النص المفهرس

صفحات 221-240

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ أَمَةٌ، أُوْصِيَ بِعِتْقِهَا وَلَمْ تُدَبَّرْ. فَإِنَّ
وَلَدَهَا لَا يَعْتِقُونَ مَعَهَا إِذَا عَتَقَتْ. وَذُلِكَ أَنَّ سَيِّدَهَا يُغَيِّرُ وَصِيَّتَهُ إِنْ
شَاءَ. وَيَرُدُّهَا مَتَى شَاءَ. وَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا عَتَاقَةٌ،
وفي ((البدائع))(١): هي عقد غير لازم في حق الموصي، حتى يملك
الرجوع عندنا ما دام حياً إلا التدبير المطلق خاصة، فإنه لازم لا يحتمل
الرجوع أصلاً، وإن كان وصية؛ لأنه إيجاب يضاف إلى الموت، لذا يعتبر من
الثلث، لأنه سبب لثبوت العتق، والعتق لازم، وكذا التدبير المقيد لا يحتمل
الرجوع نصاً، ولكنه يحتمله دلالةً بالتمليك من غيره، انتهى.
وفيه(٢) أيضاً: ركن التدبير، هو اللفظ الدال على معنى التدبير لغةً، وهو
إثبات العتق عن دُبُر، وله ألفاظ قد تكون بصريح اللفظ مثل أن يقول: أنت مدبر،
أو دَبَّرتُك، وقد تكون بلفظ التحرير والإعتاق، مثل أنت حر بعد موتي، وقد يكون
بلفظ اليمين بأن يقول: إن مت فأنت حر؛ لأنه علّق العتق بالموت مطلقاً، وكذا إذا
ذكر في هذه الألفاظ مكان الموت الوفاة أو الهلاك، وقد يكون بلفظ الوصية، وهو
أن يوصي لعبده بنفسه أو برقبته أو بعتقه، أو يوصيه بوصية يستحق من جملتها رقبته
أو ببعضها، مثل أن يقول له: أوصيتك بنفسك أو برقبتك، وكذا لو قال: أوصيت
لك بثلث مالي؛ لأن رقبته من جملة ماله، اهـ.
(قال مالك: وكل ولد ولدته أمة أوصي) ببناء المجهول (بعتقها ولم
يدبرها) يعني أن الحكم الآتي إذا كان عتقها بالوصية لا بالتدبير (فإن ولدها لا
يعتقون معها) أي مع أمهم (إذا أعتقت) هي بالوصية (وذلك) لما تقدم قريباً أن
التدبير لازم بخلاف الوصية (أن سيدها يُغَيّر وصيته) أي يجوز له تغيير وصيته
(إن شاء ويردّها) أي الوصية برأسها (متى شاء ولم يثبت لها) أي للأمة (عتاقة)
بالوصية حتى يكون ولدها بمنزلتها .
(١) (بدائع الصنائع)) (٤٩٣/٦).
(٢) (٥٦٤/٣).
٢٢١

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ قَالَ لِجَارِيَتِهِ: إِنْ بَقِيتْ عِنْدِي فُلَانَةُ حَتى
أَمُوتَ، فَهِيَ حُرَّةٌ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ أَدْرَكَتْ ذُلِكَ، كَانَ لَهَا ذُلِكَ. وَإِنْ شَاءَ، قَبْلَ
ذُلِكَ، بَاعَهَا وَوَلَدَهَا. لِأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ وَلَدَهَا فِي شَيْءٍ مِمَّا جَعَلَ لَهَا .
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن الأمة الموصى بعتقها إذا ولدت
قبل موت سيدها، فإن ولدها غير داخل في وصيتها؛ لأن عقد الوصية غير
لازم، وعقد التدبير والكتابة لازم، فلذلك دخل فيها من يولد بعده، ولو أن
الموصى بعتقها تلد بعد وفاة سيدها قد لزم عقد الوصية، انتهى.
وفي ((البدائع)) (٢): لو أوصى بخدمة عبده لإنسان وبرقبته لآخر، والرقبة
تخرج من الثلث، فهي لصاحب الرقبة، والخدمة كلها لصاحب الخدمة؛ لأن
المنفعة لما احتملت الإفراد من الرقبة بالوصية حتى لا تملك الورثة الرقبة
والموصى له المنفعة، فيستوي فيهما الإفراد باستيفاء الرقبة لنفسه وتمليكها من
غيره، وكذا إذا أوصى بأمة لرجل وبما في بطنها لآخر، انتهى. وتقدم في آخر
(باب القضاء في المدبر)) من كلام ابن رشد الإجماع على أن الموصى لها
بالعتق لا يدخل فيه بنوها (وإنما هي) أي الموصاة بالعتق (بمنزلة رجل قال
لجاريته: إن بقيت عندي فلانة) سمّاها وعيّنها (حتى أموت) غاية للبقاء (فهي
حرة).
(قال مالك: فإن أدركت ذلك) يعني بقيت الأمة عنده حتى مات (كان لها
ذلك) التحرير، وتعتق (وإن شاء) السيد (قبل ذلك) أي قبل موته (باعها وولدها،
لأنه لم يدخل ولدها في شيء مما جعل لها) لأنها وصية وليست بتدبير، وقوله
هذا بمنزلة رجل قال لجاريته هذا تدبير مقيد، والتدبير نوعان: مطلق، ومقيد،
وهو إذا شرطه بشرط .
(١) ((المنتقى)) (٤٢/٧).
(٢) (٤٥٩/٦).
٢٢٢

