النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث فَيُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُهُ؟ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ عَيْبٍ، مَائَةَ دِينَارٍ. وَقِيمَتُهُ يَوْمَ اشْتَرَاهُ وَبِهِ الْعَيْبُ، ثَمَانُونَ دِينَاراً. وُضِعَ عَنِ الْمُشْتَرِي مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ. وَإِنَّمَا تَكُونُ الْقِيمَةُ يَوْمَ اشْتُرِيَ الْعَبْدُ. قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. أَنَّ مَنْ رَدَّ وَلِيدَةً مِنْ عَيْبٍ وَجَدَهُ بِهَا. وَكَانَ قَدْ أَصَابَهَا: أَنَّهَا إِنْ كانَتْ بِكْراً فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا . أي يقوم بقيمته يوم الشراء حال كونه معيباً، وبين مثال التقويم، فقال: (فينظركم ثمنه) يوم الشراء (فإن كانت قيمة العبد يوم اشتراه بغير عيب مائة دينار) مثلاً (وقيمته) كانت (يوم اشتراه وبه العيب) الواو حالية (ثمانون ديناراً) مثلاً (وضع عن المشتري ما بين القيمتين) وهو عشرون ديناراً في المثال المذكور (وإنما تكون) وتعتبره (القيمة يوم اشتري العبد) ولا عبرة بما زاد من القيمة أو نقص بعد يوم الشراء. وقال الموفق(١): إذا زال ملكُ المشتري عن المبيع بعتقٍ، أو موت، أو وقف، أو قتل، أو تعذر الرد، لاستيلاد ونحوه قبل علمه بالعيب، فله الأرش، وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، إلا أن أبا حنيفة قال في المقتول خاصة: لا أرش له؛ لأنه زال ملكه بفعل مضمون، أشبه البيع. وإن فعل شيئاً مما ذكرناه بعد علمه بالعيب، فمفهوم كلام الخرقي: أنه لا أرش له، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقياس المذهب أن له الأرش؛ لأن له إمساك المبيع والمطالبة بأرشه، وهذا يتنزل منزلة إمساكه مع العلم بعيبه، انتھی . (قال مالك: والأمر المجتمع عليه عندنا أن من رد وليدة من) أجل (عيب وجده بها وكان قد أصابها) أي جامعها قبل علمه بالعيب (أنها إن كانت) الوليدة (بكراً فعليه) أي على المشتري (ما نقص) بالجماع (من ثمنها) فإن قيمتها نقصت (١) ((المغني)) (٢٤٧/٦). ٣٤١ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حدیث وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّاً فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي إِصَابَتِهِ إِيَّاهَا شَيْءٌ. لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِناً لَهَا . بافتضاض عذرتها (وإن كانت) الوليدة قبل جماعه (ثيباً فليس عليه) أي على المشتري (في إصابته إياها شيء) لأنه لم ينقص بجماعه شيء من ثمنها، فإنها كانت ثيبة من قبلُ (لأنه) أي المشتري (كان ضامناً لها) أي للوليدة، والخراج بالضمان، فكان له حق الخدمة، ومن جملتها الوطء. وقال صاحب ((المحلى)): وهو قول الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة لا يجوز، والجارية المعيبة إذا وطئها أو مسّها بشهوة بكراً كانت أو ثيباً، وإنما يرجع بالنقصان، كذا في ((الدر المختار)). وقال الباجي(١): هذا كما قال مالك: إن من أصاب وليدة أنها إن كانت بكراً فأذهب عذرتها، فإن عليه ما نقصها، إن أراد ردّها بالعيب، وكانت ممن ينقصها الافتضاض؛ لأن وخش الرقيق لا ينقصه، وربما زاد ذلك فيهن. وإن كانت ثيباً ردّها ولا شيء عليه لوطئه إياها، وليس عليه ردّها في بكر ولا ثيب، وروي عن شريح أنه أوجب في ذلك مهراً، يُرَدّ معها، وللجمهور أن هذا وطء صادف ملكاً، فلم يوجب مهراً، انتهى. وقال في موضع آخر في بحث ما يفيت الردّ بالعيب: ولا يكون وطء الأمة فوتاً في ثيب ولا بكر، هذا المشهور من المذهب، وروى عنه ابن حبيب أنه فوت فيهما، وبه قال أبو حنيفة، وجه القول الأول: أنه استمتاع، فلم يمنع الرد بالعيب، ووجه القول الثاني: إجماع الصحابة عند القائل بذلك. قال: لأن الصحابة بين القائلَيْن، قائلٌ يقول: يردّها ويردّ معها مهر المثل، وبه قال عمر بن الخطاب، وقائل يقول: لا يَردّها ويرجع بقيمة العيب، وبه قال علي بن أبي طالب، فمن أحدث قولاً ثالثاً، وقال: يردّها دون مهر (١) ((المنتقى)) (٢٠١/٤). ٣٤٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث خالف إجماع الصحابة، فإذا قلنا بقول مالك فالبكر والثيب سواء، وقال الشافعي: وطء البکر یمنع الرد بالعیب دون الثیب، انتهى. وقال ابن رشد (١): اختلفوا في المشتري يطأ الجارية فقال قوم: إذا وطئ فليس له الردّ، وله الرجوع بقيمة العيب، سواء كانت بكراً أو ثيباً، وبه قال أبو حنيفة . وقال الشافعي: يردّ قيمة الوطء في البكر، ولا يردّها في الثيب، وقال قوم: بل يردّها ويردّ مهر مثلها، وبه قال ابن أبي شبرمة وابن أبي ليلى، وقال الثوري: إن كانت ثيباً ردّ نصف العشر، وإن كانت بكراً