النص المفهرس
صفحات 441-460
٣٣ - كتاب البيوع (١٠) باب (١٣١٠) حديث فَسَمِعَ بِذْلِكَ رَبُّ الْحَائِطِ. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ تَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ لَهُ. كره له قطع نفسه عن فعل الخير، قال: ويشكل في هذا قوله وتقدير للأعرابي الذي قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص ((أفلح إن صدق))، ولم ينكر عليه حلفه على ترك الزيادة، وهي من فعل الخير. ويمكن الفرق بأن في قصة الأعرابي كان في مقام الدعاء إلى الإسلام، والاستمالة إلى الدخول فيه، فكان يحرص على ترك تحريضهم على ما فيه نوع مشقة مهما أمكن، بخلاف من تمكن في الإسلام، فيحضه على الازدياد من نوافل الخير. (فسمع بذلك) أي بقوله وَهليه (رب الحائط) البائع (فأتى) هو (رسول الله مَلال، فقال: يا رسول الله هو له) أي للمشتري، قال مالك في ((العتبية)): لا أدري قوله: هو له هل الوضيعة أو الإقالة؟، اهـ. وقال الباجي(١): قوله: ((هو له)) إقلاع عما أتاه من الحلف على أن لا يضع من المبتاع شيئاً يبالغ في الإقلاع، والتوبة والرجوع إلى مراد النبي وَّر، والمسارعة إلى ما تبيّن له من مذهبه بأن وضع عنه أو أقاله، وكذلك كانوا - رضي الله عنهم - سراعاً إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولذلك كانوا خير أمة أخرجت للناس، واختارهم الله لصحبة نبيه - رضي الله عنهم - أجمعين، اهـ. ولفظ الشيخين فيما تقدم فله أي ذلك، قال الحافظ(٢): أي من الوضع أو الرفق، وفي رواية ابن حبان ((فقال: إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت (١) ((المنتقى)) (٢٣٢/٤). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٠٨/٥). ٤٤١ ٣٣ - كتاب البيوع (١٠) باب (١٣١١) حديث ١٧/١٣١١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ. من رأس المال، فوضع ما نقصوا))، وهو يشعر بأن المراد بالوضع الحط من رأس المال وبالرفق الاقتصار عليه وترك الزيادة، لا كما زعم بعض الشراح أنه يريد بالرفق الإمهال، وحديث عمرة هذا أخرجه البيهقي(١) برواية ابن بكير عن مالك هكذا، ثم قال: لفظ حديث ابن بكير، وليس في رواية الشافعي أو أن یقیله، قال: فعالجه وأقام عليه. قال الشافعي: حديث عمرة مرسل، وأهل الحديث ونحن لا نثبت المرسل، فلو ثبت حديث عمرة كانت فيه دلالة على أن لا توضع الجائحة لقول رسول الله وَ له: ((تألّى أن لا يفعل خيراً))، ولو كان الحكم عليه أن يضع الجائحة لكان أشبه أن يقول ذلك لازم له حلف أو لم يحلف، قال الشيخ: وقد أسنده حارثة بن أبي الرجال، فرواه عن أبيه عن عمرة عن عائشة - رضي الله عنها - إلا أن حارثة ضعيف لا يحتجُّ به، وأسنده يحيى بن سعيد عن أبي الرجال إلا أنه مختصر ليس فيه ذكر الثمر، اهـ. ١٧/١٣١١ - (مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز) الإمام العادل (قضى) أي أمر، وحكم (بوضع الجائحة) أي الآفة التي تصيب الثمار، وفي ((المحلى)): هو عند أبي حنيفة والشافعي في الجديد على الاستحباب؛ لأن ما أصاب المبيع بعد القبض فهي من ضمان المشتري. وقال الطحاوي: هذا في الأراضي الخارجية وحكمها للإمام، فوضع الجوائح عنهم لما فيه من مصالح المسلمين ببقاء العمارة، وما في ((الصحيح)) وبعت من أخيك، ثم أصابته جائحة لا يحل لك، الحديث، (١) أخرجه البيهقي (٣٠٥/٥). ٤٤٢ ٣٣ - كتاب البيوع (١١) باب قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذُلِكَ، الْأَمْرُ عِنْدَنَا. قَالَ مَالِكٌ: وَالْجَائِحَةُ الَّتِي تُوضَعُ عَنِ الْمُشْتَرِي، الثُّلُثُ فَصَاعِداً. وَلَا يَكُونُ مَا دُونَ ذُلِكَ جَائِحَةً. (١١) باب ما يجوز في استثناء الثمر فمعناه لا يحلُّ لك في الورع والتقوى، وقال الشافعي: الكلام محمول على التهديد، ويمكن أن يقال: لو بعت من أخيك قبل الزهو، ويحتمل أن يكون التلف قبل التسليم، اهـ. وما حكي من كلام الطحاوي مذكور في ((معاني الآثار)) مفصلاً(١). (قال مالك: وعلى ذلك) أي على وضع الجوائح (الأمر عندنا) بالمدينة المنورة، وتقدم في البحث الثاني في أول الباب ما قال الموفق: به قال أكثر أهل المدينة. (قال مالك: والجائحة التي توضع عن المشتري) مقدارها (الثلث فصاعدا) أي إن بلغت الثلث أو أكثر من ذلك يجب وضعها أي وضع قدر ثمنها عن المشتري (ولا يكون ما دون ذلك) أي ما دون الثلث (جائحة) معتبرة في الوضع. فلا توضع، وتقدم في البحث الثالث في أول الباب اختلافهم في مقدار الجائحة. ١١ - ما يجوز في استثناء