النص المفهرس

صفحات 421-440

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
قال الدردير (١): وكان المشترى من العرية خمسة أوسق فأقل، وإن أعرى
أكثر يعني وإن كانت العرية أكثر من الخمسة لكن الشراء لا يجوز إلا في
الخمسة، ولا يجوز أيضاً أن يشترى الزائد على الخمسة معها بنقد أو عرض.
الثالث: أن يكون المشتري جميع العربية، والخلاف في ((المدونة)) بين ابن
القاسم وغيره، فأجاز ابن القاسم شراء بعضها، وقال بعض كبراء أصحاب
مالك: لا يجوز أن يشتري بعض العرية.
قلت: وهذا الاختلاف مبني على اختلاف آخر، وهو الاختلاف في علة
الترخيص، فمن جعلها دفع الضرر لم يُجَوِّز التبعيض، ومن جعلها معروفاً على
المعرى بالفتح جوز التبعيض، ولذا ذكر الدردير محل هذا في الشروط علة
الترخيص، إذ قال: الثامن من الشروط: علته الترخيص، وهي إحدى العلتين
على البدل دفع الضرر عن المعري بالكسر، الحاصل بدخول المعرى بالفتح
وخروجه، أو للمعروف أي الرفق بالمعرى بالفتح، لكفايته المؤنة والحراسة،
لا للتجر، فيمنع بالخرص.
قال الدسوقي(٢): يعني لا بد أن يكون شراء الثمرة لأجل دفع الضرر أو
للمعروف، لا إن كان شراؤها للتجر، فلا يجوز شراؤها بالخرص، بل بالعين
أو العرض.
والحاصل أنه لا بد أن يكون الباعث للمعري على الشراء أحد الأمرين
المذكورين، وأولاهما معاً، وهذا مذهب مالك وابن القاسم، وعَلَّل عبد الملك
بالأول فقط، وعلل اللخمي بالثاني فقط، فإذا كان الشراء للتجارة منع باتفاق
الطرق الثلاثة.
(١) ((الشرح الكبير)) (٣/ ١٨٠).
(٢) ((حاشية الدسوقي)) (١٨١/٣).
٤٢١

