النص المفهرس
صفحات 461-480
٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٦) حديث وجيء على ما روي عن مالك أيضاً أن العلة الادخار للاقتيات، فلا يجري الربا في الفواكه التي تيبس؛ لأنها ليست بمقتاتة، ولا يجري في البيض؛ لأنها وإن كانت مقتاتة فليست بمدَّخرة، قال الباجي: وهذا القول عندي أجري على المذهب، انتهى. وقال الدردير(١): وحَرُمَ كتاباً وسنةً وإجماعاً في ذهب وفضة، وطعام ربا فضلٍ ونسأٍ، لكن ربا الفضل فيما اتحد جنسه من النقد والطعام الربوي، ولا بأس به في مختلف الجنس منهما يداً بيد، وربا النسأ يحرم في النقود مطلقاً، وكذا في الطعام ولو غير ربوي، فكل ما يدخله ربا الفضل يدخله ربا النسأ دون عکس، انتھی. وقال أيضاً: علة حرمة الربا أي ربا الفضل في الطعام اقتيات وادّخار بأن لا يفسد بتأخيره إلى الأمد المبتغى منه عادة، ولا حد له على ظاهر المذهب. وهل يشترط مع ذلك كونه متخذاً لغلبة العيش أو لا يشترط؟ وهو قول الأكثر المعول عليه، وأما ربا النسأ فعلته مجرد الطعم، لا على وجه التداوي، فتدخل الفاكهة والخضر. وذكر العيني(٢) على البخاري عشرة مذاهب للعلماء في ذلك أكثرها مذاهب التابعين، وقال ابن رشد(٣): اتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين في البيع، وفيما تقرر من الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك، فأما الربا فيما تقرر من الذمة فهو صنفان: صنف متفق عليه، وهو ربا الجاهلية الذي نهي عنه، وذلك أنهم كانوا يُسلفون بالزيادة، وينظرون، فكانوا يقولون: أنظرني (١) ((الشرح الكبير)) (٢٨/٣). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٢٠/٨). (٣) ((بداية المجتهد)) (١٢٨/٢). ٤٦١ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٦) حديث أزدك، وهذا الذي عناه عليه الصلاة والسلام بقوله في حجة الوداع: ((ألا وإن ربا الجاهلية موضوع))، والنوع الثاني: ((ضَعْ وَتَعَجَّلْ)) وهو مختلف فيه كما ذكر في محله. وأما الربا في البيع، فإن العلماء أجمعوا على أنه صنفان نسيئةٌ وتفاضل، إلا ما روي عن ابن عباس من إنكاره ربا الفضل، لما رواه عن النبي وَلين: ((لا ربا إلا في النسيئة)) (١)، وإنما صار جمهور الفقهاء إلى أن الربا في هذين النوعين لثبوت ذلك عنه وَالر. وأجمعوا على أن التفاضل والنسأ مما لا يجوز واحد منهما في الصنف الواحد من الأصناف التي نص عليها في حديث عبادة بن الصامت، وفي آخره: فمن زاد أو ازداد فقد أربى، وهذا نص في منع التفاضل في الصنف الواحد من هذه الأصناف. وأما منع النسيئة فثابتٌ من غير ما حديث، أشهرها حديث عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صل﴾: ((الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء)) الحديث(٢). فتضمَّنَ حديث عبادة منع التفاضل في الصنف الواحد، وتضمن أيضاً منع النسأ في الصنفين وإباحة التفاضل، وذلك في بعض الروايات الصحيحة فيها بعد ذكر منع التفاضل في الستة، ((وبيعوا الذهب بالورق كيف شئتم يداً بيد، والبر بالشعير كيف شئتم يداً بيد)»، وهذا كله متفق عليه بين الفقهاء إلا البر بالشعير. واختلفوا فيما سوى هذه الستة المنصوص عليها، فقال قوم منهم أهل الظاهر: إنما يمتنع التفاضل في هذه الستة فقط، وما عداها لا يمتنع في الصنف الواحد منها التفاضل، وقالوا أيضاً: إن النسأ ممتنع في هذه الستة (١) أخرجه البخاري (٢١٧٨)، ومسلم (١٥٩٦). (٢) أخرجه البخاري (٢١٣٤)، ومسلم (١٥٨٦)، وأبو داود (٣٣٤٨)، والترمذي (١٢٤٣)، والنسائي (٤٥٧٢)، وابن ماجه (٢٢٥٣). ٤٦٢ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٦) حديث فقط، اتفقت الأصناف أو اختلفت، وهذا أمر متفق عليه، أعني امتناع النسأ فيها مع اختلاف الأصناف، إلا ما حكي عن ابن علية أنه قال: إذا اختلف الصنفان جاز التفاضل والنسيئة ما عدا الذهب والفضة، فهؤلاء جعلوا النهي المتعلق بأعيان هذه الستة من باب الخاص أُرِيد به الخاص، وأما الجمهور من الفقهاء، فإنهم اتفقوا على أنه من باب الخاص أريد به العام. واختلفوا في المعنى العام الذي وقع التنبيه عليه بهذه الأصناف، أعني في مفهوم علة التفاضل ومنع النسأ، فالذي استقر عليه حُذَّاقُ المالكية أن سبب منع التفاضل، أما في الأربعة فالصنف الواحد من المدَّخر المُقْتات، وقد قيل: الصنف الواحد المدخر، وإن لم يكن مقتاتاً . وأما العلة عندهم في منع التفاضل في الذهب والفضة فهو الصنف الواحد أيضاً مع كونهما رؤوساً للأثمان وقيماً للمتلفات، وهذه