ردّ العشر من ثمنها، وقال مالك: ليس عليه في وطء الثيب شيء، وأما البكر فهو عيب يثبت عنده للمشتري الخيار، وروي مثل هذا القول عن الشافعي، وقال عثمان البتّي: الوطء معتبر في العرف في ذلك النوع من الرقيق، فإن كان له أثرٌ في القيمة ردّ البائع ما نقص، وإن لم يكن له أثر لم يلزمه شيء، انتهى. وقال الموفق(٢): إن كان المبيعُ جاريةً ثيباً، فوطئها المشتري قبل علمه بالعيب، فله ردّها، وليس معها شيء، رُوي ذلك عن زيد بن ثابت، وبه قال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وعثمان البتي، وعن أحمد رواية أخرى؛ أنه يمنع الردّ، ويُرْوى ذلك عن علي، وبه قال الزهري، والثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق؛ لأن الوطء يجري مجرى الجناية؛ لأنه لا يخلو في ملك الغير من عقوبة، أو مال، فوجب أن يمنع الردّ، كما لو كانت بكراً. وقال شريحٌ، والنخعي، والشعبي، وابن المسيب، وابن أبي ليلى: يردّها، ومعها أرش. واختلفوا فيه؛ فقال شريح والنخعي: نصف عُشْرِ ثمنها، وقال الشعبي: (١) ((بداية المجتهد)) (١٨٢/٢). (٢) ((المغني)) (٢٢٧/٦). ٣٤٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. فِيمَنْ بَاعَ عَبْداً أَوْ وَلِيدَةً أَوْ حَيَوَاناً بِالْبَرَاءَةِ. مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ أَوْ غَيْرِهِمْ. فَقَدْ بَرِئَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ فِيمَا بَاعَ. حكومة، وقال ابن المسيب: عشرة دنانير، وقال ابن أبي ليلى: مهر مثلها، وحُكي نحو قوله عن عمر - رضي الله عنه -، وذكره ابن أبي موسى رواية عن أحمد؛ لأنه إذا فَسَخَ صار واطئاً في ملك الغير، لِكَوْنِ الفسخ رفعاً للعقد من أصله. وإن كانت الجارية بكراً فوطئها المشتري، ثم ظهر على عيب، فردّها، كان عليه أن يردّ معها أَرْشَ النقص، وعن أحمد في جواز ردّها روايتان: إحداهما: لا يردّها، ويأخذ أرش العيب، وبه قال ابن سيرين، والزهري، والثوري، والشافعي، وأبو حنيفة، وإسحاق. قال ابن أبي موسى: وهو الصحيح عن أحمد، والرواية الثانية: يردّها، ويردّ معها شيئاً، وبه قال شريح، وابن المسيب، والنخعي، والشعبي، ومالك، وابن أبي ليلى، وأبو ثور، والواجب ردُّ ما نقص قيمتها بالوطء، فإذا كانت قيمتها بكراً عشرة، وثيباً ثمانية، ردّ اثنين، وهذا قول مالك، وأبي ثور، وقال شريح والنخعي: يردّ عُشْرَ ثَمَنِها، وقال ابن المسيب: يرُدُّ عَشْرَةَ دنانير، انتهى. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) بالمدينة المنورة (فيمن باع عبداً أو وليدة أو حيواناً) آخر غيرهما (بالبراءة) من العيوب سواء كان البائع (من أهل الميراث أو) من (غيرهم) أي غير أهل الميراث (فقد برئ من كل عيب فيما باع) قال الزرقاني(١): عائد على العبد والوليدة، قال أشهب لمالك: إنك ذكرت البراءة في الحيوان؟ قال: إنما أريد العبد ونحو ذلك، فبَيَّنَ مالك أن الحيوان دخل في درج الكلام، قاله أبو عبد الملك، وقال ابن عبد البر: أفتى به مرة في سائر الحيوان، ثم رجع إلى تخصيصها بالرقيق، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٦/٣). ٣٤٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث قلت: هذا على ما هو المشهور في مذهب مالك أن البيع بالبراءة يفيد في الرقيق خاصة. وقال الباجي(١): المبيع على ثلاثة أضرب، رقيق، وحيوان صامت، وعروض، فأما الرقيق، فالظاهر من المذهب جواز بيعه بالبراءة، ووجه ذلك أن الرقيق يكتم عيوبه، ولا يظهرها ستراً على نفسه ورغبة في بقائه في محله، فكان مقوياً لما يدّعيه البائع من استواء علمه به وعلم المبتاع، ومن أصلنا أن الرد بالعيب مبنيٌّ على علم البائع بالعيب وتدليسه، وما استوى فيه علم البائع والمبتاع فلا سبيل إلى الرد به، وأما الحيوان الصامت فالذي عليه أكثر أصحابنا أنه لا تصح فيه البراءة، رواه ابن القاسم وغيره عن مالك، وقال محمد: وقع لمالك في كتبه، من باع عبداً أو وليدة أو حيواناً بالبراءة فقد برئ، وبه قال ابن كنانة والشافعي. وأما العروض، فروى ابن حبيب أن مالكاً أثبت البراءة في الحيوان والعروض، وبه قال ابن وهب، ورواه عبد الرحمن بن دينار عن ابن كنانة، وهو قول أبي حنيفة، انتهى. قلت: وهو قول أحمد من أنه لا فرق في ذلك بين الحيوان وغيره، فقد قال الموفق: لا فرق بين الحيوان وغيره، فما ثبت في أحدهما ثبت في الآخر، انتهى. إلا أن الروايات عن أحمد مختلفة في أنه يصح البيع بالبراءة أم لا ، كما تقدمت في كلام ((المغني)) قبل العيب في الرقيق. وفي ((التعليق الممجد)): (٢) للشافعي في شرط البراءة أقوال، في قول: يبرأ مطلقاً وفي قول: لا يبرأ عن عيبٍ ما؛ لأن في البراءة معنى التمليك، (١) ((المنتقى)) (١٨٠/٤). (٢) (٢١٦/٣). ٣٤٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ فِي ذَلِكَ عَيْباً فَكَتَمَهُ. فَإِنْ كَانَ عَلِمَ عَيْباً فَكَتَمَهُ، لَمْ تَنْفَعْهُ تَبْرِئَتُهُ. وَكَانَ مَا بَاعَ مَرْدُوْداً عَلَيْهِ. قَالَ مَالِكٌ، فِي الْجَارِيَةِ تُبَاعُ بِالْجَارِيَتَيْنِ، ثُمَّ يُوجَدُ بِإِحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ عَيْبٌ تُرَدُّ مِنْهُ. قَالَ: تُقَامُ وتمليك المجهول لا يصحُّ، وبه قال أحمد في رواية، وفي قول للشافعي، وهو الأصح عندهم، وهو رواية عن مالك: لا يبرأ في غير الحيوان، ويبرأ في الحيوان عما لا يعلمه دون ما يعلمه، كذا في ((البناية))، انتهى. (إلا أن يكون) البائع (علم في ذلك) المبيع (عيباً فكتمه) عن المشتري (فإن كان علم) البائع (عيباً فكتمه لم تنفعه) أي البائع (تبرئته وكان ما باع مردوداً عليه) تقدم نحو هذا القول عن الإمام مالك قبيل العيب في الرقيق، وتقدم هناك شرحه . قال الزرقاني(١): أعاد هذا، وإن قدمه قريباً لنسبته لعمل أهل المدينة فلا تكرار، انتهى. يعني أن المذكور فيما سبق لم يكن فيه لفظ ((الأمر المجتمع عليه عندنا))، فكَرَّرَه ههنا لهذا اللفظ، وهو يدل على اتفاق أهل المدينة على ذلك . قلت: وفرق آخر أيضاً أنه لم يذكر فيما سبق لفظ الحيوان فيه، وزاده ههنا، وهذان اللفظان كانتا في نسخة ((المحلى)) هناك كما تقدم التنبيه عليه، فلم يذكر فيها هذا القول ههنا، ولا يذهب عليك أن ما في هذا القول من أهل الميراث وغيرهم مبنيٌّ على إحدى الروايتين عن الإمام مالك، فقد تقدم في كلام ابن رشد أن في تبيين من بيعه بيع البراءة عن الإمام مالك روايتين. (قال مالك في الجارية تُباع بالجاريتين، ثم يوجد بإحدى الجاريتين عيب) موصوف (ترد منه) أي من هذا العيب صفة (قال) مالك في هذه الصورة: (تقام) (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٦/٣). ٣٤٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حدیث الْجَارِيَةُ الَّتِي كَانَتْ قِيمَةَ الْجَارِيَتَيْنِ. فَيُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُهَا؟ ثُمَّ تُقَامُ الْجَارِيَتَانِ بِغَيْرِ الْعَيْبِ الَّذِي وُجِدَ بِإِحْدَاهُمَا، تُقَامَانِ صَحِيحَتَيْنِ سَالِمَتَيْنِ. ثُمَّ يُقْسَمُ ثَمَنُ الْجَارِيَةِ الَّتِي بِيعَتْ بِالْجَارِيَتَيْنِ عَلَيْهِمَا، بِقَدْرٍ ثَمَنِهِمَا. حَتَّى يَقَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حِصَّتُها مِنْ ذُلِكَ. عَلَى الْمُرْتَفِعَةِ بِقَدْرِ ارْتِفَاعِهَا. وَعَلَى الْأُخْرَى بِقَدْرِهَا. ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى الَّتِي بِهَا الْعَيْبُ. فَيُرَدُّ بِقَدْرِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا مِنْ تِلْكَ الْحِصَّةِ. إِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً. أي تُقَوَّمُ (الجارية التي كانت) هي (قيمة الجاريتين فينظر كم ثمنها؟) مثلاً يكون ثمنها مائة دينار (ثم تقام) أي تقوم (الجاريتان) المبيعتان (بغير العيب الذي وجد بإحداهما) يعني (تقامان صحيحتين سالمتين) من العيب، فقوّمت إحداهما مثلاً بمائة وخمسين، والأخرى بخمسين. (ثم يقسم ثمن الجارية) وهو مائة دينار في مثالنا المذكور (التي بيعت بالجاريتين) يقسم ثمنها (عليهما بقدر ثمنهما) ليتوصل بذلك إلى ثمن كل واحدة من الجاريتين المبيعتين (حتى تقع على كل واحدة منهما حصتها من ذلك) من الثمن أي يتعين ثمن كل واحدة منهما حتى يقع (على المرتفعة) أي الغالية الرائعة (بقدر ارتفاعها) وزيادتها في الثمن (و) يقع (على الأخرى) الدنيئة الرخيصة (بقدرها) من الثمن، فيقع في مثالنا المذكور خمس وسبعون ديناراً على المرتفعة، وخمس وعشرون على الأخرى. (ثم ينظر إلى التي بها العيب) وهي الدنيئة في مثالنا، وثمنها خمس وعشرون في مثالنا (فترد بقدر التي يقع عليها من تلك الحصة) ووقع في حصتها خمس وعشرون في مثالنا، فيردّ هذا القدر عن البائع، ويرجع المعيبة إلى البائع. (إن كانت) حصتها من الثمن (كثيرة أو قليلة) لا فرق في ذلك، هذا ما ظهر لي في شرح كلام الإمام. ٣٤٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث وفسَّر العلامة الزرقاني(١): المرتفعة بالتي لا عيب فيها، والأخرى بالمعيبة، وبسط الباجي(٢) في شرح هذا القول بما لا مزيد عليه من الفروع، وقال في جملتها: وإنما تقوم كل واحدة من الجاريتين المبيعتين مفردة ليعلم قيمة كل واحدة منهما، فبذلك يتوصل إلى ما يريده، ثم يجمع القيمتان، ثم يعلم كم مبلغ قيمة كل واحدة من الجاريتين من قيمتهما؟ فإن كانت قيمة التي بها العيب ثلث الجملة، وقيمة الأخرى الثلثين ردّها، ورجع بقدرها . وبيان ذلك أنه لا يخلو أن تكون الجارية التي هي ثمن الجاريتين باقية على حالها لم تفت، أو تكون قد فاتت بزيادة أو نقصان، فإن كانت قائمة لم تفت نُظِرَ إلى الجارية التي وجد بها العيب، فإن كانت أفضل الجاريتين ردّ الجاريتين، وأخذ جاريته، وإن كانت أدون الجاريتين رد المعيبة بما يصيبها من قيمة الجارية المفردة بيد مبتاعها، وهذا معنى ما في ((المدونة)) من ذلك، وروى إسماعيل القاضي، عن ابن الماجشون أن الذي وجد العيب لا يرجع في عين ما باع، وإن وجد العيب بجميع ما أخذ، والذي أعطى لم يفت، وإنما يرجع بقيمته . وإن تساوت الجاريتان ففي ((المدونة)) عن ابن القاسم في العبدين المتكافئين يصيب المبتاع بأحدهما عيباً أو يستحق، فإنه يردّه ويأخذ ما يصيبه من الثمن، وقاله غير ابن القاسم في العبدين والشاتين وقُلِّتَي الخل، انتهى. قلت: وما فسر الباجي كلام ((الموطأ)) بما في ((المدونة)) عندي فيه نظر، فإن ظاهر ((الموطأ)» ههنا أن لا فرق في ذلك بين القليل والكثير، وفرق في ((المدونة)) بينهما، والمعروف في الفروع هو ما في ((المدونة))، وسيأتي به (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٥٧/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٠١/٤). ٣٤٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حدیث التصريح في ((الموطأ)) أيضاً قريباً في قول مالك فيمن ابتاع رقيقاً اللَّهم إلا أن يقال: إن المراد بقوله ههنا: كثيرة أو قليلة أي ما دون النصف. قال الدردير(١): وإن ابتاع مقوماً معيناً متعدداً في صفقة واحدة كعشرة أثواب بمائة، فاطلع على عيب بعضه ردّ بعض المبيع أي المعيب بحصته من الثمن، ولزمه التمسك بالباقي إذا لم يكن المعيب وجه الصفقة، بأن كان ينوبه من الثمن النصف فأقل، فإذا كان قيمة كل ثوب عشرة، والمعيب واحد أو اثنان إلى خمسة رجع بعشر الثمن، وهو عشرة في المثال أو خمسة وهو عشرون إلى نصفه، وهو خمسون. واستثنى من قوله: وردّ بعض المبيع بحصته، قوله: إلا أن يكون المعيب الأكثر من النصف ولو بيسير، فليس له ردّه بحصته، بل إنما يتماسك بالجميع أو يردّ الجميع، أو يتماسك بالبعض بجميع الثمن، هذا إن كان السالم باقياً، فإن فات فله ردُّ المعيب مطلقاً وأخذ حصته من الثمن، قال الدسوقي: قوله: أو يتماسك بالبعض أي وهو السليم بكل الثمن، ويردّ البعض المعيوب مجاناً، انتھی . وقال ابن رشد(٢): إذا اشترى المشتري أنواعاً من المبيعات في صفقة واحدة، فوجد أحدها معيباً. فهل يرجع بالجميع أو بالذي وجد فيه العيب؟ فقال قوم: ليس له إلا أن يرد الجميع أو يمسك، وبه قال أبو ثور والأوزاعي إلا أن يكون قد سَمَّى ما لكل واحد من تلك الأنواع من القيمة، فهذا مما لا خلاف فيه، أنه يردّ المعيب بعينه فقط، وإنما الخلاف إذا لم يسمّ، وقال قوم: يرد المعيب بحصته من الثمن، وذلك بالتقدير، وممن قال بهذا القول سفيان الثوري وغيره، وروي عن الشافعي القولان معاً. (١) ((الشرح الكبير)) (١٣٤/٣). (٢) ((بداية المجتهد)) (١٧٨/٢). ٣٤٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث وَإِنَّمَا تَكُونُ قِيمَةُ الْجَارِيَتَيْنِ عَلَيْهِ يَوْمَ قَبْضِهِمَا. وفرَّق مالك فقال: ينظر في المعيب، فإن كان وجه الصفقة هو المقصود بالشراء رَدَّ الجميع، وإن لم يكن وجه الصفقة ردّه بقيمته. وفرَّق أبو حنيفة تفريقاً آخر، وقال: إن وجد العيب قبل القبض ردًّ الجميع، وإن وجده بعد القبض رد المعيب بحصته من الثمن، ففي المسألة أربعة أقوال، انتهى. وقال الموفق(١): وإن اشترى عينين، فوجد بإحداهما عيباً، وكانا (٢) مما لا ينقصهما التفريق أو مما لا يجوز التفريق بينهما كالولد مع أمه، فليس له إلا ردُّهما جميعاً، أو إمساكهما، وأخذ الأرش، وإن لم يكونا كذلك، ففيهما روايتان: إحداهما: ليس له به إلا ردهما. وأخذ الأرش مع إمساكهما، وهو ظاهر قول الشافعي، وهو قول أبي حنيفة قبل القبض، والثانية: له ردّ المعيب، وإمساكُ الصحيح، وهو قول الحارث العُكْلِيّ، والأوزاعي، وإسحاق، وهو قول أبي حنيفة فيما بعد القبض. (وإنما تكون قيمة الجاريتين عليه يوم قبضهما) قال الباجي (٣): يريد يوم خروج الجارية المفردة وإن كانت السالمة هي الرائعة من عهدة المواضعة؛ لأنه حينئذ يصحّ قبضه للجاريتين، إن لم يثبت فيها حكم المواضعة، وإن ثبت فيها حكم المواضعة فمتى يخرجان منها؟ وإنما قال في هذه المسألة: يوم القبض، بخلاف ما تقدم قبله في مسألة العبد والوليدة من التقويم يوم البيع، لأنه ينافي مسألة العبد والوليدة على أنه ليست فيهما مواضعة، والكلام في هذه المسألة على رقيق فيهم المواضعة، أو عهدة الثلاث، فإنما تلزمه القيمة بعد ذلك. (١) ((المغني)) (٢٤٤/٦). (٢) كذا في الأصل والصواب على الظاهر ((فإن كانا مما ينقصهما التفريق)) إلخ اهـ، ((ز)). (٣) ((المنتقى)) (٢٠٢/٤). ٣٥٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حدیث ونحن نحتاج أن نبين حكم المواضعة، وما يتعلق بها، وفيها ستة أبواب: الأول: في تبيين معنى المواضعة ولزومها. الثاني: في محلها من المعقود عليه. الثالث: في محل المواضعة من العقود. الرابع: في محل المواضعة من المعقود عليه. الخامس: في تبيين حكم الحوادث. السادس: في بيان ما تخرج به المواضعة، ثم بسط الكلام على الأبواب الستة. والمواضعة أن توضع الجارية إذا بيعت على يد امرأة معدلة حتى تحيض حيضة، فإن هي حاضت كمل البيع، وإن لم تحض، وظهر بها حمل فسخ البيع، قال أشهب في ((العتبية)) و((الواضحة)): أرى أن يحمل الناس على المواضعة، قال ابن عبدوس: لما يتّقي فيها من الحمل. وحكم المواضعة ثابت في البيع بالنقد أو في الثمن المؤجل، والمواضعة ثابتة في الرائعة من الإماء التي ينقص الحمل من ثمنها الكثير، وأما وخش الرقيق فلا يلزم فيهن ذلك، وما كانت بثمن خمسين أو ستين، فهي من المرتفعات، وذلك يختلف باختلاف الأوقات، وإنما ينظر في ذلك إلى ما جرت العادة أن يتخذ مثلها للوطء، فهي الرائعة التي يثبت فيها حكم المواضعة، وإذا كانت ممن لم تجر العادة باتخاذها لذلك، وإنما تتخذ للاستخدام فهي من الوخش، ولا يثبت فيها حكم المواضعة. فإذا كانت الأمة ذات زوج فلا مواضعة فيها؛ لأنها لم تشتر للوطء، ويلزم البائع نفقتها وجميع مؤنتها في مدة المواضعة، وهي من ضمان البائع، فما لحقها في مدتها من موت أو نقص جسم فهو من البائع، وما حدث لها من مال بهبة أو وصية فهو للبائع، إن كان لم يستثن منه مالها؛ لأن كل من لزمه ضمانه كان له ما ثبتت من مال، كذا في ((المنتقى)). قال الموفق(١): ليس للبائع الامتناع من تسليم المبيع بعد قبض الثمن (١) ((المغني)) (٢٨٩/٦). ٣٥١ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَيُؤَاجِرُهُ بِالْإِجَارَةِ الْعَظِيمَةِ، أَوِ الْغَلَّةِ الْقَلِيلَةِ. ثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَيْباً يُرَدُّ مِنْهُ: إِنَّهُ يَرُدُّهُ بِذْلِكَ الْعَيْبِ. وَتَكُونُ لَهُ إِجَارَتُهُ وَغَلَّتُهُ. لأجل الاستبراء، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وحكي عن مالك في القبيحة، وقال في الجميلة: يضعها على يَدَي عدلٍ حتى تُستبرأ؛ لأن التهمة تلحقه فيها، فمنع منها. ولنا أنه بيعُ عينٍ لا خيار فيها قد قبض ثمنها، فوجب تسليمها كسائر المبيعات، وما ذكروه من التهمة لا يُمَكِّنه من المنع كالقبيحة، ولأنه إن كان استبرأها قبل بيعها، فاحتمال وجود الحمل منها بعيد نادر، وإن كان لم يستبرأها فهو الذي ترك التحفظ لنفسه، انتهى. وقال ابن رشد(١): أجمعوا على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، وأن من شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بأثر عقد الصفقة، إلا أن مالكاً وربيعة وطائفة من أهل المدينة أجازوا بيع الجارية الرفيعة على شرط المواضعة، ولم يجيزوا فيها النقد، وإنما منع ذلك الجمهور لما يدخله الدين بالدين. ومن عدم التسلیم، انتھی. (قال مالك في الرجل يشتري العبد فيؤاجره) أي يُعطيه على الإجارة (بالإجارة العظيمة) كانت (أو بالغلة القليلة) وليس لفظ القليلة في النسخ الهندية، وهو موجود في جميع النسخ المصرية(٢)، والغلة الدخل الذي يحصل من الزرع والثمر واللبن والإجارة والنتاج ونحوها كذا في ((المجمع)) والمراد الحاصل منه سواء كانت بالإجارة. أو غيرها فهو أعمُّ من الإجارة. (ثم يجد) المشتري (به) أي بالعبد (عيباً) أي العيب الذي (يَرُدُ منه) أي يَرُدُّ العبد من أجل ذلك العيب، فقال مالك في الصورة المذكورة: (إنه يردّه) أي العبد (بذلك العيب، ويكون له) أي للمشتري (إجارته وغلّته) ولا يردّان مع العبد. (١) ((بداية المجتهد)) (١٥٦/٢). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٥٨/١٩). ٣٥٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث وَهذَا الْأَمْرُ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ بِبَلَدِنَا. وَذُلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً ابْتَاعَ عَبْدَاً، فَبَنَى لَهُ دَاراً قِيمَةُ بِنَائِهَا ثَمَنُ الْعَبْدِ أَضْعَافاً. ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْباً يُرَدُّ مِنْهُ، رَدَّهُ. وَلَا يُحْسَبُ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ إِجَارَةٌ فِيمَا عَمِلَ لَهُ، فَكَذَلِكَ تَكُونُ لَهُ إِجَارَتُهُ، إِذَا آجَرَهُ مِنْ غَيْرِهِ. لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ. وَهذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . (وذلك الأمر) هو (الذي كانت عليه الجماعة) أي جمهور العلماء (ببلدنا) المدينة المنورة . - زادها الله شرفاً وكرامةً -. (وذلك) أي الدليل عليه، ونظيره (لو أن رجلاً ابتاع عبداً فبنى له) أي فبنى العبدُ للمشتري (داراً قيمة بنياتها) وفي النسخ المصرية ((بناؤها)) أي قيمة بناء الدار مبتدأ خبره (ثمن العبد أضعافاً) أي يكون أجرة البناء أضعاف ثمن العبد (ثم يوجد به عيبٌ) موصوف صفته (يردّه منه ردّه) أي يجوز للمشتري أن يَرُدَّ العبد بذلك العيب الذي وجد فيه (ولا يُخْسب للعبد عليه) أي على المشتري (إجارةٌ) أي أجرة (فيما عمل له) من بناء الدار. (فكذلك يكون له) أي للمشتري (إجارته) أي غلة الإجارة (إذا آجره من غيره، لأنه) أي المشتري (ضامنٌ له) أي للعبد، والخراج بالضمان أصل معروف (قال مالك: وهذا الأمر) معروف (عندنا) بالمدينة المنورة، كرّره تأكيداً. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن الغلة للمبتاع، وله الردُّ بالعيب دونها، والرجوع بجميع الثمن، وذلك أن ما يحدث في عين المبيع على ضربين: ظاهرٌ حين العقد، وغير ظاهر، فالظاهر كثمرة نخلة مأبورة، والصوف على ظهر الغنم، ففي ردّ هذا مع المعيب المردود اختلافٌ بين أصحابنا، قال ابن القاسم: يردّ، وقال أشهب: لا يردّ، وهو للمبتاع إذا انفصل عنه قبل الردّ بالعيب . (١) ((المنتقى)) (٤/ ٢٠٧). ٣٥٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث وجه قول ابن القاسم أن للثمرة على هذه الحال وللصوف حصته من الثمن؛ لأنه لو استحق شيء من ذلك كان للمبتاع الرجوع بقدر ذلك، ووجه قول أشهب: أن هذه غلة انفصلت من المبيع قبل الرد بالعيب، فلم ترد معه كاللبن في ضروع الغنم يوم البيع. قال ابن المواز: ولم يختلف أشهب وابن القاسم فيما كان من اللبن في ضروع الغنم عند البيع لا يردّ معها، وإن كان النماء غير ظاهر حين العقد، فإنه لا يخلو أن يكون عيناً أو منفعة، فإن كان عيناً فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون من جنس المبيع، والثاني: أن يكون من غير جنسه، فإن كان من جنسه كالولد، فإنه يردّ مع الأم ما كان من الحيوان، وقال الشافعي: لا يردّ شيء من ذلك مع الأم، فإن كان حاضراً ردّه مع المبيع، وإن أکله ردّ قیمته. وإن كان من غير الجنس كالثمرة التي لم تؤبر حين العقد، والصوف الذي يثبت بعد العقد، فلا خلاف على المذهب أنه لا يردّ من ذلك شيء مع الأصل، وقال زفر: يردّ جميع ذلك، وجه ما قلنا أنه نماء من غير جنس المبيع، فلم ترد كأجرة العمل، اهـ. وقال الموفق(١): لا يخلو المبيع من أن يكون بحاله، فإنه يردّه ويأخذ رأس ماله، أو يكون قد زاد بعد العقد أو جعلت له فائدة، فذلك قسمان: أحدهما: أن تكون الزيادة متصلة كالسمن، والكِبَرِ، والتعلم، والحمل قبل الولادة، والثمرة قبل التأبير، فإنه يردّها بنمائها؛ لأنه يتبع في العقود والفسوخ. الثاني: أن تكون الزيادة منفصلة، وهي نوعان: أحدهما: أن تكون الزيادة من غير عين المبيع كالكسب، وهو المراد في قول الخرقي، أو استغلّها يعني أخذ غلّتها، وهي منافعها الحاصلة من جهتها، كالخدمة والأجرة والكسب، (١) ((المغني)) (٢٢٦/٦). ٣٥٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث وكذلك ما يوهب أو يوصى له به، فكل ذلك للمشتري في مقابلة ضمانه؛ لأن العبد لو هلك هلك من مال المشتري، وهو معنى قوله ◌َ: ((الخراج بالضمان))(١). ولا نعلم في هذا خلافاً. وقد روى ابن ماجه (٢) عن هشام بن عمار عن مسلم بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن رجلاً اشترى عبداً، فاستغلّه ما شاء الله، ثم وجد به عيباً، فردّه، فقال: يا رسول الله إنه استغلّ غلامي، فقال رسول الله وَلقوله: ((الخراج بالضمان))، ورواه أبو داود والشافعي، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم. النوع الثاني: أن تكون الزيادة من عين المبيع كالولد والثمرة واللبن، فهي للمشتري أيضاً، ويردّ الأصل دونها، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: إن كان النماء ثمرة لم يردّها، وإن كان ولداً ردّه معها، وقال أبو حنيفة: النماء الحادث في يد المشتري يمنع الردّ؛ لأنه لا يمكن ردّ الأصل بدونه؛ لأنه من موجبه، فلا يرفع العقد مع بقاء موجبه، ولا يمكن ردّه معه؛ لأنه لم يتناوله العقد، اهـ. وقال ابن رشد(٣): أما الزيادة الحادثة في المبيع أعني المتولدة المنفصلة عنه، فاختلف العلماء في ذلك، فذهب الشافعي إلى أنها غير مؤثرة في الردّ، وأنها للمشتري لعموم قوله وله: ((الخراج بالضمان))، وأما مالك فاستثنى الولد من ذلك، فقال: يرد للبائع، وليس للمشتري إلا الردّ الزائد مع الأصل أو الإمساك، وقال أبو حنيفة: الزوائد كلها تمنع الردّ وتوجب الأرش إلا الغلة والكسب، وحجته أن ما تولد عن المبيع داخل في العقد، فلما لم يكن ردّه (١) أخرجه أبو داود (٣٥٠٨)، والترمذي (١٢٨٥)، والنسائي (٤٥٠٢). (٢) ((سنن ابن ماجه)) (٧٥٤/٢). (٣) ((بداية