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
قال الموفق(١): يجوز التدبير مطلقاً ومقيّداً، فالمطلق تعليق العتق بالموت
من غير شرط آخر، كقوله: أنت حر بعد موتي، والمُقَيّدُ ضربان: أحدهما:
خاصٌ، مثل أن يقول: إن مت من مرضي هذا أو سفري هذا، فهذا جائز على
ما قال، إن مات على الصفة التي شرطها عتق العبدُ، وإلا لم يعتق.
الضرب الثاني: أن يعلق التدبير على صفة، مثل أن يقول: إن دخلت
الدار، أو إن قدم زيد فأنت مدبر، أو فأنت حر بعد موتي، فهذا لا يصير مدبراً
في الحال؛ لأنه علَّق التدبيرَ على شرطٍ، وإذا وجد صار مدبراً، وعتق بموت
سيده، وإن لم يوجد الشرط في حياة السيد، ووجد بعد موته لم يعتق، انتهى.
وقال الباجي(٢): أما لفظ المدبر فهو أن يقول لعبده: أنت حرٌّ عن دُبُر
مني أو أنت مدبر، وما أشبه ذلك مما يعلم أنه قصد به إيجاب عتقه بموته لا
على وجه الوصية، زاد ابن المواز أن يقول في صحة أو مرض: أنت حر متى
مت أو إن مت، قال أشهب: وشبه هذا ومعنى هذا على مقتضى قول أصحابنا
أن التدبير على ضربين: مطلق، وهو ما تقدم، ومقيد، مثل: أن يقول: إن مت
من مرضي هذا أو في سفري هذا فأنت مدبر، فالمطلق؛ عقد لازم عند مالك،
ولا خلاف في ذلك في المذهب، وأما المقيد؛ فقد روى أصبغ عن ابن القاسم
وابن كنانة هو تدبير لازم، لا رجوع فيه، وقيل: ليس بتدبير مات في مرضه
ذلك أو عاش، وروي في كتاب ابن سحنون عن ابن القاسم، وقال أصبغ وابن
القاسم: هي وصية، إلا أن يريد التدبير.
وجه القول الأول أن حكم التدبير مبني على اللزوم، فلما قيدها بشرط
خرج عن مقتضى اللزوم فحمل على الوصية، وقد روى ابن نافع عن مالك
(١) («المغني)) (١٤ /٤١٤).
(٢) ((المنتقى)) (٤٢/٧).
٢٢٣

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
قَالَ: وَالْوَصِيَّةُ فِي الْعتَاقَةِ مُخَالِفَةٌ لِلتَّدْبِيرِ. فَرَقَ بَيْنَ ذُلِكَ، مَا
مَضَى مِنَ السُّنَّةِ .
قَالَ: وَلَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ التَّدْبِيرِ. كانَ كُلُّ مُوصٍ لَا
يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيَّتِهِ. وَمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الْعَتَاقَةِ. وَكَانَ قَدْ حُبِسَ
عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ.
فيمن قال لجاريته: إنها مدبرة تعتق بعد موته، إن لم يحدث فيها حدث، وكتب
لها بذلك كتاباً أنها وصية، لقوله: إن لم أحدث فيها حدثاً، ووجه القول
الثاني، أن لفظ التدبير يقتضي اللزوم كالمطلق، انتهى.
وفي ((البدائع)) (١): إثبات العتق عن دبر نوعان؛ مطلق، ومقيد، والمطلق
أن يعلق عتقه على موته مطلقاً، والمقيد أن يعلق عتقه بموته موصوفاً بصفة أو
بموته، وشرط آخر، مثل أن يقول: إن مت من مرضي هذا فأنت حر، أو
يقول: إن قتلت أو غرقت فأنت حر، ونحو ذلك مما يحتمل أن يكون موته
على تلك الصفة أو لا يكون، وكذا إذا ذكر مع موته شرطاً آخر يحتمل الوجود
والعدم، فهو مدبر مقید، انتھی.
(قال) مالك: (فالوصية في العتاقة) بالأمة (مخالفة للتدبير) إياها (فرق بين
ذلك) أي بين التدبير والوصية (ما مضى من السنة) فاعل فرق، وتقدم وجه
الفرق بأن التدبير لازم، بخلاف الوصية (قال: ولو كانت الوصية بمنزلة التدبير)
في اللزوم (كان كل موص لا يقدر على تغيير وصيته و) لا يقدر على (ما ذكر
فيها) أي الوصية (من العتاقة)، وذلك خلاف المعروف عند العلماء (وكان)
الموصي (قد حبس) ببناء المجهول (عليه من ماله ما لا يستطيع أن ينتفع به)
وتقدم قريباً الإجماع على أن للموصي الرجوع في الوصية، وأن يُغيّر فيها ما
يشاء قبل الموت، ولم يختلفوا في ذلك إلا في وصية العتق كما تقدم.
(١) ((بدائع الصنائع)) (٥٦٤/٣).
٢٢٤

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حدیث
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَبَّرَ رَقِيقاً لَهُ جَمِيعاً في صِحَّتِهِ. وَلَيْسَ لَهُ
مَالٌ غَيْرُهُمْ: إِنْ كَانَ دَبَّرَ بَعْضَهُمْ قَبْلَ بَعْضٍ، بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ .
حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ وَإِنْ كَانَ دَبَّرَهُمْ جَمِيعاً فِي مَرَضِهِ. فَقَالَ: فُلَانٌ
حُرٍّ. وَفُلَانٌ حُرٍّ. وَفَلَانٌ حُرٌّ. فِي كَلَام وَاحِدٍ. إِنْ حَدَثَ بِي فِي
مَرَضِي هُذَا حَدَثُ مَوْتٍ. أَوْ دَبَّرَهُمْ جَمِيعاً فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَة.
(قال مالك في رجل دبر رقيقاً له جميعاً) أي دبر جملة عبيده (في صحته
وليس له) أي للسيد (مال غيرهم) أي غير العبيد المدبرة (فإن كان دبرهم) مرتباً
بأن دبَّرَ (بعضهم قبل بعض بدئ) في العتق بعد الموت (بالأول فالأول) وسمي
الثاني أولاً باعتبار ما بعده (حتى يبلغ الثلث) أي يبلغ قيمته العتقاء ثلث قيمة
جميعهم (وإن كان دبرهم جميعاً في مرضه، فقال: فلان حرِّ، وفلان حرِّ)
العبدين، وذكر في النسخ المصرية وفلان ثلاث مرات، يعني قال ذلك لثلاثة
أرقّاء، وكذا للأكثر منها قال هذا (في كلام واحد) بلا فصل بينه، (إن حدث بي
في مرضي هذا حدثُ موت) هذا تكميل التدبير (أو دَبَّرَهم جميعاً في كلمة
واحدة) مثل أن يقول: إنكم مُدَبَّرُون كلُّكم، إن حدث بي في مرضي هذا
حدثٌ.
قال الأبي(١): اختلف عندنا إذا قيد لفظ التدبير، فقال: أنت مدبّر إن
متُّ من مرضي هذا، هل هو تدبير أو وصية؟
قال ابن القاسم: هي وصية، إلا أن يريد التدبير، وقال ابن كنانة: هو
تدبير، وكذلك اختلف إذا قال وهو صحيح غير مريد السفر: إذا مت فأنت
حر، هل هي وصية أو تدبير؟ ولم يختلف إذا قال ذلك عند سفر أو في مرض
أنها وصية، قال الأبي: هي مسألة ((المدونة))، قال ابن القاسم: هو على
الوصية حتى يريد التدبير.
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٩٢/٤).
٢٢٥