العلة تعرف بالقاصرة؛ لأنها ليست موجودة في غير الذهب والفضة. وأما علة منع النساء عند المالكية في الأربعة المنصوص عليها، فهو الطعم والادخار دون اتفاق الصنف، ولذلك إذا اختلفت أصنافها جاز عندهم التفاضل دون النسيئة، ولذلك يجوز التفاضل عندهم في المطعومات التي ليست مدخرة، أعني في الصنف الواحد منها، ولا يجوز النسأ. وأما الشافعية فعلة منع التفاضل عندهم في الأربعة هو الطعم فقط مع اتفاق الصنف الواحد، وأما علة النسأ، فالطعم دون اعتبار الصنف مثل قول مالك، وأما الحنفية فعلة منع التفاضل عندهم في الستة واحدة، وهو الكيل أو الوزن مع اتفاق الصنف، وعلة النسأ فيها اختلاف الصنف ما عدا النحاس والذهب، فإن الإجماع انعقد على أنه يجوز فيها النسأ، ووافق الشافعي مالكاً في أن علة منع التفاضل والنسأ في الذهب والفضة كونهما رؤوساً للأثمان وقيماً للمتلفات، انتهى. ٤٦٣ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٦) حديث قال الباجي(١): فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في فصلين: أحدهما: أننا نراعي الاقتيات وهو لا يراعيه، بل يُعَدِّي ذلك إلى كل موزون، والثاني: أننا نُعَدِّي العلةَ إلى قليل المقتات الذي لا يتأتى فيه الكيل، وهو لا يُعَدِّيها إليه. ويجوز فيه التفاضل، والخلاف بيننا وبين الشافعي في فصل واحد، وهو أنه يُعَدِّي العلةَ إلى كل مطعوم من السقمونيا، وشحم الحنظل، والأدوية، ونحن نقصرها على ما يقتات من المطعوم، انتهى. وقال الموفق(٢): الربا في اللغة الزيادة، قال تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُنَّهُ هِىَ أَرْبَ مِنْ أُمٍَّ﴾(٣) أي أكثر عدداً. وفي الشرع الزيادة في أشياء مخصوصة، وهو محرمٌ بالكتاب والسنة والإجماع. والربا على نوعين: ربا الفضل، وربا النسيئة، وأجمع أهل العلم على تحريهما، وقد كان في ربا الفضل اختلافٌ بين الصحابة، فحكي عن ابن عباس، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، وابن الزبير أنهم قالوا: إنما الربا في النسيئة، لقوله : ((لا ربا إلا في النسيئة)) رواه البخاري(٤)، والمشهور من ذلك قول ابن عباس، ثم إنه رجع عن ذلك إلى قول الجماعة، روى ذلك الأثرم بإسناده، وقاله الترمذي وابن المنذر وغيرهم. وقال أبو صالح: صحبتُ ابن عباس حتى مات، فوالله ما رجع عن الصرف، وعن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف؟ فلم يَرَ به بأساً، والصحيح قول الجمهور لحديث أبي سعيد الخدري (١) ((المنتقى)) (٢٣٩/٤). (٢) انظر: ((المغني)) (٥١/٦). (٣) سورة النحل: الآية ٩٢. (٤) ((صحيح البخاري)) (٩٨/٣). ٤٦٤ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٦) حديث قال: قال رسول الله وَله: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تُشفُّوا بعضَها على بعض)) الحديث. وقوله وَ لّ: ((لا رباً إلا في النسيئة)) محمولٌ على الجنسين، وقد روي عن النبي و 18 في الربا أحاديث من أتمها حديث عبادة بن الصامت رواه مسلم، فهذه الأعيان الستة المنصوص عليها فيه يثبت الربا فيها بالنص والإجماع. واختلف أهل العلم فيما سواها، فحكي عن طاووس وقتادة أنهما قصرا الربا عليها، وقالا: لا يجري في غيرها، وبه قال داود، ونفاة القياس، وقالوا: ما عداها على أصل الإباحة، واتفق القائلون بالقياس على أن ثبوت الربا فيها بعلة، وأنه يثبت في كل ما وجدت فيه العلة، ثم اتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد إلا سعيد بن جبير، فإنه قال: كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً كالحنطة بالشعير، والتمر بالزبيب، والذرة بالدخن؛ لأنهما يتقارب نفعهما، فجريا مجرى نوعي جنس واحد، وهذا يخالف قول النبي وَله: ((بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد)»، الحديث. فلا يعول عليه. واتفق المُعَلِّلُون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما، ورُوي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات، أشهرهُنَّ أن علة الربا في الذهب والفضة كونُه موزونَ جنس، وعِلَّةُ الأعيان الأربعة مكيلُ جنس، نقلها عن أحمد الجماعة، وذكرها الخرقي وابن أبي موسى وأكثر الأصحاب، وهو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي. فعلى هذه الرواية يجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه مطعوماً كان أو غير مطعوم، كالحبوب، والنُّورة، والحديد، وغير ذلك، ولا يجري في مطعوم لا يُكالُ ولا