ ز.
٦٥٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٣) باب
(١٣٥٠) حدیث
٥٦/١٣٥٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ
سِيرِينَ كَانَ يَقُولُ: لَا تَبِيعُوا الْحَبَّ فِي سُنْلِهِ حَتَّى يَبْيَضَّ.
قَالَ مَالِكٌ: مَنِ اشْتَرَى طَعَاماً بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى.
فَلَمَّا حَلَّ الأَجَلُ، قَال الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ
٥٦/١٣٥٠ - (مالك أنه بلغه أن محمد بن سيرين كان يقول: لا تبيعوا
الحَبَّ في سُنبله) السنبلة جمعها سنابل، هي ما على الزرع قال تعالى: ﴿سَبْعَ
سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتْبَةٍ مِّئَةُ حَّةٍ﴾ (حتى يبيضّ) أي يشتدّ حبه. وفي ((الصحيح)) عن
ابن عمر - رضي الله عنه - أنه وَّر ((نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل
حتى يبيضّ ويأمن العاهة نهى البائع والمشتري)). قال صاحب ((المحلّى)): وبه
قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، والشافعي في القديم: إنه يجوز بيع البر في
سنبله بعد الاشتداد، وقال الشافعي في الجديد: لا يصح؛ لأنه غرر، فإنه لا
یدری، اهـ.
قال الموفق(١): إذا اشتدّ حَبُّ الزرع جاز بيعه مطلقاً، وبشرط التبقية،
لقوله وَليل في الحديث: ((حتى يبيض)) فجعل ذلك غاية المنع من بيعه، فيدل
على الجواز بعده، وفي رواية ((نهى النبي ◌َّر عن بيع العنب حتى يسودّ، وعن
بيع الحب حتى يشتدّ))(٢)، ولأنه إذا اشتَدَّ حَبُّه بدا صلاحه، فصار كالثمرة إذا
بدا صلاحها ، اهـ.
وقال عياض: فَرَّقَ وَسير، فأجاز بيع الثمار بأول الطيب، ولم يجزه في
الزرع حتى يتم طيبه؛ لأن الثمار تؤكل غالباً من أول الطيب، والزرع لا يؤكل
غالباً إلا بعد الطيب.
(قال مالك: من اشترى طعاماً بسعر معلوم) متعين (إلى أجل مسمى) مثلاً
إلى شهر (فلما حلّ الأجل) وتَمّ الشهر (قال الذي عليه الطعام) أي وجب عليه
(١) ((المغني)) (١٥١/٦).
(٢) أخرجه أبو داود في ((السنن)) (٢٢٧/٢).
٦٥٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٣) باب
(١٣٥٠) حديث
لِصَاحِبِهِ: لَيْسَ عِنْدِي طَعَامٌ. فَبِعْنِي الطَّعَامَ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ إِلَى أَجَلِ.
فَيَقُولُ صَاحِبُ الطَّعَامِ: هَذَا لَا يَصْلُحُ. لِأَنَّهُ قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ
عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّىَ يُسْتَوْفَى. فَيَقُولُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِغَرِيمِهِ:
فَبِعْنِي طَعَاماً إِلَى أَجَلِ حَتَّى أَقْضِيَكَهُ. فَهُذَا لَا يَصْلُحُ. لِأَنَّهُ إِنَّمَا
يُعْطِيِ طَعَاماً ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ. فَيَصِيرُ الذَّهَبُ الَّذِي أَعْطَاهُ ثَمَّنَ الَّذِي كَانَ
لَهُ عَلَيْهِ .
