النص المفهرس
صفحات 261-280
٣٢ - كتاب المدبر (٥) باب (١٢٩٢) حديث ودار الحرب؛ لأن له ملكاً صحيحاً، فصحّ تصرفه فيه كالمسلم، وحكم تدبيره حكم تدبير المسلم، فإن أسلم مدبر الكافر أُمِرَ بإزالة ملكه عنه، وأُجْبِرَ عليه لئلا يبقى الكافر مالكاً للمسلم كغير المدبر، ويحتمل أن يترك في يد عدل، وينفق عليه من كسبه، وإن لم يكن له كسب أجبر سيده على الإنفاق عليه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، بناء على أن بيع المدبر غير جائز، ولأن في بيعه إبطال سبب العتق، فكان إبقاؤه أصلح، فإن قلنا ببيعه، فباعه، بطل تدبيره، وإن قلنا: يترك في يد عدل، فإنه يستنيب من يتولى استعماله واستكسابه، وينفق عليه من كسبه، وما فضل فلسيده. وإن اتفق هو وسيده على المخارجة جاز، وينفق على نفسه مما فضل من كسبه، فإذا مات السيد عتق إن خرج من الثلث، وإلا عتق منه بقدر الثلث، وبيع الباقي على الورثة، إن كانوا كفاراً، وإن أسلموا بعد الموت ترك، انتهى. وفي ((الهداية))(١): إذا أسلمت أم ولد النصراني، فعليها أن تسعى في قيمتها، وهي بمنزلة المكاتب، لا تعتق حتى تؤدي السعاية، وقال زفر: تعتق في الحال والسعاية دين عليها، وهذا الخلاف فيما إذا عرض على المولى الإسلام فأبى، فإن أسلم تبقى على حالها . قال ابن الهمام(٢): يعنى إذا أسلمت فعرض الإسلام على مولاها، فأبى، فإنه يخرجها القاضي عن ولايته، بأن يُقَدِّرَ قيمتَها فيُنَجِّمها عليها، فتصير مكاتبةً إلا أنها لا تردّ إلى الرقِّ، ولو عجزت نفسها؛ لأنها لو ردّت إلى الرق ردّت إلى الكتابة لقيام إسلامها، وهو الموجب، فلا فائدة في إثبات حكم التعجيز، وعلى هذا إذا أسلم مدبر النصراني، وقال زفر: تعتق للحال أي لحال إباء (١) (٣١٤/١). (٢) ((فتح القدير)) (٣٣٥/٤). ٢٦١ ٣٢ - کتاب المدبر (٥) باب (١٢٩٢) حديث مولاها الإسلام، والسعاية دين عليها، تطالب بها وهي حرة، فإن أسلم عند العرض فهي على حالها بالاتفاق، بخلاف ما لو أسلم بعده، وقال مالك والظاهرية: تعتق مجاناً، وقال الشافعي وأحمد: يُحَال بينهما، فلا يمكن من الخلوة بها فضلاً عن انتفاع من الانتفاعات، ويجبر على نفقتها إلى أن يموت، فتعتق بموته، أو يسلم فتحلّ له، وجه قول زفر أن النظر دفع الضرر عن الذميّ واجبٌ لذمته، وعن المسلم لإسلامه، وذلك في إعتاقها بالقيمة له بخلافه مجاناً كما قال مالك. وأما قول الشافعي، ففيه زيادة إضرار به من إيجاب النفقة بلا انتفاع مع إمكان دفعه عنه، قلنا: الأمر كما ذكرت، غير أن قولنا أدفع للضرر عنه وعنها، فإنه لا يصل إلى البدل عقيب عتقها، لأنها تعتق مفلسةً، وربما تتوانى في الإكتساب، إذا كان مقصود العتق قد حصل لها قبله، فيتضرر الذمي بذلك، وتتضرر هي بشغل ذمتها بحق ذمي، وربما تموت قبل إيفائها حقه، وقد قال علماؤنا: خصومة الذمي والدابة يوم القيامة أشَدُّ من خصومة المسلم، بخلاف ما إذا وقف عتقها على الأداء، فإنه حامل على الإيفاء، فكان اعتبارنا أولى، اهـ. قلت: ما حكي من مذهب الإمام مالك يخالفه ما في رواية ((الموطأ)» هذه، إلا أن تكون هذه رواية له، وما قال لقيام إسلامها، وهو الموجب، معناه أن الإسلام موجب لتخليصها عنه، فقد قال صاحب ((الهداية)) في ((باب استيلاء الكفار)) بحثاً: ولأبي حنيفة أن تخليص المسلم عن ذُلِّ الكافر واجب. قال ابن الهمام(١): فهو الواجب بالذات إجماعاً، وما قال: إن خصومة الذمي أشدّ، جزم به صاحب ((الدر المختار)) أيضاً. قال ابن عابدين: في (١) ((فتح القدير)) (٢٦٣/٥). ٢٦٢ ٣٢ - كتاب المدبر (٥) باب (١٢٩٢) حدیث ((الخانية)) من الغصب: مسلم غصب من ذمي مالاً أو سرقه، فإنه يعاقب عليه يوم القيامة؛ لأنه أخذ مالاً معصوماً، والذمي لا يرجى منه العفو بخلاف المسلم، فكانت خصومة الذمي أشدّ، وعند الخصومة لا يعطى ثواب طاعة المسلم للكافر؛ لأنه ليس من أهل الثواب، ولا وجه لأن يوضع على المسلم وبال كفر الكافر، فيبقى في خصومته، وعن هذا قالوا: إن خصومة الدابة تكون أشدَّ من خصومة الآدمي على الآدمي، اهـ. تنبيه: وجدت في نسخة ((المحلى)) رواية لم أجدها في غيرها من النسخ المصرية ولا الهندية من المتون ولا الشروح، وهي هذه: مالك عن عائشة أنها مرضت، فتطاول مرضها، فذهبت إلى رجل، فذكروا له مرضها، فقال: إنكم تخبروني عن امرأة مطبوبة، قال: فذهبوا ينظرون، فإذا جارية لها سحرتها، وكانت قد دبرتها، ثم سألتها ماذا أردت؟ قالت: أردت أن تموتي حتى أعتق، قالت: فإن الله علي أن تُباعِي من أشدّ العرب مِلْكَةً، فباعتها وأمرت بثمنها تجعل في مثلها، كذا في ((المحلى))، اهـ. والظاهر عندي أن الشارح - رحمه الله - ذكرها في الشرح تكميلاً للفائدة، ورقم عليها علامة المتن بعض الناسخين للشرح، ووقع في النقل شيء من الحذف والتحريف أيضاً، وليست الرواية في ((موطأ يحيى)) بل لعلها في ((موطأ القعنبي)). فقد قال الزيلعي في ((نصب الراية))(١): روى مالك في ((الموطأ)) من رواية القعنبي عنه عن محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة أنها مرضت، فتطاول مرضها، فذهب بنو أخيها إلى رجل، فذكروا له مرضها، فقال: إنكم تخبروني خبر امرأة مطبوبة، قال: فذهبوا ينظرون، فإذا جارية لها سحرتها، وكانت قد دبرتها، فدعتها ثم سألتها فذكر إلى آخر الحديث (١) (٢٨٦/٣). ٢٦٣ ٣٢ - کتاب المدبر (٦) باب (١٢٩٣) حديث (٦) باب جراح المدبر ٧/١٢٩٣ - حدّثني مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى فِي الْمُدَبَّرِ إِذَا جَرَحَ. أَنَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُسَلِّمَ مَا يَمْلِكُ مِنْهُ إِلَى الْمَجْرُوحِ. فَيَخْتَدِمُهُ الْمَجْرُوحُ. وَيُقَاصُّهُ بِجِرَاحِهِ. بلفظه، وقال رواه الحاكم في ((المستدرك))(١) في كتاب الطب وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، اهـ. والحديث أخرجه محمد في ((موطئه))(٢) وفيه زيادة من هذه الرواية. (٦) جراح المدبر بكسر الجيم جمع جراحة بالكسر، ويجمع على جراحات أيضاً، قال الراغب: الجرح أثر داء في الجلد، يقال: جرحه جرحاً فهو جريح ومجروح، وفي ((مختار الصحاح)): جرحه من باب قطعه، والاسم الجرح بالضم، والجمع جروح، ولم يقولوا: جراح إلا في الشعر، والجراح بالكسر جمع جراحة بالكسر أيضاً، اهـ. والمعنى أن المدبر إذا جرح أحداً فماذا حكمه وما يفعل به؟ ٧/١٢٩٣ - (مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز) الخليفة العادل المشهور، والحديث أخرجه ابن أبي شيبة كما في ((الزيلعي)) (٣) على ((الهداية)) (قضى) أي حكم (في المدبر إذا جرح) إنساناً (أن لسيده) أي يجب عليه (أن يسلم ما يملك منه) أي من المدبر وهو خدمته (إلى المجروح) ليستوفي أرش جرحه (فيختدمه المجروح) أي يستخدم المجروح عن العبد (ويقاصه بجراحه (١) (٢١٩/٤). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٣٩/٣) وأخرجه أبو مصعب في ((الموطأ)) (٢/ ٤٢٢) وأخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢١٣/١٠). (٣) انظر: ((نصب الراية)) (٣٨٩/٤). ٢٦٤ ٣٢ - كتاب المدبر (٦) باب (١٢٩٣) حديث مِنْ ديَةِ جَرْحِهِ. فَإِنْ أَدَّى قَبْلَ أَنْ يَهْلِكَ سَيِّدُهُ، رَجَعَ إِلَى سَيِّدِهِ. في) كذا في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية ((من)) (دية جرحه) أي يجعل قصاصاً دية الجرح بأجر الخدمة (فإن أدى) المدبر الأرش (قبل أن يهلك سيده) أي قبل موته (رجع) المدبر (إلى سيده) مدبراً حسباً كان قبل ذلك، اهـ. قال الدردير(١): إن جنى المدَبَّر، فإن كان له مال يفي بجنايته دفع فيها وبقي مدبراً لسيده ولا خيار له أي للسيد بين فدائه وإسلام خدمته للمجني عليه، وإن لم يكن له مال يفي بجنايته، خُيِّرَ سيدُه بين فدائه وإسلامه، فإن فداه بقي مدبراً، وإلا يفده أسلم خدمته للمجني عليه، حتى تستوفى الجناية أي أرشها، وبعد أن يستوفي المجني عليه تُردُّ خدمته لسيده على أنه مدبر، اهـ بزيادة من الدسوقي . وقال الموفق(٢): أما سائر جناياته غير قتل سيده فلا تبطل تدبيره، لكن إن كانت جنايته موجبةً للمال أو موجبةً للقصاص، فعفا الوليُّ إلى مالٍ تعلق المال برقبته، فمن جَوَّزَ بيعه جعل سيده بالخيار بين تسليمه، فيباع في الجناية، وبين فدائه، فإن سَلَّمَه في الجناية فبيع فيها بطل تدبيره، وإن عاد إلى سيده عاد تدبيره، وإن اختار فداءه، وفداه بما يفدى به العبد، فهو مدبر بحاله، ومن لم يجز بيعه، عين فداءه على سيده، كأم الولد، وإن كانت الجناية في القصاص، فاقتصّ منه في النفس، بطل تدبيره، وإن اقتصّ منه في الطرف، فهو مدبر بحاله . وإن مات السيد بعد جنايته، وقبل استيفائها، عتق على كل حال، سواء كانت موجبة للمال أو القصاص؛ لأن صفة العتق وجدت فيه، فإن كان الواجب قصاصاً، استوفي، سواء كانت جنايته على عبد أو حر؛ لأن القصاص (١) ((الشرح الكبير)) (٤/ ٣٨٤). (٢) ((المغني)) (١٤ / ٤٣٧). ٢٦٥ ٣٢ - كتاب المدبر (٦) باب (١٢٩٣) حديث قد استقر وجوبه عليه في حال رقه، فلا يسقط بحدوث الحرية فيه، وإن كان الواجب عليه مالاً في رقبته، فدي بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته، اهـ. وفي ((الهداية)) (١): إذا جنى المدبر أو أم الولد جناية ضمن المولى الأقل من قيمته ومن أرشها لما روي عن أبي عبيدة - رضي الله عنه - أنه قضى بجناية المدبر على مولاه، ولأنه صار مانعاً عن تسليمه في الجناية بالتدبير أو الاستيلاد من غير اختياره الفداء، وإنما يجب الأقل من قيمته ومن الأرش؛ لأنه لا حق لولي الجناية في أكثر من الأرش ولا منع من المولى في أكثر من القيمة، اهـ. قال الزيلعي في ((نصب الراية))(٢): قوله: روي عن أبي عبيدة أخرجه ابن أبي شيبة بسنده عن أبي عبيدة بن الجراح قال: جِناية