النص المفهرس
صفحات 561-580
٣٣ - كتاب البيوع (١٧) باب (١٣٣٤) حديث وظاهره أن البر والشعير صنفان، كما قال به الجمهور خلافاً لمالك والليث ومعظم علماء المدينة إذ عدُّوهما صنفاً واحداً، وتقدم الخلاف في ذلك قبيل المزابنة . قال الباجي(١): أخذ طلحة الذهب يُقَلِّبُها ليعلم جودتها، وقال: حتى يأتي خازني، يريد أن يؤخر ذلك إلى أن يأتيه خازنه، ويحتمل أن يريد به تأخير الدراهم خاصة، ويقبض هو الدنانير، ويحتمل أن يريد به إقرار الدنانير بيد مالكها، حتى يأتي الخازن، فيتقابضا يداً بيد، فسمع ذلك عمر، فقال: والله لا تفارقه، يريد لا تفارقه، وبينكما عقد حتى يتنجز ما بينكما من التقابض. ثم احتجَّ لذلك بقوله وَالر: ((الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء)) وحمل ذلك على أن التقابض فيه يجب أن يكون مع الإيجاب والقبول لا يتأخر بينهما، بل يقترن بينهما؛ لأن عقد كل واحد منهما يقتضي الإشارة إلى ما بيده من العوض بقوله: هاء، ولذلك فهم منه عمر - رضي الله عنه -، وهو من أهل اللسان تعجيل التقابض. فأما التفرق قبل القبض؛ فلا خلاف بين الفقهاء نعلمه في أنه يفسد العقد؛ وظاهر الحديث يقتضي أن هاء وهاء تنوب عن العقد، والنقد لقرب أحدهما من الآخر، فعلى هذا لا يجوز أن يتأخر النقد عن العقد، ومن صفته أن يكونا معاً، أو يكون النقد متصلاً بتمام العقد، أو في حكم المتصل لقربه منه مع كونهما في مجلس واحد. أما إن فصل بينهما طول مجلس والخروج من أمر إلى أمر غيره، ومن الصرف إلى الإعراض عنه والاشتغال بغيره، فإن ذلك غير جائز، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن ذلك جائز؛ والدليل على ما نقوله الحديث (١) ((المنتقى)) (٢٧١/٤). ٥٦١ ٣٣ - كتاب البيوع (١٧) باب (١٣٣٤) حدیث المذكور، ومن جهة المعنى أن هذا صرف تأخر القبض فيه عن العقد؛ فوجب أن لا يصح، كما لو قاما عن مجلسهما، انتهى. قال النووي(١): استدل أصحاب مالك بهذا الحديث على أنه يشترط التقابض عقب العقد حتى لو أخّره عن العقد، وقبض في المجلس لا يصحُّ عندهم، ومذهبنا صحة القبض في المجلس. وإن تأخر عن العقد يوماً أو أياماً أو أكثر ما لم يتفرقا، وبه قال أبو حنيفة وآخرون، وليس في هذا الحديث حجة لأصحاب مالك، انتھی. قال الحافظ(٢): استدل بهذا الحديث على اشتراط التقابض في المجلس في الصرف، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وعن مالك: لا يجوز إلا عند الإيجاب بالكلام، ولا يجوز عنده تراخي القبض في الصرف، سواء كانا في المجلس أو تفرقا، وحمل قول عمر: لا يفارقه على الفور حتى لو أخَّر الصيرفي القبض؛ حتى يقوم إلى قَعْو (٣) دكَّانِه ثم يفتح الصندوق لما جاز، انتهى. وقال الموفق(٤): إذا اصطرفا في الذِّمة نحو أن يقول: بعتك ديناراً مِصْريا بعشرة دراهم، فيقول الآخر: قبلت يصحّ البيع، سواء كانت الدراهم والدنانير عندهما أو لم يكونا، إذا تقابضا قبل الافتراق بأن يستقرضا أو غير ذلك، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وحُكي عن مالك: لا يجوز الصرف إلا أن تكون العينان حاضرتَين، وعنه: لا يجوز حتى تظهر إحدى العَيْنَين، وتُعَيَّن. وعن زفر مثله؛ لأنه وَ﴾ قال: ((لا تَبيعوا غائباً منها بناجز))، ولنا أنهما تقابضا في المجلس فصحَّ، كما لو كانا حاضرين، والحديث يراد به أن لا يباع عاجل (١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١١/٦/ ١٣). (٢) ((فتح الباري)) (٣٧٨/٤). (٣) قوله قَعْوٌ: المحور من الحدید. (٤) ((المغني)) (١٠٤/٦). ٥٦٢ ٣٣ - كتاب البيوع (١٧) باب (١٣٣٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: إِذَا اصْطَرَفَ الرَّجُلُ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ. ثُمَّ وَجَدَ بآجل، والقبض في المجلس يجري مجرى القبض حالة العقد. وقال أيضاً: القبض في المجلس شرط لصحته بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد، ويجري القبض في المجلس، وإن طال، ولو تماشيا مصطحبين إلى منزل أحدهما أو إلى الصرف، فتقابضا عنده جاز، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: لا خير في ذلك؛ لأنهما فارقا مجلسهما، ولنا : أنهما لم يفترقا قبل التقابض، فأشبه ما لوكانا في سفينة تسير بهما أو راكبين، انتھی . قال الزرقاني(١): محمل قول عمر: لا تفارقه حتى تأخذ منه عند مالك أن ذلك على الفور، لا على التراخي، وهو المعقول من لفظه وَله: ((هاء وهاء)) وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز التقابض ما لم يفترقا. وإن طالت المدة، وانتقلا إلى مكان آخر، واحتجّوا بقول عمر - رضي الله عنه -، وجعلوه تفسيراً لما رواه، وبقوله: ((وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره)) قالوا: فَعُلمَ منه أن المراعى الافتراق قاله أبو عمر. قال الأبي(٢): المناجزة قبض العوضين عقب العقد، وهي شرط في تمام الصرف، لا في عقده، فليس لأحدهما أن يرجع، وصرح بأنها شرط المازري وابن محرز، واختار ابن عرفة أنها ركن لتوقف حقيقته عليها، وليست بخارجة، وظاهر كلام ابن القصَّار أنها ليست بركن ولا شرط، وإنما التأخير مانع من تمام العقد، انتهى. (قال مالك: إذا اصطرف الرجل دراهم بدينار) وفي نسخة بدنانير (ثم وجد (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٢/٣). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٦٦/٤). ٥٦٣ ٣٣ - كتاب البيوع (١٧) باب (١٣٣٤) حديث فِيهَا دِرْهَماً زَائِفاً فَأَرَادَ رَدَّهُ. انْتَقَضَ صَرْفُ الدِّينَارِ. وَرَدَّ إِلَيْهِ وَرِقَهُ. وَأَخَذَ إِلَيْهِ دِينَارَهُ. وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذُلِكَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ)). وَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرْهُ. وَهُوَ إِذَا رَدَّ عَلَيْهِ دِرْهَماً مِنْ صَرْفٍ، بَعْدَ أَنْ يُفَارِقَهُ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ أَوِ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْخِرِ . فَلِذَلِكَ كُرِهَ ذُلِكَ. وَانْتَقَضَ الصَّرْفُ. وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، أَنْ لَا يُبَاعَ الذَّهَبُ فيها درهما زائفا) أي رديئاً (فأراد رده انتقض صرف الدينار) كله (ورد إليه ورقه) أي فضته من الدراهم كلها (وأخذ إليه ديناره، وتفسير ما كره من ذلك) أي سبب كراهته ذلك (أن رسول الله وَ ل﴿ل قال: الذهب بالورق رباً إلا هاء وهاء) بحذف الهمزة وإثباتها، كما تقدم في الحديث الماضي (وقال عمر بن الخطاب) راوي الحديث (وإن استنظرك إلى أن يلج بيته، فلا تنظره) كما تقدم أثره - رضي الله عنه - ذلك قريباً، وإذا ثبت ذلك، فظهر وجه الكراهة. (وهو) أنه (إذا رد عليه درهماً من صرف بعد أن يفارقه كان) هذا الدرهم (بمنزلة الدين) على بائع الدرهم (أو الشيء المتأخر) كذا في جميع النسخ المصرية من المتون، والشروح بالخاء المعجمة من التأخر، وفي نسخة الزرقاني وجميع النسخ الهندية: ((المستأجر)) بالجيم من الاستئجار(١)، والأول أوضح (فلذلك كره) أي منع (ذلك وانتقض الصرف). قال الباجي: معناه أنه إذا ردّ الذهب الزائف بعد المفارقة له، كان ما بَدَّلَه من الدراهم ديناً على بائع الدراهم، تأَخَّرَ القبض فيه عن وقت العقد، فلا يصح إتمام الصرف فیه، ویجب نقضه، انتھی. (وإنما أراد عمر بن الخطاب) بذكره الحديث المذكور (أن لا يباع الذهب (١) وفي نسخة ((الاستذكار)) (٢٣٥/١٩) و((ف)) المستأخر من الاستئخار. ٥٦٤ ٣٣ - كتاب البيوع (١٧) باب (١٣٣٤) حديث وَالْوَرِقُ وَالطَّعَامُ كُلُّهُ عَاجِلاً بِآَجِلِ. فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذُلِكَ تأْخِيرٌ وَلَا نَظِرَةٌ. وَإِنْ كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ. أَوْ كَانَ مُخْتَلِفَةً أَصْنَافُهُ. والورق والطعام كله) أي كل شيء من الربويات (عاجلاً بآجل) بمد الهمزة أي بمؤخر (فإنه لا ينبغي أن يكون في شيء من ذلك تأخير ولا نظرة) أي مهلة (وإن كان من صنف واحد، أو كان مختلفة أصنافه) لحرمة ربا النساء في ذلك إجماعاً ونصاً، وبسط الباجي والموفق في فروع هذه المسألة كثيراً. وقال ابن رشد(١): اختلف العلماء فيمن اصطرف دراهم بدنانير، ثم وجد فيها درهماً زائفاً، فأراد رَدَّه، فقال مالك: ينتقض الصرف، وإن كانت دنانير كثيرة انتقض منها دينار للدرهم، فما فوقه إلى صرف دينار، فإن زاد درهم على دينار انتقض منها دينار آخر، وهكذا ما بينه وبين أن ينتهي إلى صرف دينار، قال: وإن رضي بالدرهم الزائف لم يبطل من الصرف شيء. وقال أبو حنيفة: لا يبطل الصرف بالدرهم الزائف، ويجوز تبديله إلا أن تكون الزيوف نصف الدراهم أو أكثر، فإن ردّها بطل الصرف في المردود وقال الثوري: إذا ردّ الزيوف كان مُخَيَّراً إن شاء بدّلها أو يكون شريكاً له بقدر ذلك في الدنانير، أعني لصاحب الدنانير، وقال أحمد: لا يبطل الصرف بالرد قليلاً كان أو كثيراً، وابن وهب من أصحاب مالك يجيز البدل في الصرف، وهو مبني على أن الغلبة على النظرة في الصرف ليس لها تأثير، ولا سيما في البعض، وهو أحسن، وعن الشافعي في بطلان الصرف بالزيوف قولان . فيتحصل لفقهاء الأمصار في هذه المسألة أربعة أقوال، قول: بإبطال الصرف مطلقاً عند الردّ، وقولٌ: بإثبات الصرف ووجوب البدل، وقولٌ: بالفرق (١) ((بداية المجتهد)) (١٩٨/٢). ٥٦٥ ٣٣ - كتاب البيوع (١٨) باب (١٣٣٥) حديث (١٨) باب المراطلة ٤١/١٣٣٥ - حدّثني يَحْبَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطِ؛ أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُرَاطِلُ الذَّهَبَ بين القليل والكثير، وقولٌ: بالتخيير بين بدل الزائف، أو يكون شريكاً له، وأما وجود النقصان، فإن المذاهب اضطربت فيه، فمرة قال فيه: إنه إن رضي بالنقصان جاز الصرف، وإن طلب البدل انتقض الصرف