النص المفهرس
صفحات 581-600
٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٣٦) حديث ٤٢/١٣٣٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلَا يَبِعْهُ على أن من اشترى طعاماً فليس له أن يبيعه، حتى يستوفيه، وقال النووي: أما مذهب عثمان البِّي، حكاه المازري والقاضي، ولم يحكِه الأكثرون، بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام قبل القبض، قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه، فهو شاذِّ متروٌ، انتهى. وقال ابن رشد (١): أما بيع الطعام قبل قبضه، فإن العلماء مجمعون على منع ذلك، إلا ما يُحكى عن عثمان البّي، وإنما أجمع العلماء على ذلك، لثبوت النهي عنه عن رسول الله ێے، انتهى. وهكذا حكى على ذلك الإجماع غيرُ واحد من نقلة المذاهب، إلا أن الإمام مالكاً فَرَّقَ بين ما اشترى من الطعام مكايلةً ومجازفةً، قال الحافظ في ((الفتح))(٢): فرق مالك في المشهور عنه بين الجزاف والمكيل، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، انتهى. وقال ابن رشد: أما اشتراط القبض فيما بيع من الطعام جزافاً، فإن مالكاً رخّص فيه وأجازه، ولم يجز ذلك أبو حنيفة والشافعي، وحجتهما عموم الحديث المتضمن للنهي عن بيع الطعام قبل قبضه، انتهى، وحكى الموفق رواية لأحمد توافق مالكاً في الجزاف، وسيأتي شيء من المذاهب في اشتراط القبض قريباً . ٤٢/١٣٣٦ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أن رسول الله وَ﴿ قال: من ابتاع) أي اشترى (طعاماً فلا يبعه) مجزومٌ بلا الناهية، (١) ((بداية المجتهد)) (١٤٤/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٣٥١/٤). ٥٨١ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٣٦) حديث حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ)). أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٥١ - باب الكيل على البائع والمعطى. ومسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ٨ - باب بطلان بيع المبيع قبل القبض، حدیث ٣٢. وفي رواية: فلا يبيعه، بالرفع على أنها نافية (حتى يستوفيه) أي يقبضه، قال الزرقاني(١): وألحق مالكاً بالابتياع سائر عقود المعاوضة، كأخذه مهراً أو صلحاً، فلا يجوز بيعه قبل قبضه، فلو ملك بلا معاوضة كهبة وصدقة وسلف، جاز قبل قبضه، وألحق بالبيع دفعه عوضاً، كدفعه مهراً أو خلعاً أو هبةَ ثوابٍ أو إجارةً أو صلحاً عن دم، فيمنع ذلك قبل قبضه، وأما دفعه قرضاً أو قضاء عن قرض فيجوز، وعموم قوله: طعاماً، يشمل الربوي وغيره، وهو المشهور. وفي أن المنع مُعَلَّلٌ بالعينة أو تعبدي غير مُعَلَّلِ قولان، ويدل على الأول إدخال مالك أحاديثه تحت ترجمة ((العينة)) على النسخ المصرية، ويدل عليه أيضاً ما في مسلم عن طاووس، قلت لابن عباس: لم نهي عن بيعه قبل قبضه؟ قال: ألا تراهم يبتاعون بالذهب والطعام مرجأ بالهمز وعدمه، أي مؤخراً، يعني أنهم يقصدون إلى دفع الذهب في أكثر منه. وقال محمد في ((موطئه))(٢) بعد أثر ابن عمر: وبهذا نأخذ، وكذلك كل شيء بيع من طعام أو غيره، فلا ينبغي أن يبيعه الذي اشتراه، حتى يقبضه، وكذلك قال عبد الله بن عباس، قال: أما الذي نهى عنه رسول الله وَل فهو الطعام أن يباع حتى يُقْبَض، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثل ذلك، فبقول ابن عباس نأخذ، الأشياء كلها مثل الطعام، لا ينبغي أن يبيع المشتري شيئاً اشتراه، حتى يقبضه، وكذلك قول أبي حنيفة - رحمه الله - إلا أنه رخص في الدور والعقار والأرضين التي لا تحول أن تباع قبل أن (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٧/٣). (٢) ((موطأ الإمام محمد مع التعليق الممجد)) (١٩٩/٣). ٥٨٢ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٣٧) حديث ٤٣/١٣٣٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ قَالَ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ)» . أخرجه مسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ٨ - باب بطلان بيع المبيع قبل القبض، حديث ٣٦. تقبض، أما نحن فلا نجيز شيئاً من ذلك، حتى يقبض، انتهى. وحديث ابن عباس الذي ذكره محمد، أخرجه البخاري(١) في ((باب بيع الطعام، قبل أن يقبض))، وبسط الباجي(٢) في فروع الباب، فقال: وفي هذا أربعة أبواب، الباب الأول: في تمييز ما يختص به هذا الحكم من المبيعات، الثاني: في تمييز ما يختص به من وجوه الاستفادة، الثالث: في تمييز ما يكون قبضاً واستيفاء، الرابع: في تمييز ما يصح قبض البيع الثاني، ثم بسط الكلام على هذه الأبواب الأربعة. ٤٣/١٣٣٧ - (مالك عن عبد الله بن دينار) العدوي مولى ابن عمر (عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَ لل قال: ((من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه))) للعينة، كما تقدم، أو لأن للشارع غرضاً في ظهوره للفقراء، أو تقوية قلوب الناس، لا سيما زمن الشدة، فلو أبيح بيعه قبل قبضه، لباعه أهل الأموال بعضهم من بعض من غير ظهور، فلا يحصل ذلك الغرض، وقال محمد بن عبد السلام: الصحيح عند أهل المذهب أن النهي عنه تعبديٌّ، وظاهر الحديث قصر النهي على الطعام ربوياً كان أم لا، وعليه مالك وأحمد وجماعة، فيجوز فيما عداه؛ إذ لو منع في الجميع لم يكن لذكر الطعام فائدة، ومنعه أبو حنيفة إلا فيما لا ينقل تعلقاً بقوله: ((حتى يستوفيه)) فاستثنى ما لا ينقل لتعذر الاستيفاء فيه . (١) (٢١٣٥) ((فتح الباري)) (٣٤٩/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٧٩/٤). ٥٨٣ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٣٧) حديث . ومنع الشافعي بيع كل مشترى قبل قبضه؛ لأنه 8 نهى عن ربح ما لم يضمن، وأجيب بقصره على الطعام، وأما قول ابن عباس عند الشيخين: ((وأحسب كل شيء مثله)) أي الطعام، فإنه إخبار عن رأيه ليس بمرفوع، قاله الزرقاني(١) . وقال الباجي(٢): المبيع على ضربين، مطعوم، وغير مطعوم، والمطعوم على قسمين، قسم: يجري فيه الربا، وقسم: لا يجري فيه، فالذي يجري فيه الربا، فلا خلاف في المذهب، في أنه لا يجوز بيعه قبل استيفائه، والذي لا يجري فيه الربا، فعن مالك فيه روايتان؛ إحداهما: لا يجوز بيعه قبل الاستيفاء وهو المشهور من المذهب، وروى ابن وهب عن مالك؛ أنه يجوز بيعه قبل قبضه، وإن كان غير مطعوم، فمذهب مالك أنه لا مدخل لهذا الحكم في غير المطعوم، ولا تعلق له به، سواء كان مكيلاً أو موزوناً أو غير ذلك، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة وربيعة ويحيى بن سعيد: إن كل ما بيع على كيل أو وزن أو عدد، مطعومًاً كان أو غير مطعوم، فلا يجوز بيعه قبل القبض، واختاره ابن حبیب، انتھی. وفي ((التعليق الممجد))(٣): قال مالك: يجوز جميع التصرفات في غير الطعام قبل القبض، لورود التخصيص في الأحاديث بالطعام، وقال أحمد: إن كان المبيع مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً، لم يجز بيعه قبل القبض، وفي غيره يجوز، وقال زفر ومحمد والشافعي: لا يجوز بيع شيء قبل القبض، طعاماً كان أو غيره، لإطلاق الأحاديث، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى جواز بيع غير المنقول قبل القبض؛ لأن النهي معلول بضرر انفساخ العقد، لخوف الهلاك، (١) (شرح الزرقاني)) (٣٨٧/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٧٩/٤). (٣) (١٩٩/٣). ٥٨٤ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٣٨) حديث ٤٤/١٣٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ بَلَهَ نَبْتَّاعُ الطَّعَامَ. فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ، قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ. أخرجه مسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ٨ - باب بطلان بيع المبيع قبل القبض، حديث ٣٣. وهو في العقار نادر، وفي غيره غير نادر، كذا في ((البناية))، انتهى. ٤٤/١٣٣٨ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: كنا في زمن رسول الله وَيقر نبتاع) أي نشتري (الطعام فيبعث علينا) رسول الله وَليل (من يأمرنا) مفعول يبعث (بانتقاله) أي بنقل الطعام (من المكان الذي ابتعناه فيه) ولفظ محمد ((الذي نبتاعه فيه)) (إلى مكان سواه) أي غيره، والجار متعلق بانتقاله (قبل أن نبيعه) قال الزرقاني(١): لأن بنقله يحصل قبضه، وهذا قد خرج مخرج الغالب، والمراد القبض. قلت: وبه جزم محمد في ((موطئه)) إذ قال بعد أثر الباب: قال محمد: إنما كان يراد بهذا القبض، لئلا يبيع شيئاً من ذلك، حتى يقبضه، قال صاحب ((التعليق الممجد)) (٢): يعني ليس المقصود منه عدم جواز البيع في مكان الشراء، فإن الأمكنة كلها سواسيةٌ في ذلك، بل المقصود منه تحصيل القبض التام، حتى لو جَوَّزَ البيع هناك، تسارع الناس إلى البيع قبل القبض في ذلك المكان، انتهى. قال الباجي(٣): معناه - والله أعلم - أنه اشتراه جزافاً، وقد ورد ذلا (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٧/٣). (٢) (٢٠٠/٣). (٣) ((المنتقى)) (٢٨٣/٤). ٥٨٥ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٣٨) حديث مفسراً، قلت: أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١) بطرق عديدة وألفاظ مختلفة، منها: عن سالم عن ابن عمر أنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله وَليل إذا اشتروا طعاماً جزافاً أن يبيعوه في مكانه، حتى يحولوه، وفي طريق: عن سالم أن أباه قال: رأيت الناس في عهد رسول الله وَّو إذا ابتاعوا الطعام جزافاً يضربون في أن يبيعوه في مكانهم، وذلك حتى يُؤْؤُوْهُ إلى رحالهم، قال ابن شهاب: وحدثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن أباه كان يشتري الطعام جزافاً، فيحمله إلى أهله. قال النووي(٢): في الحديث جواز بيع الصبرة جزافاً، وهو مذهب الشافعي، قال الشافعي وأصحابه: بيع الصبرة من الحنطة والتمر وغيرهما جزافاً صحيح، وليس بحرام، وهل هو مكروه؟ فيه قولان للشافعي، أصحهما: مكروه كراهة تنزيه، والثاني: ليس بمكروه، ونقل عن مالك أنه لا يصح البيع، إذا كان بائع الصبرة جزافاً یعلم قدرها، انتهى. وسيأتي ما نقل عن مالك في ((الموطأ)) قريباً، وفي هذه الأحاديث اشتراط القبض لبيع ما اشترى جزافاً، وقد عرفت قريباً أن الإمام مالكاً فَرَّق في المشهور عنه بين الجزاف، فأجاز بيعه قبل قبضه وبين المكيل والموزون، فلم يجز بيعهما قبل القبض. وأجاب عنه المالكية بوجوه، منها: ما قال الباجي: وقد روى في ((المدنية)) ابن نافع عن مالك: أنه كره لمن اشترى الطعام جزافاً أن يبيعه بنظرة قبل أن ينقله، قال مالك: لأنه بلغني أن ابن عمر كان يقول، فذكر أثر الباب، ثم قال: قال مالك: تفسيره أن يبيعه بالدين، قال ابن القاسم: كان يستحب (١) ((صحيح مسلم)) (١١٦١/٣) (١٥٢٧). (٢) (شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٦٩/١٠/٥). ٥٨٦ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٣٩) حديث ٤٥/١٣٣٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ ابْتَاعَ طَعَاماً، أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلنَّاسِ. ذلك، ولا يراه حراماً، وإن وقع جاز، وفي كتاب أبي القاسم الجوهري بأثر هذا الحديث: إنما هو في تلقي الرُّكْبان، وهذا أيضاً يحتمل، فيكون معناه أن من اشتراه في موضع غير سوق ذلك الطعام، فلا يبيعه ممن يلقاه قبل أن يبلغ به السوق، انتھی. ٤٥/١٣٣٩ - (مالك عن نافع) مولى ابن عمر - رضي الله عنهما - (أن حكيم بن حزام) بمهملة مكسورة وزاي ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي ابن أخي خديجة أم المؤمنين، أسلم يوم الفتح، وله أربع وسبعون سنة، ثم عاش إلى سنة أربع وخمسين أو بعدها (ابتاع طعاماً أمر به) أي بالطعام (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (للناس). قال الباجي(١): يحتمل أن يكون أمر به ابتداء بغير عمل استحقوه لذلك، فجاز لهم بيعه قبل قبضه، وفي ((العتبية)) من رواية أشهب عن مالك فيما فرض عمر بن الخطاب لأزواج النبي ◌ّ من الأرزاق من طعام، فلا بأس ببيع مثل هذه الأرزاق قبل قبضها، وكذلك طعام الجار، فعلى هذا إنما نهاه عمر - رضي الله عنه - عن بيعه؛ لأنه صار إليه بالابتياع، ولا يجوز له بيعه قبل قبضه، ولم ينهه عن شرائه؛ لأنه لم يصر إلى أن من باعه منه معاوضة. ويحتمل أن يكون أمر لهم به على عمل استحقوه به، فقبضوه، ثم ابتاعه منهم حكيم، فباعه قبل قبضه، فعلى هذا ابتياعه جائز مباح وبيعه ممنوع. ويحتمل أن يكون أمر لهم به لعمل عملوه فباعوه منه قبل قبضه، ثم باعه حكيم قبل قبضه أيضاً، فعلى هذا ابتياعه ممنوع، وبيعه ممنوع، وقد قال ابن حبيب في ((واضحته)): ما كان من أرزاق القضاة أو الكُتّابِ أو المؤذنين (١) ((المنتقى)) (٢٨٤/٤). ٥٨٧ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٣٩) حديث فَبَاعَ حَكِيمُ الطَّعَامَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فَبَلَغَ ذُلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ: لَا تَبعْ طَعَاماً ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ. وأصحاب السوق من الطعام، فلا يباع حتى يقبض، وما كان من صلة أو عطية من غیر عمل فذلك جائز، انتهى. وفَسَّر صاحب ((التعليق الممجد))(١) أثر الباب بقوله: أمر به، أي بشرائه عمر بن الخطاب، انتهى. فعلى هذا يكون معنى الأثر أن عمر - رضي الله عنه - أمر الناس بشراء الطعام، فاشتروه، واشترى من جملتهم حكيم، ثم باعه حكيم قبل القبض. وترجم البيهقي(٢) على أثر الباب ((باب بيع الأرزاق التي يخرجها السلطان قبل قبضها))، وأخرج فيه أولاً بسنده إلى الزهري أن ابن عمر وزيد بن ثابت كانا لا يريان ببيع الرزق بأساً، وعن الشعبي أنه لم يكن يرى بأساً ببيع الرزق، ويقول: لا يبيعه الذي اشتراه حتى يقبضه، ثم قال: وهذا هو المراد إن شاء الله بما روي في ذلك عن عمر - رضي الله عنه -. ثم أخرج أثر الباب برواية ابن بكير عن مالك، ثم قال: فحكيم كان قد اشتراه من صاحبه، فنهاه عن بيعه، حتى يستوفيه، انتهى. وهو مؤدى ما حمل عليه النووي والأبي في ((الإكمال)) تبعاً لعياض، إذ حملوه على بيع الصكاك الآتي قريباً. (فباع حكيم بن حزام) - رضي الله عنه - (الطعام) المذكور (قبل أن يستوفيه) ويقبضه (فبلغ ذلك) أي خبر بيع حكيم (عمر بن