المدبَّر على مولاه، وأخرج نحوه عن النخعي، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، اهـ. وفي ((البدائع))(٣): إن كان مدَبَّراً، فجِنايته على مولاه، وأصل الواجب بها قيمة المدبَّر على المولى لإجماع الصحابة، فإنه رُوي عن سيدنا عمر وأبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنهما - أنهما قضيا بجناية المدبّر على مولاه بمحضر من الصحابة، ولم يُنقل أنه أنكر عليهما أحد منهم، فيكون إجماعاً منهم، والقياس يُترك بمقابلة الإجماع، ولأن الأصل في جناية العبد، هو وجوب الدفع على المولى، وبالتدبير منع من الدفع من غير اختيار الفداء يوجب القيمة على المولى، كما لو دَبَّر القِنَّ وهو لا يعلم الجِناية، ومقدار الواجب الأقل من قيمته، ومن الدية، وتجب في مال المولى حالاً؛ لأنه ضمان (١) (٤٩٣/٢). (٢) (٣٨٩/٤). (٣) ((بدائع الصنائع)) (٣٢٣/٦). ٢٦٦ ٣٢ - كتاب المدبر (٦) باب (١٢٩٣) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُدَبَّرِ إِذَا جَرَحَ، ثُمَّ هَلَكَ سَيِّدُهُ. وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ. أَنَّهُ يُعْتَقُ ثُلُثُهُ، ثُمَّ يُقْسَمُ عَقْلُ الْجَرْح أَثْلَاثاً. فَيَكُونُ ثُلُثُ الْعَفْلِ عَلَى الُّلُثِ الَّذِي عَتَقَ مِنْهُ. وَيَكُونُ ثُلُثَاهً عَلَى الثُلُثَيْنِ اللَّذَيْنِ بِأَيْدِيَ الْوَرَثَةِ. إِنْ شَاؤُوا أَسْلَمُوا الَّذِي لَهُمْ مِنْهُ إِلى صَاحِبِ الْجَرْحِ. وَإِنْ شَاؤُوا أَعْطَوْهُ ثُلُثَي الْعَقْلِ. وَأَمْسَكُوا نَصِيبَهُمْ مِنَ الْعَبدِ . المنع من الدفع من غير اختيار الفداء، وهو يوجب القيمة في مال المولى حالاً؛ لأن ضمان المنع كالخلف عن ضمان الدفع، والدفع يجب في ماله حالاً کذلك ههنا، اهـ. (قال مالك: الأمر عندنا في المدبر إذا جرح) إنساناً (ثم هلك سيده) أي مات قبل استيفاء المجروح أرشه عن المدبر (وليس له) أي للسيد (مال غيره) أي غير المدبر (أنه يعتق ثلثه) بالتدبير، ويبقى ثلثاه رقيقاً في ملك الورثة (ثم يقسم عقل الجراح) أي ديته (أثلاثاً) أي يجعل قيمته ثلاثة أبعاض، ويقسم على ثلاثة أبعاض العبد (فيكون ثلث العقل على الثلث الذي عتق منه) ويؤخذ من المدبر ليكون ثلثه هذا حراً، (ويكون ثلثاه) أي ثلثا العقل (على الثلثين) الرقيقين من العبد (اللذين بأيدي الورثة) وملكهم، ويخير الورثة في ثلثهم (إن شاؤوا أسلموا) الجزء (الذي لهم منه) أي من العبد، وهو ثلثاه، وهذا أوضح مما في النسخ الهندية من قوله: أسلموا الذي سهم منه (إلى صاحب الجرح) يتصرف فيه كيف يشاء، ويكون الثلثان ملكاً للمجني عليه، (وإن شاؤوا) أي الورثة (أعطوه ثلثي العقل) بمقابلة ثلثي العبد من عند أنفسهم (وأمسكوا نصيبهم من العبد) وهو ثلثاه . قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن المدبر إذا جرح، ثم هلك سيده، وليس له مال غيره، ولا دين عليه، فإنه يعتق عليه، فيكون على المعتق منه ثلث (١) ((المنتقى)) (٤٩/٧). ٢٦٧ ٣٢ - كتاب المدبر (٦) باب (١٢٩٣) حديث وَذُلِكَ أَنَّ عَقْلَ ذُلِكَ الْجَرْحِ. إِنَّمَا كَانَتْ جِنَايَتُهُ مِنَ الْعَبْدِ. وَلَمْ تَكُنْ العقل، ويخيَّر الورثة فيما رقّ منه، وهو ثلثاه، بين أن يفتكوا ثلثي العقل أو يسلموه، وذلك أن الجناية لم تتعلق بذمة السيد، وإنما تعلقت بالعبد، والعبد لا يملك منه في حياة سيده إلا الخدمة، فتعلقت بذلك الجناية، وبعد سيده هو من الثلث، فإن عتق ثلثه، فثلث الدية عليه؛ لأنها دية تعلقت بجزء، فتعلقت بذمته، وإذا استرق ثلثاه، تعلقت الجناية بالثلثين تعلقها بالعبد، فصار الثلث له في الجناية حكم الأحرار، وللثلثين حكم العبد، اهـ. وقال الدردير(١): وإن عتق هذا الجاني بموت سيده بعد إسلامه خدمته وقبل استيفاء أرش الجناية، أُتبعَ بالباقي من الأرش في ذمته، أو عتق بعضه، ورقّ باقيه للوارث، لضيق الثلث، أتبع فيما عتق منه بحصته، أي بما يقابل الجزء الحر؛ لأن ما بقي من أرش الجناية يتعلق بعضه بالجزء الحر، وبعضه بالجزء الرق، وخير الوارث في إسلام مارقّ منه ملكاً للمجني عليه، أو فكّه بقدر ما يخصه من أرش الجناية. قال الدسوقي: قوله: بعد إسلامه احترز بذلك عما لو مات سيده قبل إسلامه وفدائه، فإنه لا شيء للمجني عليه، كما إذا جنى وهو صغير لا خدمة له، وقوله: خير الوارث، إنما خير الوارث بين الفداء والتسليم للرقبة ملكاً مع أن موروثه إنما خُيّر بين الفداء والإسلام للخدمة؛ لأن الموروث لا يملك الرقبة وهي الآن ملك للوارث، اهـ. ومعنى قوله: لا يملك الرقبة أي لا يملك التصرف في الرقبة للتدبير، وإنما كانت له خدمته فقط، وإذا مات وانقضى التدبير بعتق الثلث منه بقي ثلثاه رقيقاً ملكاً للورثة، فهم يخيرون في الفداء وإسلام الرقبة. (وذلك) أي سبب كون العقل المذكور على العبد ما عتق منه وما رقّ (أن عقل ذلك الجرح إنما كانت