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
تَخَاصَّوْا فِي الثُّلُثِ. وَلَمْ يُبَدَّأُ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَإِنَّمَا هِيَ
وَصِيَّةٌ. وَإِنَّمَا لَهُمُ الثُّلُثُ. يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ. ثُمَّ يَعْتِقُ مِنْهُمُ
الثُّلُثُ. بَالِغاً مَا بَلَغَ.
قَالَ: وَلَا يُبَدَّأُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ ذُلِكَ كُلُّهُ فِي مَرَضِهِ.
وقال أشهب: هو تدبير حتى يريد الوصية، واتفقا إذا قال ذلك عند سفر
أو مرض، انتهى.
(تحاصوا) أي اقتسموا واشتركوا كلهم (في الثلث ولم يبدأ أحد منهم قبل
صاحبه) إذ لا ترجيح لأحد إذا دبّرُوا في كلام واحد أو كلمة واحدة.
(وإنما هي) أي العتاقة بالتدبير (وصية) أي في حكمها في اعتبار
التخصيص بالثلث (وإنما لهم) أي المدبرين (الثلث يقسم بينهم بالحصص، ثم
يعتق منهم) أي من المدبرين (الثلث بالغاً ما بلغ) أي في أيّ مقدار يبلغ الثلث،
(قال: ولا يبدأ أحد منهم قبل صاحبه) بالعتق (إذا كان ذلك كله في مرضه) لأنه
لا ترجيح فيه لأحد على الآخر.
قال ابن رشد(١): ومدبر الصحة يقدم عند مالك على مدبر المرض إذا
ضاق الثلث عنهما، انتهى.
قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن من دَبَّر عبيداً واحداً بعد واحد،
زاد ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون في صحته أو مرضه، فإنه إذا ضاق
الثلث عن جميعهم بُدِئ بالأول فالأول، لأن السيد إذا دَبَّرَ عبداً فقد تعلق حقه
بثلث ماله على وجه الوجوب، فليس له أن يسقط ذلك بتدبير غيره، فعلى هذا
يعتق الأول فالأول.
وإن أعتقهم جميعاً تحاصّوا في الثلث؛ لأن حُرِّيتَهم تعلقت بالثلث تعلقاً
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٩٢/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٤٣/٧).
٢٢٦

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
واحداً، فليس بعضهم أحق بذلك من بعض، فإن أعتق جماعة في كلمة ثم
أعتق بعدهم جماعة أخرى، فعلى حسب ذلك أيضاً يبدأ بالجماعة الأولى، فإن
حملهم الثلث، وضاق عن الجماعة الثانية، بدئ بالأولى، وتحاصت الجماعة
الثانية في بقية الثلث، وإن ضاق عن الجماعة الأولى بدئ بها فتحاصت في
الثلث، ولم يكن للجماعة الثانية في ذلك حق، ومعنى المحاصة أن حمل
الثلث بعضهم أن يعتق منهم بقدر ذلك، انتهى.
وقال الموفق(١): إن العتق في مرض الموت والتدبير والوصية بالعتق يعتبر
خروجه من الثلث؛ لأنه وَّ﴿ لم يُجِزْ مِنْ عِتْقِ الذي أعتق ستة مملوكين في
مرضه إلا ثُلثَهم، فإن أعتق عبيداً في مرضه واحداً بعد واحد، بُدئ بالأول
فالأول، حتى يُسْتَوْفَى الثلث، وإن وقع العتق دُفْعَةً واحدةً، ولم يخرجوا من
الثلث أقرع بينهم، فأُخرج الثلث بالقرعة، وأما إن دَبَّرهم استوى المقدمُ
والمؤَخَّرُ منهم؛ لأن التدبير ◌ِثْقٌ معلّقٌ بشرطِ، وهو الموت، والشَّرْطُ إذا وجد
ثبت المشروطُ به في وقت واحد، وكذلك الموصَى بعتقه يستوي هو والتدبيرُ،
لأن الجميع عتقٌ بعد الموت، فمتى أعتق ثلاثة أعبد مُتَساويين في القيمة، وهم
جميعُ ماله دفعة واحدة، أو دَبّرهم أو وصَّى بعتقهم أو دبّر بعضَهم ووَصَّى بعتق
باقيهم، ولم يُجزِ الوَرَثة أكثرَ من الثلث، أُقْرِعَ بينهم بسهم الحرية وسَهْمَيْ رِقٌّ،
فمن خرج له سهمُ الحرية عَتَق ورقّ صاحبه، وبهذا قال عمر بن عبد العزيز
وأبان بن عثمان ومالك والشافعي وإسحاق وداود وابن جرير.
وقال أبو حنيفة: يعتق من كل واحد ثلثه، ويستسعى في باقيه، وروي
نحو هذا عن سعيد بن المسيب وشريح والنخعي وقتادة وحماد؛ لأنهم تساووا
في سبب الاستحقاق، فيتساوون في الاستحقاق، وأنكر أصحاب أبي حنيفة
القرعة، وقالوا: هي من القمار، انتهى.
(١) ((المغني)) (٣٧٨/١٤).
٢٢٧