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
وإن كان الشراء لدفع الضرر جاز على الطريقة الأولى والثانية، دون
الثالثة، وإن كان للمعروف جاز على الطريقة الأولى والثالثة، دون الثانية،
فبسبب أن العلة المعروف يجوز للمعري بالكسر شراء بعض عريته، وأما على
أن العلة دفع الضرر، فلا يجوز إذ لا يزول الضرر بشراء البعض لدخول
المعرى بالفتح للحائط لما بقي من العرية بلا بيع، فشراء بعض العرية جائز
على طريقة مالك وابن القاسم، وكذا على طريقة اللخمي، لا على طريقة
عبد الملك بن الماجشون، اهـ.
والرابع: أن يكون العرية مما ييبس ويدّخر، قال الباجي: عن مالك في
ذلك روايتان: إحداهما: أنه لا يجوز إلا في النخل والعنب، وبه قال الشافعي،
والثانية: يجوز في كل ما ييبس، ويدّخر من الثمار، كالجوز واللوز والتين
والزيتون، قال الأبي: هذا هو المشهور، وقصرها على الزبيب والتمر. رواه
محمد .
قلت: وبالتعميم جزم الدردير إذ قال: رخص اشتراء ثمرة من شأنها أن
تيبس، لا أنها حين الشراء يابسة، ولا يكفي يبس جنسها، فيخرج عنب مصر
وبلحها ولوزٌ، اهـ.
وهكذا ذكر الشروط العشرة الدردير والدسوقي إلا أنهما لم يذكرا فيها
الخامس، وهو أن يكون العوض تمراً، وذكرا بدله أن يكون العوض على ذمة
المعري بالكسر، لا في حائط معين، وإلا فسد البيع، قال الدسوقي: هذا هو
المعتمد خلافاً لما في ((المبسوط)) من صحة البيع، وبطلان شرط التعيين.
ويبقى في الذمة، اهـ.
قال ابن عبد البر في ((التمهيد)): لا تباع بِبُشْر ولا رطب، ولا بتمر معين،
وإنما تباع بتمرٍ يكون في الذمة إلى الجذاذ بخرصها، وما عدا وجه الخرصة
فيها صارت مزابنة، اهـ.
٤٢٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
(١٣٠٨) حديث
١٤/١٣٠٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ أَرْخَصَ
لِصَاحِبِ الْعَرِبَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا .
أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٨٢ - باب بيع المزابنة. ومسلم في:
٢١ - كتاب البيوع، ١٤ - باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا، حديث ٦٠.
قلت: فهذا الحادي عشر من الشروط عند المالكية مع أنهم كلهم اتفقوا
على كون الشروط عشرة، فتأمل.
١٤/١٣٠٨ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر عن زيد بن ثابت) فيه
رواية صحابي عن صحابي (أن رسول الله وَل أرخص) بهمزة مفتوحة قبل الراء
من الإرخاص (لصاحب العرية) بفتح العين المهملة وشد التحتانية (أن يبيعها)
لمن شاء عند الشافعي وأحمد، وبيد واهبها خاصة عند مالك، كما تقدم في
بحث الشروط، وهو مقتضى قول الحنفية؛ إذ جعلوها رجوعاً في الهبة،
وقالوا: إطلاق البيع عليه مجاز (بخرصها) بفتح العين المعجمة، قال
النووي(١): هو أشهر من كسرها، فمن فتح قال: هو مصدر، ومن كسرها قال:
هو اسم للشيء المخروص.
زاد الطبراني عن القعنبي عن مالك فيه كيلاً، وكون العوض بالكيل شرط
عند جميع من أباح بيع العرايا، كما تقدم في الشرط الرابع من شروط الموفق.
وصورة الخرص أن يُطِيْفَ الخارص بالنخلات، فيقول: هذا الرطب الذي
عليها إذا يبس يحصل منها التمر ثلاثة أوسق مثلاً، فيشتريها بذلك المقدار
المشتري أو الواهب، وحكى الأبي(٢) عن عياض: هي مستثناة من أصول
أربعة: المزابنة، وهو ظاهر أحاديث هذا الباب، ومن ربا الفضل، والنساء،
ومن العود في الهبة، اهـ.
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٦٢/٣).
(٢) انظر: ((إكمال إكمال المعلم)) (٤/ ٢٠٧).
٤٢٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
(١٣٠٩) حدیث
١٥/١٣٠٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ
أَبِي سُفْيَانَ، مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا .
قلت: أما الأول فهو عند القائلين بأنه بيع. وأما الحنفية فلا يستثنى عن
ذلك. وأما الثاني والثالث يعني ربا الفضل وربا النساء، فهي عند المالكية
خاصة، أما الشافعي وأحمد، فاشترط فيه التقابض كما تقدم، وأما الرابع، فهو
عند المالكية والحنفية، وأما الشافعي وأحمد، فلم يخصاها بالواهب، فلا
رجوع عندهم في الهبة.
١٥/١٣٠٩ - (مالك عن داود بن الحصين) بمهملتين مصغراً (عن أبي
سفيان) مختلف في اسمه (مولى) عبد الله (بن أبي أحمد) بن جحش أخي أم
المؤمنين زينب بنت جحش (عن أبي هريرة أن رسول الله وَلي) قال ابن عبد البر
في ((التمهيد))(١): هكذا الحديث في ((الموطأ)) عند جماعة رواته فيما علمت،
ورواه عثمان بن عمر عن مالك عن داود عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله
عن النبي ◌َّ﴾، فأخطأ فيه، والصواب ما في ((الموطأ)).
وأبو سفيان هذا مدني اسمه قزمان، وهو مولى عبد الله بن أبي أحمد بن
جحش، وأما أبو سفيان الذي يروي عن جابر، فاسمه طلحة بن نافع، ليس له
ذكر في ((الموطأ))، اهـ.
وبمثل رواية ((الموطأ)) رواه الشيخان عن مالك، قال الحافظ: ذكر ابن
التين تبعاً لغيره أن داود تفرد بهذا الإسناد، وما رواه عنه إلا مالك، اهـ.
(أرخص) بهمزة من الإرخاص، وفي البخاري بلفظ رخص، قال
الحافظ(٢): كذا للأكثر بالتشديد، وللكشميهني أرخص، اهـ.
(في بيع العرايا) أي في بيع تمر العرايا (بخرصها) تمراً والخرص بفتح
(١) (٣٢٣/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٨٨/٤).
٤٢٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
(١٣٠٩) حديث
فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقِ. أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقِ.
أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٨٣ - باب الثمر على رؤوس
النخل. ومسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ١٤ - باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في
العرایا، حديث ٧١.
يَشُكُّ دَاوُدُ قَالَ: خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقِ.
معجمة، وقد تكسر، وبصاد مهملة، حرز ما على النخلة من الرطب تمراً، كذا
في ((المجمع)) (فيما دون) أي أقل من (خمسة أوسق) جمع وسق، وهو ستون
صاعاً كما تقدم في الزكاة (أو في خمسة أوسق) بتمامها و(يشك داود) شيخ
الإمام في أنه هل (قال) شيخه أبو سفيان (خمسة أوسق أو) قال (دون خمسة)
أوسق، وتقدم في الشروط أن الجواز في الأقل من خمسة أوسق إجماعيّ عند
القائلين بجواز بيع العرية، وعدم الجواز في الأكثر من الخمسة أيضاً إجماعيٍّ.
واختلفوا في الخمسة، فظاهر مذهب الشافعي وأحمد عدم الجواز فيها،
وظاهر مذهب مالك الجواز، وعن كل واحد من الثلاثة قول بالشق الآخر،
واستدل من قال بالجواز في الخمسة بأن في حديث سهل وزيد أنه مَ له رخّص
في العرية مطلقاً، ثم استثنى ما زاد على الخمسة في حديث أبي هريرة، وشك
في الخمسة، فاستثنى اليقين، وبقي المشكوك فيه على الإباحة، وقال من
منعها: إنه ◌َّ نهى عن المزابنة أي بيع الرطب بالتمر، ثم أرخص العرية فيما
دون خمسة أوسق، وشك في الخمسة، فيبقى على العموم في التحريم، ولأن
العرية رخصة بُنِيتْ على خلاف النص، والقياس يقيناً فيما دون الخمسة،
والخمسة مشكوك فيها، فلا تثبت إباحتها بالشك، كذا في ((المغني))(١).
وقال ابن عبد البر في ((التمهيد))(٢): واختلف العلماء في مقدار العربة بعد
(١) (١٢١/٦).
(٢) (٣٣٥/٢).
٤٢٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
(١٣٠٩) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا تُبَاعُ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ. يُتَحَرَّىُ ذُلِكَ
وَيُخْرَصُ فِي رُؤُوْسِ النَّخْلِ.
اتفاقهم على أنها لا تجوز في أكثر من خمسة، فقال قوم: مقدارها خمسة
أوسق، وقال آخرون: مقدارها دون خمسة أوسق، ولو بأقل مما يتبين من
النقصان .
وحجة الطائفتين حديث أبي هريرة المذكور وغيره، وقال آخرون: لا
تجوز في أكثر من أربعة أوسق، لما روى محمد بن إسحاق عن محمد بن
يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر بن عبد الله ((أن رسول الله عَليه
رخص في العرايا في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة))، رواه حماد بن سلمة
وغيره كذلك.
ولا خلاف عن مالك والشافعي ومن اتبعهما في جوازها في أكثر من
أربعة أوسق إذا كانت دون خمسة أوسق، لحديث الباب، ولم يعرفوا حديث
جابر في الأربعة الأوسق، ولم يثبت عندهم، اهـ.
قال الحافظ(١): وحديث جابر المذكور أخرجه الشافعي وأحمد،
وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وترجم عليه ابن حبان ((الاحتياط أن
يزيد على أربعة أوسق))، وهذا الذي قاله يتعين المصير إليه، وأما جعله حداً لا
يجوز تجاوزه، فلیس بالواضح، اهـ.
(قال مالك: وإنما تباع العرايا بخرصها) أي بقدرها بالتخمين (من التمر)
أي بعوض التمر، ثم أوضح قوله: بخرصها بقوله: (يتحرَّى ذلك) ببناء
المجهول أي يعين المقدار بالتحري وغلبة الظن (ويخرص) أي يحرز (في
رؤوس النخل) قبل الجذاذ بأن يتحرى الخارص أن الرطب الذي على هذه
النخلة يكون وسقين مثلاً (وليست له مكيلة) يعني لا يحتاج إلى كيل ما على
رؤوس النخل؛ لأنه لا يمكن كيلها على رؤوسها .
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٨٩/٤).
٤٢٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
(١٣٠٩) حدیث
وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِيهِ لِأَنَّهُ أُنْزِلَ بِمَنْزِلَةِ التَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ وَالشِّرْكِ. وَلَوْ كَانَ
بِمَنْزِلَةٍ غَيْرِهِ مِنَ الْبُيوعِ، مَا أَشْرَكَ أَحَدٌ أحداً فِي طَعَامِهِ حَتَّى
يَسْتَوْفِيَّهُ. وَلَا أَقَالَهُ مِنْهُ. وَلَا وَلَّهُ أَحَداً حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ.
(وإنما أرخص فيه) ببناء المجهول أي جعلت الرخصة في هذا البيع مع
كونه خلاف الأصول لجهات، وتقدم ما قال عياض: إنها مستثناة من أصول
أربعة ممنوعة: المزابنة، وربا الفضل، والنساء، والعود في الهبة، قلت:
والخامس بيع الطعام قبل الاستيفاء. وهذا هو منظور الإمام في هذا الكلام كما
يدل عليه كلامه الآتي.
(لأنه) أي هذا البيع (أنزل) ببناء المجهول (بمنزلة التولية) وهي بيع ما
اشتراه بما اشتراه من الثمن (والإقالة) أي إزالة البيع وفسخه (والشِرك) بكسر
الشين وسكون الراء أي تشريك غيره فيما اشتراه، ففي هذه البيوع الثلاثة يجوز
عند الإمام مالك التصرف في الطعام قبل قبضه (ولو كان) كل واحد من هذه
البيوع الثلاثة (بمنزلة غيره) أي غير ما ذكر (من البيوع) الأخر (ما أشرك أحد
أحداً) أي ما جاز لأحد أن يشرك غيره (في طعامه حتى يستوفيه) والحال أنه
جائز عند مالك أن يشرك غيره قبل الاستيفاء.
(ولا أقاله منه) أي ما جاز لأحد أن يقيل في بيعه قبل الاستيفاء (ولا
ولآه) أي المبيع (أحداً) أي ما باعه بالتولية (حتى يقبضه المبتاع) لما تقدم قبيل
((باب مال المملوك إذا بيع)) الإجماع على أن بيع الطعام قبل الاستيفاء لا
يجوز.
قال الباجي(١): قوله: ((يتحرى ذلك في رؤوس النخل)). إلخ، يريد أن
ذلك يجوز فيها للحاجة إليه، ولتعذر الكيل فيها ما دامت في رؤوس النخل،
وإنما أرخص فيه لذلك كما أرخص في الإقالة والشركة والتولية، فيجوز فيها
(١) ((المنتقى)) (٢٣١/٤).
٤٢٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٩) باب
(١٣٠٩) حديث
لما فيه من المعروف ما لا يجوز في غيرها من العقود من بيع الطعام قبل
استیفائه، اهـ.
قلت: وتوضيح ما ذكر من ثلاث مسائل المقيس عليها، أنهم اختلفوا
فيما يحتاج في البيع إلى القبض، وما لا يحتاج إليه، واتفقوا على أنه لا يجوز
بيع الطعام قبل القبض كما تقدم، ثم اختلفوا بعد ذلك، هل يجوز للمشتري
التصرفات المذكورة قبل القبض أم لا؟ قال الموفق(١): وجملته أن ما يحتاج
إلى القبض لا تجوز الشركة فيه، ولا التولية قبل قبضه، وبهذا قال أبو حنيفة
والشافعي، وقال مالك: يجوز هذا في الطعام قبل قبضه؛ لأنها تختص بالثمن
الأول، فجازت قبل القبض، كالإقالة.
ولنا؛ أن هذه أنواع بيع، فتدخل في عموم النهي عن بيع الطعام قبل أن
يستوفيه، فإن الشركة بيع بعض المبيع بقسطه من ثمنه، والتولية بيع جميعه بمثل
ثمنه، ولأنه تمليك لغير من هو في ذمته، فأشبه البيع، وفارق الإقالة، فإنها
فسخ للبيع، فأشبهت الرد بالعيب.
واختلفت الرواية عن أحمد في الإقالة، فعنه: أنها فسخ، وهو الصحيح،
وهو مذهب الشافعي، والثانية: أنها بيع، وهي مذهب مالك، وحكي عن أبي
حنيفة: أنها فسخ في حق المتعاقدين، بيع في حق غيرهما، فلا تثبت أحكام
البيع في حقهما، بل تجوز في السلم، وفي المبيع قبل قبضه.
قال ابن المنذر: وفي إجماعهم أن رسول الله وَّل نهى عن بيع الطعام قبل
قبضه مع إجماعهم على أن له أن يُقِيل المُسْلِمَ جميع المُسْلَم فيه، دليلٌ على أن
الإقالة ليست بيعاً .
ثم إن قلنا: هي فسخٌ، جازت قبل القبض وبعده، وإن قلنا: هي بيع، لم
(١) ((المغني)) (١٩٤/٦).
٤٢٨