أداء الطعام وهو البائع (لصاحبه) أي المشتري، وتوضيح مثاله اشترى زيد من
عمرو طعاماً إلى شهر، فلما حان وقت الأداء قال عمرو لزيد (ليس عندي
طعام) أوديه إليك (فبعني الطعام الذي) يجب (لك علي) أي يجب علي أداؤه
إليك (إلى أجل) أي أؤدي ثمنه بعد شهر مثلاً (فيقول صاحب الطعام) وهو زيد
المشتري الأول (هذا) البيع الثاني (لا يصلح) أي لا يجوز (لأنه قد نهى
رسول الله وَّل عن بيع الطعام حتى يستوفى) أي حتى يقبض هذا الطعام الذي
اشتراه (فيقول) في حيلته (الذي عليه الطعام) وهو البائع الأول عمرو (لغريمه)
أي للمشتري الأول زيد (فِعْني) بصيغة الأمر (طعاماً) آخر من عندك (إلى أجل)
أي أؤدي ثمنه بعد شهر مثلاً (حتى أقضيكه) يعني يقول عمرو لزيد في مثالنا
المذكور: بعْ أنتَ بيدي طعاماً آخر أقضي به سلفك الذي يجب عليّ.
قال مالك: (فهذا) العقد أيضاً (لا يصلح) أي لا يجوز (لأنه) دليل لعدم
الجواز (إنما يعطيه طعاماً) أي يعطي زيد عمراً طعاماً (ثم يرده إليه) أي يرد
عمرو هذا الطعام إلى زيد في أداء دين زيد كان على عمرو (فيصير) أي يؤول
الأمر إلى أن (الذهب الذي أعطاه) أي أعطى عمرو لزيد في ثمن هذا الطعام
الآخر وهذا الكلام اسم يصير، وخبره قوله: (ثمن الطعام الذي كان له) أي
لزيد (عليه) أي على عمرو، يعني يؤول الأمر إلى أن الثمن الذي أعطى عمرو
في هذا البيع الثاني، هو حقيقة ثمن الطعام الذي كان واجباً على عمرو في
البيع السابق.
٦٥٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٣) باب
(١٣٥٠) حديث
وَيَصِيرُ الطَّعَامُ الَّذِي أَعْطَاهُ مُحَلِّلاً فِيمَا بَيْنَهُمَا. وَيَكُونُ ذُلِكَ، إِذَا
فَعَلَاهُ، بَيْعَ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى.
(ويصير الطعام الذي باعه) في النسخ المصرية بدله: «الذي أعطاه)) أي
أعطى زيد عمراً في البيع الثاني، ثم استرجع منه في دينه (مُحَلِّلاً) أي حيلة
للجواز (فيما بينهما) من البيع السابق (ويكون ذلك) العقد بالطريق المذكور (إذا
فعلاه) ظرف لقوله: يكون وخبره قوله: (بيع الطعام قبل أن يستوفى) يعني لم
يخرج بهذه الحيلة عن النهي عن بيع الطعام قبل الاستيفاء؛ لأنه آل الأمر إلى
أن زيداً باع طعامه الواجب على عمرو قبل الاستيفاء؛ لأن هذا الطعام الذي
باعه زيد استرجع عن عمرو في دينه، فصار هذا الطعام كالعدم، كأنه لم يذهب
ولم يجئ، فبقي الأمر أن زيداً أخذ الثمن عن عمرو بعوض طعامه الذي كان
واجباً على عمرو.
وقال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من كان له عليه طعامٌ من سلم،
فلما حلَّ الأجل قال: أشتري منك طعاماً أقضيك منه سلمك، فإنه لا يجوز أن
يبيعه منه إلى أجل بمثل رأس مال السلم ولا أقل منه ولا أكثر؛ لأنه يدخله
فسخ دين في دين؛ لأنه كان له عليه طعام يريد فسخه في عين إلى أجل، وإن
باع منه لم يجز بأكثر من الثمن الأول ولا أقل منه؛ لأنه يدخله بيع الطعام قبل
استيفائه.
ولا بأس به بمثل رأس مال السلم؛ لأنه يؤول إلى الإقالة، وذلك جائز
في طعام السلم، وإن كان الطعام المؤجل من قرض لم يجز أن يبتاع منه طعاماً
ليقضيه بثمن مؤجل؛ لأنه يؤول إلى فسخ دين في دين، ويجوز أن يبتاعه منه
بنقد؛ لأنه يؤول إلى بيع طعام القرض قبل استيفائه، وذلك جائز، اهـ.