الثمر قال الموفق(٢): إذا باع ثمرة بستان، واستثنى صاعاً أو مُدّاً أو آصعاً أو أمداداً، أو باع صُبْرة، واستثنى منها مثل ذلك لم يجز، ورُوي ذلك عن سعيد بن (١) انظر: ((شرح معاني الآثار)) (٢١٥/٢). (٢) ((المغني)) (١٧٢/٦). ٤٤٣ ٣٣ - كتاب البيوع (١١) باب المسيب، والحسن، والشافعي، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقال أبو الخطاب: فيه رواية أخرى، أنه يجوز، وهو قول ابن سیرین، وسالم بن عبد الله، ومالك؛ لأن النبي ◌َّ نهى عن بيع الثنيا إلا أن تُعلم(١)، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وهذه ثنيا معلومة، ولأنه استثنى معلوماً أشبه ما إذا استثنى منها جزءاً. ولنا، أن النبي ◌َ* نهى عن الثنيا، رواه البخاري، ولأن المبيع معلوم بالمشاهدة لا بالقدر، والاستثناء يغيّر حكم المشاهدة؛ لأنه لا يدري كم يبقى في حكم المشاهدة، فلم يجز؛ ويخالف الجزء؛ فإنه لا يغير حكم المشاهدة، ولا يمنع المعرفة بها . وإن باع شجرة أو نخلة، واستثنى أرطالاً معلومة، فالحكم فيه كما لو باع حائطاً واستثنى آصعاً، وقال القاضي في ((شرحه)): يصح؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - أجازوا استثناء سواقط الشاة، والصحيح ما ذكرنا، وهذا أشبه بمسألة الصاع من الحائط. وإن استثنى نخلة أو شجرة بعينها جاز، ولا نعلم في ذلك خلافاً، لأن المستثنى معلوم، ولا يؤدي إلى جهالة المستثنى منه، وإن استثنى شجرة غير معينة لم يجز؛ لأن الاستثناء غير معلوم، فصار المبيع والمستثنى مجهولين، وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه باع ثمرته بأربعة آلاف، واستثنى طعام القيان(٢)، وهذا يحتمل أنه استثنى نخلاً معيناً بقدر طعام القيان(٢)؛ لأنه لو حمل على غير ذلك كان مخالفاً لنهي النبي ◌ّ عن الثنيا إلا أن تُعلم. وإن استثنى جزءاً معلوماً من الصبرة أو الحائط مشاعاً، كثلث، أو ربع، (١) أخرجه أبو داود (٣٤٠٥)، والترمذي (١٢٩٠)، والنسائي (٤٦٤٧). (٢) هكذا في الأصل، والصواب ((الفتيان)). ٤٤٤ ٣٣ - كتاب البيوع (١١) باب . (١٣١٢) حديث ١٨/١٣١٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ، وَيَسْتَثْنِي ٥ و مِنْهُ. صحّ البيع والاستثناء، ذكره أصحابنا، وهو مذهب الشافعي، وقال أبو بكر وابن أبي موسى: لا يجوز، اهـ. وقال محمد في ((موطئه))(١): لا بأس بأن يبيع الرجل ثمره، ويستثني بعضه، إذا استثنى شيئاً من جملته ربعاً، أو خمساً، أو سدساً، اهـ. وسيأتي شيء من ذلك في آخر الباب. ١٨/١٣١٢ - (مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) الرأي (أن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق (كان يبيع ثمر حائطه، ويستثني منه) ولم يبين في الأثر كيفية الاستثناء كيف كان، قال الباجي(٢): يحتمل أن يريد به كيلاً، ويحتمل أن يريد به جزءاً شائعاً، ويحتمل أن يريد نخلات يختارها، فأما استثناء الجزء الشائع منه. فإنه جائز إن كان أقل من النصف، وإن كان أكثر من النصف، فالذي عليه مالك وأصحابه أن ذلك جائز أيضاً، وابن الماجشون لا يجيز استثناء الأكثر من الجملة، اهـ. قلت: وتقدم قريباً اختلاف الفقهاء في أنواع الاستثناء، وعلى استثناء الجزء الشائع حمله محمد في ((موطئه)) إذ قال بعد هذا الأثر: وبهذا نأخذ لا بأس بأن يبيع الرجل ثمره، ويستثني بعضه إذا استثنى شيئاً من جملته ربعاً، أو خمساً، أو سدساً، اهـ(٣). (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (١٩٢/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٧/٤). (٣) انظر: ((التعليق الممجد)) (١٩٢/٣). ٤٤٥ ٣٣ - کتاب البيوع (١١) باب (١٣١٣) حديث ١٩/١٣١٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ؛ أَنَّ جَدَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْم بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِ لَهُ يُقَالُ لَهُ الْأَفْرَاقُ. بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَم. وَاسْتَثْنَى مِنْهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَم، تَمْراً. ١٩/١٣١٣ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، زاد في رواية محمد في ((موطئه)) بعد ذلك: عن أبيه أن محمد بن عمرو بن حزم، وليست الواسطة في ((موطأ يحيى))، والأوجه إثباتها، فإن عبد الله هذا لم يدرك جده؛ لأن جده توفي سنة ٦٣هـ، ومولد عبد الله فيما بين سنة ٦٠ إلى سنة ٦٥هـ. (أن جده محمد بن عمرو بن حزم) بن زيد بن لوذان الأنصاري