المجتهد)) (١٨٢/٢). ٣٥٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا، فِيمَنِ ابْتَاعَ رَقِيقاً فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ. فَوَجَدَ فِي ذَلِكَ الرَّقِيقِ عَبْدَاً وردًّ ما تولد عنه كان ذلك فوتاً يقتضي أرش العيب إلا ما نصصه الشارع من الخراج والغلة، اهـ. وفي ((المحلى)) بعد قول مالك: وهذا الأمر عندنا: وبه قالت الثلاثة الباقية، ويدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة، فذكر الحديث المذكور في كلام ((المغني)) عن ابن ماجه، ثم قال: ورواه أبو عبيدة في ((كتاب الحديث))، ثم قال: معناه - والله أعلم - الرجل يشتري المملوك، فيستعمله، ثم يجد به عيباً كان عند البائع، فقضى أنه يردّ العبد على البائع بالعيب، فيرده بالثمن. ويكون له الغلة، وهو الخراج، وإنما طابت له؛ لأنه كان ضامناً للعبد لو مات مات من مال المشتري؛ لأنه في يده، اهـ. ولذا نقض عمر بن عبد العزيز قضاءه حين قضى بالغلة للبائع، وهذا الحديث من جوامع الكلم، كذا في ((فتح القدير)). واستشكل بأنه لو كانت الغلّة بالضمان لكانت الزوائد قبل القبض للبائع؟ وأجيب بأن الغلة معللة قبل القبض بالملك وبعده به وبالضمان معاً، وإنما اقتصر في الحديث على التعليل بالضمان؛ لأنه أظهر عند البائع وأقطع لطلبه، ولهذا لم يكن الزوائد للغاصب مع تقرير الضمان عليه لعدم الملك اهـ ما في ((المحلى)). وقصة نقض عمر بن عبد العزيز قضاءه، أخرجه البيهقي(١) مفصلاً، وذكر الحديث بطرق. (قال مالك: والأمر) المرجح (عندنا فيمن ابتاع) أي اشترى (رقيقاً) يطلق على المفرد والجمع، وهو المراد ههنا أي جماعة من العبيد (في صفقة واحدة) أي عقد واحد (فوجد في ذلك الرقيق) أي في جملتها (عبداً) فيه استحقاق للغير (١) («السنن الكبرى)) (٣٢١/٥). ٣٥٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٤) باب (١٢٩٨) حدیث مَسْرُوقاً. أَوْ وَجَدَ بَعَبْدٍ مِنْهُمْ عَيْباً. إِنَّهُ يُنْظَرُ فِيمَا وُجِدَ مَسْرُوقاً. أَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْباً فَإِنْ كَانَ هُوَ وَجْهَ ذُلِكَ الرَّقِيقِ أَوْ أَكْثَرَهُ ثَمَناً. أَوْ مِنْ أَجْلِهِ اشْتَرَى وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْفَضْلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ. كَانَ ذُلِكَ الْبَيْعُ مَرْدُوداً كُلُّهُ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي وُجِدَ مَسْرُوقاً. أَوْ وُجِدَ بِهِ الْعَيْبُ مِنْ ذُلِكَ الرَّقِيقِ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنْهُ. لَيْسَ هُوَ وَجْهَ ذُلِكَ الرَّقِيقِ. وَلَا مِنْ أَجْلِهِ اشْتُرِيَ. وَلَا فِيهِ الْفَضْلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ. رُدَّ ذُلِكَ الَّذِي وُجِدَ مثلاً كان (مسروقاً أو وجد بعبد منهم عيباً، قال) مالك في الصورة المذكورة: إنه (ينظر فيما وجد) أي في العبد الذي وجده (مسروقاً أو وجد به عيباً) كيف مرتبته في المبيع. (فإن كان هو) أي العبد المذكور المستحق أو المعيب (وجه ذلك الرقيق) أي أعلاهم مرتبة (أو أكثره ثمناً) أي أغلاهم في القيمة (ومن أجله اشترى) الكل. بالواو في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية أو من أجله بلفظ أو، ولكلٍ وجهةٌ. (وهو الذي فيه الفضل) أي الفضيلة والكمال، زاد في النسخ الهندية بعد ذلك لفظ (أو سَلِمَ) وليس هذه اللفظة في النسخ المصرية لا في المتون ولا الشروح، نعم ذكر الزرقاني(١) على طريق الشرح بعد قوله: فيه الفضل أي الزيادة لو سَلِمَ من العيب، وذكره في ((المحلى)) بلفظ ((ولو سلم)). فالأوجه عندي ما في النسخ المصرية من الحذف، فإن كان لا بد فهو بلفظ لولا بلفظ أو، والمعنى كان فيه الفضل لو كان سالماً من العيب (فيما يرى الناس) أي عند عامة الناس من أهل الخبرة والنظر (كان ذلك البيع مردوداً كله) ولا يجوز حينئذ أن يرده للعيب، ويتمسك بالبواقي. (قال: وإن كان) العبد (الذي وجده مسروقاً أو وجد به عيباً من ذلك الرقيق في الشيء اليسير منه) دون الغالي (ليس هو) أي المعيوب (وجه ذلك الرقيق ولا من أجله اشتري) الكل (ولا فيه الفضل فيما يرى الناس ردّ ذلك العبد الذي وجد (١) انظر: ((شرح الزرقاني))، (٢٥٧/٣). ٣٥٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٢٩٩) حديث بِهِ الْعَيْبُ. أَوْ وُجِدَ مَسْرُوقاً بِعَيْنِهِ، بِقَدْرِ قِيمَتِهِ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ أُولَئِكَ الرَّقِيقَ. (٥) باب ما يفعل في الوليدة إذا بيعت والشرط فيها ٥/١٢٩٩ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودِ ابْتَاعَ جَارِيَةً مِنِ امْرَأَتِهِ زَيْنَبَ به العيب أو وجده مسروقاً بعينه) أي خاصة، ولا يرد العبيد كلها، فيرد