قياساً على الزيوف، ومرة قال: يبطل الصرف، وإن رضي به وهو ضعيف، انتهى. وفي الصرف من ((الدر المختار))(١): ظهر بعض الثمن زيوفاً، فرده ينتقض فيه فقط، انتهى. (١٨) ما جاء في المراطلة مفاعلة من الرطل، قال الزرقاني(٢): لم أجد لغوياً ذكرها، وإنما يذكرون الرطل، وهي عرفاً بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة موزوناً، انتهى. وتقدم في أول الباب السابق عن الأبي (٣) أنه قال: بيع العين بالعين منه صرف، ومنه مراطلة، وتقدم الصرف، قال: وأما المراطلة هو بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة وزناً تُخْرِج الفلوس، وإن أريد إدخالها على القول بأنها كالعين، فيزاد في الحَدِّ أن يقال: أو فلساً بمثله عدداً لا وزناً؛ لأن العدد في الفلوس بمنزلة الوزن في العين، ولذا قال في آخر السلم الثالث من «المدونة»: لا يصحُّ فلس بفلس لا نقداً ولا مؤجلاً، انتهى. ٤١/١٣٣٥ - (مالك عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط) بقاف ومهملة مصغراً (أنه رأى سعيد بن المسيب) التابعي الصغير (يُراطل) أي يبيع مراطلة (الذهب (١) (٥٥٦/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٤/٣). (٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٦٣/٤). ٥٦٦ ٣٣ - كتاب البيوع (١٨) باب (١٣٣٥) حديث بِالذَّهَبِ. فَيُفْرِغُ ذَهَبَهُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَيُفْرِغُ صَاحِبُهُ الَّذِي يُرَاطِلُهُ ذَهَبَهُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ الْأُخْرَى. فَإِذَا اعْتَدَلَ لِسَانُ الْمِيزَانِ، أَخَذَ وَأَعْطَى. بالذهب) ثم بين صفة بيعه بقوله: (فيفرغ) بضم التحتية من أفرغت الدلو صببت ما فيه (ذهبه) مفعول يفرغ (في) إحدى (كفة الميزان) بكسر الكاف والضم لغةً؛ وقال الراغب: الكف كف الإنسان، وهي ما بها يقبض ويبسط، وكفة الميزان تشبيه بالكف في كفها ما يوزن بها (ويفرغ صاحبه) الذي يبادل منه الذهب وهو (الذي يراطله ذهبه في كفة الميزان الأخرى) صفة كفة (فإذا اعتدل لسان الميزان) يعني تساوي الكفتان (أخذ) ذهب الآخر (وأعطى) ذهبه. قال الباجي(١): قوله: يراطل الذهب بالذهب يريد مبادلة أحدهما بالآخر وزناً بوزن، وهي المراطلة وهو على ضربين: أحدهما: غير مسكوك، فلا خلاف على المذهب في جوازه، والثاني: مسكوك فهو مخرج في المذهب على روايتين، إحداهما: أنه جائز، وذلك مبنيٌ على أن الدراهم والدنانير تتعين بالعقد، وعلى هذا ترد أكثر مسائل أصحابنا في المراطلة، فإن أقوالهم في ذلك مطلقة لا تتقيد بمعرفة الوزن، والثانية: أنه لا يجوز، وذلك مبني على أنها لا یتعین بالعقد، انتهى. ثم قال: إن وزنت إحدى الذهبين، ثم وزن بعد ذلك بدلها بتلك الصنجة، فإنه جائز إذا تيقنت المساواة بينهما؛ لأنه الذهب بالذهب مثلاً بمثل، وقد عرا عن الجزاف بمعرفة قدره، انتهى. وفي ((المحلى)) بعد أثر الباب: وهو قول أبي حنيفة، ففي ((فتح القدير)): إن باع كِفّةَ ميزان من فضة بكفة منها، فإنه يجوز، وإن كانت مجازفةً لعدم احتمال التفاضل، لكن في ((البحر)) عن ((الصيرفية)): أنه لا يجوز ما لم يعلما (١) ((المنتقى)) (٢٧٦/٤). ٥٦٧ ٣٣ - كتاب البيوع (١٨) باب (١٣٣٥) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ، مُرَاطَلَةَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَ عَشَرَ دِينَاراً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ. يَداً بِيَدٍ. إِذَا كَانَ وَزْنُ الذَّهَبَيْنِ سَوَاءً. عَيْناً بِعَيْنٍ. وَإِنْ تَفَاضَلَ الْعَدَدُ. وَالدَّرَاهِمُ أَيْضاً فِي ذُلِكَ، بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ. وزن الذهب؛ لأنه وزنيّ، وأحاله إلى ((الجامع الصغير))، انتهى. (قال مالك: الأمر عندنا في بيع الذهب بالذهب والورق بالورق مراطلة) أي بيع العين بجنسه وزناً (أنه لا بأس بذلك) أي يجوز وإن لزم فيه (أن يأخذ أحد عشر ديناراً) خفيفة (بعشرة دنانير) ثقيلة (يداً بيد) أي مناجزةً (إذا كان وزنُ الذهبين) أي وزنُ أحد عشر ديناراً وعشرة دنانير (سواءً) متساوياً يعني (عيناً بعينٍ وإن) وصلية (تفاضل) أي زاد (العدد) كما في المسألة المذكورة تساوي وزن عشرة بأحد عشر، فلا عبرة للعدد فيه بعد تساوي الوزن (والدراهم أيضاً في ذلك بمنزلة الدنانير) يعني يعتبر وزنها إذا بيعت مراطلة، ولا بأس أن يراطل أحد عشر درهماً بعشرة منهما إذا كان وزنهما متساوياً . قال الباجي(١): وهذا كما قال: إنه لا يُرَاعَى في مراطلة الذهب بالذهب والفضة بالفضة العدد، وإنما يُرَاعَى فيه الوزنُ، سواء كانت كلها مجموعة أو فُرادى أو قائمة أو كان أحد العوضين مجموعةً، والثانية فرادى أو قائمة، ووجه ذلك أن الاعتبار في الورق والذهب إنما هو بالوزن، وإنما أبيح التعامل فيه بالعدد في بعض البلاد للعرف مع العلم بالوزن فيما لا يراعى فيه التساوي، فإذا كان العقد مما يراعى