النجاري، بالنون والجيم أبو عبد الملك المدني، ويقال: أبو سليمان ولد في حياة النبي و18َ سنة عشر بنجران، وقتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ولته الأنصار أمرها يوم الحرة، وقال الحافظ: كان مقدماً على الخزرج، وكان ابن حنظلة مقدماً على الأوس، ولما قتل ابن حزم كان سبب هزيمة أهل المدينة، وفي ((التقريب)): له رؤية، وليس له سماع إلا من الصحابة . (باع ثمر حائط له يقال له) أي يسمى الحائط (الأفراق) بفتح الهمزة وسكون الفاء آخره قاف موضع بالمدينة، قاله الزرقاني (١)، وفي ((المعجم)): (٢) بفتح الهمزة عند الأكثرين، وضبطه بعضهم بكسرها موضع من أعمال المدينة (بأربعة آلاف درهم) هذه ثمن الحائط (واستثنى منه) أي من ثمر الحائط (بثمانمائة درهم) أي بقدر ذلك (تمرأ) وهي خمس القيمة، فكأنه استثنى منها خمسها . (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٥/٣). (٢) ((معجم البلدان)) (١/ ٢٢٧). ٤٤٦ ٣٣ - كتاب البيوع (١١) باب (١٣١٤) حديث ٢٠/١٣١٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ حَارِثَةَ؛ أَنَّ أَمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ كَانَتْ تَبِيعُ ثِمَارَهَا وتَسْتَثْنِي مِنْهَا . قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا بَاعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثُلُثِ الثَّمَرِ. لَا يُجَاوِزُ ذُلِكَ وَمَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. ٢٠/١٣١٤ - (مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة أن أمه عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة (كانت تبيع ثمارها وتستثني منها) ولم يبين في هذه الآثار كيفية الاستثناء، فحملها الفقهاء على الصور التي كانت مباحة عندهم، وذكر هذه الآثار الثلاثة محمد في ((موطئه))(١)، وقال بعد ذلك: وبهذا نأخذ كما تقدم كلامه قريباً، وعليه حملها البيهقي إذ ترجم في ((السنن الكبير))(٢): ((من باع ثمر حائطه، واستثنى منه مكيلة مسماة فلا يجوز لنهيه عن الثنيا ولما فيه من الغرر))، وأخرج فيه روايات النهي عن الثنيا، ثم قال: فإن استثنى منه ربعه أو نخلات يشير إليهن بأعيانهن، فقد روينا عن القاسم بن محمد، وعطاء بن أبي رباح، وعمرة بنت عبد الرحمن ما دل على جواز ذلك، اهـ. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل إذا باع ثمر حائطه أن له أن يستثني من ثمر حائطه ما بينه وبين ثلث الثمر لا يجاوز) أي لا يتعدى (ذلك) أي الثلث (وما كان دون الثلث فلا بأس بذلك) أي يجوز استثناؤه، قال الباجي(٣): وهذا كما قال: إن مذهب أهل المدينة على ما ذكره أن من باع (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (١٩٢/٣). (٢) ((السنن الكبرى)) (٤٩٦/٥). (٣) ((المنتقى)) (٢٣٧/٤). ٤٤٧ ٣٣ - كتاب البيوع (١١) باب (١٣١٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الرَّجُلُ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ، وَيَسْتَثْنِي مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ، ثَمَرَ نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتٍ يَخْتَارُهَا، ويُسَمِّي عَدَدَهَا. فَلَا أَرَى بِذْلِكَ بَأُساً. لِأَنَّ رَبَّ الْحَائِطِ ثمرة حائطه جزافاً، فإن له أن يستثني منه كيلاً ما بينه وبين الثلث خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: لا يجوز أن يستثني منه قليلاً ولا كثيراً، والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك أن هذا استثناء لا يدخل غرراً في المبيع، فلم يمنع صحة العقد أصل ذلك إذا استثنى جزءاً شائعاً، اهـ. فعُلمَ من ذلك أن التقييد عند مالك بالثلث في استثناء الأرطال لا في الجزء الشائع، فإن الاستثناء في الجزء الشائع يجوز في النصف، فصاعداً عند مالك، وجمهور أصحابه خلافاً لابن الماجشون إذا لم يجز استثناء الأكثر، كما تقدم في كلام الباجي قريباً. فما حمل عليه صاحب ((المحلى)) كلام مالك هذا إذ قال بعد قوله: ما كان من دون الثلث فلا بأس بذلك: وقال أبو حنيفة والجمهور: يصح استثناء الثلث فصاعداً، اهـ. ليس بوجيه، إذ لا خلاف بين أبي حنيفة ومالك والجمهور في استثناء الجزء الشائع، فالتقييد بالثلث عند المالكية في الكيل المعلوم فقط. قال الدردير(١): جاز بيع صبرة وثمرة جزافاً واستثناء كيل قدر ثلث، فأقل لا أكثر، وجاز استثناء جزء شائع مطلقاً ثلثاً أو أقل أو أكثر، اهـ. (قال مالك: فأما الرجل يبيع ثمر حائطه) أي