يُؤْزنُ، لما روى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال ٤٦٥ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٦) حديث رسول الله وَ﴾: ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء)»، وهو الربا، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال: ((لا بأس إذا كان يداً بيد))، رواه أحمد في ((المسند))(١). وعن أنس أن النبي ﴿ ﴿ قال: «ما وُزِن مثلاً بمثلٍ إذا كان نوعاً واحداً، وما كِيلَ مثلاً بمثل إذا كان نوعاً واحداً)) رواه الدار قطني(٢)، وقال: لم يروه عن أبي بكر بن عيّاش هكذا غير محمد بن أحمد بن أيوب، وخالفه غيره، فرواه بلفظ آخر، وعن عمّار أنه قال: العبد خير من العبدين، والثوب خير من الثوبين، فما كان يداً بيد فلا بأس به، إنما الربا في النساء، إلا ما كيل أو وُزن، ولأن قضية البيع المساواة، والمؤثر في تحقيقها الكيل، والوزن، والجنس، فإن الكيل والوزن يسوّي بينهما صورةً، والجنس يسوّي بينهما معنًى، فكانا علة، ووجدنا الزيادة في الكيل محرمة دون الزيادة في الطعم، بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة، فإنه جائز إذا تساويا في الكيل. والرواية الثانية: أن العلة في الأثمان الثمنية وفيما عداها كونه مطعومَ جنس، فيختص بالمطعومات، ويخرج منه ما عداها، قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة، ونحو هذا قال الشافعي، فإنه قال: العلة الطعم والجنس شرط، والعلة في الذهب والفضة جوهرةُ الثمنية غالباً، فيختص بالذهب والفضة، لما روى معمر بن عبد الله ((أن النبي ◌ّ نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل))، رواه مسلم(٣) . (١) ((المسند)) (١٠٩/٢). (٢) ((سنن الدار قطني)) (١٨/٣). (٣) ((صحيح مسلم)) (١٢١٤/٣). ٤٦٦ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٧) حدیث ٢٣/١٣١٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ؛ أَنَّ زَيْداً أبَا عَيَّاشٍ، والرواية الثالثة: العلة بما عدا الذهب والفضة كونُه مطعوم جنس مكيلاً أو موزوناً، فلا ربا في مطعوم لا يُكال ولا يُوزن، كالتُّفَّاحِ والرّمَّان والبيض، ولا فيما ليس بمطعوم، كالزعفران والحديد، ويروى ذلك عن سعيد بن المسيب، وهو قديم قولَي الشافعي، وقال ربيعة: يجري الربا فيما تجب فيه الزكاة دون غيره، وقال ابن سيرين: الجنس الواحد علة، وهذا القول لا يصح، لقول النبي ◌َّر في بيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل: لا بأس به. والحاصل أن ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد، ففيه الربا رواية واحدة، وهذا قول أكثر أهل العلم، قال ابن المنذر: هذا قول علماء الأمصار في القديم والحديث سوى قتادة، فإنه شَذّ عن الجماعة، فقصر تحريم التفاضل على الستة الأشياء، وما انعدم فيه الثلاثة، واختلف جنسه، فلا ربا فيه رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، انتهى. ٢٣/١٣١٧ - (مالك عن عبد الله بن يزيد) بتحتية قبل الزاي زاد الشافعي وأبو مصعب وغيرهما مولى الأسود بن سفيان (أن زيداً أبا عياش) بتحتية ثقيلة آخره شين معجمة هذا كنيته، واسم أبيه عيّاش مدني تابعي، نقل عن مالك أنه مولى سعد بن أبي وقاص، وقيل: هو مولى بني مخزوم، قال أبو عمر(١): زعم بعضهم أنه مجهول لا يعرف، ولم يذكر إلا في هذا الحديث، ولم يرو عنه إلا ابن يزيد هذا الحديث فقط، وقيل: بل روى عنه عمران بن أنس أيضاً . وفي (تهذيب الحافظ)) بدله عمران بن أبي أنيس السلمي، وفي ((العيني)) على الطحاوي محله عمران بن أبي أنس، وحكى عن غيره. وقال مالك مرة: زياد أبي عيّاش مولى بني زهرة، وفي ((تهذيب(٢) الحافظ)): زيد بن عياش أبو (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٦٧/٣)، و((الاستذكار)) (٣١/١٩). (٢) (٤٢٤/٣). ٤٦٧ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٧) حديث أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عياش الزرقي، ويقال: المخزومي، ويقال: مولى بني زهرة، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وروى له الأربعة حديثاً واحداً هذا، وصحح الترمذي وابن حبان وابن خزيمة هذا الحديث. وقال ابن عبد البر: أما زيد؛ فقيل: مجهول، وقيل: إنه أبو عيّاش الزرقي. وقال الطحاوي: هو محال؛ لأن أبا عياش الزرقي من جِلَّةِ الصحابة، لم يدركه ابنُ يزيد، وفرق الحاكم بين زيد أبي عيّاش الزرقي الصحابي، وبين زيد أبي عياش الزرقي التابعي، وأما البخاري فلم يذكر التابعي، بل قال: زيد أبو عيّاش هو زيد بن الصامت من صغار الصحابة. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، لإجماع أئمة أهل النقل على إمامة مالك، وأنه محكم في كل ما يرويه، إلى أن قال: والشيخان لم يخرجاه لما خشيا من جهالة زيد، وقال أبو حنيفة: مجهول، وتعقبه الخطابي، وكذا قال ابن حزم: مجهول. وفي ((التلخيص)) (١): أعَلّه جماعةٌ منهم الطحاوي، والطبري، وابن حزم، وعبد الحق كلهم أعلّه بجهالة زيد، وجزم الطحاوي بوهم من زعم أنه أبو عياش الزرقي زيد بن الصامت، وقيل: زيد بن النعمان الصحابي المشهور، وصَخَّحَ أنه غيره، وهو كما قال، انتهى. وبسط الشيخ في ((البذل))(٢) في الجواب عمن تعقب جهالته. (أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص) قال الحافظ في ((التلخيص)): أخرجه مالك والشافعي وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي والبزار كلهم من حديث زيد أبي عياش. وذكر الدارقطني في ((العلل)): (١) ((تلخيص الحبير)) (١٠/٢). (٢) انظر: ((بذل المجهود)) (١٨/١٥). ٤٦٨ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٧) حديث عَنِ الْبَيْضَاءِ أن إسماعيل بن أمية وداود بن الحصين والضحاك بن عثمان وأسامة بن زيد وافقوا مالكاً على إسناده، وذكر ابن المديني أن أباه حدَّث به عن مالك عن داود بن الحصين عن عبد الله بن يزيد عن زيد بن عياش، قال: وسماع أبي من مالك قديمٌ، قال: فكأن مالكاً كان علّقه عن داود، ثم لقي شيخه فحدثه به، فحدث به مرة عن داود، ثم استقر رأيه على التحديث به عن شيخه. (عن) بيع (البيضاء) أي الشعير، كما ورد بوجه آخر، ولا خلاف فيه عن مالك، ووهم وكيع، فقال عنه: الذرة، ولم يقله غيره، والبيضاء عند العرب الشعير، والسمرة عندهم البر، قاله أبو عمر، كذا في الزرقاني. وقال العيني على الطحاوي عن ((شرح الموطأ)» للأشبيلي: خرج قاسم هذا الحديث، فقال فيه: سأل رجل سعداً عن السلت بالشعير، فساق الحديث، فبان أن البيضاء هي الشعير، ولا خلاف في ذلك أن البيضاء في هذا الحديث الشعير إلا ما ذكره وكيع، فإنه وهم في هذا الحديث على مالك، وساق عنه بسنده عن زيد بن عيّاش: قال: سألت سعداً عن السلت بالذرة، الحديث. فجعل الذرة موضع البيضاء وذلك وهم. وقال الحافظ في ((التلخيص))(١): قال في ((الغريبين)): البيضاء حَبُّ بين الحنطة والشعير، وفي ((الصحاح)): أنه ضربٌ من الشعير، ليس فيه قشر. وقال الباجي(٢): البيضاء هي المحمولة نوع من الحنطة يكون بمصر، والسمراء نوع آخر يكون بالشام، وهي أفضل جودة من المحمولة، انتهى. وقال العيني في ((شرح الطحاوي)): البيضاء ممدوداً الحنطة، وقال الخطابي: البيضاء نوع من البر أبيض اللون، فيه رخاوة يكون بمصر، والسلت (١) ((تلخيص الحبير)) (٩٩٥/٣). . (٢) ((المنتقى)) (٢٤٢/٤). ٤٦٩ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٧) حديث بالسُّلْتِ؟ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْبَيْضَاءُ. فَنَهَاهُ عَنْ ذُلِكَ. أدقُّ حَبًّا منه، وقال بعضهم: البيضاء هو الرطب من السلت، والأول أبينُ إلا أن هذا القول أليق بمعنى الحديث (بالسلت) بضم السين المهملة وإسكان اللام حَبٌّ بين الحنطة والشعير، ولا قشر له، كقشر الشعير، فهو كالحنطة في ملاسته، وكالشعير في طبعه، وبرودته، قاله الأزهري، وقال الجوهري: قيل: إنه ضرب من الشعير لا قشر له، ويكون في الغور، والحجاز. (فقال له) أي للسائل، وهو زيد المذكور (سعد: أيتهما أفضل؟) قال الزرقاني: قال مالك: أي أكثر في الكيل، ويدل له احتجاج سعد، انتهى. وسيأتي كلام الباجي في ذلك (فقال) زيد: (البيضاء) أفضل من الشعير (فنهاه) زيد (عن ذلك) أي عن بيعها بها متفاضلاً، قال الباجي(١): سؤال سعد أيتهما أفضل لا يخلو أن يريد به أفضل في الصفة أو القدر، وفي ((المدنية)»: سألته عن كراهة سعد البيضاء بالسلت هل عليه العمل؟ قال: مضت السُنَّةُ أن لا بأس بذلك يداً بيد، ومثلاً بمثل. والأظهر عندي أنه يريد - والله أعلم - أفضل في القدر يعني بذلك أكثر كيلاً، وفي هذا أمران: أحدهما: أنه لا يخفى على سعد ولا غيره أن الحنطة أفضل عيناً من السلت، والثاني: أنه استدل سعد على ما نهاه عنه بنهي النبي وَّ عن الرطب بالتمر لأجل التفاضل، ولو منعه من ذلك لجودة العين لما صح استدلاله بذلك. ونهي سعد عن التفاضل في السلت بالبيضاء يقتضي أنهما عنده جنس واحد، ولذلك أخذ حكمهما من منع التفاضل في الرطب بالتمر، وهذا مذهب مالك أن السلت والحنطة والشعير جنس واحد في الزكاة، وفي منع التفاضل، انتھی . (١) ((المنتقى)) (٢٤٣/٤). ٤٧٠ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٧) حديث قال ابن رشد(١): أما اختلافهم فيما يعد صنفاً واحداً مما لا يعد صنفاً واحداً، فمن ذلك القمح والشعير، صار قوم إلى أنهما صنف واحد، وصار آخرون إلى أنهما صنفان، فبالأول قال مالك والأوزاعي، وحكاه مالك في ((الموطأ)) عن سعيد بن المسيّب، وبالثاني قال الشافعي وأبو حنيفة، انتهى. وقال الموفق(٢): البر والشعير جنسان، هذا هو المذهب، وبه يقول الثوري والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وعن أحمد أنهما جنس واحد، وحكي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث(٣)، وابن مُعَيْقِيب(٤) الدوسي، والحكم، وحماد، ومالك، والليث، قال النووي: قال مالك والأوزاعي ومعظم علماء المدينة والشام من المتقدمين: إنهما صنف واحد، وهو محكيٍّ عن عمر، وسعد، وغيرهما من السلف، واتفقوا على أن الدخن صنف، والذرة صنف، والأرز صنف، إلا الليث بن سعد، وابن وهب، فقالا : هذه الثلاثة صنف واحد، انتهى. قال ابن رشد(٥): أما حجة مالك فإنه عمل سلفه بالمدينة، وأما أصحابه فاعتَدُّوْا في ذلك أيضاً السماع والقياس، أما السماع فما روي أن النبي وَّ قال: ((الطعام مثلاً بمثل))، فقالوا: اسم الطعام يتناول البر والشعير، وهذا ضعيف، فإن هذا عام تُفَسِّرُه الأحاديث الصحيحة، وأما من طريق القياس، فإنهم عددوا كثيراً من اتفاقهما في المنافع، والسلت عند مالك والشعير صنف واحد، انتهى. قال الموفق: ولنا قول النبي ◌َله: ((بيعوا البر بالشعير كيف شئتم يداً (١) ((بداية المجتهد)) (١٣٥/٢). (٢) («المغني)) (٧٩/٦). (٣) هو ثقة من كبار التابعين، ((تهذيب التهذيب)) (١٣٩/٦)، (٤) هو إياس بن الحارث بن معيقيب الدوسي، حجازي، ثقة، روى عن جده معيقيب ((تهذيب التهذيب)) (٣٨٧/١). (٥) ((بداية المجتهد)) (١٣٦/٢). ٤٧١ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٧) حديث وَقَالَ سَعْدٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَلهَ يُسْأَلُ عَنِ اشْتِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟)) فَقَالُوا: نَعَمْ. فَنَهَى عَنْ ذُلِكَ. أخرجه أبو داود في: ٢٢ - كتاب البيوع، ١٨ - باب في التمر بالتمر. والترمذيّ في: ١٢ - كتاب البيوع، ١٤ - باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة. والنسائيّ في: ٤٤ - كتاب البيوع، ٣٦ - باب اشتراء التمر بالرطب. وابن ماجه في: ١٢ - كتاب التجارات، ٥٣ - باب بيع الرطب بالتمر. بيد))، وفي لفظ ((لا بأس ببيع البر بالشعير، والشعير أكثرهما يداً بيد، وأما نسيئة فلا. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم))، وهذا صريح صحيح لا يجوز تركه بغير معارض مثله. وقال الشيخ في ((البذل)): (١) أما بيع البيضاء بالسلت، فما قال فيه سعد من النهي عنه إن كان محمولاً على البيع يداً بيد فهو على الورع والاحتياط، لمشابهته بالحنطة أوقعت الشبهة فيه، فنهاه عنه احتياطاً، لكن الحكم فيه أنهما نوعان مختلفان، فيجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، إذا كان يداً بيد، وأما إذا حمل على النسيئة، فذلك لا يجوز، انتهى. وفي ((المحلى)): قال الشافعي: إن كان سعد كره البيضاء بالسلت نسيئة، فذلك موافق للسنة، وإن كان كرهها متفاضلة، فإنه ولو أجاز البر بالشعير، وليس في قول أحد مع النبي وَّر حجة، انتهى. قلت: وسيأتي شيء من الكلام على هذا في ((باب بيع الطعام بالطعام)) (وقال سعد) محتجاً لفتواه بالمنع: (سمعت رسول الله ﴿ ﴿ يُسْألُ) ببناء المجهول (عن اشتراء التمر بالرطب؟ فقال رسول الله ◌َي) لمن حوله كما في رواية (أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم فنهى عن ذلك) فقاس عليه ما سئل عنه من الشعير والسلت. قال الباجي(٢): قوله مَله: أينقص إلخ. تعليم للقياس وتنبيه عليه؛ لأنه لا (١) ((بذل المجهود)) (١٩٠/١٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٣/٤). ٤٧٢ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٧) حديث يخفى على أحد أن الرطب ينقص إذا يبس، ولكنه بير أراد أن ينبههم بذلك على علة التحريم وهو التفاضل في هذا الجنس، فاقتضى ذلك منع التفاضل فيه، ولذا اعتبر نقصانه، واقتضاه بمنع التساوي فيه، ولذلك اعتبر النقصان بالجفوف أيضاً، وبهذا قال مالك والشافعي وجمهور الفقهاء، وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الرطب