٣٣ - كتاب البيوع
(١٠) باب
(١٠) باب الجائحة في بيع الثمار والزرع
يجز قبل القبض، فيما يعتبر فيه القبض؛ لأن بيعه من بائعه قبل قبضه لا يجوز
كما لا يجوز من غيره، اهـ.
وقال ابن رشد(١) في بحث اعتبار القبض: إن العقود تنقسم أولاً إلى
قسمين: قسمٌ يكون بمعاوضة، وقسم يكون بغير معاوضة، كالهبات
والصدقات، والذي يكون بمعاوضة، ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: يختص بقصد
المغابنة والمكايسة، وهي البيوع والإجارات والمهور والصلح والمال المضمون
بالتعدي وغيره، والثاني: لا يختص بقصد المغابنة، وإنما يكون على جهة
الرفق وهو القرض، والثالث: هو ما يصح أن يقع على الوجهين جميعاً أعني
قصد المغابنة وقصد الرفق كالشركة والتولية والإقالة.
أما ما كان بيعاً وبعوض فلا خلاف في اشتراط [القبض] فيه، وأما ما
كان خالصاً للرفق أعني القرض، فلا خلاف أيضاً أن القبض ليس بشرط في
بيعه، أعني أنه يجوز للرجل أن يبيع القرض قبل القبض، خلافاً لأبي حنيفة
فيما يكون بعوض المهر والخلع.
وأما العقود التي تردد بين قصد الرفق والمغابنة، وهي التولية، والشركة،
والإقالة، فإذا وقعت على جهة الرفق من غير أن تكون الإقالة أو التولية بزيادة
أو نقصان، فلا خلاف أعلمه في المذهب أن ذلك جائز قبل القبض وبعده،
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجوز الشركة، ولا التولية قبل القبض، وتجوز
الإقالة عندهما؛ لأنها قبل القبض فسخُ بيعٍ، اهـ.
(١٠) الجائحة في بيع الثمار والزرع
الجائحة في اللغة المصيبة المستأصلة جمعها جوائح، وعرفاً ما أتلف من
(١) انظر: ((بداية المجتهد)) (١٤٥/٢، ١٤٦).
٤٢٩