جناية من العبد، ولم تكن) الجناية أي عقلها (١) ((الشرح الكبير)) (٣٨٤/٤). ٢٦٨ ٣٢ - كتاب المدبر (٦) باب (١٢٩٣) حديث دَيْنَاً عَلَى السَّيِّدِ. فَلَمْ يَكُنْ ذُلِكَ الَّذِي أَحْدَثَ الْعَبْدُ. بِالَّذِي يُبْطِلُ مَا صَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ عِتْقِهِ وَتَذْبِيرِهِ. فَإِنْ كَانَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ مَعَ جِنَايَةِ الْعَبْدِ. بِيعَ مِنَ الْمُدَبَّرِ بِقَدْرِ عَقْلِ الْجَرْحِ. وَقَدْرِ الدَّيْنِ. ثُمَّ يُبَدَّأُ بِالْعَقْلِ الَّذِي كانَ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ. فَيُقْضَىَ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ ثُمَّ يُقْضَى دَيْنُ سَيِّدِهِ. ثُمَّ يُنْظَرُ إِلى مَا بَقِيَ بَعْدَ ذُلِكَ من الْعَبْدِ. فَيَعْتِقُ ثُلُثُهُ. وَيَبْقَى ثُلُثَاهُ لِلْوَرَثَةِ. وَذُلِكَ أَنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ هِيَ أَوْلَى مِنْ دَيْنِ سَيِّدِهِ. وَذُلِكَ أَنّ الرَّجُلَ إِذَا هَلَكَ. (ديناً على السيد) وتقدم الخلاف في ذلك قريباً، (فلم يكن ذلك الذي أحدث العبد) من الجناية (بالذي يبطل ما صنع السيد من) بيان لما (عتقه وتدبيره) عطف تفسير، يعني جناية العبد لا تبطل تدبير السيد؛ لأنها ليست بدَيْن على السيد، بل على رقبة العبد، أما إن كانت ديناً على السيد كانت مبطلة للتدبير؛ لأن دين السيد يبطل التدبير كما تقدم مبسوطاً في أول ((بيع المدبر)) (فإن كان على سيد العبد دين للناس مع جناية العبد) قال الباجي(١): يريد أن ما تقدم من عتق الثلث وتخيير الورثة هو حكم من لا دين على سيده، أما إن كان على سيده دين (بيع من العبد المدبر بقدر عقل الجرح وقدر الدين) أي يباع من المدبر بقدر ما يكفي للدين والعقل كليهما . (ثم يُبَدَّأ) في الأداء ببناء المجهول (بالعقل الذي كان في جناية العبد فيقضى) أولاً جناية العبد (من ثمن العبد ثم) بعد أداء العقل (يقضى دين سيده) من بقية ثمنه (ثم ينظر إلى ما بقي بعد ذلك) أي بعد أداء الجناية والدين (من العبد) بيان لما بقي (فيعتق ثلثه) أي ثلث ما بقي من العبد (ويبقى ثلثاه) ملكاً (للورثة وذلك) أي سبب تقديم العقل (أن جناية العبد هي أولى) وأقدم (من دين سيده) لتعلقها برقبة العبد. (وذلك) أي توضيح المسألة المذكورة بالمثال (أن الرجل إذا هلك) يعني (١) ((المنتقى)) (٤٩/٧). ٢٦٩ ٣٢ - كتاب المدبر (٦) باب (١٢٩٣) حديث وَتَرَكَ عَبْداً مُدَبَّراً. قِيمَتُهُ خَمْسُونَ وَمِائَةُ دِينَارٍ، وَكَانَ الْعَبْدُ قَدْ شَجَّ رَجُلاً حُرًّا مُوضِحةً. عَقْلُهَا خَمْسُونَ دِينَاراً، وَكَانَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ مِنَ الدَّيْنِ خَمْسُونَ دِيناراً. قَالَ مَالِكٌ: إذا مات السيد (وترك عبداً مدبراً قيمته خمسون ومائة دينار) مثلاً (وكان العبد قد شج رجلاً حراً موضحة) أي شجة موضحة، وهي التي توضح العظم، وتكشفه، وهي إحدى الجراحات العشرة المعروفة، أولها الداميةُ، وهي التي تُدَمِّي الجلدَ، ثم الخارصةُ، ثم الباضعة، ثم المتلاحمة، ثم السمحاق، ثم الموضحة، ثم الهاشمة، ثم المنقلةُ، ثم المأمومة، ثم الجائفة، ذكرها ابن رشد (عقلها خمسون ديناراً). قال ابن رشد(١): جميع الفقهاء على أن في الموضحةِ إذا كانت خطأً خمساً من الإبل، وثبت ذلك عن رسول الله وَّل في كتابه لعمرو بن حزم. وقال الموفق (٢): ليس في الشِجَاج ما فيه قصاصٌ سواها، ولا يجب المُقَدَّرُ في أقل منها، وهي التي تصِلُ إلى العظم، سميت موضحةً؛ لأنها أبدت وضحَ العظم، وهو بياضُه، وأجمع أهل العلم على أن أرشها مقدر، قاله ابن المنذر، وفي كتاب النبي ◌َّ لعمرو بن حزم (في المُوضِحَة خمسٌ من الإبل))، اهـ. والدية الكاملة مائة من الإبل والخمس نصف عشرها، ولم يختلفوا أن الدية من الذهب ألف دينار ونصف عشرها خمسون ديناراً (وكان على سيد العبد من الدين خمسون ديناراً) مثلاً زاد في النسخ الهندية وبعض المصرية ههنا لفظ (قال مالك) وليس هذا في بعض النسخ المصرية، والأولى عندي حذفه، فإن (١) ((بداية المجتهد)) (٤١٩/٢). (٢) ((المغني)) (١٥٨/١٢). ٢٧٠ ٣٢ - كتاب المدبر (٦) باب (١٢٩٣) حديث فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِالْخَمْسِينَ دِينَاراً، الَّتِي فِي عَقْلِ الشَّجَّةِ. فَتُقْضَى مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ. ثُمَّ يُقْضَى دَيْنُ سَيِّدِهِ. ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْعَبْدِ. فَيَعْتِقُ ثُلُثُهُ. وَيَبْقَى ثُلُثَاهُ لِلْوَرَثَةِ. فَالْعَقْلُ أَوْجَبُ فِي رَقَبَتِهِ مِنْ دَيْنِ سَيِّدِهِ وَدَيْنُ سَيِّدِهِ أَوْجَبُ مِنَ التَّدْبِيرِ الَّذِي إِنَّمَا هُوَ وَصِيَّةٌ فِي ثُلُثِ مَالٍ الْمَيِّتِ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ شَيْءٌ مِنَ التَّدْبِيرِ، وَعَلَى سَيِّدِ الْمُدَبَّرِ دَيْنٌ لَمْ يُقْضَ. وَإِنَّمَا هُوَ وَصِيَّةٌ. وَذُلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : - ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيِّنٍ﴾ .. الكلام الآتي متعلق بما سبق، ولو سُلِّمَ فالمعنى قال مالك في الصورة المذكورة: (فإنه يبدأ) في الصورة المذكورة (بالخمسين ديناراً) وفي النسخ الهندية ((بالخمسين الدينار))، والمراد (التي) تجب (في عقل الشجّة) الموضحة المذكورة (فتقضى من ثمن العبد) أولاً لما تقدم في الممثل، وأن العقل يقدم على دين السيد (ثم) بعد ذلك (يقضى دين سيده) وهو خمسون ديناراً في المثال المذكور (ثم يُنظر إلى ما بقي من العبد) وهو ثلثه مقدار خمسين ديناراً؛ لأن العبد فرض قيمته في المثال المذكور مائة وخمسين ديناراً، وخرج منها المائة في العقل والدين، فبقي مقدار الخمسين ديناراً من قيمته (فيعتق ثلثه) أي ثلث ما بقي وهو مقدار خمسين ديناراً، فيعتق ثلث الثلث من العبد. (ويبقى ثلثاه) أي ثلثا الباقي من العبد ملكاً (للورثة فالعقل أوجب) أي أولى وأحق بالوجوب (في رقبته) أي رقبة المدبر (من دين سيده) لأنه متعلق برقبته بخلاف دين السيد، فإنه متعلق بالسيد (ودين سيده أوجب) أي أحق بالوجوب (من التدبير الذي إنما هو) أي التدبير في الحقيقة (وصية) عن المالك (في ثلث مال الميت، فلا ينبغي) أي لا يجوز ولا يصحّ (أن يجوز شيء من التدبير و)الحال أنه (على سيد المدبر دين لم يقض) صفة لدين (وإنما هو) أي التدبير (وصية) لا غير. (وذلك) أي وجه تقديم الدين على ملك الورثة (أن الله تبارك وتعالى قال) في آية الميراث: (﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾) والدين مقدم على الوصية ٢٧١ ٣٢ - كتاب المدبر (٦) باب (١٢٩٣) حديث قَالَ مَالِكٌ: فِإِنْ كَانَ فِي ثُلُثِ الْمَيِّتِ مَا يَعْتِقُ فِيهِ الْمُدَبَّرُ كُلُّهُ، عَتَقَ. وَكَانَ عَقْلُ جِنَايَتِهِ دَيْناً عَلَيْهِ. يُتَّبَعُ بِهِ بَعْدَ عِثْقِهِ. وَإِنْ كَانَ ذُلِكَ الْعَقْلُ الدِّيَةَ كَامِلَةً. وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ. إجماعاً، فلا بد أن يقدم دين السيد على التدبير الذي في حكم الوصية. قلت: وهذا كله على مسلك الإمام مالك - رحمه الله -، وأما عند الحنفية فتقدم في أول بيع المدبر: أن مدبر المديون يسعى في قيمته، وفيه لا ضرر على السيد ولا العبد ولا على الدائن. (قال مالك) هكذا في جميع النسخ الهندية وأكثر المصرية جعله قولاً مستأنفاً، وليس في بعض المصرية لفظ قال مالك، بل جعل الكلام الآتي ملحقاً بما سبق، وهو الأوجه، فإنه ذكر في الكلام السابق حكم المدبر الذي مات سيده، وليس له مال غيره، وذكر ههنا من مات سيده، وترك مالاً غيره، فقال: (فإن كان في ثلث الميت ما يعتق فيه المدبر كله) أي يكون ثلث ماله بمقدار يخرج منه قيمة المدبر (عتق) المدبر (وكان عقل جنايته ديناً عليه) أي على المدبر (يتبع به) أي يتبع المجروح بالعقل (بعد عتقه) أي بعد عتق المدبر (وإن كان) وصلية (ذلك العقل الدية كاملة) مبالغة في اتباع طالب الأرش العبد المدبر (وذلك) أي عتقه من الثلث (إذا لم يكن على سيده دين) أما إن كان عليه الدين فيبطل التدبير كما تقدم غير مرة. وأما عند الحنفية، فجناية المدبر على مولاه. قال الزيلعي على ((الكنز)): إذا جنى العبد خطأً، فمولاه بالخيار إن شاء دفعه إلى ولي الجناية، فإذا دفعه ملَّكه ولي الجناية، وإن شاء فداه بأرشها . قال الشافعي: تتعلق برقبته يباع فيها إلا أن يقضي المولى بالأرش، وثمرة الخلاف تظهر في اتباع الجاني عنده، وعندنا لا يتبع لا في حالة الرقّ ولا بعد الحرية، قال: ذلك في القِنِّ، ثم قال: جنى مدبر ضمن السيد الأقل من القيمة، ومن الأرش؛ لأن المولى صار مانعاً بالتدبير تسليمه في الجناية، ٢٧٢ ٣٢ - كتاب المدبر (٦) باب (١٢٩٣) حديث وَقَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُدَبَّرِ إِذَا جَرَحَ رَجُلاً فَأَسْلَمَهُ سَيِّدُهُ إِلَى الْمَجْرُوحِ. ثُمَّ هَلَكَ سَيِّدُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ. وَلَمْ يَتْرُكْ مَالاً غَيْرَهُ. فَقَالَ الْوَرَثَّةُ: نَحْنُ نُسَلَّمُهُ إِلَى صَاحِبِ الْجُرْحِ. وَقَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ: أَنَا أَزِيدُ عَلَى ذُلِكَ: إِنَّهُ إِذَا زَادَ الْغَرِيمُ شَيْئًاً فَهُوَ أَوْلَى بِهِ. وَيُحَظّ عَنِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، قَدْرُ مَا زَادَ الْغَرِيمُ عَلَى دِيَةِ الْجَرْحِ. فَإِنْ لَمْ يَزِدْ بخلاف ما إذا كان الجاني قِناً حيث يخير المولى بين الدفع والفداء، انتهى ملخصاً . وتقدم هذا المعنى في كلام صاحب ((البدائع)) وغيره أيضاً، فعلى أصلهم ليس عقل جناية المدبر عليه، بل على مولاه، فلا تتفرع على مسلكهم هذه الفروع. (قال مالك في المدبر إذا جرح رجلاً فأسلمه سيده) أي أسلم المولى خدمة المدبر الجاني (إلى المجروح) ليستوفي أرشه (ثم هلك سيده، وعليه دين، ولم يترك) السيد (مالاً غيره) أي غير المدبر (فقال الورثة: نحن نسلمه) أي المدبر (إلى صاحب الجرح) بضم الجيم أي المجني عليه ليستوفي أرشه عن قيمته (وقال صاحب الدين) أي الغريم (أنا أزيد) في قيمة العبد (على ذلك) الذي عَيّن قیمته صاحب الأرش. (قال) مالك في هذه الصورة: (فإذا زاد الغريم شيئاً) في قيمة العبد (فهو أولى به) وأحق بأخذ العبد من المجروح، ويؤخذ منه مقدار الأرش ويعطى للمجروح، (ويحطّ عن الذي عليه الدين)، وهو السيد المديون (قدر ما زاد الغريم على دية الجرح) ومثاله أن العبد المدبر جرح رجلاً موضحةً أرشها خمسون ديناراً كما تقدم، وعلى السيد دين خمسين ديناراً، وجعلت قيمة العبد خمسين ديناراً، فأخذه صاحب الجرح، لكن قال الغريم: أنا أعطي قيمته سبعين ديناراً، فهو الغريم أحق بأخذه، ويؤخذ منه خمسون ديناراً، ويعطى لصاحب الجرح، ويحط من دين السيد عشرون ديناراً (فإن لم يزد) الغريم ٢٧٣ ٣٢ - كتاب المدبر (٦) باب (١٢٩٣) حديث شَيْئاً، لَمْ يَأْخُذِ الْعَبْدَ. (شيئاً) في قيمته (لم يأخذ العبد) بل يسلم العبد إلى المجروح. قال الباجي(١): وهذا على ما قال: فإن المدبر إذا جرح، وأسلمه سيّده، ومات، وعليه دين، فينازع في المدبر المجني عليه والغرماء، فالمجني عليه أولى به؛ لأنه لا محل لجنايته غير العبد، والغرماء محل ديونهم ذمةُ السيد، فقدّم المجني عليه لاختصاصه بالعبد، إلا أن يزيد الغرماء على أرش الجناية شيئاً يحطّ عن المتوفى به بعض دينه، ويكون الغرماء أحقّ بدين العبد بأرش الجرح وبالزيادة، فيدفع إلى المجني عليه أرش جرحه، ويحطّ عن الميت من دين الغرماء ما عليه بقدر تلك الزيادة؛ لأن قيمة العبد قد زادت بالزيادة على أرش الجناية، فلا مضرة في ذلك على المجني عليه؛ لأنه يأخذ أرش جرحه، وينحظّ بالزيادة عن المتوفى بعض دينه؛ لأن المتوفى لو سَلَّم أرش الجرح لكان له التمسك بالعبد، فإذا كان في فعل الغرماء ذلك منفعة له في تخفيف دينه كان ذلك لغرمائه، اهـ. وأما على مسلك الحنفية فإن جنايات المدبر كلها دينٌ على المولى كما عرفت غير مرار. قال صاحب ((البدائع)): وجنايته على المولى، وهو الأقل من قيمته ومن أرش الجناية، ولا يضمن المولى أكثر من قيمة واحدة، وإن كثرت الجنايات. وقال في موضع آخر(٢): سواء قلّت جنايته أو كثُرت، لا يلزم المولى من جناياته أكثر من قيمة واحدة؛ لأن القيمة في جناية المدبر بمنزلة العين في جناية القن، قَلّتْ جنايته أو كثُرت، ولا يجب شيء آخر مع الدفع، فكذا ههنا، ويقسم قيمته بين أولياء الجنايات على قدر جناياتهم، ويستوي فيها الأول والثاني سواء قبض ما على المولى أو لم يقبض، يشتركون فيه، فيتضاربون بقدر (١) ((المنتقى)) (٥٠/٧). (٢) ((بدائع الصنائع)) (٣٢٣/٦). ٢٧٤ ٣٢ - كتاب المدبر (٦) باب (١٢٩٣) حديث وَقَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُدَبَّرِ إِذَا جَرَحَ وَلَهُ مَالٌ. فَأَبَى سَيِّدُهُ أَنْ يَفْتَدِيَهُ. فَإِنَّ الْمَجْرُوحَ يَأْخُذُ مَالَ الْمُدَبَّرِ فِي دِيَةِ جُرْحِهِ. فَإِنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ، اسْتَوْفَى الْمَجْرُوحُ دِيَةَ جُرْحِهِ، وَرَدَّ الْمُدَبَّرَ إِلَى سَيِّدِهِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ، اقْتَضَاهُ مِنْ دِيَة جُرْحِهِ، وَاسْتَعْمَلَ الْمُدَبَّرَ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دِیَةِ جُرْحِهِ . حقوقهم، اهـ. فإذا صارت جنايته ديناً على المولى فهي بمنزلة سائر ديونه، فيسعى المدبر بقدر قيمته في ديون المولى. قال صاحب ((البدائع))(١): يحسب عتقه من ثلث مال المولى، فإن كان يخرج من ثلثه يعتق كله، ولا سعاية عليه، وإن لم يكن للمولى مال آخر يعتق ثلثه، ويسعى في الثلثين للورثة، هذا إذا لم يكن على المولى دين، فإن كان عليه دين، يسعى في جميع قيمته في قضاء ديون المولى، اهـ. (قال مالك في المدبر إذا جرح) إنساناً (وله) أي للمدبر (مال) فلا بد أن يأخذ المجروح أرش جنايته عن مال المدبر (فأبى سيده أن يفتديه) عن مال المدبر (فإن المجروح يأخذ مال المدبر في دية جرحه) وذلك لما تقدم في أول ((جراح المدبر)) من كلام الدردير أن المدبر إن كان له مال دفع في الجناية، ولا خیار للمولی حينئذ بین فدائه وإسلام خدمته. (فإن كان فيه) أي في مال المدبر (وفاء) لدية الجرح (استوفى) منه (المجروح دية جرحه، وردّ المدبر إلى سيده، وإن لم يكن فيه) أي في مال المدبر (وفاء) لجرحه (اقتصّه) كذا في النسخ الهندية، أي حاسبه، وفي النسخ المصرية ((اقتضاه)) أي