بالتمر متساوياً، وأما بيع الرطب بالرطب متساوياً فرآه مالك وأبو حنيفة، ومنع منه ابنُ الماجشون وبه قال الشافعي، انتهى. قال العيني على ((الطحاوي)) في حديث عبادة: احتجَّ به أبو حنيفة على أن بيع الحنطة المبلولة أو الندّية بالندّية أو الرُطبة بالرطبة أو المبلولة بالمبلولة أو اليابسة جائز، وكذلك بيع الرطب بالتمر، والتمر بالرطب، والرطب بالرطب، والمنقع بالمنقع، والعنب بالزبيب اليابس متساوياً في الكل؛ لأنه عليه السلام جَوَّزَ بيع الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، مثلاً بمثل عاماً مطلقاً من غير تخصيص وتقييد. ولا شك أن اسم الحنطة والشعير يقع على كل جنس على اختلاف أنواعها وأوصافها، وكذلك اسم التمر يقع على التمر والرطب والبسر؛ لأنه اسم لثمر النخل لغةً، فيدخل فيه الرطب واليابس، والمذنب والبسر، والمنقع، وقال أبو يوسف: البيع في هذه الأشياء كلها جائز إلا بيع التمر بالرطب. وقال محمد: كله فاسد إلا بيع الرطب بالرطب، والعنب بالعنب، وقال الشافعي: كله باطل، والحديث بعمومه حجة عليهم، انتهى. قال الخرقي: لا يباع شيء من الرطب بيابس من جنسه إلا العرايا. قال الموفق(١): أراد الرطب مما يجري فيه الربا كالرطب بالتمر، والعنب بالزبيب، واللبن بالجبن، والحنطة المبلولة أو الرَطْبة باليابسة، أو المقلِيَّة بالنيئة، ونحو (١) «المغني)) (٦٧/٦). ٤٧٣ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٧) حديث ذلك، وبه قال سعد بن أبي وقاص وابن المسيب والليث ومالك والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد. وقال ابن عبد البر: جمهور علماء المسلمين على أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز بحال من الأحوال، وقال أبو حنيفة: يجوز؛ لأنه لا يخلو أن يكون من جنسه، فيجوز لقوله وَّل: ((التمر بالتمر مثلاً بمثل))، أو من غير جنسه، فيجوز لقوله وَالر: ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم)). ولنا حديث الباب وقوله وَ لجر: ((لا تبيعوا التمر بالتمر))، وفي لفظ: ((نهى عن بيع التمر بالتمر، ورَخَّصَ في العريّة))، متفق عليه، وأما بيع الرطب بالرطب والعنب بالعنب ونحوه من الرطب بمثله، فيجوز مع التماثل في قول أكثر أهل العلم، ومنع منه الشافعي فيما ييبس، وأما ما لا ييبس كالقِّاء والخيار، فعلى قولين؛ لأنه لا يعلم تساويهما حالة الادّخار، فأشبه الرطب بالتمر، وذهب أبو حفص العكبري من أصحابنا إلى هذا، انتهى. وقال الخطابي(١): وهذا الحديث أصل في أبواب كثيرة من مسائل الربا، وذلك أن كل شيء من المطعوم مما له نداوة، ولجفافه نهاية، فإنه لا يجوز رَظْبه بيابسه كالعنب والزبيب، وكذلك لا يجوز على هذا المعنى منه الرطب بالرطب؛ لأن اعتبار المماثلة إنما يصح فيهما عند أوان الجفاف، وهما إذا تناهى جفافهما كان مختلفين؛ لأن أحدهما قد يكون أرقَّ رِقَّة، وأكثر مائيةً من الآخر، فالجفاف ينال منه أكثر، وتتفاوت مقاديرهما في الكيل عند المماثلة، وعن أبي حنيفة جواز بيع التمر بالرطب نقداً، ويُشْبه أن يكون تأويل الحديث عنده على النسيئة دون النقد، قال ابن المنذر: وأحسب أبا ثور وافقه على ذلك، اهـ. (١) ((معالم السنن)) (٢٤٧/٣). ٤٧٤ ٣٣ - كتاب البيوع (١٣) باب (١٣) باب ما جاء في المزابنة والمحاقلة وقال العيني في ((شرح الطحاوي)): إن أبا حنيفة والمزني وداود وأبا ثور قالوا: يجوز بيع الرطب بالتمر مِثلاً بمثل؛ لأنهما نوع واحد، وهو اختيار أبي جعفر الطحاوي، ولا يجوز عندهم النسيئة في ذلك، وإن كان مثلاً بمثل، واستدل الطحاوي على ذلك برواية يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن يزيد بزيادة لفظ النسيئة. وأيدّه برواية عمران بن أنس عن مولى لبني مخزوم أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الرجل يسلف الرطب بالتمر، الحديث. وبسط العيني الكلام على هذه الروايات. (١٣) المزابنة وسياق النسخ المصرية، ما جاء في المزابنة، وهو بضم الميم مفاعلة من الزبن، بفتح الزاي وسكون الموحدة، وهو الدفع الشديد ومنه الزبانية ملائكة النار؛ لأنهم يدفعون الكفرة فيها، سمي به البيع المخصوص؛ لأن كل واحد من المتابعين يدفع الآخر عن حقه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع، وهي بيع التمر بالمثناة وسكون الميم بالثمر بالمثلثة وفتح الميم، والمراد به الرطب خاصة، وبيع الزبيب بالكرم أي العنب، كذا في ((الفتح)) (١) تبعاً للبخاري. قال