النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٣ - كتاب البيوع (١) باب (١٢٩٥) حديث جَنِينٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، إِذَا بِيعَتْ. لِأَنَّ ذُلِكَ غَرَرٌ. لَا يُدْرَى أَذَكَرٌ هُوَ أُمْ أُنْثَى. أَحَسَنٌ أَمْ قَبِيحٌ. أَوْ نَاقِصٌ أَوْ تَامٌّ. أَوْ حَيٍّ أَوْ مَيْتٌ. وَذْلِكَ يَضَعُ مِنْ ثَمَنِهَا . المجهول (جنين) نائب الفاعل، قال الراغب: أصل الجن ستر الشيء عن الحاسة، والجنين الولد ما دام في بطن أمه جمعه أجنة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّهُ فِى بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ﴾(١) فعيل بمعنى مفعول، والجنين القبر فعيل بمعنى فاعل (في بطن أمه) كذا في النسخ الهندية وبعض المصرية، فهو صفة الجنين، وفي بعضها ((من بطن أمه))، فهو متعلق بقوله يستثنى. (إذا بيعت) المرأة أي أم الجنين (لأن ذلك) أي استثناء الجنين (غرر) لأنه (لا يدرى أذكر هو) الجنين بهمزة الاستفهام (أم أنثى) وكذلك لا يدرى (أحسن أم قبيح) وبتفاوت ذلك تتفاوت القيمة (أناقص) الخلقة (أم تامٌ) هو (أحيّ أم ميتٌ) هكذا سياق النسخ الهندية، وفي المصرية: ((لا يدرى أذكر هو، أم أنثى، أحسنٌ أم قبيحٌ، أو ناقص، أو تام، أو حيٌّ، أو ميت)). (وذلك) أي الاختلاف في الأمور المذكورة قد (يضع من ثمنها) إذا كان قبيحاً أو ناقص الخلقة مثلاً. قال صاحب ((المحلى)): وبه قال أبو حنيفة والشافعي كما في ((الهداية)) و((المنهاج)) من أنه لا يجوز بيع الحمل مفرداً لأنه غرر، وما لا يجوز بيعه مفرداً لا يصح استثناؤه، اهـ. قال الباجي(٢): وهذا كما قال: إنه لا يجوز أن تباع أمة أو شيء من إناث الحيوان، ويُسْتَثْنى جنين في بطنها، وعَلَّلَ ذلك بعلتين: إحداهما: أنه مجهول الصفة والحياة، والثانية: أنه ينقص ذلك من ثمنها، وهذان تعليلان صحيحان، وذلك أن الاستثناء من المبيع على ضربين: أحدهما: أن يستثني (١) سورة النجم: الآية ٣٢. (٢) ((المنتقى)) (١٦٢/٤). ٣٠١ ٣٣ - كتاب البيوع (١) باب (١٢٩٥) حديث جزءاً من الجملة، فإنه لا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون جزءاً شائعاً، والثاني: أن يكون جزءاً معيناً، والثالث: أن يكون جزءاً مقدراً غير شائع ولا معين، فإن كان جزءاً شائعاً، فإنه يصح في جميع الحيوان وفي غير الحيوان كبيع ربع العبد والدابة والثوب والدار. وإن كان جزءاً معيناً، فلا يخلو أن يكون في حيوان أو غير حيوان، فإن كان في حيوان فإنه على ضربين: أحدهما: أن يكون مغيباً كالجنين، وما في ظهر الفحول ولحم الفخذ، فهذا لا يجوز بوجهٍ؛ لأن المبتاع قد استثنى من الجملة ما لا نعلمه، وإذا لم نعلمه لم نعلم باقي الجملة، وهذا في الأجِنَّةِ، وما في ظهور الفحول واضح الفساد؛ لأنه يمنع من قبض المبيع والتصرف فيه المدة الطويلة، وأما استثناء فخذ الناقة، فإنه يصحّ أن يقال ذلك على قولنا: إن المستثنى مبيع، وهذا أظهر فيما احتجّ به في قولنا: إنه لا يدرى أنه حسن أو قبیح، ذكر أو أنثى، حي أو ميت. وهذا إذا كان باقياً على ملكه لا يجب أن يؤثر في البيع لسلامة المبيع في ذلك، وإنما يؤثر فيه على قولنا: إنه مبيعٌ مسترجعٌ، فأفسد البيع استرجاعه، وسواء استثنى الجنين عتيقاً أو رقيقاً، فإنه لا يجوز، ويفسخ البيع، رواه في ((المبسوط)) ابن نافع عن مالك، وقال الأوزاعي وابن حنبل: يجوز أن يبيع الرجل أمته الحامل ويستثني ما في بطنها، ولنا أن هذا جزء معين من الأمة فلم يجز استثناؤه، كيدها ورجلها، فإذا انعقد البيع على ذلك، فإنه يبطل، ويفسخ ما لم تفت الجارية عند المبتاع بزيادة أو نقصان. فإن دخلها شيء من ذلك لزمته بقيتها يوم قبضها، فإن ولدت عند المشتري، وقبض البائع الطفل نقض بيعه فيه، ورُدَّ إلى المبتاع، وهذا إذا ولدته بعد تقويم الأم على المشتري، وأما إذا ولدته قبل ذلك، فإن هذا إنما يستقيم على قولنا: إن المستثنى مع الجملة، ولو قلنا: إنه غير مبيع لكان للبائع على ٣٠٢ ٣٣ - كتاب البيوع (١) باب (١٢٩٥) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ. ثُمَّ يَنْدَمُ الْبَائِعُ. فَيَسْأَلُ الْمُبْتَاعَ أَنْ يُقِيلَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، كل حال؛ لأنه لم يخرج عن ملكه ببيع ولا غيره، والمذهب مبنيٌّ على ما تقدم، وإن كان المستثنى معيناً غير مغيب كالرأس واليد إلى آخر ما بسطه من التفاصيل فيه . قال الموفق(١): وضابط هذا الباب أنه لا يصح استثناء ما لا يصح بيعه مفرداً أو بيع ما عداه منفرداً عن المستثنى. فإن استثنى شحم الحيوان لم يصحّ، نصّ عليه أحمد؛ لأنه ◌َّ نهى عن الثنيا إلا أن تُعْلَمَ، ولأنه مجهولٌ لا يصحّ إفراده بالبيع، فلم