٣٣ - كتاب البيوع
(١٠) باب
معجوز عن دفعه عادة قدراً من ثمر أو نبات، وفيها عدة أبحاث، الأول: في
المراد بالجائحة، قال الباجي(١): اختلف فيه أصحابنا فعند ابن القاسم أن ما
لا يستطاع دفعه. وإن علم به فهو جائحة وما يستطاع دفعه إن علم به فلا يكون
جائحة كالسارق، قاله في كتاب ابن المواز، وهو مذهب ابن نافع في
((المدونة)) .
وروي في ((المدونة)) عن ابن القاسم: أن ما أصاب الثمرة بأي وجه
كان، فهو جائحة سارقاً كان أو غيره، وقال مطرف وابن الماجشون: لا يكون
جائحة إلا ما أصاب الثمرة من السماء من عفن أو برد أو عطش أو فساد بحر
أو برد أو بكسر الشجر، وأما ما كان من صنع آدمي فليس بجائحة، اهـ.
وقال الأبي(٢): فالمعجوز عن دفعه، قال في ((المدونة)): كالجراد،
والنار، والريح، والغرق، والبرد، والمطر، والطين الغالب، والدود، وعفن
الثمرة في الشجر والسموم، قال ابن الحارث اتفاقاً في الجميع: واختلف في
السارق والجيش والسلطان الغالب، فقال ابن القاسم وابن عبد الحكم: الجميع
جائحة، وقال مطرف وابن الماجشون: ليست بجائحة، وقال ابن رشد: فرق
ابن نافع، فجعل الجيش جائحة دون السارق، اهـ.
وقال الموفق(٣): إن الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها، كالريح والبرد
والجراد والعطش؛ لما روى الساجي بإسناده عن جابر أن النبي وَّ قضى في
الجائحة، والجائحة تكون في البرد والجراد والحبق والسيل والريح، وهذا
تفسير من الراوي لكلام النبي ◌َّر، فيجب الرجوع إليه، وأما ما كان من صنع
(١) ((المنتقى)) (٢٣٢/٤).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٣٢/٤).
(٣) «المغني)) (١٧٩/٦).
٤٣٠