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
قلت: وتقدم الكلام على القرعة فيمن أعتق رقيقاً لا يملك غيرهم
مفصلاً، وما حكي من موافقة مالك في المسألة المتقدمة يأباه كلام ((الموطأ))
و((المنتقى)) المتقدم من بداية الأول فالأول في المدبرين أيضاً.
وقال ابن رشد(١): اختلفوا في من أعتق عبيداً له في مرضه أو بعد موته،
ولا مال له غيرهم، فقال مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد وجماعته: إذا
أعتق في مرضه ولا مال له سواهم، قسموا ثلاثة أجزاء، وعتق جزء منهم
بالقرعة بعد موته، وكذلك الحكم في الوصية بعتقهم، وخالف أشهب وأصبغ
مالكاً في العتق المبتل في المرض، فقالا: إنما القرعة في الوصية، وأما حكم
العتق المبتل فهو كحكم المدبر، ولا خلاف في مذهب مالك أن المدبرين في
كلمة واحدة إذا ضاق عنهم الثلث أنه يعتق من كل واحد منهم بقدر حظه من
الثلث، انتهى.
وقال الزيلعي على ((الكنز)): الأصل أن الوصايا إذا اجتمعت لا يقدم
البعض على البعض إلا العتق والمحاباة، يعني هما مقدمان على غيرهما، قال:
ولا معتبر بالتقديم والتأخير ما لم ينص عليه، ولهذا لو أوصى لجماعة على
التعاقب يستوون في الاستحقاق، ولا يقدم أحد على أحد غير أن المستحق إذا
اتحد ولم يف الثلث بالوصايا كلها، يقدم الأهم فالأهم، باعتبار أن الموصى
يبدأ بالأهم عادة، فيكون ذلك كالتنصيص عليه؛ لأن من عليه قضاء من صلاة
أو صوم أو حج لا يشتغل بالنفس من ذلك الجنس، ويترك القضاء عادة.
فإذا كان كذلك، فلو أوصى لآدمي مع الوصايا بحقوق الله وكان الآدمي
معيّناً قسم الثلث على جميع الوصايا ما كان الله وما كان للعبد، فما أصاب
القرب صرف على الترتيب، يعني يقدم الأهم فالأهم من الفرائض والواجبات،
ويقسم على عدد القرب، ولا يجمل الجميع كوصية واحدة، انتهى.
(١) ((بداية المجتهد)) (٢/ ٣٧٢).
٢٢٨

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ دَبَّرَ غُلَاماً لَهُ. فَهَلَكَ السَّيِّدُ وَلَا مَالَ لَهُ
إِلَّا الْعَبْدُ الْمُدَبَّرُ. وَلِلْعَبْدِ مَالٌ. قَالَ: يُعْتَقُ ثُلُثُ الْمُدَبَّرِ. وَيُوقَفُ مَالُهُ
يَدَیْهِ .
(قال مالك في رجل دَبَّر غلاماً له فهلك السيد) أي مات (ولا مال له إلا
العبد المدبر) المذكور (وللعبد) المذكور (مال)
(قال) مالك: (يعتق ثلث المدبر، ويُوقف) أي يحبس ويبقى (ماله بيديه)
يتصرف فيه كيف يشاء، قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن المدبر إذا هلك
سيده ولم يترك غيره، فإنه يعتق ثلث المدبر، وإن كان للمدبر مال، فالمشهور
من مذهب مالك وأصحابه يعتق من العبد ما حمله ثلث مال الميت وبقي ماله
في يده، وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك يُقَوَّمُ بماله في
الثلث كعضو من أعضائه، ويتبعه إن خرج، وإن خرج بعضه أقر بيده جميعاً،
قال سحنون عن ابن القاسم: إن كانت قيمة المدبر مائة دينار وماله مائة وترك
سيده مائة، فإنه يعتق نصفه ويبقى ماله بيده؛ لأن قيمته بماله مائتان، ولا ينزع
منه شيء، وهذا قول مالك.
وروى في ((العتبية)) عيسى عن ابن وهب عن ربيعة ويحيى بن سعيد،
يجمع مال الميت إلى المدبر وماله، فإن خرج المدبر وماله في ثلث ذلك عتق،
وكان ماله بيده، وإن كان الثلث يحمل رقبته وبعض ماله عتق، وكان له من ماله
ما حمل الثلث من ماله ورقبته، وإن لم يدع غير المدبر وماله، وقيمة رقبته مائة
دينار، وماله ثمانمائة عتق المدبر، وكان له من ماله مائتا دينار، وهكذا
يحسب، وكذلك من أوصى بعبده وللعبد مال، هكذا يصنع، وهذا رأي ابن
وهب، وبه آخذ، قال ابن حبيب: تفرد بذلك ابن وهب عن مالك وأصحابه.
ومن دبر عبده واستثنى ماله، ففي ((العتبية)) من رواية أصبغ عن ابن
(١) ((المنتقى)) (٤٣/٧).
٢٢٩

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي مُدَبٍَّ كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ فَمَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالاً غَيْرَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: يُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُتُهُ. وَيُوضَعُ عَنْهُ
القاسم ذلك جائز، وقاله مالك، وفي ((المدونة)) من رواية عيسى عن مالك وابن
القاسم مثله، وروى ابن كنانة ليس له ذلك، ويتبعه ماله، انتهى.
قال الدردير(١): قُوِّمَ المُدَبَّرُ بماله أي معه؛ لأنه صفة من صفاته، فيقال:
كم قيمة هذا العبد وله من المال كذا؟ فإذا قيل: مائة، قيل: كم ترك السيد؟
فإذا قيل: مأتين فأكثر، خرج كله حراً لحمل الثلث له، وتبعه ماله، وإذا لم
يحمل الثلث إلا بعضه عتق ذلك البعض، ورقّ الباقي وبقي ماله كله بيده ملكاً،
فإذا كانت قيمته بلا مال مائة وماله مائة، وترك السيد مائة، فإنه يعتق نصفه،
ويَقِرّ ماله بيده ملكاً عند مالك وابن القاسم، ووجه عتق نصفه أنه بماله مائتان،
وهما مع مائة السيد ثلاثمائة، وهي نصف قيمته مع ماله، فيعتق نصفه لحمل
الثلث لنصفه، قال الدسوقي: قوله: قُوّمَ بماله، محل هذا إذا كان السيد لم
يستثن ماله عند تدبيره، وإلا قُوِّمَ بدونه، وقوله: وبقي ماله كله بيده، هذا هو
مذهب ((المدونة)) و(الموطأ)) و((الوثائق المجموعة))، والذي في ((التوضيح)) أنه لا
يبقى بيده شيء من المال إلا مقدار ما عتق منه؛ لأنه لو بقي المال كله بيده
لكان فيه غبن على الورثة، انتهى.
وقال الموفق(٢): كسب المدبر في حياة سيده لسيده وله أخذه منه.
قلت: وهذا مبنيّ على الاختلاف في أن العبد إذا أعتق، وله مال، فهل
يتبعه ماله في العتق، كما قال به الإمام مالك، أو ماله لسيده، كما قالته الأئمة
الثلاثة، وتقدم الكلام عليه في ((باب مال العبد إذا عتق)).
(قال مالك في مدبر كاتبه سيده) بعد التدبير (فمات السيد ولم يترك مالاً
غيره، قال مالك) في الصورة المذكورة: (يعتق منه ثلثه) بالتدبير (ويوضع عنه
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٨٤/٤).
(٢) ((المغني)) (٤٢٨/١٤).
٢٣٠