أخذه، والمؤدى واحد (من دية جرحه) مثل أن يكون دية جرحه خمسون ديناراً، ويكون مال المدبر ثلاثون ديناراً، فيأخذها في أرشه (واستعمل) أي استخدم (المدبر فيما بقي)، وفي النسخ المصرية ((بما بقي)) له (من دية جرحه) وهو عشرون ديناراً في المثال المذكور، فيستوفيها من استخدام المدبر. (١) (٥٨٠/٣). ٢٧٥ ٣٢ - كتاب المدبر (٧) باب (٧) باب ما جاء في جراح أم الولد قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن المدبر إذا جرح وله مال ولم يفتده سيده، فإنه يقتضي أرش الجرح من مال المدبر ويردّ إلى سيده، وإنما كان ذلك؛ لأن عقد التدبير لازم لا ينقض، ولا يخرج عنه المدبر إلا بأمر لا بد منه، ولما كان للمدبر مال يؤدى منه أرش جنايته لم ينقض عقد تدبيره، اهـ. وهذا أيضاً مبنيٌ على أصل الإمام مالك أن جناية المدبر دينٌ عليه، خلافاً للحنفية أن جنايته دين على سيده كما تقدم مراراً. (٧) جراح أم الولد قال الموفق(٢): أم الولد إذا جنت تعلّق أرشُها برقبتها، وعلى السيد أن يفديها بأقل الأمرين من قيمتها أو دونها، وبهذا قال الشافعي. وحكى أبو بكر قولاً آخر أنه يفديها بأرشها بالغة ما بلغت؛ لأنه لم يسلمها في الجناية، فيلزمه أرش جنايتها بالغة ما بلغت كالقن، وقال أبو ثور وأهل الظاهر: ليس عليه فداؤها وتكون جنايتُها في ذِمّتها، تُتْبَعُ بها إذا عتقَتْ؛ لأنه لا يملك بيعها، فلم يكن عليه فداؤها كالحرة. ولنا: أنها مملوكة لسيدها كسبها، لم يسلمها، فلزمه أرش جنايتها، كالقِرٍّ، ولا تلزمُه زيادة على قيمتها؛ لأنه لم يمتنع من تسليمها، وإنما الشرعُ منع ذلك؛ لكونها لم تبق محلاً للبيع، وفارقت القن إذا لم يُسلِّمها، فإنه إن أمكن أن يسلمها للبيع، فربما زاد فيها مزيداً أكثر من قيمتها، فإذا امتنع مالكها من تسليمها أَوجَبْنَا عليه الأرشَ بكماله، وفي مسألتنا لا يحتمل ذلك، فإن بيعها غير جائز، فلم يكن عليه أكثر من قيمتها، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٥٠/٧). (٢) ((المغني)) (١٤/ ٦٠٣). ٢٧٦ ٣٢ - كتاب المدبر (٧) باب وقال الدردير(١): وجب على سيدها فداؤها إن جنت على شخص أو أتلفت شيئاً؛ لأن الشرع منع من تسليمها للمجني عليه كما منع بيعها، فيفديها بأقل الأمرين القيمة يوم الحكم الأرش، اهـ. وأما عند الحنفية فأحكام أم الولد في الجنايات أحكام المدبر، قال صاحب ((البدائع))(٢) بعد بيان أحكام المدبر: وأم الولد في جميع ما وصفنا والمدبر سواء؛ لأن الواجب في جنايتهما ضمان المنع إلا أن جهة المنع تختلف، فالمنع في أم الولد باستيلاد، وفي المدبر بالتدبير. وقال أيضاً في موضع آخر: أرش جنايتها على المولى، وهو الأقل من قيمتها، ومن الأرش، وليس على المولى إلا قدر قيمتها، وإن كثرت الجنايات كالمدبر اهـ. قال محمد في ((كتاب الآثار))(٣): أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في أم الولد والمعتقة عن دبر تجنيان، قال: يضمن سيدهما جنايتهما؛ لأن العتاقة قد جرت فيهما، فلا يستطيع أن يدفعهما، ولا تعقلهما العاقلة؛ لأنهما مملوكان، قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، وقال أيضاً: أما المدبر وأم الولد فعلى المولى الأقل من أرش جنايتها ومن قيمتها، وهو قول أبي حنيفة، اهـ. قلت: لكن بينهما فرق في السعاية، قال في ((الهداية))(٤): إذا مات المولى عتقت من جميع المال، ولا سعاية عليهما في دين المولى للغرماء؛ لأنها ليست بمال متقوم، فلا يتعلق بها حق الغرماء بخلاف المدبر؛ لأنه مال متقوم، اهـ. (١) ((الشرح الكبير)) (٤١١/٤). (٢) ((بدائع الصنائع)) (٦٢٣/٣). (٣) (ص١٢٧). (٤) (٣١٤/١). ٢٧٧ ٣٢ - كتاب المدبر (٧) باب (١٢٩٤) حدیث ٨/١٢٩٤ - قَالَ مَالِكٌ، فِي أُمِّ الْوَلَدِ تَجْرَحُ: إِنَّ عَقْلَ ذُلِكَ الْجَرْحِ ضَامِنٌ عَلَى سَيِّدِهَا فِي مَالِهِ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَقْلُ ذُلِكَ الْجَرْح أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ. فَلَيْسَ عَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يُخْرِجَ أَكْثَرَ مِنَّ قِيمَتِهَا. وَذُلِكَ أَنَّ رَبَّ الْعَبدِ أَوِ الْوَلِيدَةِ. إِذَا أَسْلَمَ غُلَامَهُ أَوْ وَلِيدَتَهُ، بِجُرْحٍ أَصَابَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذُلِكَ، وَإِنْ كَثُرَ الْعَقْلُ. فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ سَيِّد أُمِّ الْوَلَدِ أَنْ يُسَلِّمَهَا، لِمَا مَضَى فِي ذُلِكَ مِنَ السُّنَّةِ، ٨/١٢٩٤ - (قال مالك في أم ولد تجرح) شخصاً، وتجني عليه (إنّ عقل ذلك الجرح ضامن) أي مضمون كقولهم سرّ كاتم، وعيشة راضية (على سيدها في ماله) أي في مال السيد (إلا أن يكون عقل ذلك الجرح أكثر من قيمة أم الولد فليس) حينئذ (على سيدها أن يخرج) أي يعطي ماله (أكثر من قيمتها) بل يعطي