قلت: والنهي المذكور في كلام الإمام مالك مبني عندي على عدم جواز
(١) ((المنتقى)) (١٣/٥).
٦٥٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٣) باب
(١٣٥٠) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلِ طَعَامُ ابْتَاعَهُ مِنْهُ. وَلِغَرِيمِهِ
عَلَى رَجُلِ طَعَامٌ مِثْلُ ذُلِكَ الطَّعَامِ. فَقَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ لِغَرِيمِهِ.
أُحِيلُكَ عَلَى غَرِيمِ، لِي عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّعَامِ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ، بِطَعَامِكَ
الَّذِي لَكَ عَلَيَّ.
قَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ إِنَّمَا هُوَ طَعَامُ ابْتَاعَهُ.
فَأَرَادَ
الحيلة عنده، وتقدم اختلاف العلماء في ذلك في قصة عامل خيبر من بيع
الجنيب من التمر بالرديء، وسكت صاحب ((المحلى)) من هذه الفروع إلى باب
الحكرة .
وقال الموفق(١): إن قال رجل لغريمه: بِعْني هذا على أن أقضيك دينك
منه، ففعل فالشرط باطل؛ لأنه شرط أن لا يتصرف فيه لغير القضاء، هل يبطل
البيع؟ ينبني على الشروط الفاسدة في البيع على الروايتين، اهـ.
(قال مالك في رجل) أي في زيد مثلاً (له) أي لزيد (على رجل) آخر وهو
عمرو مثلاً (طعام) موصوف وصفته (ابتاعه منه) أي ابتاع زيد من عمرو طعاماً
مؤجلاً، وسياق النسخ الهندية في رجل له طعام على رجل ابتاعه منه (ولغريمه)
وهو عمرو في مثالنا (على رجل آخر) ثالث وهو بكر مثلاً (طعام) آخر (مثل
ذلك الطعام) الذي لزيد على عمرو (فيقول الذي عليه الطعام) وهو عمرو
(لغريمه) وهو زيدٌ (أحيلك على غريم) يعني على بكرٍ (لي عليه) أي على بكر
(مثل الطعام الذي لك عليّ) واجب (بطعامك) متعلق بأحيلك موصوف (الذي
لك عليّ) صفته.
(قال مالك) في جواب المسألة المذكورة: (إن كان الذي عليه الطعام) وهو
عمرو (إنما هو) أي طعامه الذي على بكر (طعام ابتاعه) عن بكر (فأراد) عمرو
(١) «المغني)) (١٩٨/٦).
٦٥٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٣) باب
(١٣٥٠) حدیث
أَنْ يُحِيلَ غَرِيمَهُ بِطَعَامِ ابْتَاعَهُ. فَإِنَّ ذُلِكَ لَا يَصْلُحُ. وَذُلِكَ بَيْعُ الطَّعَامِ
قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ سَلَفاً حَالًّا. فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحِيلَ بِهِ
غَرِيمَهُ. لِأَنَّ ذُلِكَ لَيْسَ بِيْعٍ.
(أن يُحيل غريمه) الذي هو زيد (بطعام) متعلق يحيل (ابتاعه) أي ابتاع عمرو
ذلك الطعام عن بكر (فإن ذلك) العقد والحوالة (لا يصلح) أي لا يجوز.
(وذلك) أي وجه عدم الجواز أن هذا (بيع الطعام قبل أن يستوفى) لأن
عمراً يبيع طعامه الذي على بكر بيد زيد قبل استيفاء الطعام عن بكر (فإن كان
الطعام) الذي لعمرو على بكر (سلفاً) قرضاً (حالاً) معجلاً حان أداؤه (فلا بأس)
أي يجوز (أن يُحيل به) أي بهذا الطعام (غريمه) الذي هو زيد (لأن ذلك)
الطعام الذي على بكر (ليس ببيع) بل قرض عليه.