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
ثُلُثُ كِتَابَتِهِ. وَيَكُونُ عَلَيْهِ ثُلُثَاهَا .
ثلث كتابته) للعتق (ويكون) أي يبقى (عليه ثلثاها) أي ثلثا الكتابة.
قال الباجي(١): ومعنى ذلك أن عقد التدبير لا يمنع الكتابة؛ لأن الكتابة
لا تمنع التدبير، ولا تبطله، بل تؤكده وتعجله، وأسوأ حالها أن يبقى المدبر
على حاله، وذلك أن للسيد انتزاع مال المدبر، فإذا أخذ منه على تعجيل عتقه،
فذلك غير مخالف لما عقد عليه تدبيره، فإن أَدَّى المكاتب كتابته في حياة السيد
عَجَّلَ عتقه، فإن مات السيد قبل الأداء عتق منه ثلثه، وسقط عنه لذلك ثلث
الكتابة، وبقي باقي العبد على الكتابة، وذلك أفضل له من أن يبقى على حكم
الرق لو لم يتقدم عقد الكتابة، انتهى.
وقال الموفق(٢): إذا دَبَّر السيدُ العبدَ، ثم كاتبه جاز، نَصَّ عليه أحمد،
وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة والحسن، ولفظ حديث أبي هريرة عن
مجاهد، قال: دبرت امرأةٌ من قريش خادماً لها، ثم أرادت أن تُكاتِبَه، قال:
فكنتُ الرَّسولَ إلى أبي هريرة، فقال: كاتبيه، فإن أدى كتابته فذاك، وإن حدث
بك حدث عتق، قال: وأراه قال: على ما كان عليه له(٣)؛ لأن التدبير إن كان
عتقاً على صفةٍ لم يمنع الكتابة، كالذي علّق عتقه بدخول الدارِ، وإن كان وصية
لم يمنعها، كما لو وصّى بعتقه، ثم كاتبه، ولأن التدبير والكتابة سببان للعتق،
فلم يمنع أحدهما الآخر كتدبير المكاتب.
وذكر القاضي أن التدبير يبطُلُ بالكتابة إذا قلنا: هو وصيّةٌ، كما لو وصَّى
به لرجل ثم كاتبه، وهذا يخالف ظاهر كلام أحمد، وهو غير صحيح في نفسه،
ويفارق التدبيرُ الوصيّةَ به لرجل؛ لأن مقصود الكتابة والتدبير لا يتنافيان، إذ
(١) ((المنتقى)) (٤٤/٧).
(٢) («المغني)) (٤٣٩/١٤).
(٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣١٤/١٠).
٢٣١

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
كان المقصود منهما جميعاً العتقَ، فإذا اجتمعا كان آكد لحصوله، وأيهما وجد
قبل صاحبه حصل العتق به، ومقصود الوصية به والكتابة يتنافيان؛ لأن الكتابة
تراد للعتق، والوصية تراد لحصول الملك فيه للموصى له، ولا يجتمعان.
إذا ثبت هذا، فإن أدى في حياة السيد صار حراً بالكتابة، وبطل التدبيرُ،
وإن مات السيد قبل الأداء عتق بالتدبير. إن خرج من الثلث، وبطلت الكتابة،
وإن لم يخرج منه عتق بقدر الثلث، وسقط من الكتابة بقدر ما عتق، انتهى.
وفي ((البدائع)) (١): لو دَبَّر عبده، ثم كاتبه جازت الكتابة، فإن أدّاها قبل
موت المولى عتق لوجود شرط العتق بسبب الكتابة، وإن لم يؤدِّ حتى مات
المولى عتق أيضاً، إن كان يخرج كله من ثلث المال لوجود شرط العتق بسبب
التدبير، فإذا خرج كله من الثلث عتق كله من غير سعاية، وإن لم يكن له مال
آخر سواه، فله الخيار إن شاء استسعى في جميع الكتابة، وإن شاء سعى في
ثلثي قيمته، فإن اختار الكتابة سعى على النجوم، وإن اختار السعاية في ثلثي
قيمته يسعى حالاً، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يسعى في الأقل
من جميع الكتابة ومن ثلثي القيمة، وقال محمد: يسعى في الأقل من ثلثي
الكتابة وثلثي القيمة.
والخلاف في هذه المسألة في الفصلين؛ أحدهما: في الخيار بين أبي
حنيفة وصاحبيه، والثاني: في المقدار بين أبي حنيفة وأبي يوسف وبين محمد،
أما فصل الخيار، فالخلاف فيه مبني على أن العتق يتجزّأ عنده، ولا يتجزأ
عندهما، ووجه البناء على هذا الأصل أن العتق لما كان متجزئاً عنده لم يعتق
بموت المولى إلا ثلثه، وبقي الثلثان رقيقاً، توجه إليهما العتق من جهتين:
الكتابة بأداء مؤجل، والتدبير بسعاية ثلثي القيمة معجلاً، فيخيّر بينهما، ولما لم
(١) ((بدائع الصنائع)) (٥٧٤/٣).
٢٣٢