بستانه (ويستثني من ثمر حائطه ثمر نخلة) واحدة (أو نخلات) عديدة (يختارها) أي يعينها عند البيع على الظاهر، فإن كان كذلك فالمسألة إجماعية يجوز عند الكل، وإن كان المعنى يختارها متى شاء أي يختار هذه المستثناة بعد ذلك، فالمسألة خلافية كما سيأتي (ويسمي عددها فلا أرى بذلك بأساً) أي يجوز ذلك (لأن رب الحائط) (١) ((الشرح الكبير)) (١٨/٣). ٤٤٨ ٣٣ - كتاب البيوع (١١) باب (١٣١٤) حديث إِنَّمَا اسْتَثْنَى شَيْئاً مِنْ ثَمَرِ حَائِطِ نَفْسِهِ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ شَيْءٌ احْتَبَسَهُ مِنْ خَائِطِهِ. وَأَمْسَكَهُ لَمْ يَبِعْهُ. وَبَاعَ مِنْ خَائِطِهِ مَا سِوَى ذُلِكَ. البائع (إنما استثنى شيئاً) معلوماً (من ثمر حائط نفسه وإنما ذلك) أي استثناء نخلات مسماة (شيء احتبسه) ومنعه (من حائطه) لنفسه (وأمسكه) عن البيع و(لم پبعه وباع من حائطه ما سوى ذلك). فإن كانت هذه النخلات معينة، فقد تقدم في كلام الموفق أنه لا خلاف في جواز ذلك بين أهل العلم، وإن استثنى غير معينة، فالمسألة خلافية، لا يجوز عند الجمهور، وجائز عند مالك(١). قال الباجي(٢): استثناء الرجل من حائطه في البيع عدد نخلات يكون على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يُعَيِّنها، وذلك لا خلاف في جوازه؛ لأنه أوقع البيع على سائرها، وهو معين. والثاني: أن يطلق القول، فيقول: أبيع هذا الحائط غير أربع نخلات مثلاً، فهذا البيع جائز؛ لأن له وجهاً في الصحة، ومخرجاً يتوجه إليه، وذلك أنه يكون شريكاً بما استثناه من العدد في عدد جميع الحائط، فإن استثنى خمسة والحائط خمسون كان له عشر الثمن مشاعاً، وإن كان الحائط أربعين كان له ثمن الثمر، وعلى هذا الحساب يكون شريكاً . وإن كان البائع شرط اختيار ما استثنى منها، فإن كان استثنى الكثير لم يجز ذلك، وإن كان استثنى اليسير جاز ذلك عند مالك، ومنعه ابن القاسم، اهـ. قلت: لكن سيأتي في ((باب جامع بيع الثمر)) أن الإمام مالكاً سئل عن ذلك فقال: لا يصلح له. (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٣٤/١٩). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٨/٤). ٤٤٩ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٥) حديث (١٢) باب ما يكره من بيع التمر ٢١/١٣١٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسَلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلاً بِمِثْل)) فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَامِلَكَ عَلَى خَيْبَرَ يَأْخُذُ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((ادْعُوهُ لِي)) فَدُعِيَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَه : ((أَتَأْخُذُّ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ؟)) فَقَالَ: يَا . (١٢) ما يكره من بيع الثمر بالمثلثة، وفي نسخة بالتمر بالمثناة الفوقية، وكلتاهما صحيحة، فإن الروايات الواردة في الباب في بيان بيع التمر بعضها ببعض، والتمر نوع من الثمر، وحاصل الروايات الواردة في الباب أنه لا يجوز التفاضل في بيع التمر، وهو إجماع. ٢١/١٣١٥ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن عطاء بن يسار) الهلالي مرسل في ((الموطأ))، وهكذا رواه محمد في ((موطئه)) مرسلاً، وقال ابن عبد البر (١): وصله داود بن قيس عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري (أنه قال: قال رسول الله وَالر: ((التمر بالتمر مثلاً بمثل))) مصدر في موضع الحال أي حال كونهما متماثلين أي متساويين وزناً من غير اعتبار الجودة والرداءة (فقيل له: إن عاملك على خيبر) زاد محمد في ((موطئه)): وهو رجل من بني عدي من الأنصار، وقال الزرقاني: هو سواد بن غزية كما يأتي في الحديث الآتي (يأخذ الصاع) من التمر الجيد (بالصاعين) من التمر الرديء (فقال رسول الله وَله: ادعوه لي فدعوه) بصيغة الجمع من الماضي في الهندية، وفي المصرية ((فدعي)) ببناء المجهول (له فقال) له (رسول الله ◌َّى: أتأخذ الصاع) من التمر (بالصاعين؟ فقال) العامل: (يا (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٦٥/٣). ٤٥٠ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٥) حديث رَسُوْلَ اللَّهِ لَا يَبِيعُوْنَنِي الْجَنِيبَ بِالْجَمْعِ صَاعاً بِصَاعٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَله: (بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ. ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيباً». رسول الله) أهل خيبر (لا يبيعونني) بفك الإدغام في أكثر النسخ، وفي بعضها ((لا يبيعوني)) بإدغام النونين (الجنيب) بفتح الجيم وكسر النون وإسكان التحتية، فموحدة نوع من جيد التمر، قال مالك: هو الكبيس، وقال الطحاوي: هو الطيب، وقيل: الصلب، وقيل: الذي أخرج منه حشفه ورديئه، وقيل: هو الذي لا يخلط بغيره بخلاف الجمع، كذا في ((الفتح))(١) (بالجمع) بفتح الجيم وسكون الميم التمر المختلط، وقيل: الردئ (صاعاً بصاع) أي بالتساوي (فقال رسول الله وَله: بع الجمع) الذي عندك (بالدراهم) أولاً (ثم ابتع) أي اشتر (بالدراهم) المذكورة (جنيباً) لئلا يدخل فيه الربا . قال الباجي(٢): ولم يرد من طريق صحيح في هذا الحديث بعينه أن رسول الله وَ ﴿ أمر العامل بردِّ بيعه، وإن كان روي أمره بذلك في بعض الأحاديث من حديث بلال، قال: كان عندي تمر لرسول الله صلية، فوجدت تميراً أخيرَ منه، فاشتريتُ صاعاً بصاعين، فقال رُدّه، ورُدَّ علينا تمرنا، وقد أخرج البخاري هذا الحديث من غير طريق صحيح، وليس فيه هذه الزيادة رُدُّه، ورد علينا تمرنا، فإن كان لم يؤمر هذا برد بيعه، فيحتمل أن يكون لم يؤمر به؛ لأنه كان يبيعه قبل التحريم للسامع من يستحلّه، ويرى استدامته من أهل الكتاب، ألا ترى أنه لو تعامل بذلك كتابيان، ثم أسلم أحدهما بعد أن يتقابضا، فإنه لا يرد شيء منه، ولذلك لم يرد شيئاً من بياعات ممن أسلم من المشركين، اهـ. (١) ((فتح الباري)) (٤٠٠/٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٢/٤). ٤٥١ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٥) حديث قلت: حديث بلال أخرجه البخاري(١) في الوكالة في ((باب إذا باع الوكيل شيئاً فاسداً فبيعه مردود))، والزيادة التي ذكرها الباجي أخرجها الطبري في هذا الحديث كما ذكره العيني، وقد روى الرد في نحو هذه القصة مسلم في أبواب الربا من حديث أبي سعيد، وقال العيني(٢): وقد احتج بحديث الباب من أجاز بيع الطعام من رجل نقداً ويبتاع منه طعاماً قبل الافتراق وبعده؛ لأنه وَ لّ لم يخص فيه بائع الطعام ولا مبتاعه من غيره، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي ثور، ولا يجوز هذا عند مالك. وقال ابن بطال: زعم قوم أن بيع العامل الصاعين بالصاع كان قبل نزول آية الربا، وقبل إخبارهم بتحريم التفاضل بذلك، فلذلك لم يأمره بفسخه، قال: وهذه غفلة؛ لأنه وَلو قال في غنائم خيبر للسعدين: ((أربيتما؟ فردًا))، وفتح خيبر مقدَّمٌ على ما كان بعد ذلك مما وقع في ثمرها، وقد احتجّ بعضُ الشافعية بهذا الحديث على أن العِيْنَةَ ليست حراماً، يعني الحيلة التي يعملها بعضهم توصلاً إلى مقصود الربا، بأن يريد أن يعطيه مائة درهم بمأتين، فيبيعه ثوباً بمأتين، ثم يشتري منه بمائة. ودليل هذا من الحديث أن النبي وَ ل# قال له: ((بع هذا، واشتر بثمنه من هذا)) ولم يفرق بين أن يشتري من المشتري أو غيره، فدل على أنه لا فرق، قال النووي: وهذا كله ليس بحرام عند الشافعي وأبي حنيفة وآخرين، وقال مالك وأحمد: هو حرام، اهـ. قال الموفق(٣): إذا باع مُدَّيْ تمرٍ رَدِيٍ بدرهم، ثم اشترى بالدرهم تمراً (١) ح (٢٣١٢) ((فتح الباري)) (٤٩٠/٤). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٠٦/٨). (٣) («المغني)) (١١٤/٦). ٤٥٢ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٥) حديث جنيباً من غير مواطأةٍ، ولا حيلة فلا بأس به، وقال ابن أبي موسى: لا يجوز إلا أن يمضي إلى غيره ليبتاع منه، فلا يستقيم له، فيجوز أن يرجع إلى البائع، فيبتاع منه، وقال أحمد في رواية الأثرم يبيعُها من غيره أحبُّ إليّ، قلتُ له: فإن لم يُعلمه أنه يريد أن يبيعها منه، فقال: بيعُها من غيره فهو أطيبُ لنفسه، فظاهره أن هذا على الاستحباب لا الإيجاب. ولعل أحمد إنما أراد اجتناب المواطأة على هذا، ولذا قال: إذا كان لا يُبالي اشترى منه أو من غيره فنعم، وقال مالك: إن فعل ذلك مرة جاز، وإن فعله أكثر من مرةٍ لم يجز؛ لأنه يُضارع ربا . ولنا حديثُ أبي سعيد في قصة بلال، وحديث أبي سعيد وأبي هريرة في قصة عامل خيبر، ولم يأمره أن يبيعه من غير من يشتري منه، ولو كان ذلك محرماً لبَيَّنَه وعَرَّفه إياه، ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط ولا مواطأة، فجاز، ولأن ما جاز من البياعات مرة جاز على الإطلاق كسائر البياعات. فأما إن تواطأ على ذلك لم يجز وكان حيلة محرمة، وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز ما لم يكن