الحافظ: هذا أصل المزابنة، وألحق به الشافعي كل بيع مجهول بمجهول أو بمعلوم من جنس يجري فيه الربا في نقده، انتهى. وقال الباجي (٢): المزابنة اسم لبيع التمر بالثمر، والزبيب بالكرم، ورطب (١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٨٤/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٣/٤). ٤٧٥ ٣٣ - كتاب البيوع (١٣) باب كل جنس بيابسه، ومجهول منه بمعلوم، وذلك أن الرطب وإن عرف كيله في نفسه، فلا يعلم قدره من التمر الذي يؤخذ عوضاً منه، ولعله مأخوذ من الزبن، وهو الدفع عن البيع الشرعي، وعن معرفة التساوي، وقال ابن حبيب: الزبن، والزبان: الخطر والخطار، انتهى. قلت: ولعل على ذلك أدخل مالك في تفسيره أنواع القمار كما سيأتي من تفسيره في ((الموطأ)) مفصلاً، وبنى عليه الزرقاني(١) أن المزابنة والقمار والمخاطرة شيء متداخل المعنی متقارب، انتهى. وفسر الدردير(٢) المزابنة بأنَّها بيع مجهول بمجهول من جنسه، أو بيع مجهول بمعلوم ربوي، أو غيره، وعدم الجواز فيهما للغرر بسبب المغالبة، فإن تحققت المغلوبية في أحد الطرفين جاز، إذ قال: وجاز المجهول بمثله أو بالمعلوم إن كثر أحد العوضين كثرة بَيِّنَة تنتفي معها المغالبة في غير ربوي أي فيما لا يدخل فيه ربا الفضل، فيشمل ما يدخل فيه ربا نسأ فقط، كالفواكه، وما لا يدخله ربا أصلاً کقطن وحدید. وحكى الأبي(٣) عن القاضي عياض ما فسر به المزابنة في الحديث، هو أحد أنواعها، وقد فسرها مالك في ((الموطأ)) بما هو أوسع منه، فقال: كل جزاف لا يعلم كيله إلى آخر ما ذكر من أنواع المخاطرة، قلت: وسيأتي هذا في ((الموطأ)) في آخر الباب. وقال الحافظ بعد قوله: وألحق به الشافعي كل بيع مجهول بمجهول، قال: وأما من قال: أضمن لك صُبرتك هذه بعشرين صاعاً مثلاً، فما زاد فلي، وما نقص فعليّ، فهو من القمار، وليس من المزابنة، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٢/٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (٦٠/٣). (٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٠٤/٤). ٤٧٦ ٣٣ - كتاب البيوع (١٣) باب وقلت: وهذا أحد الأنواع الآتية في قول مالك، وتعقب الحافظ هذا الإيراد بقوله: لكن في البخاري من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر المزابنة أن يبيع التمر بكيل إن زاد فلي، وإن نقص فعليّ، فثبت أن من صور المزابنة أيضاً هذه الصورة من القمار، ولا يلزم من كونهما قماراً أن لا تسمى مزابنة، انتھی . قلت: لكن بَيْنَ ما حكى البخاري من طريق أيوب وبين ما تقدم من قوله: أضمن لك فرقٌ ظاهرٌ، فإن في صورة الضمان المذكور ليس بيع ولا شراء، بل مجرد قمار، وما حكى البخاري عن ابن عمر هو من البيوع، فتأمل. ثم قال الحافظ (١): ومن صور المزابنة أيضاً بيع الزرع بالحنطة كيلاً، وقال مالك: المزابنة كل شيء من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره، سواء كان من جنس يجري الربا في نقده أو لا، وسبب النهي عنه ما يدخله من القمار والغرر، قال ابن عبد البر: نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة، وهي المدافعة، ويدخل فيها القمار والمخاطرة. وفسر بعضهم المزابنة بأنها بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وهو خطأ، فالمغايرة بينهما ظاهرة من حديث البخاري عن ابن عمر مرفوعاً: ((لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر))(٢) وقيل: هي المزارعة على الجزء، وقيل: غير ذلك، والذي تدل عليه الأحاديث في تفسيرها أولى، انتھی . قلت: وهو ما تقدم عن الحافظ تبعاً للبخاري، وفي ((الشرح الكبير)) للحنابلة: لا يجوز بيع المزابنة، وهو بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر إلا (١) ((فتح الباري)) (٣٨٤/٤). (٢) أخرجه البخاري (٢١٨٣). ٤٧٧ ٣٣ - كتاب البيوع (١٣) باب (١٣١٨) حديث ٢٤/١٣١٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ في العرايا، وقال محمد في ((موطئه))(١): المزابنة عندنا اشتراء الثمر في رؤوس النخل بالتمر كيلاً لا يدرى التمر الذي أعطى أكثر أو أقل، والزبيب بالعنب لا یدری أيهما أکثر، انتهى. والمحاقلة بالميم والقاف مفاعلة من الحقل، وهو الحرث، وقال بعض اللغويين: اسم للزرع في الأرض التي يزرع فيها، وقال أبو عبيد: هو بيع الطعام في سنبله بالبر، مأخوذ من الحقل، وقال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن يغلظ سوقه، والمنهي عنه بيع الزرع قبل