٣٢ - كتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ لَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ. فَبَتَّ
عِثْقَ نِصْفِهِ. أَوْ بَتَّ عِثْقَهُ كُلَّهُ
يكن العتق متجزئاً عندهما، فإذا عتق الثلث بالتدبير، عتق كله، فبطل التأجيل
بالكتابة فصار المالان جميعاً حالاً، وأحدهما أقل، فلا فائدة في التخيير، فإنه
يختار الأقل لا محالة، ولأن الواجب عليه أحد المالين، وأحدهما أكثر من
الآخر، كان الأقل متعيناً .
وأما فصل المقدار، فوجه قول محمد أن بدل الكتابة كله قُوبل بكل
الرقبة؛ لأن العقد قد انعقد عليه، وقد عتق ثلث الرقبة، فيسقط عنه ما كان
بمقابلته، وهو ثلث البدل، فيبقى الثلثان، ولهما أن العبد كان استحق ثلث رقبته
بالتدبير السابق قبل عقد الكتابة، فإذا كاتبه بعد ذلك، فالبدل لا يقابل القدر
المستحق، وهو الثلث، وإنما يقابل الثلثين، فالثلث وإن عتق عند الموت، لكن
لا بدل بمقابلته، وإنما البدل كله بمقابلة الثلثين، فلم يسقط من البدل شيء،
بخلاف ما إذا خرج العبد كله من الثلث؛ لأن هناك يسلم له جميع الرقبة، فلزم
القول بالبراءة، هذا إذا دبر عبده، ثم كاتبه.
فإن كاتبه، ثم دَبَّرَه، ثم مات المولى، فعلى قول أبي حنيفة إن شاء سعى
في ثلثي القيمة، وإن شاء سعى في ثلثي الكتابة، وعندهما يسعى في الأقل من
ثلثي القيمة، ومن ثلثي الكتابة، فقد اتفقوا في المقدار ههنا، حيث قالوا:
مقدار بدل الكتابة الثلثان؛ لأن هناك كاتبه، والعبد لم يكن استحق شيئاً من
رقبته، فكان جميع البدل بمقابلة جميع الرقبة، وقد عتق بسبب التدبير ثلثه،
فيسقط ما كان بإزائه من البدل، فبقي الثلثان بلا خلاف، وإنما اختلفوا في
الخيار بناءً على تجزئ العتق وعدمه، كما في الفصل الأول، انتهى مختصراً.
(قال مالك في رجل أعتق نصف عبد له) مثلاً (وهو مريض فبت) أي أنجز
وحكم (عتق نصفه أو بَتَّ عتقه كله) هكذا في جميع النسخ المصرية (١) من
(١) هكذا في ((الاستذكار)) (٧٧٩/٢٣) فارجع إليه .
٢٣٣

٣٢ - کتاب المدبر
(٣) باب
(١٢٨٩) حديث
وَقَدْ كَانَ دَبَّرَ عَبْدَاً لَهُ آخَرَ قَبْلَ ذُلِكَ.
قَالَ: يُبَدَّأُ بِالْمُدَبَّرِ قَبْلَ الَّذِي أَعْتَقَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ. وَذُلِكَ أَنَّهُ
لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرُدَّ مَا دَبَّرَ. وَلَا أَنْ يَتَعَقَّبَهُ بِأَمْرِ يَرُدُّهُ بِهِ. فَإِذَا عَتَقَ
الْمُدَبَّرُ. فَلْيَكُنْ مَا بَقِيَ مِنَ الثُّلُثِ فِي الَّذِي أَعْتَقَ شَطْرَهُ. حَتَّى يَسْتَتِمَّ
عِتْقُهُ كُلُّهُ. فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ.
المتون والشروح وهو الأوجه عندي، وفي النسخ الهندية بدله فَبَتَّ عتقَه كُلَّه أو
بَتَّ عتق نصفه، وفيه تحريف ظاهر عندي، فإن قوله: فبت عتقه كله لا يتفرع
على ما سبق، والمعنى أن مريضاً أعتق في حالة المرض عبده نصفه أو كله
(وقد كان) هذا الرجل المريض كان (دَبَّر عبداً له آخر) في صحته (قبل ذلك) أي
قبل الإعتاق المبتل.
(قال) مالك في الصورة المذكورة: (يُبَدَّأ) ببناء المجهول (بالمدبر) المتقدم
(قبل الذي أعتقه) وأنجز عتقه (وهو مريض وذلك) أي سبب البداية بالمدبر قبل
المعتق المبتل (أنه ليس للرجل أن يردَّ ما دَبَّر) يعني لا يملك إبطال هذا التدبير
الذي فعله أولاً (ولا أن يتعقبه) أي التدبير (بأمر يَرُدُه به) أي يردُّ التدبير بهذا
الأمر، يعني لا يجوز له أن يفعل شيئاً يستلزم منه بطلان التدبير، فإذا مات
السيد يبدأ بعتق هذا المدبر لا محالة.
(فإذا عتق المدبر) من الثلث وبقيت البقية من الثلث (فليكن ما بقي من
الثلث في) العبد الثاني (الذي أعتق شطره حتى يستتم) ويستكمل (عتقه كله)
تأكيد للضمير (في ثلث مال الميت) أي ينجر العتق في الكل، وذلك لما تقدم
في أول كتاب العتاق أن من أعتق شقصاً من عبده يعتق كله عند الأئمة الثلاثة
خلافاً لأبي حنيفة، وذلك الرجل لما أعتق شطر عبده فقد عتق كله، إن كان في
ثلث ماله سعة بعد عتق المدبر. قال الباجي(١): يريد أنه لما بدأ عتق بعضه تمم
عليه سائره في الثلث، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٤٤/٧).
٢٣٤