المعيوب فقط (بقدر قيمته) أي بحصته (من الثمن الذي اشترى به أولئك الرقيق)، ويتمسك بالبواقي من الرقيق. والحاصل أن من اشترى جماعة العبيد، فاستُحِقَّ واحدٌ منهم أو وجد أحداً منهم ذا عيب، فإن كان هو أعلاهم ثمناً أو مقصوداً ردّ العبيد كلها، ولا يجوز ردّه خاصة، وإن لم يكن كذلك ردّه وحده بما يصيبه من الثمن، وتقدم قريباً من كلام الدردير أن المراد بوجه الصفقة أن ينوبه من الثمن الأكثر من النصف، وتقدمت المسألة بما فيها من اختلاف الأئمة قريباً في مسألة الجارية التي تباع بالجاريتين. (٥) ما يفعل بالوليدة وفي بعض النسخ(١) في الوليدة (إذا بيعت والشرط فيها) الواو حالية أي والحال أن فيها شرطاً في البيع. ٥/١٢٩٩ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بفتحها (ابن عتبة) بضمها وسكون المثناة الفوقية (ابن مسعود أخبره) أي الزهري (أن عبد الله بن مسعود) فقيه الصحابة (ابتاع) أي اشترى (جارية) ولم تسم (من امرأته زينب) بنت معاوية، وقيل: بنت أبي معاوية، وقيل: بنت عبد الله بن (١) كذا في ((الاستذكار)) (١٩/ ٦٧). ٣٥٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٢٩٩) حدیث الثَّقَفِيَّةِ. وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنَّكَ إِنْ بِعْتَهَا فَهِيَ لِي بِالثَّمَنِ الَّذِي تَبِيعُهَا بِهِ. فَسَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ ذَلِكَ، عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا تَقْرَبْهَا معاوية بن عتاب بن الأسود، وقيل: اسمها رائطة، وفرق ابن منده وابن حبان وجماعة بين زينب ورائطة امرأتي ابن مسعود (الثقفية) بفتحتين نسبة إلى قبيلة ثقيف الصحابية لها رواية في (الصحيحين)) أنها سألت النبي ◌َّل عن النفقة على زوجها وكانت تنفق علیه. (واشترطت) زينب (عليه) أي على ابن مسعود (أنك إن بعتها) بأحد (فهي لي بالثمن الذي تبيعها به) أي بثمن ذلك الوقت، وإن كان زائداً على ثمنها في الحال، وهذا نص رواية ((الموطأ))، وهكذا لفظ محمد في ((موطئه)) (١) والبيهقي في ((سننه))، ولفظ محمد في ((الآثار)): فهي أحق بثمنها مجمل. وما سيأتي في كلام ((المغني)) من رواية إسماعيل بن سعيد وشرطت لها إن بعتها فهي لها بالثمن الذي ابتعتها به (فسأل عبد الله بن مسعود عن ذلك) أي عن أمر جاريته هل تحل له أم لا؟ (عمر بن الخطاب) مفعول سأل. قال الباجي(٢): سؤال ابن مسعود - رضي الله عنه - عن هذه القضية، وهو من أهل العلم والاجتهاد يحتمل معاني: أحدها: أن يكون خفي عليه حكمها، وأراد أن يقلده فيها على رأي من رأى أن للعالم أن يقلد من هو أعلم منه، ويحتمل أن يكون أراد أن يبين له وجهاً حتى يعلم ابن مسعود حكمها بالدليل الذي يرشده الله، ويحتمل أن يسأله ذلك مع معرفته بحكمها ليعلم موافقته له فيها، أو مخالفته. (فقال) أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: (لا تقربها) قال الباجي: قال (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٤٩/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢١١/٤). ٣٥٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٥) باب (١٢٩٩) حديث وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدِ. أبو مصعب في ((المبسوط)): معنى ذلك لا تشترها بهذا الشرط، وهذا يقتضي منعه من هذا الابتياع لفساده، ورواه عن مالك، ويحتمل عندي أن يريد به لا تقربها في الوطء مع بقاء هذا الشرط فيها، ويكون حكم العقد في الفساد والصحة مسكوتاً عنه، اهـ. (وفيها شرط لأحد) الجملة حالية، قال محمد بعد هذا في كتابه ((الآثار)): فرجع عبد الله فردّها، وأخرجه برواية أبي حنيفة عن أبي العطوف عن الزهري، وأخرجه في ((موطئه)) برواية مالك، ثم قال بعد الأثر: وبهذا نأخذ، كل شرط اشترط البائع على المشتري أو المشتري على البائع ليس من شروط البيع، وفيه منفعة البائع أو المشتري فالبيع فاسد، وهو قول أبي حنيفة، اهـ. وقال في ((الآثار))(١): وبه نأخذ، كل شرط كان في بيع ليس من البيع فيه منفعة البائع أو المشتري أو الجارية فهو يفسد البيع مثل هذا ونحوه، وزاد في موضع آخر: وما كان من شرط لا منفعة فيه لواحد منهم فالبيع فيه جائز والشرط فيه باطل، وهو قول أبي حنيفة، اهـ. قال الباجي(٢): قوله: واشترطت عليه، يقتضي أن ذلك كان في نفس العقد على وجه الشرط، ولم يكن على وجه التطوع منه بعد كمال العقد، وهذا يسميه العلماء الثنيا، ويسمون البيع المنعقد بهذا الشرط بيع الثنيا، وهو بيع فاسد اهـ. والبيع فاسد عند الأئمة الثلاثة سوى أحمد لما أنهم قالوا: إن البيع فاسد بشرط ولو واحد. وفي ((الشرح الكبير))(٣) بعدما بسط الكلام على الشروط في المبيع (١) (ص١٦٢). (٢) ((المنتقى)) (٢١٠/٤). (٣) انظر: ((الشرح الكبير على المغني)) (٥٥/٤). ٣٦٠