يصحّ استثناؤه كفخذها، وإن استثنى الحمل لم يصح استثناؤه لذلك، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي، وقد نقل عن أحمد صحته، وبه قال الحسن والنخعي وإسحاق وأبو ثور لما روى نافع عن ابن عمر أنه باع جارية، واستثنى ما في بطنها، ولأنه يصحُّ استثناؤه في العتق، فصحّ في البيع قياساً عليه، ولنا ما تقدم. والصحيح من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، أنه أعتق جارية، واستثنى ما في بطنها، لأن الثقات الحفاظ حدثوا الحديث فقالوا: أعتق جارية، والإسناد واحد، قاله أبو بكر، ولا يلزم من الصحة في العتق الصحة في البيع، لأن العتق لا تمنعه الجهالة، ولا العجز عن التسليم، ولا يعتبر فيه شروط البيع، اهـ. (قال مالك في الرجل يبتاع) أي يشتري (العبد أو الوليدة بمائة دينار) مثلاً (إلى أجل) مثلاً إلى ستة (ثم يندم البائع) لفراق العبد أو الوليدة أو لغيره (فيسأل المبتاع) أي المشتري، (أن يقيله) أي البيع من الإقالة (بعشرة دنانير) أي (١) ((المغني)) (١٧٤/٦ _ ١٧٥). ٣٠٣ ٣٣ - كتاب البيوع (١) باب (١٢٩٥) حديث يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ نَقْداً. أَوْ إِلَى أَجَلِ. وَيَمْحُو عَنْهُ الْمِائَةَ دِينَارِ الَّتِي لَهُ. قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذُلِكَ. وَإِنْ نَدِمَ الْمُبْتَاعُ، فَسَأَلَ الْبَائِعَ أَنْ يُقِيلَهُ فِي الْجَارِيَةِ أَوِ الْعَبْدِ، وَيَزِيدَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْداً أَوْ إِلَى أَجَل. أَبْعَدَ مِنَ الْأَجَلِ الَّذِي اشْتَرَى إِلَيْهِ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ. فَإِنَّ ذُلِكَ لَا يَنْبَغِي. وَإِنَّمَا كَرِهَ ذُلِكَ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَأَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ لَهُ، إِلَى سَنَّةٍ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ بِجَارِيَةٍ وَبِعَشَرَةِ دَنَانِرَ نَقْداً. أَوْ إِلَى أَجَلِ أَبْعَدَ مِنَ السَّنَةِ. فَدَخَلَ فِي ذُلِكَ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَى أَجَلٍ . بعوضها (يدفعها) البائع (إليه) إلى المشتري (نقداً أو إلى أجل ويمحو) أي يزيل البائع ويعفو (عنه) أي عن المشتري، وفي الهندية منه أي من الثمن (المائة دينار التي له) أي للبائع على المشتري من الثمن. (قال مالك: لا بأس بذلك) أي يجوز هذه الإقالة لأنه بيع مستأنف، فكأن البائع اشترى أمته المبيعة بألف وعشرة دنانير (وإن ندم المبتاع) أي المشتري في الصورة المذكورة. (فسأل) المشتري (البائع) مفعول (أن يقيله) أي البائع (في الجارية أو العبد) المذكورة في الصورة الأولى المشترى بمائة دينار (ويزيده) أي ويزيد المشتري للبائع (عشرة دنانير نقداً أو إلى أجل) يكون (أبعد من الأجل) الأول (الذي اشترى) المشتري (العبد إليه) أي إلى ذاك الأجل (والأمة) (١) بالنصب عطف على العبد (فإن ذلك لا ينبغي) أي لا يجوز (وإنما كره ذلك) النوع من الإقالة (لأن البائع) في هذه الصورة (كأنه باع منه) أي من المشتري (مائة دينار له) أي مائة دينار كانت للبائع على المشتري (إلى سنة قبل أن تحلَّ) السنة (بجارية وبعشرة دنانير نقداً أو إلى أجل أبعد من السنة، فدخل في ذلك بيع الذهب بالذهب إلى أجل) وهو ظاهر البطلان. (١) في نسخة ف، الوليدة. ٣٠٤ ٣٣ - كتاب البيوع (١) باب (١٢٩٥) حديث قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن البائع إذا زاد المبتاع عشرة دنانير على أن يقيله، فإن ذلك جائز سواء كانت الزيادة من البائع ما شاء من جميع الأشياء كلها، العين وغيره نقداً أو مؤجلاً، ولم يتفرقا؛ لأنه كأن البائع اشترى الجارية بالثمن الذي وجب له على المبتاع، وبزيادة زادها إياه، ولا فساد في ذلك ما لم تكن الزيادة من جنس المبيع. فإن كانت من جنسه زاد(٢) نقداً ولم يجز مؤجلاً لما تقدم من منع الشيء بجنسه إلى أجل وإن ندم المبتاع فزاد العشرة ليقيله البائع. فإن كان إلى أجل فهو جائز؛ لأنه يبيعها بأقل من الثمن الذي ابتاعها منه مقاصة، وإن زاد العشرة نقداً لم يجز ذلك؛ لأنه عجل عشرة من المائة المؤجلة عليه، فصار بيعاً وسلفاً، فهذه العلة اللازمة إلى آخر ما بسطه من فروع هذا الباب. قال ابن رشد(٣): ههنا شيء يعرض للمتبايعين إذا أقال أحدهما الآخر بزيادة أو نقصان، وللمتبايعين إذا اشترى أحدهما من صاحبه الشيء الذي باعه بزيادة أو نقصان، وهو أن يتصوّر بينهما من غير قصد إلى ذلك تبايعٌ ربويٌ، مثل أن يبيع إنسانٌ من إنسان سلعة بعشرة دنانير نقداً، ثم يشتريها منه بعشرين إلى أجل، فإذا أضيفت البيعة الثانية إلى