٣٣ - كتاب البيوع
(١٠) باب
آدمي. فقال القاضي: المشتري بين فسخ العقد، ومطالبة البائع بالثمن، وبين
البقاء عليه. ومطالبة الجاني بالقيمة؛ لأنه أمكن الرجوع ببدله، بخلاف التالف
بالجائحة، اهـ.
الثاني: هل يؤثر الجائحة في البيع أم لا؟ قال الموفق(١): إن ما تهلكه
الجائحة من الثمار من ضمان البائع، وبهذا قال أكثر أهل المدينة، منهم
يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الحديث، وبه
قال الشافعي في القديم، وقال أبو حنيفة، والشافعي في الجديد: هو من ضمان
المشتري لما روي أن امرأة أتت النبي ◌َّر، فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من
فلان، فأذهبتها الجائحة، فسألته أن يضع عنه، فَتَأَلَّى: أن لا يفعل، فقال
النبي ◌َّر: ((تألّى فلان أن لا يفعل خيراً))، متفق عليه(٢).
ولو كان واجباً لأجبره عليه.
ولنا: ما روى مسلم عن جابر أن النبي ◌َّل# أمر بوضع الجوائح، وعنه
قال: قال رسول الله وَ له: ((إن بعت من أخيك تمراً، فأصابته جائحة، فلا يحلّ
لك أن تأخذ منه شيئاً، لم تأخذ مال أخيك بغير حق؟))، رواه مسلم وأبو
داود(٣)، وهو صريح في الحكم فلا يعدل عنه.
قال الشافعي: لم يثبت عندي أن رسول الله ولي أمر بوضع الجوائح، ولو
ثبت لم أَعْدُه، ولو كنت قائلاً بوضعها لوضعتها في القليل والكثير، قلنا:
الحديث ثابت، رواه الأئمة، منهم أحمد ويحيى بن معين وعلي بن حرب
وغيرهم، اهـ.
(١) ((المغني)) (١٧٧/٦).
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٠٥)، ومسلم (١١٩٢/٣).
(٣) أخرجه مسلم (١٥٥٤)، وأبو داود (٣٤٧٠)، والنسائي (٤٥٤٠)، وابن ماجه (٢٢١٩).
٤٣١

٣٣ - كتاب البيوع
(١٠) باب
وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها،
ثم أصابته عاهة فهو من البائع))، وذكر فيه حديث أنس أن رسول الله وَ ل نهى
عن بيع الثمار حتى تزهي، فقال أرأيت إن منع الله الثمرة بما يأخذ أحدكم مال
أخيه؟(١) وبسط الحافظ(٢) الاختلاف في رفع قوله فقال: أرأيت، ووقفه على
أنس، قال العيني (٣): وقال جمهور السلف والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف
ومحمد والشافعي في الجديد وأبو جعفر الطبري وداود وأصحابه: ما ذهب من
الثمر المبيع الذي أصابته جائحة من شيء، سواء كان قليلاً أو كثيراً بعد قبض
المشتري إياه، فهو ذاهب من مال المشتري، وما ذهب في يد البائع قبل قبض
المشتري، فذاك يبطل الثمن عن المشتري، اهـ.
قال الحافظ (٤): وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة فيما إذا بيعت الثمرة قبل
بدو صلاحها بغير شرط القطع، فيحمل مطلق الحديث في رواية جابر على ما
قيده به في حديث أنس.
واستدل الطحاوي بحديث أبي سعيد، أصيب رجل في ثمار ابتاعها،
فكثُر دينه، فقال النبي وَّهِ: ((تصدَّقُوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه))، فقال:
خذوا ما وجدتم، ليس لكم إلا ذلك، أخرجه مسلم وأصحاب السنن(٥)، قال:
فلما لم يبطل دين الغرماء بذهاب الثمار، وفيهم باعتُها ولم يُؤخذ الثمن منهم
دل على أن الأمر بوضع الجوائح ليس على عمومه، اهـ.
(١) أخرجه البخاري (٢٤٤/٣)، وأخرجه مسلم (١١٩٢/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٩٩/٤).
(٣) ((عمدة القاري)) (٥٠٣/٨).
(٤) (فتح الباري)) (٣٩٩/٤).
(٥) أخرجه مسلم (١٥٥٦)، وأبو داود (٣٤٦٩)، والترمذي (٦٥٥)، والنسائي (٤٥٤٣)،
وابن ماجه (٢٣٥٦).
٤٣٢

٣٣ - كتاب البيوع
(١٠) باب
وفي ((المحلى)): قال الشافعي في أصح قوليه، وأبو حنيفة، والليث
وآخرون: لا يجب وضع الجائحة، وإنما يستحب، لما في مسلم أن رجلاً ابتاع
ثماراً، فكثر دينه، فأمر النبي ◌َّ بالصدقة عليه، فلو كانت توضع لم يفتقر إلى
ذلك، وحملوا الأمر بالوضع على الاستحباب أو البيع قبل بدو الصلاح، وعليه
حمله ابن الهمام، واستدل به على جواز البيع قبل بدو الصلاح، قال: ولولا
صحة البيع لم يترتب عليه الإقالة، اهـ.
الثالث: في مقدار الجائحة المؤثرة، قال الموفق (١): ظاهر المذهب أن لا
فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أن ما جرت العادة بتلف مثله كالشيء
اليسير الذي لا ينضبط، فلا يُلْتَفَتُ إليه، قال أحمد: إني لا أقول في عَشْرِ
ثمراتٍ، ولا عشرين ولا أدري ما الثلث، ولكن إذا كانت جائحة تعرف؛
الثلث، أو الربع، أو الخمس توضع، وفيه رواية أخرى أن ما كان دون الثلث،
فهو من ضمان المشتري، وهو مذهب مالك والشافعي في القديم؛ لأنه لا بد
أن يأكل الطير منها وتَنْثُرَ الريح. ويسقُطَ منها، فلم يكن بد من ضابط وحدٌ
فاصلٍ، وقد رأينا الشرع اعتبر الثلث في مواضع؛ منها: الوصيةُ، وعطايا
المريض، وتساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى الثلث.
قال الأثرم: قال أحمد: إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة؛ لأن
الثلث في حد الكثرة، وما دونه في حد القلة، بدليل قوله وقّير في الوصية:
(الثلث كثير)) فيُقَدَّرُ به.
ووجه الرواية الأولى عموم الأحاديث إذا ثبت هذا، فإذا تلف شيء له
قدر خارج عن العادة وضع من الثمن بقدر الذاهب، فإن تلف الجميع بطل
العقد، ويرجع المشتري بجميع الثمن، وأما على الرواية الأخرى، فإنه يعتبر
ثلث المبلغ، وقيل: ثلث القيمة، فإن تلف الجميع، أو أكثر من الثلث رجع
بقيمة التالف كله من الثمن، اهـ.
(١) ((المغني)) (١٧٩/٦).
٤٣٣