٣٢ - كتاب المدبر
(٤) باب
فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذُلِكَ فَضْلَ الثُّلُثِ. عَتَقَ مِنْهُ مَا بَلَغَ فَضْلَ الثُّلُثِ. بَعْدَ
عِتْقِ الْمُدَبَّرِ الْأَوَّلِ.
(٤) باب مس الرجل ولیدته إذا دبرها
(فإن لم يبلغ ذلك) أي مقدار قيمة العبد (فضل الثلث) أي البقية من الثلث
بعد عتق المدبر (عق منه) أي من العبد الثاني (ما بلغ فضل الثلث بعد عتق
المدبر الأول) قال الباجي: هذا على ما قال: إن المريض إذا ابتدأ فدَبَّر عبداً
له، ثم أعتق عبداً له آخر، أو أعتق منه نصفه، ثم توفي، وضاق الثلث عنهما،
فإنه يبدأ بعتق المدبر؛ لأنه قد ثبت له حكم التدبير؛ وهو أمر لازم، فليس
للسيد أن ينقضه بعتق غيره، انتهى.
قال ابن رشد(١): إذا دَبَّر الرجلُ غلاماً له في صحته، وأعتق في مرضه
الذي مات منه غلاماً آخر، فضاق الثلث عن الجمع بينهما، فقال مالك: يقدم
المدبر؛ لأنه كان في الصحة، وقال الشافعي: يقدم العتق المبتل؛ لأنه لا يجوز
له ردُّه، ومن أصله أنه يجوز له رد التدبير، انتهى.
وقال الموفق(٢): إن اجتمع العتق في المرض والتدبير قدم العتق؛ لأنه
أسبق، وإن اجتمع التدبير والوصية بالعتق تساويا؛ لأنهما جميعاً عتقٌ بعد
الموت، ويحتمل أن يقدم التدبير؛ لأن الحرية فيه تقع عند الموت، وفي
الوصية تقف على الإعتاق بعده، انتهى.
(٤) مسّ الرجل - أي جماعه - وليدته إذا دبرها
قال الموفق(٣): وله إصابة مدبرته يعني له وطؤها، روي عن ابن عمر
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٩٠/٢).
(٢) («المغني)) (٤١٣/١٤).
(٣) «المغني)) (٤٢٩/١٤).
٢٣٥

٣٢ - كتاب المدبر
(٤) باب
(١٢٩٠ - ١٢٩١) حديث
٤/١٢٩٠ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ دَبَّرَ
جَارِيَتَيْنِ لَهُ. فَكَانَ يَطَؤُّهُمَا وَهُمَا مُدَبَّرَتَانِ.
٥/١٢٩١ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْن
الْمُسَيَّب كَانَ يَقُولُ: إِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ. فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا. وَلَيْسَ
لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا .
- رضي الله عنه - أنه دَبَّر أمتين، وكان يطؤهما، وممن رأى ذلك ابن عباس وابن
المسيب وعطاء والثوري والنخعي ومالك والليث والأوزاعي والشافعي، وقال
أحمد: لا أعلم أحداً كره ذلك غير الزهري، وحكي عن الأوزاعي أنه كان يقول:
إن كان يطؤها قبل تدبيرها فلا بأس بوطئها بعده، وإن كان لا يطؤها قبله لم يطأها
بعد تدبيرها، انتهى. وفي ((الهداية))(١): إن كانت أمة وطئها، وفي ((المحلى)): به
قال الجمهور، وقال مالك في رواية: لا توطأ، انتهى.
٤/١٢٩٠ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (دَبَّرَ
جاريتين له فكان يطؤهما وهما مدبرتان) والأثر أخرجه البيهقي (٢) برواية الشافعي
عن مالك بهذا السند، وأخرج أيضاً بسند آخر عن ابن وهب حدثني عبد الله بن
عمر ومالك بن أنس وأسامة بن زيد الليثي ويونس بن يزيد عن نافع أن
عبد الله بن عمر، فذكره بمثله.
٥/١٢٩١ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن سعيد بن
المسيب كان يقول: إذا دَبَّرَ الرجل جاريته فإن له أن يطأها)، وبه قال الجمهور
كما تقدم؛ لأن أكثر ما فيه أن تحمل الجارية، وتلد، فتصير أم ولد، وتعتق من
رأس المال، فهو أقوى من عتق المدبر من الثلث (وليس له) أي للسيد (أن
يبيعها) وسيأتي الكلام عليه في الباب الآتي (ولا يهبها) والاختلاف فيه مثل
الاختلاف في البيع.
(١) (٣١٣/١).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٣١٥/١٠)، وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف)) (١٤٧/٩).
٢٣٦

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
وَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا .
(٥) باب بيع المدبر
قال صاحب ((البدائع))(١) بعد ما حكى الاختلاف في جواز بيعه: وإذا
ثبت حق الحرية للمدبر المطلق في الحال، فكل تصرف فيه يبطل هذا الحق لا
يجوز، وما لا يبطله يجوز، وعلى هذا تخريج المسائل؛ لا يجوز بيعه وهبته
والتصدق به؛ والوصاية به؛ لأنه تصرف تمليك الرقبة، فيبطل حق الحرية إلى
آخر ما بسطه.
وفي ((الهداية))(٢): لا يجوز بيعه ولا هبته ولا إخراجه عن ملكه إلا إلى
الحرية. وقال الشافعي: يجوز؛ لأنه تعليق العتق بالشرط، فلا يمتنع به البيع
والهبة، كما في سائر التعليقات إلى آخر ما بسطه (وولدها بمنزلتها) وتقدم
الكلام عليه في أول كتاب المدبر، وقال محمد في ((موطئه)) (٣) بعد هذا الأثر:
وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا .
(٥) بيع المدبر
قال ابن رشد(٤) في أحكام المدبر: أشهر مسألة فيها، هل للمدبر أن يبيع
المدبر أم لا؟ فقال مالك وأبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة: ليس للسيد أن
يبيع مدبره، وقال الشافعي وأحمد وأهل الظاهر وأبو ثور: له أن يرجع، فيبيع
مدبره، وقال الأوزاعي: لا يباع إلا من رجل يريد عتقه، واختلف أبو حنيفة
ومالك في هذه المسألة، وهو إذا بيع، فأعتقه المشتري، فقال مالك: ينفذ
(١) ((بدائع الصنائع)) (٣٧٨/٣).
(٢) (٣١٢/١).
(٣) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٣٣/٣).
(٤) ((بداية المجتهد)) (٣٩٠/٢).
٢٣٧