فيه التساوي، وجب أن يعتبر الوزن الذي هو أصل اعتباره، انتهى. وقال ابن رشد (٢): أجمع العلماء على أن المراطلة جائزة في الذهب (١) ((المنتقى)) (٢٧٦/٤). (٢) ((بداية المجتهد)) (١٩٩/٢). ٥٦٨ ٣٣ - كتاب البيوع (١٨) باب (١٣٣٥) حديث قَالَ مَالِكُ: مَنْ رَاطَلَ ذَهَبَاً بِذَهَبِ. أَوْ وَرِقاً بِوَرِقٍ. فَكَانَ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ. فَضْلُ مِثْقَالٍ. فَأَعْطَى صَاحِبَهُ قِيمَتَهُ مِنَ الْوَرِقِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا. فَلَا يَأْخُذُهُ. فَإِنَّ ذُلِكَ قَبِيحٌ. وَذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا. لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِثْقَالَ بِقِيمَتِهِ. حَتَّى كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ عَلَى حِدَتِهِ. جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِثْقَالَ بِقِيمَتِهِ مِرَاراً. لِأَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ الْبَيْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ. بالذهب وفي الفضة بالفضة، وإن اختلف العدد لاتفاق الوزن، وذلك إذا كانت صفة الذهبين واحدة، وإنما اختلفوا في المراطلة في موضعين، أحدهما: أن تختلف صفة الذهبين، والثاني: أن ينقص أحد الذهبين عن الآخر، فيريد الآخر أن يزيد بذلك عرضاً أو دراهم، انتهى، قلت: وسيأتي بيان هاتين المسألتين في هذا الباب في كلام الإمام أيضاً. (قال مالك: من راطل ذهباً بذهب أو) راطل (ورقاً بورق فكان بين الذهبين) مثلاً، وهكذا الحكم إذا كان الفضل بين الورقين (فضل) أي زيادة (مثقال) مثلاً (فأعطى صاحبه) الذي في ذهبه نقص (قيمته) أي قيمة المثقال (من الورق أو من غيرها) أي من غير الورق أَنثه على معنى الورق، وهو الفضة يعني أعطى في قيمة المثقال شيئاً آخر غير الفضة كالعروض مثلاً (فلا يأخذه) أي لا يأخذ صاحب الزيادة هذا البدل (فإن ذلك) أي أخذ البدل من غير الذهب (قبيح) لا يجوز (وذريعة) بذال معجمة أي وسيلة (إلى الربا). ثم بَيَّنَ كونه ذريعةً للربا بقوله: (لأنه إذا جاز له) أي صار جائزاً له (أن يأخذ المثقال) الزائد (بقيمته) في الصورة المذكورة (حتى) صار (كأنه اشتراه) أي المثقال المذكور (على حِدَته) أي وحده (جاز له) أي لزمه أن يجوز له (أن يأخذ المثقال بقيمته مراراً) قصداً وابتداء (لأن يجيز) أي لأجل أن يبيح، وفي بعض النسخ المصرية: لأنه يجيز (بذلك) أي بفعله المذكور، والفاعل الضمير، وفي نسخة: ((ذلك))، فيكون هو الفاعل (البيع) المحظور (بينه وبين صاحبه) أي بين البائع والمشتري . ٥٦٩ ٣٣ - كتاب البيوع (١٨) باب (١٣٣٥) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّهُ بَاعَهُ ذُلِكَ الْمِثْقَالَ مُفْرَداً لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، لَمْ يَأْخُذْهُ بِعُشْرِ الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ بِهِ. لِأَنْ يُجَوِّزَ لَهُ الْبَيْعَ. فَذَلِكَ الذّرِيعَةُ إِلَى إِحْلَالِ الحَرَامِ. وَالْأَمْرُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ. (قال مالك: ولو أنه) أي الرجل المذكور الذي باع فضل مثقال (باعه) أي باع المشتري (ذلك المثقال مفرداً ليس معه غيره) صفةٌ كاشفةٌ لمفردٍ (لم يأخذه بعُشْر) بضم العين وسكون الشين المعجمة في النسخ المصرية وهامش الهندية، وفي متونها بدله ((بغير)) (الثمن الذي أخذه به لأن) أي لأجل أن (يجوز له البيع فذلك الذريعة) بالذال المعجمة أي الوسيلة (إلى إحلال الحرام) أي وسيلة إلى إحلال البيع المحرم (والأمر) موصوف (المنهيُّ عنه) صفة، والأمر مرفوع على أنه خبر بعد خبر لقوله: ذلك، ويحتمل الجر عطفاً على قوله: الحرام، وتفسیر له. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من راطل ذهباً بذهب، فإنه لا يجوز أن يكون مع أحد الذهبين ورقٌ، ولا عرضٌ، ولا شيءٌ، سواء كانت إحدى الذهبين أكثر من الأخرى، ويكون العرض وغيره في مقابلة زيادة أحد الذهبين على الآخر، أو كان الذهبان متساويين، وبيان ذلك أن يكون قد دفع إليه دينارين بدينار، ويجعل مع الدينار ثوباً أو طعاماً أو ورقاً أو غير ذلك، ليكون في مقابلة الدينار الآخر، فإنه لا يجوز ذلك. ومنع منه مالك لوجهين: أحدهما: أنه قبيح وممنوع لنفسه ولفساد العقد على هذا الوجه، لما فيه من التفاضل بين الذهبين؛ لأن السلعة التي مع الدينار مقسَّطة مع دينارها على الدينارين، فيصيب كل دينار نصف دينار ونصف السلعة. وربما كانت السلعة أكثر قيمة من الدينار أو أقل قيمة، فيقابل أكثر الدينارين أو أقلهما، ويقابل الباقي من الذهب التي مع السلعة أقلّ من وزنها أو أكثر، ولهذا منعه الشافعي، وإن لم يقل بالذرائع. (١) ((المنتقى)) (٤/ ٢٧٧). ٥٧٠ ٣٣ - كتاب البيوع (١٨) باب (١٣٣٥) حديث والوجه الثاني: أن هذا العقد ممنوع للذريعة إلى الحرام، وتقدم