٣٣ - كتاب البيوع
(١٠) باب
قلت: هكذا حكى غير واحد من نقلة المذاهب مذهب الإمام بوضع
الجائحة في الثلث مطلقاً، والصحيح أن فيه تفصيلاً يظهر من مراجعة كتب
مذهبه .
قال الباجي(١): وجملته أن المبيع على ثلاثة أنواع: ثمار التين والعنب،
وما جرى مجراهما من الجوز واللوز والتفاح، فهذه يراعى في جوائحها الثلث،
فإن قصرت عن الثلث لم يوضع شيء، وإن بلغ الثلث وضع، ونوع البقول،
وهو سائر أنواع البقول والأصول المغيبة مما الغرض في أعيانها دون ما يخرج
منها .
وسيأتي في البحث الآتي أن في ذلك روايتين: إحداهما: نفي الوضع فيها
جملة، والثانية: إثباته، فإذا قلنا بإثبات حكم الجائحة فيها، فهل يعتبر فيه
الثلث أم لا؟ روى ابن القاسم عن مالك أن الجائحة توضع فيها قليلها
وكثيرها، بلغت الثلث أو قصرت عنه، وفي ((المدنية)) عن ابن القاسم عن مالك
إلا أن يكون الشيء التافه، وروى علي بن زياد عنه لا يوضع منها إلا ما بلغ
الثلث .
ونوع ثالث: يجري مجرى البقول في أن أصله مبيع مع ثمرته، ويجري
مجرى الأشجار في أن المقصود منه ثمرته كالقثاء، والبطيخ،
والقرع، والباذنجان، والفول والجلبان، فهذا روى ابن القاسم وجميع أصحابنا
أن الثلث يعتبر في جائحتها، وقال أشهب في كتاب ابن المواز: المقائي
كالبقل، توضع الجائحة في قليلها وکثیرها دون اعتبار ثلث.
وجه رواية ابن القاسم أن المقصود منه الثمرة، فوجب أن يكون حكمها
حكم الثمرة، ووجه قول أشهب أن هذا نبات ليس له أصل ثابت، فلم يعتبر فيه
بالثلث كالبقول، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٢٣٥/٤).
٤٣٤

٣٣ - كتاب البيوع
(١٠) باب
وقال الأبي(١): المتلف إن كان من سبب العطش وضع قلّ أو كثر، وإن
كان من غيره، فشرط وضع الجائحة فيه أن يبلغ الثلث فأكثر، ثم اختلف، فقال
ابن القاسم: المعتبر ثلث الثمرة؛ لأن الجائحة إنما هي بنقص الثمرة لا
برخصها، ألا ترى أنه لو رخصت الثمرة لم يكن الرخص جائحة، فيوضع من
الثمن بقدر نسبة المجاح في أزمنته من قيمة الجميع كان قدر الثلث أو أقل أو
أكثر، وقيل في أزمنته؛ لأن للزمان أثراً في قيمة الثمار.
وقال أشهب: المعتبر ثلث القيمة لا ثلث الثمرة، والخلاف بينهما إنما
هو إذا كانت الثمرة لا تحبس أولها على آخرها، وإن كان مما يحبس أوله على
آخره كالعنب، فالمعتبر ثلث الثمرة باتفاق، والجائحة لا تختص بالثمر، بل
تكون في النبات إلا أنه اختلف في البقول والمشهور أن فيها الجائحة، قَلَّتْ أو
كثُرت؛ لأن غالب أمرها إنما هي من قبل العطش، وقيل: ما توضع قَلَّتْ أو
كثُرت؛ لأنها إنما تباع بعد إمكان الجذاذ والانتفاع به، والغالب السلامة،
فصارت كالثمرة إذا بيعت بعد اليبس.
وقيل: إن بلغت الثلث فأكثر وضعت وإلا لا، والثلاثة لمالك، وعلى
المشهور، فاختلف في الأصول المغيبة كاللفت والبصل هل حكمها حكم
البقول أم لا؟ وألحقوا الموز بالثمار والزعفران بالبقول، اهـ.
الرابع: في المبيعات التي تؤثر فيها الجائحة، وتقدم في البحث الثاني ما
قال الأبي: إنها تؤثر في الثمار والنبات إلا أن في البقول ثلاثة أقوال لمالك،
المشهور منها: أن فيها الجائحة مطلقاً، والثاني: لا مطلقاً، والثالث: أنها
كالثمار في اعتبار الثلث.
وقال الباجي(٢): أما ما يعتبر به في وضع الجائحة، فإنه يرجع إلى
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٣٢/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٣٣/٤).
٤٣٥