الأولى استقرّ الأمرُ على أن أحدهما دفع عشرة دنانير في عشرين إلى أجل، وهذا هو الذي يعرف ببيوع الآجال. ولم يختلفوا أن من باع شيئاً ما كأنك قلْتَ عبداً بمائة دينار مثلاً إلى أجل ثم ندم البائع، فسأل المبتاع أن يصرفَ إليه مبيعه، ويدفع إليه عشرة دنانير مثلاً نقداً أو إلى أجل أن ذلك يجوز، وأنه لا بأس بذلك، وأن الإقالة عندهم إذا (١) ((المنتقى)) (١٦٤/٤). (٢) كذا في الأصل والصواب جاز، اهـ. ((ش)). (٣) ((بداية المجتهد)) (١٤٠/٢). ٣٠٥ ٣٣ - كتاب البيوع (١) باب (١٢٩٥) حديث دخلتها الزيادة والنقصان هي بيعٌ مستأنفٌ، ولا حرج في أن يبيع الإنسان الشيء بثمن، ثم يشتريه بأكثر منه؛ لأنه في هذه المسألة اشترى منه البائع الأول العبد الذي باعه بالمائة التي وجبت له، وبالعشرة التي زادها نقداً أو إلى أجل. وكذلك لا خلاف بينهم لو كان البيع بمائة دينار إلى أجل، والعشرة مثاقيل نقداً أو إلى أجل. وأما إن ندم المشتري في هذه المسألة، وسأل الإقالة على أن يعطي البائع العشرة نقداً، أو إلى أجل أبعد من الأجل الذي وجبت فيه المائة، فهنا اختلفوا، فقال مالك: لا يجوز، وقال الشافعي: يجوز، ووجه ما كره من ذلك مالك أن ذلك ذريعة إلى قصد بيع الذهب بالذهب إلى أجل، وإلى بيع ذهب وعرض بذهب؛ لأن المشتري دفع العشرة والعبد في المائة دينار التي عليه. وأيضاً يدخل فيه سلف وبيع كأن المشتري باعه العبد بتسعين، وأسلفه عشرة إلى الأجل الذي يجب عليه فيقبضها من نفسه لنفسه. وأما الشافعي فهذا كله عنده جائز؛ لأنه شراء مستأنف، ولا فرق عنده بين هذه المسألة وبين أن تكون لرجل على رجل مائة دينار مؤجلة، فيشتري منه غلاماً بالتسعين ديناراً التي عليه، ويتعجّل له عشرة دنانير، وذلك جائز بإجماع، اهـ. وفي ((الشرح الكبير)) (١): من باع سلعة بثمن مؤجل، ثم اشتراها بأقل منه نقداً لم يجز، روي ذلك عن ابن عباس وعائشة والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي، وبه قال الثوري والأوزاعي ومالك وإسحاق وأصحاب الرأي، وأجازه الشافعي؛ لأنه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها، فجاز من بائعها كما لو باعها بمثل ثمنها . ولنا: ما روي أن أم ولد زيد دخلت على عائشة فقالت: إني بعت غلاماً (١) (٢٥٦/٤). ٣٠٦ ٣٣ - كتاب البيوع (١) باب (١٢٩٥) حديث من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم، فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله وَله إلا أن يتوب، رواه أحمد وسعيد بن منصور، والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ إلا بتوقيف من النبي ◌َّة، فجرى ذلك مجرى روايتها ذلك عنه، ولأن ذلك ذريعة إلى الربا، ولذلك قال ابن عباس في مثل هذه المسألة: أرى مائة بخمسين بينهما حريرة يعني خرقة حرير جعلاها في بيعهما، والذرائع معتبرة. فأما إن باعها بمثل الثمن أو أكثر جاز؛ لأنه لا يكون ذريعة، فإن اشتراها بعرض أو كان بيعها الأول بعرض فاشتراها بنقد جاز، ولا نعلم فيه خلافاً؛ لأن التحريم إنما كان لشبهة الربا، ولا ربا بين الأثمان والعروض، فإن باعها بنقد، ثم اشتراها بنقد آخر، قال أصحابنا: يجوز؛ لأنهما جنسان، لا يحرم التفاضل بينهما أشبه ما لو اشتراها بعرض، وقال أبو حنيفة: لا يجوز استحساناً؛ لأنهما كالشيء الواحد في معنى الثمنية، ولأن ذلك يتّخذ وسيلةً إلى الربا . قال شيخنا: فهذا أصحُّ إن شاء الله، وهذه المسألة تسمى مسألة العينة، وقد روى أبو داود(١) بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ((قال: سمعت رسول الله وَلو يقول: إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذُلّاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) وهذا وعيد يدل على التحريم، اهـ. وكذا قال الموفق(٢). وأجاب الشافعي وغيره عن قصة أم ولد زيد بوجوه يأتي ذكرها في ((باب ما يكره من بيع الثمر)، وذكرها صاحب ((المحلى)) في أول باب العينة، فقال: (١) ((سنن أبي داود)) (٣٤٦٢). (٢) انظر: ((المغني)) (٢٦٠/٦ - ٢٦٢). ٣٠٧ ٢٠٠٠ ٣٣ - كتاب البيوع (١) باب (١٢٩٥) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ مِنَ الرَّجُلِ الْجَارِيَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلِ. ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذلِكَ الْأَجَلِ. الَّذِي بَاعَهَا إِلَيْهِ: إِنَّ ذُلِكَ لَا يَصْلُحُ. وَتَفْسِيرُ مَا كَرِهَ مِنْ ذُلِك، أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ إِلى أَجَلٍ. ثُمَّ يَبْتَاعُهَا إِلَى أَجَلِ أَبْعَدَ مِنْهُ. يَبِيعُهَا بِثَلاثِينَ دِينَاراً إِلَى شَهْرٍ. ثُمَّ يَبْتَاعُهَا بِسِتِينَ دِينَاراً إِلَى سَنَةٍ. أَوْ إِلَى نِصْفِ سَنَةٍ. فَصَارَ، إِنْ رَجَعَتْ إِلَيْهِ سِلْعَتُهُ بِعَيْنِهَا، وَأَعْطَاهُ صَاحِبُهُ ثَلاثِينَ دِيْنَاراً، إِلَى شَهْرٍ؛ روى أحمد ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن امرأته أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم، فقالت أم ولد زيد لعائشة، الحديث. قال في ((التنقيح)): إسناده جيد، وإن كان الشافعي قال: لا يثبت مثله عن عائشة، وامرأة أبي إسحاق اسمها العالية بنت أبقع بن شراحيل، اهـ. (قال مالك في الرجل يبيع من الرجل الجارية بمائة دينار) مثلاً (إلى أجل) أي سنة مثلاً (ثم يشتريها) البائع (بأكثر من ذلك الثمن الذي باعها به) مثل أن يشتريها بمائة وخمسين (إلى) أجل (أبعد من ذلك الأجل الذي باعها) أي الجارية (إليه) أي الأجل المذكور مثل أن يشتريها إلى سنة وشهر (إن ذلك لا يصلح) أي لا يجوز (وتفسير ما كره من ذلك) أي مثال هذا البيع المكروه الممنوع، وهو (أن يبيع الرجل الجارية إلى أجل، ثم يبتاعها إلى أجل أبعد منه) هذا إجمال المُمَثَّلِ له أعاده تفهيماً. وشرع المثال بقوله: (يبيعها) الرجل (بثلاثين ديناراً) مثلاً (إلى شهر ثم يبتاعها) البائع من المشتري (بستين ديناراً) يؤديها البائع للمشتري (إلى سنة أو إلى نصف سنة) مثلاً (فصار) أي آل أمره إلى (إن رجعت إليه) أي إلى البائع (سلعته) وهي الجارية (بعينها) سالمة (وأعطى) المشتري (لصاحبه) أي البائع، هكذا سياق النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية ((أعطاه صاحبه))، فضمير المفعول إلى البائع، وصاحبه فاعله، والمراد به المشتري (ثلاثين ديناراً إلى شهر) أي يعطي ٣٠٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٢) باب بِسِتّيْنَ دِينَاراً إِلَى سَنَةٍ، أَوْ إِلَى نِصْفِ سَنَةٍ. فَهذَا لَا يَنْبَغِي. (٢) باب ما جاء في مال المملوك المشتري البائع ثلاثين ديناراً في آخر الشهر (بستين ديناراً) أي بعوض ستين ديناراً يستوفيها المشتري (إلى سنة أو إلى نصف سنة) حسبما أجل (فهذا لا ينبغي) أي لا يجوز. قال صاحب ((المحلى)): لأن فيه جعل بعض الثمن بمقابلة إسقاط الأجل، هذا إذا باع بأبعد الأجل، وأما إلى الأجل نفسه فذلك جائز، سواء كان بأكثر من الثمن أو بأقل أو يكون مقاصّة، اهـ. قال الباجي(١): وهذا كما قال مالك؛ لأنه يقبض عنه عند الأجل الأول ثلاثين ديناراً، ويدفع إليه عند الأجل الثاني ستين، وما تقدم من بيع الجارية وابتياعها لغوٌ، توصلاً به إلى بيع ثلاثين ديناراً بستين ديناراً، وذلك ممنوع، وبهذا قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وطاووس وسعيد بن جبير، وقال الشافعي: ذلك جائز، واستدل أصحابنا بقصة أم ولد زيد بن أرقم. قال الزرقاني(٢): وهذا قول جمهور أهل المدينة وأبي حنيفة وأحمد، وأبى ذلك الأكثر، والشافعي حيث لا قصد؛ لأن تهمة المسلم بما لا يحلّ حرام، وحديث قصة زيد ضعيف، ولفظه منكر؛ لأن العمل الصالح لا يبطله الاجتهاد بل الردّةُ، ومحال أن تلزم عائشة زيداً التوبة برأيها، وزعم أنه توقيف لا يصحّ، قاله أبو عمر ملخصاً. قلت: الظاهر التوقيف، وهو مؤيد برواية ابن عمر - رضي الله عنهما - المرفوعة في العينة كما تقدم ذكرها . (٢) مال المملوك إذا بيع هكذا في النسخ الهندية، وليست في النسخ المصرية كلمة ((إذا بيع)) (١) ((المنتقى)) (١٦٦/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٢/٣). ٣٠٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٢) باب ولفظها ما جاء في مال المملوك، والأوجه الأول، لتتميز عن ترجمة سبقت في كتاب العتاق بلفظ ((مال العبد إذا عتق))، وتقدم هناك ما قال ابن رشد: إنهم اختلفوا في مال العبد في العتق والبيع على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ماله لسيده فيهما، وبه قال الشافعي والكوفيون. والثاني: ماله تبع له فيهما، وهو قول داود وأبي ثور، والثالث: أنه تبع له في العتق لا في البيع. قال ابن رشد(١): حجة من رأى أن ماله في البيع لسيده حديث ابن عمر المشهور، وحجة من جعله لسيده في العتق، فقياساً على البيع، وحجة من رأى أنه تبع للعبد في كل حال كون العبد مالكاً عندهم، وهي مسألة، اختلف العلماء فيها اختلافاً كثيراً أعني هل يملك العبد أو لا يملك؟ قال ابن دقيق العيد: استُدِلّ بحديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، ((من باع عبداً وله مال))، الحديث، لمالك على أن العبد يملك لإضافة الملك إليه باللام، وقال غيره: يؤخذ منه أن العبد إذا ملكه سيده مالاً فإنه يملكه، وبه قال مالك وكذا قال الشافعي في القديم. لكنه إذا باع بعد ذلك رجع المال لسيده إلا أن يشترطه المبتاع، وقال أبو حنيفة وكذا الشافعي في الجديد: لا يملك العبد شيئاً أصلاً، والإضافة للاختصاص والانتفاع، كما يقال: السرج للفرس. ويؤخذ من مفهومه أن من باع عبداً ومعه مال، وشرطه المبتاع أن البيع يصحّ. لكن بشرط أن لا يكون المال ربوياً، فلا يجوز العبد، ومعه دراهم بدراهم. قاله الشافعي، وعن مالك لا يمنع لإطلاق الحديث، وكأن العقد إنما وقع في العبد خاصة، والمال الذي معه لا مدخل له في العقد، كذا في ((الفتح))(٢). (١) ((بداية المجتهد)) (١٩٠/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٥٠/٥). ٣١٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٢) باب قال الخرقي: من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع إذا كان قصده للعبد لا للمال. قال الموفق(١): جملة ذلك أن السيد إذا باع عبده أو جاريته وله مالٌ مَلَّكَه إياه مولاه، أو خصه به، فهو للبائع، لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه(٢)، ولأن العبد وماله للبائع، فإذا باع العبد اختص البيع دون غيره، وإن اشترطه المبتاع كان له الخبر، وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه -، وقضى به شريح، وبه قال عطاء وطاووس ومالك والشافعي وإسحاق. قال الخرقيُّ: إذا كان قصده للعبد لا للمال، هذا منصوصُ أحمد، وهو قول الشافعي وأبي ثور والبَتّ، ومعناه أنه لا يقصد بالبيع شراء مال العبد، إنما يقصد بقاء المال لعبده وإقراره في يده، فمتی کان كذلك صح اشتراطه، ودخل في البيع به، سواء كان المال معلوماً أو مجهولاً من جنس الثمن أو من غيره، عيناً كان أو ديناً، وسواء كان مثل الثمن أو أقل أو أكثر، قال البَتِّيُّ: إذا باع عبداً بألف درهم، ومعه ألف درهم، فالبيع جائز، إذا كان رغبة المبتاع في العبد، لا في الدراهم، وذلك لأنه دخل في البيع تبعاً غير مقصود. وإن كان المال مقصوداً بالشراء جاز اشتراطه إذا وجدت فيه شرائط البيع من العلم به، وأن لا يكون بينه وبين الثمن رباً؛ لأنه مبيع مقصود، فأشبه ما لو ضمّ إلى العبد عيناً أخرى وباعهما. قال القاضي: هذا يبتني على كون العبد يملك أو لا يملك، فإن قلنا: لا (١) (المغني)) (٢٥٧/٦). (٢) أخرجه مسلم (١٥٤٣)، وأبو داود (٣٤٣٣)، والنسائي (٤٦٥٠)، وابن ماجه (٢٢١١). ٣١١ ٣٣ - كتاب البيوع (٢) باب (١٢٩٦) حديث ٢/١٢٩٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: يملك فاشترط المشتري ماله صار مبيعاً معه، فاشترط فيه ما يشترط في سائر المبيعات، وهذا مذهب أبي حنيفة، وإن قلنا: يملك احتملت فيه الجهالة وغيرها مما ذكرنا من قبلُ؛ لأنه تبع في البيع لا أصل، وهذا خلاف نَصَّ أحمد، اهـ. ٢/١٢٩٦ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أن) أباه (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (قال) قال ابن عبد البر: هكذا رواه نافع موقوفاً لم يختلف أصحابه عليه في ذلك كذا في ((التنوير))(١). قال الزرقاني(٢): هذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، وأبو داود عن القعنبي كلاهما عن مالك موقوفاً، ورواه سالم عن أبيه عن النبي ◌ّلم أخرجه البخاري ومسلم من طريق الزهري عنه، قال ابن عبد البر(٣): هو أحد أحاديث الأربعة التي اختلف فيها سالم ونافع فرفعها سالم ووقفها نافع، اهـ. قلت: وتقدم ذكر هذه الأربعة في حديث نافع في ((رفع اليدين في الصلاة))، قال الزرقاني(٤): فرفع الأربعةَ سالمٌ، ووقفها نافع، ورجح مسلم والنسائي رواية نافع ههنا، وإن كان سالم أحفظ منه، نقله البيهقي عنهما، وكذا رجحها الدارقطني، ونقل الترمذي في ((الجامع)) عن البخاري أن رواية سالم أصح، وفي ((التمهيد)): أنها الصواب. (١) (تنوير الحوالك)) (ص ٤٧٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٣/٣). (٣) انظر: ((التمهيد)) (٢٨٣/١٣). (٤) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٣/٣). ٣١٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٢) باب (١٢٩٦) حديث مَنْ بَاعَ عَبْدَاً وَلَهُ مَالٌ. وفي ((العلل)) للترمذي عن البخاري تصحيحهما معاً، ولعله أشبه؛ لأن ابن عمر إذا رفعه لم يذكر أباه، وهي رواية سالم، وإذا وقفه ذكر أباه، وهي رواية نافع، فتحصل أن ابن عمر - رضي الله عنهما - سمعه من النبي وَل فحدث به سالماً، وسمعه من أبيه عمر - رضي الله عنه - موقوفاً فحدث به نافعاً، فصحت رواية سالم ونافع جميعاً، وهذا هو المحفوظ عنهما. ورواه النسائي من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر - رضي الله عنه - مرفوعاً، وسفيان ضعيف، قال المزي: المحفوظ أنه من حديث ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي ◌َّ بلا واسطة، ورواه محمد بن إسحاق وغيره عن نافع عن