الخطاب فرده) أي البيع (عليه) أي على حكيم (وقال: لا تبع طعاماً ابتعته) أي اشتريته (حتى تستوفيه) قال الباجي(٣): يريد أن عمر - رضي الله عنه - ردّ بيعه قبل استيفائه، (١) (١٩٨/٣). (٢) ((السنن الكبرى)) (٣١٤/٥). (٣) ((المنتقى)) (٢٨٤/٤). ٥٨٨ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٤٠) حدیث ٤٦/١٣٤٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ صُكُوكاً خَرَجَتْ لِلنَّاسِ فِي زَمَانِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ. مِنْ طَعَامِ الْجَارِ. فإن كان البيعتان ممنوعتين، فقد رَدَّهما، وإن كان بيع حكيم بن حزام هو الممنوع خاصة رَدَّه، انتهى. قلت: والمراد بالبيع الثاني بيع صاحب الرزق الذي اشتراه منه حکیم. ٤٦/١٣٤٠ - (مالك أنه بلغه) وصله مسلم(١) بمعناه مختصراً من طريق الضحاك بن عثمان عن بكير بن الأشجِّ عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة أنه قال لمروان: أحللت بيع الربا؟ فقال مروان: ما فعلت، فقال أبو هريرة: أحللتَ بيع الصكاك؟ وقد نهى رسول الله وَّر عن بيع الطعام، حتى يستوفى، قال: فخطب مروان الناس، فنهاهم عن بيعها، قال سليمان: فنظرت إلى حَرَسِ يأخذونها من أيدي الناس. (أن صكوكاً) جمع صكٍّ وهو الورقة المكتوبة بدَيْن، ويُجْمَعُ على صكاك أيضاً، والمراد ههنا الورقة التي يكتب فيها وليُّ الأمر برزق من الطعام لمستحقيه بأن لفلان كذا وكذا من الطعام وغيره، سواء كان لعمل أو لغيره، كما يأتي في كلام الباجي (خرجت للناس) أي لمستحقي الأرزاق (في زمان) إمارة (مروان بن الحكم) الأموي على المدينة المنورة من جهة الأمير معاوية (من طعام الجار) بجيم فألف فراء مخففة، موضع بساحل البحر، كان يجمع فيه الطعام، ثم كان يفرق على الناس بالصكاك، بينه وبين المدينة يوم وليلة، كما في ((الممجد))(٢) عن القاري. وفي ((المعجم)) (٣): هي من المدينة يوم وليلة، ومن أيلة على نحو من (١) (صحيح مسلم)) (١١٦٢/٣) (١٥٢٨). (٢) ((التعليق الممجد)) (٣٠٠/٣). (٣) ((معجم البلدان)) (٢/ ٩٢). ٥٨٩ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٤٠) حديث فَتَبَايَعَ النَّاسُ تِلْكَ الصُّكُوكَ بَيْنَهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا . عشر مراحل، ومن ساحل الجحفة نحو ثلاث مراحل، وهي فرضة ترفأ إليها السفن من أرض الحبشة ومصر وعدن والصين وسائر بلاد الهند، وفيها قصور كثيرة، ونصف الجار في جزيرة من البحر، ونصفها على الساحل، وقد يسمى ذلك البحر كله الجار، وهو من جدة إلى قرب مدينة قلزم، وإلى الجار ينسب جماعة من المحدثين، منهم سعد الجاري مولى عمر، كان استعمله عليها، وبسط أسماؤهم في ((المعجم))، وبسطت في ذلك، لما فسره بعضهم بالقريب المجاور للدار. (فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم) أي تبايع الأرزاق المكتوبة فيها، قال الشيخ في ((المسَوَّى))(١): الصك الكتاب كان الأمراء يكتبون للناس بأرزاقهم وعطياتهم كتباً، وكان الناس يبيعون ما فيها قبل أن يقبضوها ويعطون المشتري الصك ليمضي به ويقبضه، فذلك بيع الصكوك، انتهى (قبل أن يستوفوها) أي قبل أن يقبضوها. قال الباجي(٢): الصكوك الرقاع مكتوب فيها أعطيات الطعام وغيرها مما تعطيه الأمراء للناس، فمنها ما يكون بعمل كأرزاق القضاة والعُمَّال، ومنها ما يكون بغير عمل، كالعطاء لأهل الحاجة، وقد روى أشهب عن مالك في (العتبية)) جواز بيع طعام الجار، وذهب في ذلك إلى أنه عطاء بغير عمل، وقد قال ابن حبيب في ((الواضحة)) في النهي عن بيع صكوك الجار: وهي عطايا من طعام، إنما نهى مبتاعها، وعلى هذا التأويل إنما أنكر زيد بن ثابت ومن معه بيع المبتاع لها، ولم ينكر الابتياع ممن خرجت له الصكوك، لما ذكرناه على أن لفظه يحتمل الأمرين؛ لأن قوله: هذه الصكوك تبايعها الناس ثم باعوها، فظاهر هذا يقتضي كراهية الجمع بين الأمرين. (١) (٢١/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٨٥/٤). ٥٩٠ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٤٠) حديث فَدَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ. فَقَالَا: أَتُحِلُّ بَيْعَ الرِّبَا يَا مَرْوَانُ؟ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ. وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: هَذِهِ الصُّكُوكُ تَبَايَعَهَا النَّاسُ ثُمَّ بَاعُوهَا. قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا . غير أن قوله في آخر الحديث: فبعث مروان الحرس ينتزعونها من أيدي الناس، ويردُّونها إلى أهلها، يقتضي أنها تُرَدُّ إلى من خرجت له؛ لأنهم أهلها، فاقتضى ذلك نقض البيعتين، ولو نقض الثاني خاصة، لقال: يردونها إلى من ابتاعها من أهلها، انتهى. (فدخل زيد بن ثابت) كاتب الوحي، ويُشكل عليه ما تقدم في ذيل حديث حكيم بن حزام عن ((البيهقي)) أن ابن عمر وزيداً لم يريا ببيع الرزق بأساً، اللّهم إلا أن يقال: إن المراد في هذا الحديث البيع الثاني، كما أَوَّلَه إليه المالكية والشافعية، ويحتمل أن يكون لزيد قولان (ورجل) آخر (من أصحاب رسول الله وَلّ على مروان بن الحكم) والظاهر أنه أبو هريرة - رضي الله عنه . لرواية مسلم عنه، وفي ((المحلى)): هو رافع بن خديج أو أبو هريرة، انتهى. (فقالا: أَتْحِلُّ بيع الربا يا مروان؟) ولفظ مسلم: أحللت بيع الربا؟ وقالا ذلك على سبيل الإغلاظ مع علمه باحتمال مثل هذا منه لما ظهر من ذلك وشاع قدر أنه قد بلغه ذلك، أو قد كان يجب أن يبلغ في مثل حاله، واهتبل بأحوال المسلمين، وساير وسأل عن أديانهم في بياعاتهم وغيرها، قاله الباجي(١)، وأطلق الفعل على الترك، لأن مروان لم يفعل ذلك، بل ترك نهيهم عن ذاك. (فقال) مروان اعتذاراً وتبرياً منه: (أعوذ بالله) من أن أحِلَّ الربا، ثم سأل مروان سبب قولهما، فقال: (وما ذاك؟ فقالا: هذه الصكوك) التي أخرجتها للناس (تبايعها الناس ثم باعوها) ظاهره أنهم باعوها بعد البيع الأول (قبل أن يستوفوها) أي قبل أن يقبضوها من محل التقسيم. (١) ((المنتقى)) (٢٨٥/٤). ٥٩١ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٤٠) حديث فَبَعَثَ مَرْوَانُ الْحَرَسَ يَتْبَعُونَهَا. يَنْزِعُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ. وَيَرُدُّونَهَا إِلَى أَهْلِهَا . (فبعث مروان الحرس) جمع حارس وهو المحافظ (يبغونها) هكذا في النسخ الهندية أي يطلبون الصكوك، وفي النسخ المصرية بدل ذلك يتبعونها (وينتزعونها من أيدي الناس) الذين اشتروها (ويَرُدُّونها إلى أهلها) الذين أخرجت لهم، قال الباجي: هذا يقتضي نقض تلك البياعات، فإن حمل على ظاهره من أنها كانت تُرَدُّ إلى من أخرجت الصكوك باسمه، فقد نقض البيعتين، بيع من اشترى منهم، وبيع من اشترى ممن اشترى منهم، ولا خلاف أنه لا يلزم بمجرد بيع الطعام قبل قبضه إلا نقض بيع الثاني على ما قدمناه، انتهى. يعني في قصة حكيم بن حزام. وتوضيح ذلك أن البيع الأول، وهو بيع من خرجت باسمه جائز عند الشافعية والمالكية، قال النووي(١): اختلف العلماء في ذلك. والأصح عند أصحابنا وغيرهم جواز بيعها، يعني بيع من خرجت باسمه، فيبيع صاحبها ذاك الإنسانٍ قبل أن يقبضه، والقول الثاني منعها، فمن منعها أخذ بظاهر قول أبي هريرة بحجته، ومن أجازها تأوّل قضية أبي هريرة على أن المشتري ممن خرج له الصك باعه لثالث قبل أن يقبضه المشتري، فكان النهي عن البيع الثاني، لا عن البيع الأول؛ لأن الذي خرجت له مالك لذلك ملكاً مستقراً، وليس هو بمشترٍ، فلا يمتنع بيعه قبل القبض، كما لا يمتنع بيع من ورثه قبل قبضه. قال القاضي عياض بعد أن تأوّله على نحو ما ذكرته: وكانوا يتبايعونها، ثم يبيعها المشترون قبل قبضها، فنهوا عن ذلك، قال: وكذا جاء مفسراً في ((الموطأ)» أن صكوكاً خرجت للناس في زمان مروان، فذكر حديث الباب، قال: وفي ((الموطأ)) ما هو أبين من هذا أن حكيم بن حزام ابتاع طعاماً، أمر به عمر - رضي الله عنه -، فذكر الحديث المذكور قبل. (١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٧١/١٠/٥). ٥٩٢ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٤٠) حديث وأنت خبير بأن هذين الحديثين ليسا بنصٍّ في جواز البيع الأول وفساد الثاني، ولذا احتاجت شُرَّاحُ المالكية إلى تأويلهما، وتقدم الكلام في حديث حزام، وتقدم قريباً ما قال الباجي: إن ظاهر قوله: يردونها إلى أهلها نقض البيعتين معاً . قال الزرقاني(١): احتجّ به بعضهم على فسخ البيعتين معاً؛ لأنه لو كان إنما يفسخ البيع الثاني فقط، لقال: ويردُّونها إلى من ابتاعها من أهلها، قال عياض: ولا حجة فيه لاحتمال أن يريد بأهلها من يستحق رجوعها إليه، والنهي إنما هو عن بيعه من مشتريه لا ممن كتب له؛ لأنه بمنزلة من رفعه من موضعه أو من وهب له، انتهى. وأوَّلَه الباجي بحمله على بيع العِيْنَةِ بأنهم باعوه عِيْنَةً، قال: فهذا على تأويل قوله: ((يردونها إلى أهلها)) إلى من خرجت باسمه، ويحتمل أن يريد بأهلها مستحق رجوعها إليه، فترد على هذا التأويل إلى من ابتاعها أولاً، انتھی . وترجم محمد في ((موطئه))(٢) ((باب الرجل يكون له العطايا أو الدين على الرجل فيبيعه قبل أن يقبضه))، وذكر فيه حديث جميل المؤذن الآتي قريباً، ثم قال: لا ينبغي للرجل إذا كان له دين أن يبيعه حتى يستوفيه؛ لأنه غَرَرٌ فلا يدري أيخرج أم لا يخرج؟ وهو قول أبي حنيفة، انتهى، واكتفى صاحب ((المحلى)) على كلام النووي في الشرح، ولم يذكر خلاف الأئمة في ذلك. وكذا سكت عنه شيخنا في ((المسوّى))، ومقتضى ما تقدم عن كلام الإمام محمد عدم جوازه عندنا . (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٨/٣). (٢) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)). (٣٠٠/٣). ٥٩٣ : ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٤١) حديث ٤٧/١٣٤١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ طَعَاماً مِنْ رَجُلٍ إِلَى أَجَلٍ. فَذَهَبَ بِهِ الرَّجُلُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ وفي ((الدر المختار))(١): بيع البراءات التي يكتبها الديوان على العمال لا يصح، بخلاف بيع حظوظ الأئمة؛ لأن مال الوقف قائم ثمة، ولا كذلك هنا، ومفاده أنه يجوز للمستحق بيع خبزه قبل قبضه من المشرف، بخلاف الجندي، وتَعَقَّبه في ((النهر))، وأفتى المصنف ببطلان بيع الجامكية، لما في ((الأشباه)): بيع الدَيْن إنما يجوز من المديون، وفي ((الأشباه)): لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجردة كحق الشفعة، وعلى هذا لا يجوز الاعتياض عن الوظائف بالأوقاف، انتھی. قال ابن عابدين (٢): البراءات جمع براءة، وهي الأوراق التي يكتبها كتاب الدّيوان على العاملين على البلاد بحظ، كعطاء، أو على الأكّارين بقدر ما عليهم، وسُمِّيتْ براءةً؛ لأنه يبرأ بدفع ما فيها، وقوله: ((بخلاف حظوظ الأئمة)) بالحاء المهملة والظاء، جمع حظ، بمعنى النصيب المرتب له من الوقف، أي فإنه يجوز بيعه، وهذا مخالف لما في ((الصيرفية))، فإن مؤلفها سئل عن بيع الحظ، فأجاب أنه لا يجوز. وعبارة ((الصيرفية)) هكذا: سئل عن بيع الخط، قال: لا يجوز؛ لأنه لا يخلو إما إن باع ما فيه أو عين الخط، لا وجه للأول؛ لأنه بيع ما ليس عنده، ولا وجه للثاني؛ لأن هذا القدر من الكاغذ ليس متقوماً، بخلاف البراءة؛ لأن هذه الكاغذة متقومة، انتهى. ٤٧/١٣٤١ - (مالك أنه بلغه أن رجلاً أراد أن يبتاع طعاماً من رجل) آخر (إلى أجل) أي نسيئة (فذهب به) أي المشتري (الرجل) البائع (الذي يريد أن (١) (٢١/٥). (٢) ((رد المحتار)) (٣٠/٧). ٥٩٤ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٤١) حديث يَبِيعَهُ الطَّعَامَ إِلَى السُّوقِ. فَجَعَلَ يُرِيهِ الصُّبَرَ وَيَقُولُ لَهُ: مِنْ أَيِّها تُحِبُّ أَنْ أَبْتَاعَ لَكَ؟ فَقَالَ الْمُبْتَاعُ، أَتَبِيعُنِي مَا لَيْس عِنْدَكَ؟ فَأَتَيَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَذَكَرا ذُلِكَ لَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِلْمُبْتَاعِ: لَا تَبْتَعْ مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهَ. وَقَالَ لِلْبَائِعِ: لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. يبيعه الطعام) المذكور (إلى السوق) متعلق بذهب (فجعل يُريه الصُبَرَ) بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة جمع، على ما ضبطه الزرقاني(١)، وبضمتين ضبطه صاحب ((المحلى)) جمع صبرة (ويقول له) أي للمشتري (من أيّها) بتشديد التحتية، أي من أي الصبر (تُحبُّ أن أبتاع) أي أشتري (لك؟ فقال المبتاع) المشتري الأول (أتبيعني) بهمزة الاستفهام (ما ليس عندك؟). قال الباجي(٢): يحتمل أن الذي يريد البيع وصف للمشتري طعاماً ظن المبتاع أنه عنده أو أراه طعاماً ظن أنه عنده، أو قال له في الجملة، أما أبيع منك طعاماً، فاعتقد المبتاع أنه عنده، وظن البائع أن بيع ما ليس عنده جائز، ولو علم المبتاع أولاً أنه يبيعه ما ليس عنده، لأنكر عليه، كما أنكره حين تَبَيَّن له ذلك (فأتيا عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (فذكرا ذلك) أي ما جرى بينهما (له، فقال عبد الله بن عمر للمبتاع) أي للمشتري: (لا تبتع) أي لا تشتر (منه ما ليس عنده) أي عند البائع (وقال للبائع: لا تبع ما ليس عندك)، وقد ورد النهي عن بيع ما ليس عند الرجل مرفوعاً، عند أصحاب السنن الأربعة، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وورد أيضاً من حكيم بن حزام. قال الموفق(٣): لا يجوز أن يبيع عيناً لا يملكها، ليمضي ويشتريها ويُسَلِّمها، رواية واحدة؛ وهو قولُ الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفاً؛ لأن حكيم (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٩/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٨٦/٤). (٣) ((المغني)) (٢٩٦/٦). ٥٩٥ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٤٢) حديث ٤٨/١٣٤٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَمِيلَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْمُؤَذِّنَ، يَقُولُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنِّي رَجُلٌ أَبْتَاعُ مِنَ الْأَرْزَاقِ الَّتِي تُعْطَى النَّاسُ بِالْجَارِ. مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ أُرِيدُ أنْ أَبِيعَ الطَّعَامَ الْمَضْمُونَ عَلَيَّ ابن حزام قال للنبي وّر: إن الرجل يأتيني، فيلتمس من البيع ما ليس عندي، فأمضي إلى السوق، فأشتريه، ثم أبيعه منه، فقال النبي ◌ُّر: ((لا تبع ما ليس عندك))(١)، انتھی. ٤٨/١٣٤٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه سمع جميل) بفتح الجيم وكسر الميم وإسكان التحتية (ابن عبد الرحمن المؤذن) المدني سمع عنه مالك، بواسطة يحيى، وبدون الواسطة أيضاً، والصواب أن اسم أبيه عبد الرحمن، وقيل: اسمه عبد الله بن سويد أو سوداوة، ذكره ابن الحذاء في رجال ((الموطأ))، كذا في ((التعجيل))(٢) وتبعه السيوطي في ((الإسعاف)) وقالا: أغفل عن ذكره الحسيني، قال الزرقاني: أمه من ذرية سعد القرظ، وكان يؤذن معهم، قلت: وسيأتي رواية مالك عنه بدون الواسطة في ((باب القضاء في الدعوى)). (يقول لسعيد بن المسيب: إني رجل أبتاع من الأرزاق التي يعطى) بتحتية أو فوقية ببناء المجهول (الناس) بالرفع على أنه نائب فاعل يعطى بتحتية، وبالنصب على أنه مفعول ثان تعطى بالفوقية، ونائب الفاعل ضمير هي إلى الأرزاق (بالجار) بالجيم موضع، تقدم في حديث الصكوك (ما شاء الله) يريد أنه يبتاعها من أربابها الذين خرجت لهم الصكوك بها، إما على صفة يصفونها أو على عادة عرفوها من طعام الصكوك تقوم مقام معرفة الجنس والصفة (ثم أريد أن أبيع الطعام) الذي اشتريته من الأرزاق (المضمون عليّ) قال صاحب (١) أخرجه ابن ماجه (٧٣٧/٢)، والترمذي (١٢٣٢)، والنسائي (٤٦٢٧). (٢) (ص٧٣). ٥٩٦ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٤٢) حديث إِلَى أَجَلٍ. فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: أَتْرِيدُ أَنْ تُوَفِيَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْأَرْزَاقِ الَّتِي ابْتَعْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَنَهَاهُ عَنْ ذُلِك. ((الممجد))(١): أي مضمون علي من جهة الثمن (إلى أجل) متعلق بأبيع، ولفظ محمد: ثم أريد أن أبيع الطعام المضمون علي إلى ذلك الأجل. (فقال له سعيد: أتريد أن توفيهم من تلك الأرزاق التي ابتعت؟) بالجار. (فقال) السائل: (نعم) أوفيهم من ذلك (فنهاه) سعيد (عن ذلك) قال الزرقاني(٢): زاد غير يحيى في ((الموطأ)) قال مالك: وذلك رأيي، أي خوفاً من التساهل في ذلك، حتى يشترط القبض من ذلك الطعام أو بيعه قبل أن يستوفيه، فمنع من ذلك للذريعة التي يخاف منها التطرق إلى المحذور، وإن قّت، قاله البوني. وقال الباجي(٣): يريد السائل أنه يبتاعها من أربابها الذين خرجت لهم الصكوك، ثم كان يأخذ من الناس سلماً في طعام على تلك الصفة، وهو ينوي أن يوفيهم منه، وهذا يحتمل وجهين، أحدهما: أنه يحملهم على من عنده ذلك الطعام، يأخذ المسلم إليه ذلك منه عند الأجل، فهذا لا خلاف في منعه؛ لأنه بيع الطعام قبل استيفائه؛ لأن جميل بن عبد الرحمن قد ابتاعه، ثم أراد أن يبيعه، ثم يستوفيه المبتاع ممن هو عنده قبل أن يقبضه هو. والثاني: أن يبيعه من المسلم، وهو ينوي أن يقبضه ويوفيه إياه، ففي ((المدونة)) وغيرها عن ابن القاسم فيمن ابتاع طعاماً بعينه أو بغير عينه لا يبيعه، حتى يقبضه، ولا يواعد فيه أحداً ولا يبيع طعاماً ينوي أن يقبضه منه، ورواه في ((المدنية)) عن مالك، وقال أشهب في ((المجموعة)) عن مالك: هو جائز، ولا تضره النية، كما لو اشترى طعاماً ينوي أن يقتضي منه ما عليه. (١) ((التعليق الممجد)) (٣٠٠/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٩/٣). (٣) ((المنتقى)) (٢٨٨/٤). ٥٩٧ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٣٤٢) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، أنَّهُ مَنِ اشْتَرَى طَعَاماً، بُرَّا أَوْ شَعِيراً أَوْ سُلْتاً أَوْ ذُرَةً أَوْ دُخْناً. أَوْ شَيئاً مِن الْحُبُوبِ الْقِطْنِيَّةِ. أَوْ شَيْئاً مِمَّا يُشْبِهُ الْقِطْنِيَّةَ. مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ . وجه القول الأول: أنه قد وجد بيع الطعام قبل استيفائه؛ لأنه قد والى في هذا الطعام عقدَيْ بيع، لم يفصل بينهما قبضٌ، وإنما يكون القبض بعد العقدين، وجه القول الثاني: أن من كان عليه طعام، ولم تكن به حاجة إلى شراء طعام، لا يقبضه، لم يضره أن ينوي بشراء ما عليه من الطعام أن يوفي طعاماً قد ثبت علیه من سلم، انتهى. وترجم محمد في ((موطئه))(١) على أثر الباب ((الرجل يكون له العطايا أو الدين على الرجل فيبيعه قبل أن يقبضه))، وقال بعد ذكر الأثر المذكور: قال محمد: لا ينبغي للرجل أن يكون له دين أن يبيعه حتى يستوفيه؛ لأنه غرر، فلا يدرى أيخرج أم لا يخرج؟ وهو قول أبي حنيفة، انتهى. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) بالمدينة المنورة (الذي لا اختلاف فيه عندنا) تأكيد لقوله: المجتمع عليه (أنه من اشترى طعاماً) ثم ذكر بعض أنواع الطعام أمثلة توضيحاً (براً) كان (أو شعيراً أو سلتا) بضم السين ويكسر وسكون اللام نوع من الشعير، تقدم الكلام عليه في زكاة الحبوب (أو ذرة) بضم الدال المعجمة وتخفيف الراء، تقدم فيها أيضاً (أو دخناً) بضم الدال المهملة، ويكسر، وسكون الخاءالمعجمة، تقدم فيها الاختلاف في معناه (أو شيئاً) آخر (من الحبوب القطنية) السبعة، وهي الحمص، والفول، واللوبيا، والعدس، والترمس والجلبان، والبسيلة، كما تقدم عن الدسوقي في الزكاة، وتقدمت فيها أقوال العلماء في القطنية، وهي بكسر القاف والضم لغة فيه وسكون الطاء المهملة (أو شيئاً مما يشبه القطنية مما تجب فيه الزكاة) وتقدم البسط فيه في (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٣٠٠/٣). ٥٩٨ (٢٠) باب ٣٣ - كتاب البيوع أَوْ شَيْئاً مِنَ الْأُدُم كُلِّهَا، الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالْخَلِّ وَالْجُبْنِ وَالشِّبْرِقِ (وَالشِّيرِقِ) وَاللَّبَنِ. وَمَا أَشْبَهَ ذُلِكَ مِنَ الْأَدْمِ. فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ، لَا يَبِيعُ شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ، حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ. (٢٠) باب ما يكره من بيع الطعام إلى أجل ((الزكاة)) (أو شيئاً من الأدم) بضمتين جمع إدام، ككتب جمع كتاب (كلها) أي جميع أنواع الأدم. ثم ذكر بعض أمثلته، فقال: (الزيت والسمن والعسل) بالعين والسين المهملتين المفتوحتين (والخلّ) بالمعجمة وتشديد اللام (والجبن) بضم الجيم وسكون الموحدة على الأجود، وضمها للاتباع والتثقيل، وهي أقلها، ومنهم من خصه بالشعر (واللبن والشِيرق) بكسر الشين المعجمة بعدها تحتية، وفي نسخة بدلها موحدة، دُهن السمسم، وقال البوني: يقال له السيرج أيضاً بالجيم، والسمسم بكسر السينين المهملتين بينهما ميم ساكنة، يقال لها في الفارسية: ((كنجد))، وباليونانية ((سيسامون))، وبالهندية (تل)) (وما أشبه ذلك من الأدم) الأخر (فإن المبتاع) أي المشتري (لا يبيع شيئاً من ذلك حتى يقبضه ويستوفيه) لأنها داخلة في الطعوم. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن ما ذكر من المقتات لا اختلاف في أنه لا يجوز بيعه قبل استيفائه، وأن ذلك مجمع عليه، وإنما اختلف الناس فيما عدا ذلك، وإنما ذكر ههنا المتفق عليه، وقد ذكر قبل هذا أن جميع المطعوم لا يجوز بيعه قبل استيفائه، وهو المشهور عنه، انتهى. وتقدم الكلام فيما سبق على ما يجوز بيعه قبل القبض، وما لا يجوز، واختلاف الأئمة في ذلك. (٢٠) ما يكره من بيع الطعام إلى أجل ما يظهر من الآثار الواردة في الباب أن غرض الترجمة بيان الصور التي (١) ((المنتقى)) (٢٨٩/٤). ٥٩٩ ٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٠) باب (١٣٤٣) حديث ٤٩/١٣٤٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَنْهَيَانِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ. ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِالذَّهَبِ تَمْراً، قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ. يكره فيها بيع الطعام نسيئة، وهي المواضع التي يلزم فيها الربا. ٤٩/١٣٤٣ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (أنه سمع سعيد بن المسيب) التابعي الشهير (وسليمان بن يسار) أحد الفقهاء السبعة أنهما كانا (ينهيان أن يبيع الرجل) أو المرأة (حنطة بذهب) أو فضة (إلى أجل) يعني يؤجل الثمن (ثم يشتري بالذهب) أي الثمن (تمراً) أو شيئاً آخر من الطعام (قبل أن يقبض الذهب) من المشتري. وقال محمد في ((موطئه)) بعد هذا الأثر: ونحن لا نرى بأساً أن يشتري بها تمراً قبل أن يقبضها إذا كان التمر بعينه، ولم يكن ديناً، وقد ذكر هذا القول لسعيد بن جبير، فلم يره شيئاً، وقال: لا بأس به، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وفي ((الممجد))(١): قوله: لا نرى بأساً، أي يجوز عندنا ذلك؛ لأن المنهيّ عنه إنما هو بيع ما لم يقبض، لا الشراء بما لم يقبض ولا الشراء بالدین، انتهى. وفي ((المحلى)): يجوز التصرف في الثمن قبل القبض عند أبي حنيفة والشافعي، لما في ((السنن الأربعة)) عن ابن عمر: «كنت أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالدنانير، فأخذ مكانها الورق))، الحديث(٢). وفيه قوله وَله: ((لا بأس ما لم تفترقا وبينكما شيء))، وفيه بيع الثمن الذي في الذمة قبل القبض بالنقد (١) ((التعليق الممجد)) (٢٠٧/٣). (٢) أخرجه أبو داود (٣٣٥٤)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٤٥٩٦)، وابن ماجه (٢٢٦٢). ٦٠٠