٣٣ - كتاب البيوع
(١٠) باب
معنيين؛ أحدهما: جنس الثمرة، والثاني: معنى يقترن بها، فأما جنس الثمرة
فهو كل بيع يحتاج إلى بقائه في أصله، وحاجته إلى ذلك تكون على ضربين:
أحدهما: لانتهاء صلاحها وطيبها كثمرة النخل والعنب إذا اشتُري عند بدو
صلاحه، وكثمرة التفّاح والبطيخ والورد والياسمين والفول، والثاني: يحتاج إليه
البقاء رطوبته ونضارته، كثمرة العنب اشتُرِيَتْ بعد انتهاء طيبها، وكالبقول،
والقصيل، والأصول المغيبة من الجزر، والسلجم، والبصل، والثوم.
فأما ما يحتاج إلى بقائه في أصله لتمام صلاحه، فلا خلاف عندنا في
وضع الجائحة فيه، وأما ما لا يحتاج إلى بقائه في أصله لتمام صلاحه، ولا
لبقاء نضارته كالتمر اليابس والزرع، فلا خلاف في أنه لا يوضع فيه جائحة؛
لأن تسليمه قد كمل بتخلي البائع له إلى المبتاع؛ لأنه ليس له في أصله منفعة
مستثناة يُسْتنظر استيفاؤها، فصار ذلك بمنزلة الصبرة الموضوعة، وأما ما يحتاج
إلى بقائه في أصله لحفظ نضارته، كالعنب يُشترى بعد تمام صلاحه والبقول
وغير ذلك.
فقد اختلف أصحابنا في مسائل يجب ردّها إلى أصل، ثم قال بعد ذكر
الفروع: فعلى رواية أصبغ عن ابن القاسم لا يراعى حفظ نضارته، وإنما يراعى
تكامل صلاحه، ويجب أن يجري هذا المجرى كل ما كان هذا حكمه كالقصب
والبقول، فلا توضع جائحة في شيء من ذلك، وعلى رواية سحنون توضع
الجائحة في جميعه، وإنما اختُلُف في البقول، فعلى القول الأول لا توضع فيه
جائحة، وعلى القول الثاني توضع فيه الجائحة.
وأما ما كان مهراً في النكاح فاختلف أصحابنا، فقال ابن القاسم: لا
جائحة فيه، وقال ابن الماجشون: فيه الجائحة، ومن اشترى عريّة. فقال مالك
وابن القاسم وابن وهب: توضع فيها الجائحة، قال أشهب: لا توضع فيها
جائحة إلى آخر ما بسط من الفروع، والوجوه في ذلك.
٤٣٦

٣٣ - كتاب البيوع
(١٠) باب
(١٣١٠) حديث
١٦/١٣١٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ،
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَهَا
تَقُولُ: ابْتَاعَ رَجُلٌ ثَمَرَ حَائِطِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ اَلـ
١٦/١٣١٠ - (مالك عن أبي الرجال) لُقِّبَ به؛ لأنه كان له أولاد عشرة
رجالاً كاملين (محمد بن عبد الرحمن) بن حارثة الأنصاري (عن أمه عمرة) بفتح
العين وسكون الميم (بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية (أنه سمعها
تقول) مرسل في ((الموطأ)) وصله(١) الشيخان من طريق يحيى بن سعيد
الأنصاري عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة - رضي الله عنها - (ابتاع رجل
ثمر حائط) أي بستان (في زمان رسول الله (ص 3) ولفظ الشيخين عن عائشة تقول:
((سمع رسول الله وَّخيول صوت خصوم بالباب عالية أصواتهم، ولمسلم
((أصواتهما))، وإذا أحدهما يستوضع الآخر، ويسترفقُه في شيء، وهو يقول:
والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله وَل﴿، فقال: أين المتأَلِّي على الله لا
يفعل المعروف؟ فقال: أنا يا رسول الله فله أي ذلك أحب)).
وجمع الحافظ(٢) بين روايتي عالية أصواتهم وعالية أصواتهما، بأنه جَمَعَ
باعتبار من حضر الخصومة، وثَنَى باعتبار الخصمين، أو كان التخاصم من
الجانبين بين جماعة، فجمع، ثم ثَنَّى باعتبار الجنسين، ووقع في رواية ابن
حبان(٣) في أول الحديث دخلت امرأة على النبي وَّ، فقالت: ابتعت أنا وابني
من فلان تمراً، فأحصيناه، لا والذي أكرمك بالحق ما أحصينا منه إلا ما نأكله
في بطوننا أو نطعمه مسكيناً، وجئنا نستوضعه ما نقصنا، الحديث.
فظهر بهذا ترجيح ثاني الاحتمالين، وأن المخاصمة وقعت بين البائع
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٠٧/٥) كتاب الصلح (٢٧٠٥)، باب: هل يشير الإمام بالصلح؟
و((صحيح مسلم)) في المساقاة برقم (١٥٥٧)، (١١٩٢/٣).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٠٨/٥).
(٣) أخرجه ابن حبان، ح (٥٠٣٢).
٤٣٧

٣٣ - كتاب البيوع
(١٠) باب
(١٣١٠) حديث
فَعَالَجَهُ وَقَامَ فِيهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ النُّقْصَانُ. فَسَأَلَ رَبَّ الْحَائِطِ أَنْ يَضَعَ
لَهُ أَوْ أَنْ يُقِيلَهُ.
وبين المشتريين، ولم أقف على تسمية واحد منهم، وأما تجويز بعض الشراح
أن المتخاصمين هما المذكوران في الحديث الذي يليه، ففيه بعد لتغاير
القصتين، اهـ كلام الحافظ.
والمراد بالحديث الذي يليه ما أخرجه البخاري بعد ذلك بسنده إلى
كعب بن مالك أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي مالٌ، فلقيه،
فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما، فمر بهما النبي وَلقر، فقال: يا كعب، فأشار بيده
كأنه يقول: النصف، فأخذ نصف ماله عليه، وترك نصفاً، وسيأتي كلام البيهقي
في ذلك في آخر الحديث (فعالجه) أي مارسه وعمل فيه (وقام فيه) للإصلاح
(حتى تبين له النقصان).
قال الباجي(١): يحتمل أن يريد حتى تبين له نقصان قيمته عن الثمن الذي
اشتراه به، ويحتمل أن يريد به حتى تبين له نقصان ثمره عما قد قدر فيه، وذلك
أيضاً يحتمل وجهين: أحدهما: أن يتبين له من أمر الثمرة مع بقائها على ما
كانت عليه حين ابتياعها من تقصيرها عما كان قدر فيها، والثاني: أن يتبين
النقصان بجائحة طرأت عليها إلا أن إدخال مالك لهذا الحديث في هذا الباب
يدل على أنه حمله على الجائحة، وذلك أنه أورد الجملة على تبين النقصان،
فالظاهر أنه علة له، والجائحة من باب النقصان، فلذلك أنكر على من تألى أن
لا يضعها، اهـ.
(فسأل) المشتري (رب الحائط) البائع، وتقدم في كلام الحافظ لم يسم
واحد منهما (أن يضع) أي يسقط (له) أي للمشتري شيئاً من الثمن (أو أن يقيله)
أي يقيل البيع، حكى الأبي(٢) عن القاضي عياض أنه طلب أن يضع له من دينه
(١) ((المنتقى)) (٢٣١/٤).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٣٩/٤).
٤٣٨