ابن عمر عن أبيه، أخرجه النسائي(١)، وقال: هذا خطأ، والصواب وقفه، اهـ. (من باع عبداً وله مال) استدل به المالكية على ما اختاروه من أن العبد يملك المال إذ الإضافة دليل الملك، قال الأبي: والتحقيق أن العبد يملك ملكاً غير تام؛ لأن للسيد انتزاع ماله، وفي المذهب مسائل تدل على أنه يملك، وأخرى تدل على أنه لا يملك. قال الموفق(٢): لا يملك العبد شيئاً إذا لم يُملِّكه سيده في قول عامة أهل العلم، وقال أهل الظاهر: يملك لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾(٣) وقول النبي وَلّر: ((من باع عبداً وله مال))، فأضاف المال إليه بلام التمليك، ولنا قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوَكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾(٤) ولأن سيده يملك عينه ومنافعه، فما حصل بذلك یجب أن یکون لسيده کبھیمته. (١) (سنن النسائي)) (٤٦٥٠). (٢) ((المغني)) (٢٥٩/٦). (٣) سورة البقرة: الآية ٢٩. (٤) سورة النحل: الآية ٧٥. ٣١٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٢) باب (١٢٩٦) حديث فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ. إِلَّا أَنْ يَشْتَرِظَهُ الْمُبْتَاعُ. أخرجه البخاريّ في: ٤٢ - كتاب الشرب والمساقاة، ١٧ - باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، ومسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ١٥ - باب من باع نَخْلا عليه ثمر، حديث ٨٠. فأما إن ملّكه سيده شيئاً، ففيه روايتان: إحداهما: لا يملكه وهو ظاهر قول الخرقي؛ لأنه قال: السيد يزكّي ما في يد عبده؛ لأنه مالكه، وقال العبد: لا يرث ولا مال له فيورث، وهو اختيار أبي بكر، وقول أبي حنيفة والشافعي في الجديد والثوري وإسحاق؛ لأنه مملوك، فلم يملك، والثانية: يملك وهي أصح عندي للآية والخبر، وهو قول مالك والشافعي في القديم، اهـ. (فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع) فيكون له، قال الباجي(١): قوله: فماله للبائع يريد أن بمجرد البيع يزول ملكه عن المال، ويدخل في ملك البائع، فيكون بيده كالمال المستفاد؛ لأنه حينئذ يصح ملكه فيه، ويجوز للمبتاع أن يشترطه، ولا خلاف في جواز ذلك في نفس العقد، لأنه مقتضى لفظ الحديث، ولا يوصف هذا بأنَّه شرط في البيع. قال صاحب ((المحلى)): فإذا بيع العبد فذلك المال للبائع؛ لأنه يملكه إلا أن يشترطه المبتاع فيصح، فكأنه قد باع شيئين: العبد والمال الذي في يده بثمن واحد، وذلك جائز، ثم قال الشافعي: إن كان المال دراهم لم يجز بيع العبد، وتلك الدراهم بالدراهم، وقال مالك: يجوز أن يشترطه المشتري، وإن دراهم وغيرها من الربويات لإطلاق الحديث. ثم إنه يدخل ثياب العبد في بيعه كما صححه الغزالي للعرف، وقال النووي: الأصح أنه لا يدخل ثيابه لاستر العورة ولا غيرها إلا أن يشترطها المبتاع لظاهر الحديث، وقال المالكية: تدخل ثياب المهنة التي عليه، وقال الحنابلة: يدخل ما عليه من الثياب المعتاد، اهـ. (١) ((المنتقى)) (١٧٠/٤). ٣١٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٢) باب (١٢٩٦) حديث قال النووي(١): فيه حجة لأصحابنا أن ما على العبد والجارية من الثياب غير داخل في البيع؛ لأنه مال، وقال بعض أصحابنا: يدخل ساتر العورة فقط، والأصح أنه لا يدخل ساتر العورة ولا غيره؛ لأن اسم العبد لا يتناول الثياب، وقال الأبي(٢): المذهب عندنا أن العقد يشمل ثياب المهنة التي عليه دون ثياب الزينة، وكذلك الجارية، وهذا باعتبار العرف. وإلا فاسم العبد لا يتناول ما عليه. وقال ابن المواز: ليس للسيد أن يستثني ثياب المهنة ولو اشترطها لكان شرطاً باطلاً وتبعت العبد، اهـ. وقال الموفق(٣): ما كان على العبد أو الجارية من الحَلي، فهو بمنزلة ماله. أما الثيابُ، فقال أحمد: ما كان يلبسه عند البائع، فهو للمشتري، وإن كانت ثياباً يلبسها فوق ثيابه، أو شيئاً يزينه به فهو للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، يعني أن الثياب التي يلبسها عادة للخدمة، والبذلة تدخل في البيع دون الثياب التي يتجمل بها؛ لأن ثياب البذلة جرت العادة ببيعها معه، ولأنها تتعلق بها مصلحته وحاجته إذ لا غناء له عنها، فجرت مجرى مفاتيح الدار، بخلاف ثياب الجمال، فإنها زيادة على العادة، ولا تتعلّق بها حاجةُ العبد، وإنما يلبسها إياه لينفقه بها، وهذه حاجة السيد لا حاجة العبد، ولم تجر العادة بالمسامحة فيها . وقال ابن عمر - رضي الله عنهما : - من باع وليدة زَيَّنَها بثياب، فللذي اشتراها ما عليها إلا أن يشترطه الذي باعها. وبه قال الحسن والنخعي. ولنا، الخبر الذي رواه ابن عمر ولأنه زينة للمبيع، فأشبه ما لو زيَّنَ الدار ببساط أو سِتْر، اهـ. (١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٩٢/١٠/٥). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤/ ٢١٢). (٣) ((المغني)) (٢٥٩/٦). ٣١٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٢) باب (١٢٩٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، أَنَّ الْمُبْتَاعَ إِنِ اشْتَرَطَ مَالَ الْعَبْدِ فَهُوَ لَهُ. نَقْداً كَانَ أَوْ دَيْناً أَوْ عَرْضاً. يُعْلَمُ أَوْ لَا يُعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ مِنَ الْمَالِ أَكْثَرُ مِمَّا اشْتَرَى بِهِ، كَانَ ثَمَنُهُ نَقْداً أَوْ دَيْناً أَوْ عَرْضاً. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) بالمدينة المنورة (أن المبتاع) أي المشتري (إن اشترط) في الشراء (مال العبد فهو له) أي المال يكون للمشتري (نقداً كان) أي عيناً (أو ديناً) على الناس (أو عرضاً) من العروض عملاً بإطلاق الحديث، ولا يجري فيه أحكام الربا، وهو قول الشافعي القديم، وبه قال أحمد في رواية بشرط أن يكون قصد المشتري العبد فقط، لا يكون له رغبة في المال كما تقدم عن الخرقي. وقال الشافعي في الجديد وهو قول الحنفية: يشترط فيه ما يشترط في سائر المبيعات من الاحتراز عن الربا، وهو المنصوص عن أحمد. (يعلم أو لا يعلم) والخلاف فيه كالخلاف فيما قبله، ومن أباحه قال: يدخل هذا في المبيع تبعاً فلا يضرُّ جهالته، كاللبن في ضرع الشاة (وإن كان للعبد من المال أكثر مما اشترى به) المشتري مبالغة فيما تقدم (كان ثمنه نقداً أو ديناً أو عرضاً) لا يجري في شيء منه أحكام الربا . قال الباجي(١): يريد أن للمبتاع ما شرط، والذي شرط أن يكون المال للعبد، ويبقى على ملكه حسبما كان قبل ابتياعه، ولو كان البائع قد انتزع المال واشترطه المبتاع لكان قد اشترى عبداً ومالاً، فيفسد بالجهل، والتفاضل فيما لا يجوز التفاضل فيه، يبين ذلك ما رواه أصبغ عن ابن القاسم في ((العتبية)) في الذي يبيع العبد، ويقول: ماله مائة دينار أُوفيكها لا يجوز، قال ابن أبي زيد: والثمن عين، ووجه ذلك أنه لما التزم التوفية كان ذلك مالاً متبرعاً به يدفعه البائع إلى المبتاع. (١) ((المنتقى)) (١٧١/٤). ٣١٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٢) باب (١٢٩٦) حديث وَذَلِكَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فِيهِ زَكَاةٌ. وقوله: نقداً أو ديناً يريد أن اشتراط المبتاع هذا المال لا يفسد العقد بأن يكون المال المشترط عيناً أكثر مما اشترى به من العين، أو يكون ديناً مؤجلاً فيشتري بالدين أو بالنقد، أو يكون المشترط من المال مجهولاً عند المتبايعين أو أحدهما؛ لأن ما اشترط من ذلك ليس بعوض في البيع، فيؤثر فيه الفساد بشيء مما ذكرنا؛ لأن المبتاع لم يشترطه لنفسه، وإنما اشترط بقاءه على ملك العبد، فليس بعوض في البيع، اهـ. (وذلك) أي دليل ما سبق من المفهوم من أن السيد لا يملك مال العبد من كل وجه، والمال ملك للعبد من وجه، وللسيد حق الانتزاع (أن مال العبد ليس على سيده فيه زكاة) ولو كان المال مال السيد لوجب عليه أداء زكاة مال العبد. قال الباجي: ما استدل به مالك من أنه لا زكاة على السيد في مال العبد، فقد خالَفَنَا فيه من يُخَالِفُنَا في ملكه. قال الخرقي: السيد يزكي عما في يد عبده؛ لأنه مالكه. قال الموفق(١): قد اختلفت الرواية عن أحمد في زكاة مال العبد الذي ملَّكه إياه، فروي عنه زكاته على سيده، وهذا مذهب سفيان وإسحاق وأصحاب الرأي، وروي عنه لا زكاة في ماله لا على العبد ولا على سيده. قال ابن المنذر: وهذا قول ابن عمر وجابر والزهري وقتادة ومالك وأبي عبيد. وللشافعي قولان كالمذهبين. قال أبو بكر: المسألة مبنية على الروايتين في ملك العبد إذا ملّكه سيده، إحداهما: لا يملك، قال أبو بكر: هو اختياري، وهو ظاهر كلام الخرقي ههنا؛ لأنه جعل السيد مالكاً لمال عبده، ولو كان مملوكاً للعبد لم يكن مملوكاً لسيده؛ لأنه لا يتصور اجتماع ملكين كاملين في مال واحد، اهـ. (١) ((المغني)) (٧١/٤). ٣١٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٢) باب (١٢٩٦) حديث وَإِنْ كَانَتْ لِلْعَبْدِ جَارِيَةٌ اسْتَحَلَّ فَرْجَهَا بِمِلْكِهِ إِيَّاهَا. وَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ، أَوْ كَاتَبَ، تَبِعَهُ مَالُهُ. (وإن كانت للعبد جارية استحلّ) العبد (فرجها بملكه إياها). قال الباجي(١): وهذا الفصل من الاستدلال، وهو أن العبد يستبيح وطء أمته بملك يمينه فهو صحيح. وذلك أنه لا يستباح الوطء إلا بأحد أمرين: نكاح أو ملك يمين. فإذا لم يكن للعبد في أمته نكاح لم يبق إلا أن يستمتعها بملك اليمين. ولا خلاف في جواز ذلك، فيثبت بذلك ملكه لها، وإذا صحَّ ملكُه للإماء صحَّ ملكه لغير ذلك من الأموال؛ لأن أحداً لم يُفَرِّقْ بينهما، اهـ. قلت: وما قال: لا خلاف في جواز ذلك مشكلٌ بل ممنوعٌ، قال الموفق(٢): للعبد أن يتسرى بإذن سيده هذا هو المنصوص عن أحمد في رواية الجماعة، وهو قول ابن عمر وابن عباس والشعبي والنخعي والزهري ومالك والأوزاعي والثوري وأبي ثور. وكره ذلك ابنُ سيرين وحماد بن أبي سليمان والثوري وأصحاب الرأي، وللشافعي قولان مبنيان على أن العبد هل يملك بتمليك سيده أو لا؟ وقال القاضي أبو يعلى: يجب أن يكون في مذهب أحمد في تسري العبد وجهان مبنيان على الروايتين في ثبوت الملك له بتمليك سيده. واحتجّ من منع ذلك بأن العبد لا يملك المال، ولا يجوز الوطء إلا في نكاح أو في ملك يمين. ولنا، قول ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم -، ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفاً. اهـ. (وإن عتق العبد أو كاتب) أي كاتبه سيده (تبعه ماله) في العتق والكتابة معاً. قال الباجي(٣): يريد أن ماله يتبعه بإطلاق العتق دون اشتراطه بخلاف (١) ((المنتقى)) (٤/ ١٧٢). (٢) («المغني)) (٤٧٥/٩). (٣). ((المنتقى)) (١٧٢/٤). ٣١٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٢) باب (١٢٩٦) حديث وَإِنْ أَفْلَسَ، أَخَذَ الْغُرَمَاءُ مَالَهُ. وَلَمْ يُتَّبَعْ سَيِّدُهُ بِشَيْءٍ مِنْ دَيْنِهِ. البيع. وذلك أن زوال ملك السيد على العبد على أربعة أوجه: أحدها: المعاوضة كالبيع والنكاح، ففي هذا لا يتبعه المال إلا بالشرط، وبه قال مالك والنخعي والليث، خلافاً للحسن البصري والزهري في قولهما: إن المال تبع للعبد في البيع. والوجه الثاني: العتق وما في معناه من العقود التي تفضي إلى العتق، وتسقط النفقة عن السيد كالكتابة، ففي هذا المال يتبع العبد إلا أن يشترطه السيد . والوجه الثالث: الجناية، فإن المال يتبع فيها الرقبة، وينتقل بانتقالها كما يأتي في الجنايات. والوجه الرابع: الهبة والصدقة، فقد اختلف أصحابنا فيها. فقال بعضهم: يتبع المال العبد؛ لأنه منتقل عن ملك سيده بغير معاوضة. فأشبه انتقاله بالعين. وقال بعضهم: المال للواهب؛ لأنه منتقل عنه باختياره إلى مالك فلم يتبعه مالە کالبيع، اهـ. قلت: واتباع مال العبد في العتق والكتابة أيضاً مختلف بين الأئمة، كما تقدم في مال العبد إذا عتق. (وإن أفلس) العبد المأذون (أخذ الغرماء) أي أصحاب الديون (ماله) في ديونهم (ولم يتبع) ببناء المجهول (سيده بشيء من دينه) ولو كان ماله مال السيد لا تبع الغرماء مال السيد، سواء كان المال حاصلاً بالعبد أو بغيره. قال الباجي(١): وذلك أن فلس العبد يكون بأن يأذن له سيده في التجارة، فيستغرق الدين ماله، فإن الغرماء يأخذون ماله، ولا حق لهم من ذلك قبل سيده، ولا في رقبته؛ لأنه إنما تناول إذنه له في التجارة ما بيده من المال، اهـ. (١) ((المنتقى)) (١٧٢/٤). ٣١٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٢) باب (١٢٩٦) حديث . وفي ((الشرح الكبير))(١): العبد قسمان؛ محجورٌ عليه فما لزمه من الدين بغير رضا سيده مثل أن يقترض ويشتري شيئاً في ذمته، ففيه روايتان: إحداهما: يتعلق برقبته اختارها الخرقي، والثانية: يتعلق بذمته يتبعه الغريمُ به إذا أعتق وأيسر، وهو مذهب الشافعي. القسم الثاني: المأذون له في التجارة أو في الاستدانة، فما يلزمه من الدين، هل يتعلق برقبته أو ذمة سيده؟ على روايتين: إحداهما: يتعلق برقبته، وهو ظاهر قول أبي حنيفة؛ لأنه قال: يباع إذا طالب الغرماء ذلك، وهذا معناه أنه يتعلق برقبته. والثانية: يتعلق بذمة السيد، وهو الذي ذكره الخرقي، فعلى هذه الرواية يلزم مولاه جميع ما أدان، وقال مالك والشافعي: إن كان في يده مال قُضيت ديونه منه، وإن لم يكن في يده شيء تعلق بذمته، يتبع به إذا أعتق وأيسر؛ لأنه دين ثبت برضا من له الدين أشبه غير المأذون، اهـ. وقال ابن رشد (٢) في اختلافهم في العبد المفلس المأذون: ذهب مالك وأهل الحجاز إلى أنه إنما يتبع بما في يده لا في رقبته، ثم إن أعتق اتبع بما بقي عليه، ورأى قوم أنه يباع فيه، ورأى قوم أن الغرماء يُخَيَّرُون بين بيعه وبين أن يسعى فيما بقي عليه من الدين، وبه قال شريح، وقالت طائفة: بل يلزم سيده ما عليه، وإن لم يشترطه، فالذين لم يروا بيع رقبته، قالوا: إنما عامل الناس على ما في يده، فأشبه الحر، والذين رأوا بيعه شَبَّهوا ذلك بالجنايات التي يجني، وأما الذين رأوا الرجوع على السيد فإنهم شَبَّهُوا ماله بمال السيد، فسبب الخلاف تعارض الأقيسة، اهـ. (١) انظر: ((المغني)) (٣٤٨/٦). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٩٠/٢). ٣٢٠