إدراكه، وقيل: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقيل: بيع ما في رؤوس النخل بالتمر، وعن مالك: هو كراء الأرض بالحنطة أو بكيل طعام أو إدام، والمشهور: أن المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تنبت، كذا في ((الفتح)) (٢). وفي ((الشرح الكبير)): لا يجوز بيع المحاقلة، وهو بيع الحب في سنبله بجنسه، وفي بيعه بغير جنسه وجهان، وقال محمد في ((موطئه)): المحاقلة اشتراء الحب في السنبل بالحنطة كيلاً لا يُذْرى أيهما أكثر، انتهى. ٢٤/١٣١٨ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَ ل نهى عن المزابنة) تقدم الخلاف في تفسيرها (والمزابنة بيع الثمر) بفتح المثلثة (١) ((موطأ مالك مع التعليق الممجد)) (٢٢٥/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٤٠٤/٤). ٤٧٨ ٣٣ - كتاب البيوع (١٣) باب (١٣١٨) حديث بِالتَّمْرِ كَيْلاً. وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً. أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٨٢ - باب بيع المزابنة. ومسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ١٤ - باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا، حديث ٧٢. والميم، الرطب على النخل، ولابن بكير بيع الرطب (بالتمر) بالفوقية، وسكون الميم، اليابس (كيلاً) نصب على التمييز. أي من حيث الكيل، وليس قيداً في هذه الصورة، بل جرى على ما كان من عادتهم، فلا مفهوم له، أوله مفهوم، لكنه مفهوم موافقة؛ لأن المسكوت عنه أولى بالمنع من المنطوق، قاله الزرقاني(١) تبعاً للحافظ. وقال الباجي(٢): قوله: كيلاً يقتضي أن يكونا مكيلين؛ لأنه حال أحدهما. ويجوز أن يكون تفسيراً من النبي وَلّ، ويصح أن يكون تفسيراً من الراوي، إلا أن الأظهر أنه من قول النبي وَله لاتصاله بقوله، وإن كان من قول الراوي، وهو ابن عمر فهو حجة؛ لأن هذا أمر طريقه اللغة، وابن عمر حجة في ذلك، وقد روي غير هذا التفسير فيه، فروى زياد بن أيوب بسنده إلى ابن عمر: أن النبي ◌َّ نهى عن المزابنة، والمزابنة أن يبيع ما في رؤوس النخل بتمر بكيل مسمى، إن زاد فلي، وإن نقص فعلي. والجواب أنه قد ورد فيه تفسيران؛ وما قلناه أصح؛ لأنه رواه عن مالك في تأليف مشهور جماعة يبلغون التواتر، وروى التفسير الذي ذهبتم إليه زياد بن أيوب. وقد رواه عن مالك من حديث أبي سعيد الخدري، فيجب أن يكون البيعان ممنوعين، فإن اسم المزابنة واقع عليهما، انتهى. (وبيع الكرم) بفتح الكاف وسكون الراء شجر العنب نفسه، ولمسلم من رواية عبيد الله عن نافع ((وبيع العنب)) (بالزبيب كيلاً). (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٩/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٣/٤). ٤٧٩ ٣٣ - كتاب البيوع (١٣) باب (١٣١٨) حديث قال الباجي(١): أما بيع التمر بالتمر كيلاً، فإنه متأتٌّ فيه، وبه يعتبران جميعاً، وأما العنب بالزبيب كيلاً، فإن ذلك غير متأثٌّ فيه إلا الوزن، ولا يباع العنب كيلاً بوجه، ويحتمل أن يريد بذلك ◌َ # أنه لا يصح بيع أحدهما بالآخر بالوجه الذي يقوم مقام الكيل في معرفة التساوي، ووجه آخر وهو أنه قد يسمى الوزن كيلاً، فيقال: هذه عشرة دراهم كيلاً، ويحتمل أن يريد به العنب جزافاً والزبيب كيلاً، ويحتمل أن يريد به أن يتحرَّى في العنب مكيلة الزبيب، وقد اختلف قول مالك في إجازة التحري فيما يحرم فيه التفاضل، انتهى، وسيأتي الكلام على التحري في ((باب بيع اللحم باللحم)). وقال الموفق(٢) في معرفة المكيل والموزون: المرجعُ في ذلك إلى العرف بالحجاز في عهد النبي ◌َّة، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن الاعتبار في كل بلد بعادته، ولنا: ما روي عنه وَله: ((المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة)) والنبي ◌َله إنما يحمل كلامه على بيان الأحكام؛ لأن ما كان مكيلاً في الحجاز في زمنه و 8* انصرف التحريم في تفاضل الكيل إليه، فلا يجوز أن يتغير بعد ذلك، وكذلك الموزون. وما لا عرف له بالحجاز يحتمل وجهين، أحدهما: يُرَدُّ إلى أقرب الأشياء شبها به بالحجاز، والثاني: يعتبر عُرْفُه في موضعه، ومذهب الشافعي إلى هذين الوجهين، فالبر والشعير مكيلان منصوص عليهما، وكذلك سائر الحبوب، والأبازير، والجص، والنورة، والتمر مكيل، وهو من المنصوص عليه، وكذلك سائر ما تجب فيه الزكوة من الثمار مثل الزبيب والعناب والزيتون، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٢٤٤/٤). (٢) («المغني)) (٦/ ٧٣). ٤٨٠