٣٣ - كتاب البيوع
(١٠) باب
(١٣١٠) حديث
فَحَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ. فَذَهَبَتْ أُمُّ الْمُشْتَرِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ،
فَذَكَرَتْ ذُلِكَ لَهُ.
ويرفق به وهو جائز؛ لأن سؤاله معروف، ووقع لمالك كراهته لما فيه من
المهانة إلا أن تدعو إليه ضرورة، وحكي عن غيره سؤال الحطيطة جائز؛ لأنه
لم ينكره عليه، وكراهة مالك إنما هو من تسمية ترك الأولى مكروهاً، اهـ.
وقال الباجي(١): سأله أن يضع أو يقيله، يحتمل وجهين: أحدهما: أنه
سأله ذلك على وجه الرغبة إليه، وما جرت به العادة أن يستوضع الناسُ بعضهم
بعضاً عند المتاجرة، فذلك لا بأس به، رواه ابن المواز عن مالك، وروى عنه
أيضاً أنه قال: غيره أحسن، وجهُ إباحته أن الإرفاق معروف، فكان مباحاً
للغني والفقير، كاستعارة الثوب والدابة.
ووجه استحسان غيره ما فيه من السؤال والامتهان لمخلوق في غرض دنيا
لا تدعو إليه حاجة، وقد قال النبي وَلور: ((اليد العليا خير من اليد السفلى))،
وكذلك إن قال له: إن وضعت عني وإلا خاصمتك، فإن هذا ممنوع عنه،
والثاني: أن يكون إنما سأله أن يضع عنه بقدر الحاجة التي تثبت له على وجه
استدعاء الحق على وجه الرغبة، وقوله: فحلف أن لا يفعل يجب أن يكون
ممنوعاً على وجهين: سأله التخفيف عنه على وجه المعروف، أو سأله أن
يسقط عنه ما يجب عليه إسقاطه من الجائحة، اهـ.
(فحلف) البائع (أن لا يفعل) الوضع، ولا الإقالة (فذهبت أم المشتري إلى
رسول الله وَّر، فذكرت ذلك له) وتقدم في حديث الشيخين أنه وُّل سمع صوت
خصوم بالباب، وحكى الأبي عن القاضي عياض يجمع بينهما بأن يكون سمع
أصواتهما، ولم يتبين كلامهما، فجاءت أم المشتري، فأخبره، اهـ.
قلت: أو يجمع بالعكس بأنها جاءت تخبره، فأخبرته حتى سمع
(١) ((المنتقى)) (٣٣١/٤).
٤٣٩

٣٣ - كتاب البيوع
(١٠) باب
(١٣١٠) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْراً))
رسول الله وَليل أصواتهم، وقال الباجي(١): يحتمل أنها مضت تتشفع بالنبي وَ ل
حين امتنع من الوضيعة على حسب ما فعل جابر حين اشتد عليه الغرماء،
ويحتمل أنها أتت رسول الله وسلم على وجه الاستفتاء والاستعلام لما يجب
لابنها، اهـ.
قلت: وعلى ما تقدم من كلام الحافظ من أن المخاصمة كانت بين
الثلاث كانت هي أحد المشترين.
(فقال رسول الله وير: تألى) بفتح الهمزة وتشديد اللام، حلف مبالغاً في
اليمين، مأخوذ من الألية بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد التحتية وهي اليمين.
((فتح)) وقال الأبي(٢): ومنه الألوّة والألوّى ويقال: آليت بالمد، وأتليت وتألّيت
(أن لا يفعل خيراً) قال الباجي: إنكار لحلفه على مثل هذا، وتدبر لمآل حلفه،
وليس في ذلك ما يقتضي الحكم للمشتري بجائحة ولا غيرها، وإنما فيه إنكار
لحلفه أن لا يفعل خيراً.
فإن كان بعد هذا يتقرر من قولهما ما يوجب الحكم عليه حكم عليه
بوضع الجائحة، وإن تقرر من قولهما ما لا يوجب الحكم عليه، فتأليه أن لا
يفعل خيراً ثابت في نفسه، اهـ.
قال الحافظ(٣): فيه الحض على الرفق بالغريم، والزجر عن الحلف على
ترك فعل الخير، قال الداودي: إنما كره ذلك لكونه حلف على ترك أمر عسى
أن يكون قد قَدَّرَ الله وقوعه، وعن المهلب نحوه، وتعقبه ابن التين بأنه لو كان
كذلك لكره الحلف لمن حلف ليفعلنّ خيراً، وليس كذلك، بل الذي يظهر أنه
(١) ((المنتقى)) (٢٣٢/٤).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٣٩/٤).
(٣) (فتح الباري)) (٣٠٨/٥).
٤٤٠