٣٢ - کتاب المدبر
(٥) باب
العتق، وقال أبو حنيفة والكوفيون: يفسخ البيع، سواء أعتقه المشتري أو لم
یعتقه وهو أقیس، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير))(١): اختلفت الرواية عن أحمد في بيع المدبر، فنقل
عنه جماعة جواز بيعه مطلقاً في الدين وغيره مع الحاجة وعدمها، قال شيخنا :
هذا هو الصحيح، وروي مثل هذا عن عائشة وعمر بن عبد العزيز وطاووس
ومجاهد وهو قول الشافعي، وكره بيعه ابن عمر وسعيد بن المسيب والشعبي
والنخعي وابن سيرين والزهري والأوزاعي والحسن بن صالح والثوري.
والرواية الثانية عن أحمد، أنه لا يباع إلا في الدين، وهو ظاهر كلام
الخرقي، وقال مالك: لا يباع إلا في دين يغلب رقبة العبد، فإذا كان العبد
يساوي ألفاً، وكان الدين عليه خمسمائة لم يبع، وروي عن أحمد أنه قال:
أرى بيع المدبر في الدين، وإذا كان فقيراً لا يملك شيئاً؛ لأن النبي وَّر باع
المدبر لما علم أن صاحبه لا يملك شيئاً غيره باعه النبي وَلّ لما علم من
حاجته، وهذا قول إسحاق وأبي أيوب وأبي خيثمة، وقال: إن باعه من غير
حاجة أجزناه، وعن أحمد رواية رابعة أن المدبرة لاتباع خاصة.
قال الموفق(٢): لا نعلم هذا التفريقَ بين المدبر والمدبرة عن غير إمامنا -
رحمه الله - وإنما احتاط في رواية المنع؛ لأن فيه إباحة فرجها، وتسليط
مشتريها على فرجها مع الخلاف في بيعها وحلها، فكَرِه الإقدام على ذلك مع
الاختلاف فيه، والظاهر أن هذا المنع منه كان على سبيل الورع، لا على
التحريم، فإنه قال: لا يُعْجبني بيعُها، والصحيح جواز بيعها، فإن عائشة -
رضي الله عنها - باعت مدبرةً لها سحرتها(٣).
(١) ((الشرح الكبير)) لابن قدامة (٣١٦/١٢ - ٣١٨).
(٢) («المغني)) (١٤/ ٤٢١).
(٣) أخرجه البيهقي في باب من لا يكون سحره كفراً ... من كتاب القسامة ((السنن الكبرى))
(١٣٧/٨).
٢٣٨

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
فإن باعه ثم عاد إليه عاد التدبير، كما لو قال: أنت حُرِّ إن دخلتَ الدار،
فباعه ثم اشتراه، وذكر القاضي أن هذا مبني على أن التدبير تعليقٌ بصفة، وفيه
رواية أخرى أنه وصية، فتبطلُ بالبيع، ولا تعود؛ لأنه لو وصَّى بشيء، ثم
باعه، بطلت الوصيةُ، ولم تَعُدْ بشرائه، وهذا مذهب الشافعي، إلا أن عود
الصفة بعد الشراء له فيه قولان.
واختلفت الرواية عن أحمد في بطلان التدبير بالقول، مثل أن يقول: قد
رجعت في تدبيري، أو قد أبطلته، والصحيح أنه لا يبطل، والثانية أنه يبطل،
وهذا قول الشافعي القديم، وقوله الجديد كالرواية الأولى، وهو الصحيح؛ لأنه
تعليق للعتق بصفة، ولا يصحُّ القول بأنه وصية به لنفسه؛ لأنه لا يملك نفسه،
وإنما تحصل فيه الحرية ويسقط عنه الرقُّ، ولذا لا تقف الحرية على قبوله ولا
اختياره، وتَتَنَجَّزُ عقيب الموت، كتنجّزها عقيب سائر الشروط، انتهى مختصراً
بزيادة من ((المغني)).
وفي ((البدائع)) (١): وروي عن عمر وعثمان وزيد بن ثابت وعبد الله بن
مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - مثل مذهبنا،
وهو قول الجماعة من التابعين مثل شريح ومسروق وسعيد بن المسيب والقاسم
وأبي جعفر محمد بن علي وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز والشعبي والحسن
البصري والزهري وسعيد بن جبير وسالم بن عبد الله وطاووس ومجاهد وقتادة
حتى قال أبو حنيفة: لولا قول هؤلاء الأجلَّةِ لقلتُ بجواز بيع المدبر لِمَا دل
عليه من النظر، انتهى.
وقال الزرقاني(٢) تبعاً لغيره: وبه قال جمهور العلماء والسلف من
(١) (بدائع الصنائع)) (٥٧٦/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٣٠/٤).
٢٣٩

٣٢ - كتاب المدبر
(٥) باب
الحجازيين والشاميين والكوفيين لحديث ابن عمر رفعه ((المدبر لا يباع)»
الحديث، ضعفه الدارقطني وابن عبد البر وغيرهما، وقالوا: الصحيح أنه
موقوف على ابن عمر، لكنه اعتضد بإجماع أهل المدينة عليه، انتهى.
وقال الباجي(١): لا يجوز للسيد بيع المدبر ولا هبته، لأن حكم التدبير
قد لزمه فيه، فليس له إبطاله بقول ولا فعل، وقال أبو حنيفة: ما كان منه
مطلقاً، فليس له نقضه بقول ولا فعل على ما قلناه، وما كان مقيداً فله إبطاله،
وعندنا لا يجوز له إبطال المقيد، كما لا يجوز إبطال المطلق، وإنما قال بعض
أصحابنا: لا يجوز له أن يفسر المقيد، فيقول: لم أرد به التدبير، فيكون له
حينئذ حكم الوصية، والدليل على ما نقوله على تسليم إحدى الروايتين أن هذا
تدبير، فوجب أن يكون لازماً كالمطلق، وقال الشافعي في أحد قوليه: له
الرجوع عن التدبير المطلق والمقيد بالفعل دون القول، والقول الثاني: له
الرجوع بالقول والفعل، انتهى.
وقال الأبي(٢): الذي يردُّ التدبيرَ بعد موت السيد الدَيْنُ السابقُ على
التدبير واللاحقُ، وأما في حياته فإنما يردُّه السابق، وبه جزم الدردير كما سيأتي
قريباً، وقال الحافظ: اختصاص الجواز بما إذا كان عليه دين، هو مشهور
مذهب أحمد، والخلاف في مذهب مالك أيضاً، انتهى.
وحكى العيني الإجماع على جواز بيع المدبر المقيد، وهكذا حكى
الإجماع صاحب ((البدائع)) وغيره، وتقدم عن الباقي خلافه، والاختلاف في
ذلك، فإن أكثر صور التدبير المقيد تَعُدُّهم المالكيةُ في الوصية.
قال الدردير (٣): التدبير تعليق مكلف رشيد العتقَ بموته، لا على وصية
(١) ((المنتقى)) (٤٤/٧).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٩٢/٤).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٣٨٠/٤).
٢٤٠