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من كان له على رجل طعامٌ من
ابتياع، وللرجل على آخر مثل طعامه من بيع، لم يجز أن يُحيله به؛ لأن
البيعتين متواليتان في طعام واحد دون استيفاء، وليست الحوالة بفاصل بين
البيعين، بل تؤكد معنا هما، وتجمعهما في عين واحدة من الطعام، وذلك غير
جائز.
ولو كان أحدُ الطعامين من قرض لجاز ذلك، يجوز أن تحيل من له قبلك
طعام من قرض على من لك عليه طعام من بيع، وتحيل من له طعام من بيع
على من له عليه طعام من قرض، ولا يجوز لأحد هذين المحالين أن يبيع ما
أحيل به قبل أن يستوفيه؛ لأن هذا البيع يتصل بالبيع الأول من المحال أو
المحال عليه قبل أن يستوفي الطعام، وذلك غير جائز، انتهى.
وقال الموفق(٢): إذا كان لرجل في ذِمَّةِ آخَرَ طعام من قرضٍ، لم يَجُزْ أن
(١) ((المنتقى)) (١٤/٥).
(٢) ((المغني)) (١٩٨/٦).
٦٥٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٢٣) باب
(١٣٥٠) حديث
وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى. لِنَهْي رَسُولِ اللَّهِ وَ عَنْ
ذُلِكَ، غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ اَلْعِلْم قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشِّرْكِ
وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ، فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْم
يبيعه من غيره قبل قبضه؛ لأنه غير قادر على تسليمه، ويجوز بيعُه ممن هو في
ذمته في الصحيح من المذهب، وهذا مذهب الشافعي، وروي أنه لا يصحّ كما
لا يصحّ في السلم، والأول أولى، انتهى. وسيأتي اختلاف العلماء في مسألة
الحوالة في القول الآتي.
(قال مالك) هكذا في النسخ الهندية ذكرههنا لفظ ((قال مالك)) فجعل
الكلام الآتي مستأنفاً، وليس في النسخ المصرية من المتون، والشروح، ههنا
لفظ قال مالك، بل جعل الكلام الآتي داخلاً في القول السابق، فيكون قوله:
ولا يحل بيع الطعام إلى قوله: غير أن بمنزلة التعليل للكلام السابق، وأما على
النسخ الهندية فيكون هذا بيان ضابطة بمنزلة التمهيد للاستثناء الآتي (ولا يحلَّ
بيعُ الطعام قبل أن يستوفى) إجماعاً كما سبق مبسوطاً بمواضع من أول البيوع
(لنهي رسول الله وَّر عن ذلك) أي عن بيع الطعام قبل أن يستوفى كما مر مسنداً
في بابه على النسخ الهندية، وفي باب ((العينة)) على النسخ المصرية (غير أن
أهل العلم قد اجتمعوا) أي اتفقوا، وفي حكاية الإجماع إشكال كما سيأتي
(على أنه لا بأس بالشرك) أي بالتشريك لغيره في بعض ما اشتراه (والتولية) لما
اشتراه بما اشتراه، بأن اشترى رجل شيئاً بثمن، فقال الآخر: وَلِِّي ما اشتريته
بالثمن، فقال: وَلَّيتُك فهذه تولية (والإقالة) بأن يقيل البيع (في الطعام) مع عدم
جواز بيع الطعام قبل القبض (وغيره) أي غير الطعام بالأولى؛ لأنه لما جازت
هذه الأمور في الطعام مع اتفاقهم على أنه لا يجوز بيع الطعام قبل القبض،
فجوازها في غير الطعام بالأولى؛ لأن اشتراط القبض في غير الطعام مختلف
فيه، كما تقدم في أول البيوع.
(قال مالك: وذلك) أي وجه جواز هذه الأمور المذكورة (أن أهل العلم
٦٦٠