مشروطاً في العقد، ولنا، أنه إذا کان عن مواطأة كان حيلة. والحيل محرمة كلها وهو أن يظهر عقداً مباحاً، يريد به محرماً مخادعة وتوسلاً إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق أو نحو ذلك. قال أيوب السختياني: إنهم يخادعون الله كما يخادعون صبياً، لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان أسهل، وبهذا قال مالك، قال أبو حنيفة والشافعي: ذلك جائز إذا لم يكن مشروطاً في العقد، وقال بعض أصحاب الشافعي: يكره أن يدخلا في البيع على ذلك، لأن كل ما لا يجوز شرطه في العقد يكره أن يدخلا عليه، اهـ. ٤٥٣ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٥) حديث وفي ((المحلى)): قال الطيبي(١): وجه قول مالك وأحمد ما رواه رزين في كتابه عن أم يونس أنها قالت: جاءت أم ولد زيد بن أرقم إلى عائشة، فقالت: بعت جارية من زيد بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريتها منه قبل حلول الأجل بستمائة، وكنتُ شرطتُ عليه أنك إن بعتها أنا أشتريها منك، فقالت عائشة: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت(٢)، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﴿ ﴿ إذا لم يتب منه، قالت المرأة: فما يصنع أرأيت إن أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل؟ فقالت عائشة: ﴿فَمَنْ جَمُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّيِّهِ، فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾(٣) ورواه أحمد في ((مسنده)) فلم ينكر أحد على عائشة والصحابة متوفرون. وفي ((شرح السنة)): قال الشافعي: لو كان هذا ثابتاً فقد يكون عائشة عابت البيع إلى العطاء؛ لأنه أجل غير معلوم، اهـ. ويمكن أن يكون لجمعه بين البيع والشرط، أو لأنه باع ما لم يقبضه، ثم قال الشافعي: وزيد صحابي، فإذا اختلفوا فمذهبنا القياس، وهو مع زيد، قال الطيبي: ويمكن أن يمنع لجهل الأجل، فإن العطاء ما يخرج للجندي من بيت المال في السنة مرة أو مرتين، وأكثر ما يكون من أجل مسمى، ويدل عليه قولها في الحديث: قبل حلول الأجل، اهـ. وفي (الفتح)) (٤): قال القرطبي: قد استدل بحديث الباب من لم يقل بسدّ الذرائع؛ لأن بعض صور هذا البيع يؤدي إلى بيع الثمر بالثمر متفاضلاً، ويكون (١) انظر: ((الكاشف)) للطيبي (٢١٢٨/٧). (٢) في الأصل اشترى. (٣) سورة البقرة: الآية ٢٧٥. (٤) ((فتح الباري)) (٤٠١/٤). ٤٥٤ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٦) حديث ٢٢/١٣١٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الثمن لغوا، قال: ولا حجة في هذا الحديث؛ لأنه لم ينص على جواز شراء التمر الثاني ممن باعه التمر الأول، ولا يتناوله ظاهر السياق بعمومه بل بإطلاقه، والمطلق يحتمل التقييد، فوجب الاستفسار، فإذا كان كذلك فتقييده بأدنى دليل كافٍ، وقد دل الدليل على سدِّ الذرائع فلتكن هذه الصورة ممنوعةً. واستدل بعضهم على الجواز بما أخرجه سعيد بن منصور من طريق ابن سيرين أن عمر - رضي الله عنه - خطب، فقال: إن الدرهم بالدرهم سواء بسواء يداً بيد، فقال له ابن عوف: فنعطي الجنيب، ونأخذ غيره؟ قال: لا، ولكن ابتع بهذا عرضاً، فإذا قبضته، وكان له فيه نية فاهضم ما شئت، وخذ أي نقد شئت، واستدل أيضاً بالاتفاق على أن من باع السلعة التي اشتراها ممن اشتراها منه بعد مدة فالبيع صحيح، فلا فرق بين التعجيل في ذلك، والتأجيل. فدل على أن المعتبر في ذلك وجود الشرط في أصل العقد وعدمه، فإن تشارطا على ذلك في نفس العقد فهو باطل، أو قبله، ثم وقع العقد لغير شرط فھو صحیح، ولا يخفى الورع، انتهى. وفي ((كتاب الشفعة)) من ((البدائع)) (١): الأصل في شرع الحيلة قوله سبحانه وتعالى في قصة سيدنا أيوب عليه الصلاة والسلام: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا فَأَضْرِب ◌ِهِ، وَلَا تَخْنَثْ﴾(٢)، انتهى. وبسط السرخسي ذلك في كتاب الحيل، واستدل بالآية المذكورة، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ اُلْسِّقَايَةَ فِ رَحْلِ أَخِيهِ﴾(٣) الآية في قصة سيدنا يوسف، ولغير ذلك من الآيات والآثار. ٢٢/١٣١٦ - (مالك عن عبد الحميد) بحاء مهملة، ثم ميم. هكذا رواه (١) ((بدائع الصنائع)) (١٤٣/٤). (٢) سورة صّ: الآية ٤٤. (٣) سورة يوسف: الآية ٧٠. ٤٥٥ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب . (١٣١٦) حديث ابْنِ سُهَيْلٍ بْنِ عَبْد الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، يحيى وابن نافع وابن يوسف، وقال