مقدار قيمتها فقط، والحاصل أن السيد يضمن الأقل من قيمتها، وأرش جرحها، وبذلك قالت الأئمة الثلاثة الباقية كما تقدم. (وذلك) أي سبب المنع من إخراج الأكثر من قيمتها (أن رب) أي سيد (العبد أو الوليدة) القنين (إذا أسلم غلامه أو وليدته) لف ونشر مرتب في النسخ المصرية، وغير مرتب في الهندية (بجرح) أي في جرح (أصابه واحد منهما) أي من القنين (فليس عليه) أي على السيد (أكثر من ذلك) أي أكثر من أن يسلم القن الجارح (وإن كثر) أي زاد (العقل) عن قيمتهما. والحاصل أن الرقيق القن إذا جنى، فأسلمه السيد في الأرش للمجروح، فليس على السيد شيء زائد على ذلك إجماعاً . (فإذا لم يستطع) أي لم يقدر (سيد أم الولد أن يسلمها) أي يسلم أم الولد إلى المجروح (لما مضى في ذلك من السنة) يعني هذا سنة ماضية معروفة أن أم الولد لا يخرجها ربها عن ملكه بنوع من أسباب الإخراج، كالهبة والبيع وغيرهما عند الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء. ٢٧٨ ٣٢ - كتاب المدبر (٧) باب (١٢٩٤) حديث فَإِنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ قِيمَتَهَا فَكَأَنَّهُ أَسْلَمَهَا. فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ذُلِكَ. وَهُذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ. وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ جِنَايَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا . قال الموفق(١): لا يجوز بيعها ولا التصرف فيها بما ينقل الملك من الهبة والوقف، ولا ما يراد للبيع، وهو الرهن، ولا تورث؛ لأنها تعتق بموت السيد، ويزول الملك عنها، رُوي هذا عن عمر وعثمان وعائشة وعامة الفقهاء، قلت: وفي بيعهن خلاف لبعض السلف والظاهرية، إلا أن الجمهور على الأول، وإذا ثبت أن السيد لا يستطيع أن يسلمها إلى المجروح لما يلزم ذلك إخراجها عن الملك ونقلها عنه (فإنه إذا أخرج قيمتها فكأنه أسلمها) نفسها (فليس عليه) أي على السيد (أكثر من ذلك) أي أزيد من أن يعطي قيمتها . (وهذا) المذكور من أنه يؤدي قيمتها لا أكثر من ذلك في أرش الجناية (أحسن ما سمعت) في ذلك، وهذا يشير أنه سمع غيرها أيضاً وقد عرفت في كلام الموفق أن في أرشها أقوالاً أخر (وليس عليه) أي على السيد (أن يحمل) ويتحمل (من جنايتها أكثر من قيمتها) لأنه يكون ظلماً على السيد، فإن السيد لم يرتكب جناية، وليس منه إلا منع تسليمها للاستيلاد بأمر الشارع، فلا يكون عليها أزيد من أن يؤدي قيمتها . قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن أم الولد إذا جنت، فإن على سيدها أن يؤدي من ماله أرش جنايتها، إلا أن يكون أرش الجناية أكثر من قيمتها، فليس عليه إلا قيمتها، لأنها لو كانت أمةً لكان له تسليمها، فلما لم يكن ذلك لعقد العتق الذي لا يصح نقضه إلى رقّ ولا استخدام، ناب عن ذلك إخراج قيمتها؛ لأنه بدل عن رقبتها، والفرق بينها وبين المدبرة أن للسيد استخدام أم الولد على المشهور من قول مالك، فلذلك جاز أن يسلم خدمة المدبرة، ولا يسلم خدمة أم الولد. (١) («المغني)) (١٤/ ٥٨٤). (٢) ((المنتقى)) (٥٠/٧). ٢٧٩ ٣٢ - كتاب المدبر (٧) باب (١٢٩٤) حديث ووجه آخر أن أم الولد لا تسترق بوجهٍ، والمدبرة قد تُسْتَرَقُّ لدين، أو يسترق بعضُها لضيق الثلث، فلذلك جاز له أن يسلم خدمة المدبرة؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى اقتضاء أرش الجناية من ثمنها، إن مات سيدها عن دين، ولم يكن له أن يسلم أم الولد؛ لأنه لا يصحّ استرقاقها بدين ولا غيره، فلا يتأدى أرش الجناية من جهتها بوجه، اهـ. قلت: وما تقدم من قوله: إن للسيد استخدام أم الولد، هكذا في النسخة التي بأيدي من ((المنتقى)) وفيه تحريف ظاهر، صوابه أن ليس للسيد استخدام أم الولد، وهذا هو المشهور من قول الإمام مالك. وعلى هذا يصحّ تفريع الكلام الآتي. قال الدردير(١): وللسيد في أم ولده قليل خدمة، والمراد به ما فوق ما يلزم الزوجة دون ما يلزم القن. وقال ابن رشد(٢): اختلف قول مالك والشافعي هل لسيدها استخدامها طول حياته واغتلاله إياها؟ فقال مالك: ليس له ذلك، وإنما له الوطء فقط، وقال الشافعي: له ذلك. وعمدة مالك أنه لما لم يملك رقبتها بالبيع لم يملك استجارتها. وعمدة الشافعي الإجماع على أنه يجوز له وطؤها، فسبب الخلاف تردد إجارتها بين أصلين: البيع والوطء، اهـ. وفي ((الهداية)) (٣): له وطؤها واستخدامها وإجارتها وتزويجها؛ لأن الملك فيها قائم، فأشبهت المدبرة، قال ابن الهمام(٤): ومنع مالك إجارتها كبيعها وهو بعيد. ويوجد في نسخة ((المحلى)) بعد ذلك أثر في الباب، ولا يوجد في غيرها من النسخ لا في المتون ولا في الشروح، إلا أنه نقل في هامش النسخ الهندية (١) ((الشرح الكبير)) (٤١٠/٤). (٢) ((بداية المجتهد)) (٣٩٤/٢). (٣) (٣١٣/١). (٤) ((فتح القدير)) (٣٢٩/٤). ٢٨٠