الكلام على الذرائع، وتفسير ذلك في هذه المسألة ما احتجَّ به مالك من أنه إذا جاز له أن يأخذ بالمثقال قيمته، حتى كأنه اشتراه مفرداً جاز له أن يأخذ قيمته مراراً ليُجيز البيع بينه وبين صاحبه، يريد بذلك ليُجِيْزَ المحظورَ الممنوع بالشرع. وذلك أنه إذا باع ديناراً رديئاً بدينارين جيدين، وعلم أنه لا يصحُّ أن يعطيه بذلك الدينار نصف دينار جيد، جعل مع الدينار ما يساوي أكثر من الدينار الجيد مراراً وجعله ثمناً للدينار الجيد، فيكون في الظاهر قد أعطاه ديناراً رديئاً بدينار جيد وأعطاه السلعة بالدينار الآخر الجيد، وهو في الحقيقة إنما أعطاه الدينار الرديء بنصف دينار جيد، وأخذ السلعة بدينار ونصف من الذهب الجيد، وهذا مما لا يحلُّ، ولذلك قال مالك: ولو أنه باعه ذلك الدينار مفرداً لم يأخذه بعشر الثمن، يعني أن ذلك الدينار الرديء الذي مع السلعة لو باعه مفرداً لم يُعطه به الدينار الجيد من الدينارين، وإنما أضاف إليه السلعة ليتوصل بذلك إلى أخذ بعض دينار جيد بدينار رديء، وهذه المسألة تعرف بمسألة مُدَّي(١) عجوة؛ لأنها تفرض فيمن باع مُدَّ عجوةٍ ودرهما بدرهمين، وجَوَّز ذلك أبو حنيفة(٢)، انتهى. قلت: تقدمت مسألة مُدِّ عجوة فيما سبق، وهذه مسألة ثانية مما سبق في كلام ابن رشد(٣) أنهما مختلفان في المراطلة، فقال: أما اختلافهم، إذا نقصت المراطلة، فأراد أحدهما أن يزيد شيئاً آخر مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه مثل أن يراطل أحدهما صاحبه ذهب بذهب، فينقص أحد الذهبين عن الآخر، فيريد (١) كذا في الأصل والمعروف بمسألة مد عجوة بالإفراد.، اهــ ((ز)). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٤٣/١٩) وفيه يجوز عندهم مُدُّ عجوة ودرهم بمُدَّي عجوة؛ لأن المد الثاني بالدرهم. (٣) انظر: ((بداية المجتهد)) (١٩٩/٢). ٥٧١ ٣٣ - كتاب البيوع (١٨) باب (١٣٣٥) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُرَاطِلُ الرَّجُلَ، وَيُعْطِيهِ الذَّهَبَ الْعُثُقَ الْجِيَادَ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا تِبْراً ذَهَباً غَيْرَ جَيِّدَةٍ. وَيَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَهَباً كُوفِيَّةً مُقَطَّعَةً. وَتِلْكَ الْكُوفِيَّةُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ النَّاسِ. فَيَتَبَايَعَانِ ذُلِكَ مِثْلاً بِمِثْلِ: إِنَّ ذُلِكَ لَا يَصْلُحُ. قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذُلِك، أَنَّ صَاحِبَ الذَّهَب الْجِيَادِ أَخَذْ فَضْلَ الذي نقص ذهبه أن يعطي عوض الناقص دراهم أو عرضاً، فقال مالك والشافعي والليث: إن ذلك لا يجوز، والمراطلة فاسدة، وأجاز ذلك كله أبو حنيفة والكوفيون. وعمدة الحنفية تقدير وجود المماثلة من الذهبين وبقاء الفضل مقابل العرض، وعمدة مالك التُّهمة في أن يقصد بذلك بيع الذهب بالذهب متفاضلاً، وعمدة الشافعي عدم المماثلة بالكيل أو الوزن أو العدد الذي بالفضل، انتهى. (قال مالك) وهذه مسألة أخرى خلافية في المراطلة (في الرجل) مثلاً (يُراطل الرجلَ) الآخر (ويُعطيه الذهبَ العُتُقَ) بضمتين جمع عتيق كبرد جمع بريد، والمراد الذهب الجيد النفيس (الجياد) تأكيد للعتق (ويجعل معها تبراً ذهباً غير جيدة) أي رديئاً (ويأخذ من صاحبه) في بدله (ذهباً كوفية) أي رديئة (مقطعة وتلك) الذهب (الكوفية مكروهة عند الناس) لرداءة الذهب، كما يظهر من ((المدونة))، لكن رداءته لا تساوي التبر الرديء، بل يكون أجود من التبر الرديء، كما يظهر من سياق الكلام (فيتبايعان ذلك) المذكور بأن في أحد الجانبين ذهباً جيداً وتبراً رديئاً أردأ من الكوفية أيضاً، وفي الجانب الآخر كله ذهب كوفي (مثلاً بمثل إن ذلك لا يصلح) أي لا يجوز هذا البيع. (قال مالك: وتفسير ما كره من ذلك) أي توضيح سبب الكراهة في ذلك (أن صاحب الذهب الجياد) الذي جعل معه تبراً رديئاً (أخذ فضل) أي زيادة ٥٧٢ ٣٣ - كتاب البيوع (١٨) باب (١٣٣٥) حدیث عُيُونِ ذَهَبِهِ فِي التِّبْرِ الَّذِي طَرَحَ مَعَ ذَهَبِهِ. وَلَوْلًا فَضْلُ ذَهَبِهِ عَلَى ذَهَبٍ صَاحِبِهِ، لَمْ يُرَاطِلْهُ صَاحِبُهُ بِبْرِهِ ذَلِكَ، إِلَى ذَهَبِهِ الْكُوفِيَّةِ فَامْتَنَعَ . .... (عيون ذهبه) الجيد (في التبر) الرديء (الذي طرح) وقارن (مع ذهبه) الجيد (ولولا فضل ذهبه) وجودته (على ذهب صاحبه) وهو صاحب الذهب الكوفي (لم يراطله صاحبه بتبره ذلك) الرديء (إلى ذهبه الكوفية) لرداءة التبر بأكثر من الكوفية، (فامتنع) ذلك البيع، لأجل ذلك، أي لأجل دوران الفضل من الجانبين. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من راطل ذهباً بذهب وأحد الذهبين من جنسين، فإن كان لم يعلم بمقدار الجيد من الرديء، لم تجز المراطلة، ولا المبايعة كلها، وإن علم مقدار ذلك، لم يخلُ أن يكون أحد الذهبين من جنس الذهب المفردة، مساويةً لها في الجودة والنفاق، أو لا تكون إحداهما مساوية لها؛ فالظاهر من المذهب جواز ذلك، سواء كانت الذهب التي معها أفضل أو أدون، وهذا لا وجه فيه لمنع الذريعة؛ لأن مساواة إحدى الذهبين الذهب التي في عوضها تنفي التهمة التي تلحق من جهة التقسيط فموجود، إلا أن يحمل التقسيط على وجه الذريعة والتهمة في ذلك، فيبعد أيضاً، وهذا ما لم يكن رداءة أحد الذهبين من غشّ نحاسٍ فيها، وإنما هي الرداءة في غش الذهب. فإن كانت مغشوشة بنُحاسٍ، لم تجز المراطلة بها، وأما إن كانت غير مساوية، فلا يخلو أن يكون الذهبان أفضل أو أدنى من الذهب المفردة، أو يكون إحدى الذهبين أفضل من المفردة، والثانية أدنى منها، فإن كانت أفضل أو أدنى، فعلى ما تقدم. وإن كانت إحداهما أفضل، والأخرى أدنى، فلا خلاف في المذهب أنه لا يجوز، ووجه ذلك ما يلزم من تقسيط الذهب المفردة على الذهبين اللتين إحداهما أفضل منها، والأخرى أدنى منها، فيؤديه ذلك إلى التفاضل في (١) انظر: ((المنتقى)) (٢٧٨/٤). ٥٧٣ ٣٣ - كتاب البيوع (١٨) باب (١٣٣٥) حديث الذهب، أو يمنع ذلك للتهمة في قصد ذلك، فتقوى التهمة ههنا، دون أن تكون إحدى الذهبين مساوية لها، والأخرى أفضل أو أدنى، فإن التهمة تضعف فیهما، انتھی. قلت: والمذكور في ((الموطأ)) على الظاهر، هي الصورة الأخيرة من الصور التي ذكرها الباجي، وهي أن تكون إحدى الذهبين أعلى من المفردة، والأخرى أدنى من المفردة، وهي أولى المسألتين، سبق ذكرهما في كلام ابن رشد، فقال(١): أما في الموضع الأول، وهو أن يختلف جنس المراطل بهما في الجودة والرداءة أنه متى راطل أحدهما بصنف من الذهب الواحد، وأخرج الآخر ذهبين، أحدهما أجود من ذلك الصنف الواحد والآخر أردأ، فإن ذلك عنده لا يجوز، وإن كان الصنف الواحد من الذهبين أعني الذي أخرجه وحده أجود من الذهبين المختلفين اللذين أخرجهما الآخر، أو أردأ منهما معاً، أو مثل أحدهما وأجود من الثاني، جازت المراطلة عنده. وقال الشافعي: إذا اختلف الذهبان، فلا يجوز ذلك، وقال أبو حنيفة وجميع الكوفيين والبصريين: يجوز جميع ذلك، وعمدة مذهب مالك في منعه ذلك الاتهام، وهو مصير إلى القول بسدِّ الذرائع، مثال ذلك أن إنساناً قال لآخر: خذ مني خمسةً وعشرين مثقالاً وسطاً بعشرين من الأعلى، فقال: لا يجوز لنا هذا، ولكن أعطيك عشرين من الأعلى وعشرة أدنى من ذهبك، وتعطيني أنت ثلاثين من الوسط، فتكون العشرة الأدنى، يقابلها خمسة من ذهبك، ويقابل العشرين من ذهبي الوسط العشرين من ذهبك الأعلى، وعمدة الشافعي اعتبار التفاضل الموجود في القيمة، وعمدة أبي حنيفة اعتبار وجود الوزن من الذهبين، ورد القول بسدِّ الذرائع، انتهى. (١) ((بداية المجتهد)) (١٩٩/٢). ٥٧٤ ٣٣ - كتاب البيوع (١٨) باب (١٣٣٥) حديث وإِنَّمَا مَثَلُ ذُلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ ثَلَاثَةَ أَصْوُع مِنْ تَمْرٍ عَجْوَةٍ. بِصَاعَيْنِ وَمُدِّ مِنْ تَمْرِ كَبِيسٍ. فَقِيلَ لَهُ: هَذَا لَا يَصْلِحُ. فَجَعَلَ صَاعَيْنِ مِنْ كَبِيسٍ، وَصَاعاً مِنْ حَشَفٍ. قلت: ما قال: ويقابل العشرين من ذهبي الوسط العشرين من ذهبك الأعلى، هكذا في نسخة ((البداية)) الموجودة عندي، والظاهر عندي أن فيه تحريفاً من الناسخ، والصواب في سياق الكلام: ويقابل العشرين من ذهبي الأعلى خمسة وعشرون من ذهبك الوسط، فتأمل. قلت: وما حكي من مذهب الحنفية أنهم أباحوا جميع ذلك ليس على عمومه، فإنهم أباحوا ذلك عند اختلاف الجنس، قال صاحب ((البداية)) (١): فإن باع فضة بفضة، أو ذهباً بذهب لا يجوز، إلا مثلاً بمثل، وإن اختلفا في الجودة والصياغة، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الذهب بالذهب مثلاً بمثل وزناً بوزن يداً بيد والفضل ربا)) الحديث، وقال عليه الصلاة والسلام: ((جيدها ورديئها سواء))، انتهى. (وإنما مثل ذلك) أي مثال المسألة المذكورة بذكر النظائر في ذلك (كمثل رجل أراد أن يبتاع ثلاثة آصع) وفي بعض النسخ: ثلاثة أصوع. وكلاهما جمع صاع. (من تمر عجوة) بالجر بدل من تمر، والعجوة نوع أجود من التمر، لكنه أدنى من الكبيس وأعلى من الحشف، فصار في هذا المثال بمنزلة التمر المتوسط (بصاعین) أي بعوض صاعین (ومدین من تمر کبیس) على وزن رئيس ضرب من التمر أعلى نوعاً من العجوة. (فقيل له: هذا) البيع (لا يصلح) أي لا يجوز لعدم المساواة كيلاً بين البدلين (فجعل) ذريعة للإباحة (صاعين من كبيس) ومعهما (صاعاً من حشف) (١) هكذا في الأصل لكني ما وجدت هذه العبارة في ((بداية المجتهد))، بل وجدتها في ((الهداية)) (٢/ ٨١). ٥٧٥ ٣٣ - كتاب البيوع (١٨) باب (١٣٣٥) حديث يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ، بِذْلِكَ، بَيْعَهُ. فَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الْعَجْوَةِ، لِيُعْطِيَهُ صَاعاً مِنَ الْعَجْوَةِ بِصَاعٍ مِنْ حَشَفٍ. وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا أَعْطَاهُ ذُلِكَ، لِفَضْلِ الْكَبِيسِ. أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلِرَّجل: بعْنِي ثَلَاثَةَ أَصْوُع مِنَ الْبَيْضَاءِ. بِصَاعِيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ. فَيَقُولُ: هُذَا لَا يَصْلُغَّ إِلَّا مِثْلاً بِمِثْلٍ. فَيَجْعَلُ صَاعَيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ. وَصَاعاً مِنْ شَعِيرٍ . يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ، بِذْلِكَ، الْبَيْعَ فِيمَا بَيْنَهُمَا . محركاً أردأ أنواع التمر، قال صاحب ((المحلى)): أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعاً، ذكره الجوهري وغيره (يريد أن يجيز بذلك) أي بمعية الصاع من الحشف (بيعه) لاتحاد الكيل في الجانبين إذ صارت هذه ثلاثة آصع من الكبيس والحشف، وكانت في الجانب الآخر ثلاثة آصع من العجوة (فذلك لا يصلح) ولا يجوز (لأنه لم يكن صاحب العجوة) أي مالكها (ليعطيه صاعاً من العجوة بصاع من حشف) أبداً لاختلافهما جودة ورداءة. (ولكنه إنما أعطاه ذلك) إذ ذاك (لفضل الكبيس) الذي مع الحشف (أو أن يقول الرجل) وهذا نظير آخر للمسألة المذكورة في السابق (للرجل) الآخر (بعني ثلاثة آصع) وفي نسخة أصوع(١) (من البيضاء) المراد بها ههنا الحنطة، كما هو المعروف في إطلاقه، وإن كان يطلق على الشعير أيضاً في كلام بعضهم (بصاعين ونصف) صاع (من حنطة شاميّة) وهي أجود من البيضاء (فيقول الرجل) الآخر: (هذا) أي بيع الحنطة بالحنطة (لا يصلح) أي لا يجوز (إلا مثلاً بمثل) أي متساويين في الكيل (فيجعل صاعين من حنطة شامية) وهي أجود من البيضاء (وصاعاً من شعير) وهي أدنى من الحنطة بالبداهة. وهذا المثال مبني على مسلك الإمام مالك من كون الحنطة والشعير صنفاً واحداً، بخلاف الجمهور إذ جعلوهما صنفين، كما تقدم في محله (يريد أن يجيز بذلك) أي بمشاركة الصاع من الشعير (البيع) المقصود (فيما بينهما) وهو (١) كذا في نسخة ((الاستذكار)) (٢٤٤/١٩). ٥٧٦ ٣٣ - كتاب البيوع (١٨) باب (١٣٣٥) حديث فَهذَا لَا يَصْلْحُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعْطِيَهُ بِصَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ، صَاعاً مِنْ حِنْطَةٍ بَيْضَاءَ، لَوْ كَانَ ذُلِكَ الصَّاعُ مُفْرَداً. وَإِنَّمَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ لِفَضْلِ الشَّامِيَّةِ عَلَى الْبَيْضَاءِ. فَهَذَا لَا يَصْلُحُ. وَهُوَ مِثْلُ مَا وَصَفْنَا مِنَ التِّبْرِ. قَالَ مَالِكٌ: فَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالطَّعَامِ كُلِّهِ. الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مَعَ الصِّنْفِ الْجَيِّدِ مِنَ الْمَرْغُوبِ فِيهِ، الشَّيْءُ الرَّدِئُ الْمَسْخُوطُ، لِيُجَازَ الْبَيْعُ. وَلِيُسْتَحَلَّ بِذْلِكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ، إِذَا جُعِلَ ذلِكَ مَعَ الصِّنْفِ الْمَرْغُوبِ فِهِ. بيع البيضاء بالحنطة الشامية (فهذا لا يصلح) ولا يجوز (لأنه) أي صاحب البيضاء (لم يكن ليعطيه بصاع من شعير صاعاً من حنطة بيضاء) أبداً (لو كان ذلك الصاع) من الشعير (مفرداً) غير مقترن بالحنطة الشامية (وإنما أعطاه) إذ ذاك (إياه لفضل) الحنطة (الشامية على البيضاء) كما هو ظاهر (فهذا لا يصلح) سداً للذريعة (وهو) أي مثال التمر، ومثال الحنطة (مثل ما وصفنا) أولاً (من التبر) الرديء. (قال مالك) ذكر من ههنا ضابطةً كليةً للمسألة المذكورة بعد ذكر الأمثلة، فقال: (فكل شيء من الذهب والورق والطعام كلّه) أي كل أنواع الطعام (الذي لا ينبغي) أي لا يصلح (أن يبتاع) وفي نسخة: أن يباع (إلا مثلاً بمثل) أي متساوياً في الكيل أو الوزن (فلا ينبغي) أي لا يجوز (أن يُجْعل) ببناء المجهول (مع الصنف الجيد منه) الضمير للشيء (المرغوب فيه) صفة كاشفة للصنف الجيد (الشيء) نائب فاعل لقوله: يجعل (الرديء) صفة للشيء (المسخوط) ضد المرغوب (ليجاز) بالجيم والزاي، أي ليباح بذلك (البيع) المحظور (ويستحلّ بذلك) المذكور من الحيلة (ما نهي عنه) مفعول يستحلّ (من الأمر الذي لا يصلح) بيان لما (إذا جعل ذلك) أي خلط المسخوط (مع الصنف المرغوب فيه) ظرف لقوله: يستحل. ٥٧٧ ٣٣ - كتاب البيوع (١٨) باب (١٣٣٥) حدیث وَإِنَّمَا يُرِيدُ صَاحِبُ ذُلِكَ أَنْ يُدْرِكَ بِذْلِكَ، فَضْلَ جَوْدَةِ مَا يَبِيعُ. فَيُعْطِي الشَّيْءَ الَّذِي لَوْ أَعْطَاهُ وَحْدَهُ، لَمْ يَقْبَلْهُ صَاحِبُهُ. وَلَمْ يَهْمُمْ بِذْلِكَ. وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ مِنْ أَجْلِ الَّذِي يَأْخُذُ مَعَهُ، لِفَضْلِ سِلْعَةِ صَاحِبِهِ عَلَى سِلْعَتِهِ. فَلَا يَنْبَغِي لِشَيْءٍ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالطَّعَامِ أَنْ يَدْخُلَهُ شَيْءٌ مِنْ هُذِهِ الصِّفَةِ. فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الطَّعَامِ الرَّدِيءِ، أَنْ يَبِيعَهُ بِغَيْرِهِ، فَلْيَبِعْهُ عَلَى حِدَتِهِ. وَلَا يَجْعَلُ مَعَ ذَلِكَ شَيْئاً. فَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ. وبيان للحيلة المشار إليها بقوله: بذلك (وإنما يريد صاحب ذلك) وهو خالط المسخوط والمرغوب (أن يدرك بذلك) الخلط (فضل جودة ما يبيع) أي يستوفي جودته (فيعطي) معه (الشيء) الرديء (الذي لو أعطاه وحده) أي منفرداً (لم يقبله صاحبه) الآخر أبداً لردائته (ولم يهمم) بفك الإدغام (بذلك) أي لم يلتفت إليه صاحبه أصلاً، توضيح لقوله: لم يقبله (وإنما يقبله) حينئذ (من أجل) الجيد (الذي يأخذ) إياه (معه) أي مع الرديء (لفضل سلعة صاحبه) وهي الكبيس في المثال المذكور (على سلعته) التي هي العجوة في المثال الماضي. وتقدم البسط على هذا الأصل في آخر باب الصرف في مسألة مد عجوة (فلا ينبغي) كرره تأكيداً (لشيء من الذهب والورق والطعام) نهي لها، والمراد أصحاب هذه الأشياء (أن يدخله) ببناء المجرد (شيء) فاعل يدخل (من هذه الصفة) وهي خلط الجيد بالرديء (فإن أراد صاحب الطعام) أو الذهب أو الورق (الردئ أن يبيعه) الردئ (بغيره) بالأجود (فليبعه على حدته) الحدة مصدر أي فليبعه على انفراده أي متميزاً عن غيره ومنفرداً (ولا يجعل مع ذلك شيئاً) آخر جيداً، فإن فعل ذلك أي باعه منفرداً (فلا بأس به) أي يجوز (إذا كان كذلك) أي إذا كان البيع منفرداً لعدم الذريعة. قال صاحب ((المحلى)): وذلك يبتني على كلية، وهي أن كل عقد يدخل في العقد ينظر، هل يكون حكمه عند الانفراد، كحكمه عند الاقتران أم لا؟ ٥٧٨ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب (١٩) باب العينة وما يشبهها فعلى الأول يصحُّ، وعلى الثاني لا، وهذا إنما يليق بمذهب من منع الحيل للتوسل بها إلى الخروج من الربا أو غيره، كمالك وأحمد، وأما أبو حنيفة والشافعي فهما يريان إباحة الحيل، فلا ينظرون إلى هذا التفصيل. قلت: وقد عرفت فيما سبق قريباً أن الحنفية أباحوا ذلك عند اختلاف الجنس، لا عند اتحاده، وهذه الفروع التي ذكرها الإمام مالك ظاهرة في اتحاد الجنس، فلا خلاف فيها للحنفية. (١٩) العينة بكسر العين المهملة، بيع السلعة بثمنٍ مؤجل، ثم شراؤه بأنقص منه حالاً، كذا في ((المحلى))، وفي ((البذل)) (١): هو أن يبيع من رجل سلعته بثمنٍ معلوم إلى أجل مسمّى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الأول، سُمِّيَتْ بها لحصول النقد لصاحب العينة؛ لأن العين هو المال الحاضر من النقد، انتهى. قال صاحب ((المحلى)): قال الشافعي: يجوز ذلك مع الكراهة، وقال الثلاثة الباقية: لا يجوز، واستدلوا لذلك بقصة أم ولد زيد بن أرقم، تقدم ذكرها، واختلاف الأئمة في هذه المسألة في أول ((كتاب البيوع)) في ((بيع العربان))، وتقدمت أجوبة الشافعية عن هذه القصة، في ((باب ما يكره من بيع الثمر)). واستدل الجمهور أيضاً بما قال الزرقاني(٢): روى أحمد في ((الزهد)) عن ابن عمر: أتى علينا زمان، وما يرى أحد منا أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم، ثم قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((إذا الناس تبايعوا بالعينة واتّبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً، فلا يرفعه عنهم، حتى يراجعوا دينهم)) صححه ابن القطان، انتهى. (١) انظر: ((بذل المجهود)) (١٣٦/١٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٦/٣). ٥٧٩ ٣٣ - كتاب البيوع (١٩) باب والمرفوع منه أخرجه أبو داود(١) في ((باب العينة)) بلفظ ((إذا تبايعتم بالعينة))، الحديث. قال صاحب ((المحلى)): ولم يذكر الإمام المصنف في الترجمة حديث العينة، وكأنه استدل على عدم جوازه بحديث النهي عن بيع الطعام قبل القبض، فإنه معه في أن كلاً منهما استرباح ما ليس في ضمانه، انتهى. قلت: وهو كذلك على الظاهر، فإن في جميع النسخ المصرية اكتفى في الترجمة على هذه الأحاديث، بلفظ ((العينة وما يشبهها)). وما يشبهها أي ما يُشْبهُ العينة في استرباح الرجل، بما ليس في ضمانه، ومن جملته بيع الطعام قبل القبض، وكذا بيع غير الطعام قبله. وبيع الطعام قبل أن يستوفي هكذا في جميع النسخ الهندية من تثليث أجزاء الترجمة، وليست هذه الجملة في النسخ المصرية(٢)، بل اكتفى فيها على ((العينة وما يشبهها))، وتقدم في أول ((كتاب البيوع)) اختلاف العلماء في اشتراط قبض المبيع للبائع، حتى قال ابن رشد(٣): إن للعلماء في اشتراط القبض سبعة أقوال، منها قول عثمان البتي، أنه قال: لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه، قال ابن عبد البر: هذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام. وأما بيع الطعام، ففي ((المغني)) (٤): قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم (١) ((سنن أبي داود)) (٣٤٦٢) (٢٧٤/٣). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٤٧/١٩). (٣) ((بداية المجتهد)) (١٤٥/٢). (٤) ((المغني)) (٦/ ١٨٣). ٥٨٠