جمهور رواة ((الموطأ)): عبد المجيد بميم تليها جيم، وهو المعروف، وكذا ذكره البخاري والعقيلي وهو الصواب، والحق الذي لا شك فيه، والأول غلط، حكاه الزرقاني(١) عن ابن عبد البر، وأخرجه محمد في ((موطئه))(٢) على الصواب بلفظ عبد المجيد. قلت: وهكذا في البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك، قال الحافظ: كذا للأكثر بتقديم الميم على الجيم، وهو الصواب، وحكى ابن عبد البر أنه وقع في رواية عبد الله بن يوسف عبد الحميد، ولم أر ذلك في شيء من نسخ البخاري عن عبد الله بن يوسف، فلعله وقع كذلك في رواية غير البخاري، قال: وكذلك وقع ليحيى بن يحيى الليثي عن مالك، وهو خطأ، انتھی. وقال(٣) أيضاً في موضع آخر: بميم مفتوحة، ثم جيم، ومن قاله بالمهملة، ثم الميم، فقد صحف، انتهى. وعلى الصواب أخرجه مسلم من رواية يحيى بن يحيى عن مالك (ابن سهيل) مصغراً، وبالتصغير ضبطه العيني، وكذا بالتصغير في ((الخلاصة)) وروايات البخاري وغيره، فما وقع في ((تهذيب التهذيب)) و((التقريب)) من لفظ ابن سهل وهم من الناسخ، ويؤيد الأول أنه تزوج الثريا بنت عبد الله فقال فيه عمر بن ربيعة: أيها المنكح الثريا سهيلاً عمّرك الله كيف يلتقيان وسهيل إذا استقلّ يمان هي شامية إذا استقلّت (ابن عبد الرحمن بن عوف) الزهري ثقة حجة من رواة الشيخين وغيرهما (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٦٦/٣). (٢) ((التعليق الممجد)) (٢٩٥/٣). (٣) ((فتح الباري)) (٤٠٠/٤). ٤٥٦ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٦) حديث عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِّ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً له مرفوعاً في ((الموطأ)» هذا الحديث الواحد (عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري) وقد أكثر النسائي طرق هذه الرواية عن الخدري (وعن أبي هريرة) قال أبو عمر: ذكر أبي هريرة لا يوجد في غير رواية عبد المجيد، وإنما المحفوظ عن أبي سعيد، كما رواه قتادة عن ابن المسيب عنه، ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وعقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد، انتهى. وتعقبه الزرقاني(١) بأنه زيادة من ثقة غير منافية، فليست بشاذة، كما ادَّعاه بقوله: المحفوظ إذ مقابله الشاذّ، ولذا لم يلتفت إليه الشيخان لذلك ورويا الحديث، ومن اقتصر على أبي سعيد فقد قصر، فلا يقضى به على من ذكرهما، وكأن أبا عمر استشعر هذا بعد ذلك، فقال في ((الاستذكار))(٢): الحديث محفوظ عن أبي سعيد وأبي هريرة، انتهى. (أن رسول الله وَلقر استعمل رجلاً) تقدم في رواية ((موطأ محمد)» هو رجل من بني عدي من الأنصار، وفي رواية سليمان بن بلال عن عبد المجيد عند البخاري بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر، فأَمَّرَه عليها، وأخرجه أبو عوانة والدارقطني من طريق الدراوردي عن عبد المجيد، فسماه سواد بن غزية بفتح السين المهملة وتخفيف الواو وآخره دال مهملة، وغزية بغين معجمة وزاي وتحتية ثقيلة بوزن عطية، كذا في ((الفتح))(٣). وفي ((الإصابة)) (٤) سواد المشهور أنه بتخفيف الواو، وحكى السهيلي (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٦/٣). (٢) (٤٠/١٩). (٣) ((فتح الباري)) (٤٠٠/٤). (٤) (١٤٨/٣). ٤٥٧ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٦) حديث عَلَى خَيْبَرَ. فَجَاءَهُ بِتَمْرِ جَنِيبٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ وَلَهِ: ((أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هُكَذَا؟)) فَقَالَ: لَاَ. وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هُذَا بِالصَّاعَيْنِ. وَالصَّاعِيْنِ بِالثَّلاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا تَفْعَلْ. بِع الْجَمْعَ تشديدها، قال أبو حاتم: شهد بدراً وهو الذي أسر خالد بن هشام المخزومي، ووقع في بعض نسخ الدارقطني سوار بتشديد الواو آخره راء، قال أبو عمر: هو تصحيف، وأخرجه ابن شاهين عن ابن صاعد شيخ الدارقطني على الصواب، ووقع في رواية عند الخطيب في ((المبهمات)) أن اسم العامل على خيبر فلان بن صعصعة، وقال في ((الفتح))(١) في المغازي: سواد بتخفيف الواو، وشَذَّ السهيلي فشدَّدها، ولعله اعتمد على ما في بعض نسخ الدارقطني سوار بالراء، لكن ذكر أبو عمر أنَّها تصحيف، وروى الخطيب من وجه آخر أن النبي وَّ استمعل على خيبر فلان بن صعصعة، فلعلها قصة أخرى، انتهى. وقال العيني(٢): استعمل رجلاً قيل: هو سواد بن غزية، وقيل: هو مالك بن صعصعة الخزرجي، ثم المازني، انتهى. (على خيبر) أي جعله أميراً عليها (فجاءه بتمر جنيب) تقدم معناه (فقال له رسول الله وَله: أكلُّ تمر خيبر هكذا) بهمزة الاستفهام أي هل كل التمر هناك مثل الذي أتيت بها؟ (فقال: لا، والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا) أي الجنيب (بالصاعين) من الجمع، كما زاده سليمان بن بلال عند الشيخين (والصاعين) من الأعلى (بالثلاثة) من الأدنى، وفي رواية بالثلاث بدون تاء، وهما جائزان، فإن الصاعَ يُذكّر ويؤنث. (فقال رسول الله وَله: لا تفعل) هكذا بل (بع الجمع) أي التمر الرديء (١) (٧ /٤٩٦). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٠٦/٨). ٤٥٨ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٦) حديث بِالذَّرَاهِمِ. ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيباً)). أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٨٩ - باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه. ومسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة: ١٨ - باب بيع الطعام مثل بمثل، حديث ٩٥. (بالدراهم) أولاً (ثم ابتع بالدراهم جنيباً) لئلا يدخل الربا، وفي رواية سليمان ((لا تفعلوا هكذا، ولكن مثلاً بمثل أو بيعوا هذا، واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان))، قال ابن عبد البر: كل من روى عن عبد المجيد هذا الحديث ذكر آخره «وكذلك المیزان)» سوی مالك. وقال الحافظ: في هذا الحصر نظر لما في الوكالة عند البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك وفي آخرها، وقال: في الميزان مثل ذلك. قال العيني (١): معناه أن الموزونات حكمها في الربا حكم المكيلات، فلا يباع رطل برطلين، قال الداودي: أي لا يجوز التمر بالتمر إلا كيلاً بكيل، أو وزناً بوزن، وتعقبه ابن التين بأن التمر لا يوزن، وتعقبه العيني بأن هذا غير وارد، فإن من التمر تمر لا يباع إلا بالوزن، والتمر العراقي لا يباع في البلاد الشامية والمصرية إلا بالوزن، انتهى. قال الحافظ (٢): وهو أمر مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، كلٌّ يقول على أصله: إن كل ما دخله الربا من جهة التفاضل، فالكيل والوزن فيه واحد، ولكن ما كان أصله الكيل لا يباع إلا كيلاً، وكذا الوزن، ثم ما كان أصله الوزن لا يصح أن يباع بالكيل بخلاف ما كان أصله الكيل، فإن بعضهم يجيز فيه الوزن، ويقول: إن المماثلة تدرك بالوزن في كل شيء، وأجمعوا على أن التمر بالتمر لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل، سواء فيه الطَّيّب والدُّوْنُ، وأنه كله على اختلاف أنواعه جنس واحد، انتهى. (١) ((عمدة القاري)) (٦٧٥/٨). (٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٤٠٠). ٤٥٩ ٣٣ - كتاب البيوع (١٢) باب (١٣١٦) حديث والحديث استدلت به الحنفية على أن علة الربا الكيل والوزن لا الطعم وغيره؛ لأنه وَ﴿ لما ذكر التمر، وهو المكيل، قال: والوزن كذلك، ولو كانت العلة النقد أو الطعم لقال: والنقد كذلك أو المطعوم كذلك. قال الباجي(١): يريد ◌َل أن هذا حكم بيع بعضه ببعض، وإذا اختص هذا الحكم به لم يكن له حكم مباح غيره، فلا خلاف في ذلك في الأربع المسميات البر والشعير والتمر والملح، وقد ذكرت كلها في حديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وأخرجه من حديث عبادة بن الصامت، فذكر الأربعة المذكورة، وذكر معها الذهب والفضة. وهذا الحديث وإن كان في إسناده بعض مقال، فهذا المقدار منه قد تلقته الأمة بالقبول، فوجب الحكم بصحته، وذهب فقهاء الأمصار، وجماعة الناس إلى أن هذه المسميات أصول في تحريم التفاضل لفروع لاحقة بها على اختلافهم في أعيان تلك الفروع لاختلاف المعاني المتعدية إليها . وذهب أهل الظاهر إلى أن تحريم التفاضل مقصور عليها، واختلف الناس في علة تحريم التفاضل في الأربع المسميات، فروى مالك عن سعيد بن المسيب أن العلة عنده الكيل أو الوزن فيما يؤكل أو يشرب، وقال أبو حنيفة: العلة في ذلك جنس مكيل أو موزون، وقال الشافعي: علة ذلك أنه مطعوم جنس . واختلفت عبارات أصحابنا في ذلك، فاختار القاضي أبو إسحاق أنه مقتات جنس، ومذهب مالك في ((الموطأ)) أن العلة الاقتيات والادخار للأكل غالباً، وإليه ذهب ابن نافع، قال مالك: فلا تجوز الفواكه التي تيبس وتُدّخر إلا مثلاً بمثل يداً بيد إذا كانت من صنف واحد. (١) ((المنتقى)) (٢٣٩/٤). ٤٦٠